الحِكَم العطائية -14 | ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يُحدِث في الوقت غير ما أحدثه الله فيه
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 21 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (17): ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أحدثه الله فيه.
الحكمة (18): إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس.
الحكمة (19): لا تطلبه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من كتاب شرح الحكم العطائية، تأليف الإمام العلّامة الشيخ علي بن عبد الله باراس -رضي الله عنه- إلى أن قال:
الحكمة (17): ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أحدثه الله فيه.
فكل من نازع الله في أحكامه واعترض عليه في اقتداره؛ فقد برز في حلة الجهل التي هي أقبح لبسة كما روي أن الله خلق الجهل في أقبح صورة فقال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحط منزلة عندي منك، لأجعلنك في أبغض خلقي، وأحطهم منزلة عندي. فالكافرون ذو نفوس وجهل، والمؤمنون ذو قلوب وعقل. فكل من أراد غير مراد الله له فقد جمع الجهل، ومن جهل بالله فهو بغيره أجهل. وحكم العبد التسليم لأمر الله فيما قضى، والسكون فيما أبرز وأمضى، كما قال القائل:
خليليّ لو دارت على رأسي الرحى *** من الذل لم أجزع ولم أتكلم
فحيث أقيم العبد في أمر لم يكن لشرع عليه فيه اعتراض ولم يطالبه الحق بنقيضه؛ فحقه الرضا بعلم الله دون علمه، لأن الله عالمٌ من كل الوجوه، والعبد جاهلٌ من كل الوجوه، فاللائق به أن لا يطلب غير ما أقامه فيه سيده ومولاه إن كان مرضيا، وإلا يكون كذلك بأن كان مما يخالف الأمر؛ كأن رضي بالكسل والوقوع في المناهي فذلك من المكر الخفي وتلبيس من الشيطان المُغوي، بأن يجعل القضاء حجة له، ويظن أنه بحكم مولاه وإنما هو بحكم هواه. فالرضا بالقضاء من حيث كونه قضاءً؛ والقضاءً أيضا من حيث كونه قضاءً دون المقضي من حيث كونه عمل، فهنا أمور غلط فيها جملة من ينتمي إلى التصوف دون علم، بمجرد الزي دون التحقق بمقامه، فتراهم يحتجّون بالقضاء ويبرءون نفوسهم عن ذلك، فاللائق عكس ذلك، وبالأول الذي هو وقوف على رؤية الأشياء دون الله، وبذلك هلك الجمّ الغفير باعتراضهم على الله فيما قضى، وتبرّمهم مما في مملكته أمضى؛ كمن أحال أفعاله الملومة على التقدير، وجعله ذريعة له إلى التقصير؛ فقد أخطأ الحكمة.
والوقت عند الصوفية له إطلاقات:
فمنهم من ذهب إلى أنه ما طلبه الحق منك، ومنهم من ذهب إلى أنه كل تجلّي فيه من الشؤون الإلهية. والوقت أيضا عندهم مراعاة الأنفاس وإعطاها ما تستحقه من عبادة أو عبودية أو عبودة، فيستغرقهم ذلك عن الماضي والمستقبل، لذلك يقال الصوفي: ابن وقته، أي كل ما اقتضاه تجلي الوقت عليه كان نعته ذلك التجلي، فكل من لم يقطع الأنفاس فيما طلبه الحق منه كانت عليه حسرة، فحريّ أن يندم على فواتها، ويتحسّر عند انكشاف خزائنها. فالوقت إذا لم تقطعه بما طلبه الحق منك قطعك عن الطاعات بالموت. شعرا:
الوقت در ثمين لا مرد له *** والموت يقطع عنه غالي الدرر
كن ابن وقتك إياك أن تصاوله *** فلا ترد غير ما يبرزه مقتدر
فسلم إن كنت ذا عقل فليس له *** مردّ يمنعه من سائر البشر
فمن يريد غير ما قدّره فاعله *** فوصفه الجهل يحكى ذا عن الأثر
فإذا علمت أن الوقت سيف قاطع، سريع المرور يفوت نفائس الأعمال وسنيّات الأحوال…"
الحمد لله مُكرمِنا بأنوار السعيّ والسير إليه، ومعالم الوجهة إليه، وشؤون التذلُل بين يديه، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، فاز مَن خضع لعظمته، واستسلم لقدرته، وانقاد لأمره. أرسل إلينا عبده المُصطفى بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، فكان سيّد أهل الرضا بقضاء الله وقدره، وإمام أهل الامتثال لأمر الله -تبارك وتعالى- والقيام بشرعه، قال: "إنما أنا عبدٌ، آكلُ كما يأكلُ العبد وأجلسُ كما يجلسُ العبدَ". فصلّى الله وسلّم وبارك وكرّم على سيد أهل المجد، عبده المُصطفى الذي هو في كل مقام أسنى فرد، أدِم اللَّهم صلواتك عليه وعلى آله وصحبه من بعد، وعلى مَن سار في سبيلهم واقتفى أثرهم بالصدق والجد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أئمة أهل الرشد، وأسعد أهل السُّعد، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقربين وعبادك الصَّالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
وبعدُ،
فإن الله اختبر الخلق ويبلوهم أيُّهم أحسن عملًا بما آتاهم من إرادات واختيارات وبما جعل لهم من استطاعات وقدرات.
- فمَن صرف استطاعات وقدرات إلى أمر ربّه، وانزجر عما نهاه عنه، وجعل اختياراته ومراداته محصورة مندمجة مندرجة في إرادة الله -تبارك وتعالى- راضيًا بقدره؛ فذلك العبد المتحقق بالعبودية، الدارك للمزية، الواصل إلى الرُّتَب العلية، الحاصل على المنح الربانية، والفيوضات الإحسانية.
- ومَن تصرّف في مُستطاعه ومقدوره، إلى ترك الأمر وارتكاب زجره ومحذوره، وأخذ بالإرادة والاختيار يريد ما لا يريده القهار، فقد تنكّب في الظلمات وغرق في الأكدار، فله اللؤم والشؤم في هذه الدار وتلك الدار، -والعياذ بالله الكريم الغفار-.
فلجميع العباد المكلفين واجب فيما أقدرهم عليه ودخل في حيّز استطاعاتهم، وذلك أن يصرفوه في محابّه وإقامة شرعه. وعليهم واجب فيما أعطاهم من اختيارٍ وإرادة، أن يجعلوا اختيارهم تحت اختياره، وإرادتهم تحت إرادته، فلا يريدون ولا يختارون غير ما أراد واختار سبحانه لهم في مختلف الأحوال على ميزانٍ صحيح بالشرع القويم المليح.
وأشار إلى معاني متعلّقة بهذا المسلك، قوله: "ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يُحدث في الوقت غير ما أحدثه الله فيه."؛
- من كل مُنازع للقدر
- من كل مُعاند للقضاء
- من كل مُتحكم يريد ما أراد لا ما أراده ربه
قال: هذا أخذ الجهل كله، ما ترك من الجهل شيء. جهول بمعنى الكلمات، يحاول ما لا يحاوِل، ما لا يحاوَل، وعلى حكم الجبار يتطاول، وبالاعتراض عليه يتساهل، فويلٌ له! ما ترك من الجهل شيئًا مَن أراد أن يُحدِث في الوقت، في الشأن، في الحال، في الأمر، في الواقع، غير ما أحدثه الله فيه.
يقول: "فكل من نازع الله في أحكامه واعترض عليه في أقداره؛ فقد برز في حلة الجهل التي هي أقبح لبسة"؛ أقبح لبسة يلبسها الإنسان؛ لباس الجهل؛ أن يريد غير ما أراد الله. ويُروى في الحديث القدسي: ابن آدم، أنت تريد وأنا أريد، فإن سلَّمت لي فيما أريد، كفيتُك ما تريد. وإن لم تُسلِّم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد. "كما روي أن الله خلق الجهل في أقبح صورة فقال له" -أقبِل؛ أدبر. أدبر؛ أقبَل- قال: "وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحط منزلة عندي منك، لا أجعلنك في أبغض خلقي، وأحطهم منزلة عندي." ارزقنا العقل والعلم، ونجنا يا رب من الجهل والظلام.
قال: "فالكافرون ذو نفوس وجهل،"؛ نفوس أمّارة بسوء وجهلٍ بالحقيقة. "والمؤمنون ذوو قلوبٍ وعقل."؛ قلوب مهديّة وعقول سَنية، عقَلوا الأمر عن الله. "فكل من أراد غير مراد الله له فقد جمع الجهل، ومن جهل بالله فهو بغيره أجهل. وحكم العبد التسليم لأمر الله فيما قضى، والسكون فيما أبرز وأمضى، كما قال القائل شعرا:
خليليّ لو دارت على رأسي الرحى *** من الذل لم أجزع ولم أتكلم"
وفي التعبير عن الرضا والمحبة الصادقة قالوا:
أراني في هواكم لا أبالي *** وما مليت من سهر الليالي
عذابكم الأليم أراه عذبًا *** وفيكم ذُقت طعم المُّر حالي
إلى أن قال:
فإن ترضَونني في الحب عبدًا *** فإني قد رضيت بكم موالي
رضيتُ ما رضيتُم لو قطعتم *** يدي اليمنى مدت لكم شمالي
لا اعتراض لي، ولا مُطالبة، ولا مُكابرة، ولا مُعاندة. "فمَن رضي فله الرضا".
قال: "فحيث أقيم العبد في أمر لم يكن للشرع عليه فيه اعتراض" -فلا يعترضه- "ولم يطالبه الحق بنقيضه؛ فحقه الرضا بعلم الله دون علمه، لأن الله عالم من كل الوجوه"، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) "والعبد جاهل" من كل الوجوه. فاللائق بالجاهل أن يُسلِّم للعالم.
ولذا لمَّا نودي بعض العارفين ويقول له بعض الملائكة في رؤياه: اطلب واختر. قال: أمام العالِم القدير، تقول للجاهل الحقير العاجز، اطلب واختر! ماذا اختار واطلب أمام اختيار العالِم وأنا جاهل؟! أمام اختيار القادر وأنا عاجز؟ اختياره لي خير. لا إله إلا الله. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].
ولذا، قال سيدنا علي بن أبي طالب: "لو كُشِف الغطاء -عن حقائق الحكمة الإلهية في تدبير الأمور- ما اخترتُم إلا الواقع"، ما شيء أحسن من هذا الواقع! هو مُرتب، كلُّه من عنده، وهو أعلم بملكه وملكوته، وأحكم في تدبيره وتسييره، فحقه الرضا، رضينا بالله ربًا.
"لا يطلب غير ما أقامه فيه سيده ومولاه إن كان -الذي أقامه فيه- مرضيًا،" عند الله. أمَّا إذا انصرف بإرادته واختياره، وبمقدوراته ومستطاعه إلى ترك الواجب، أو فعل مُحرّم أو فعل المكرهات، والإهمال للسُّنن؛ فلا يجوز له أن يرضى بذلك، ولا أن يحتج بقضاءٍ وقدر فيه، بل من مكر الشيطان أن يقول له: صرفك، مقدورك في هذا الشر، واختيارك لهذا السوء الذي لا يحبه ربك، هو السواء، وهو الحق، وارضَ به؛ هذا مكر من مكر إبليس؛ كذب، ولبّس، ودلّس. فإن لم يكن هذا الأمر مرضي عند الله، فإن "كان مما يخالف الأمر؛ كأن رضي بالكسل والوقوع في المناهي فذلك من المكر الخفي وتلبيس من الشيطان المغوي"،. يتحجج بقضاء وقدر.. أنت عندك مقدورات ومُستطاعات؛ أحسن صرفها. وعندك اختيارات؛ اجعلها تحت اختياره، هذا مقتضى عبوديتك، وهذا واجبك. غير ذلك منازعة، غير ذلك مخالفة. ومعنى الرضا بالقضاء، من حيث كونه قضاء، ومن حيث كونه مقضي وعمل يختلف:
- فمَن حيث كونه قضاء، رضينا بجميع قضاء الله وقدره.
- ومن حيث كونه مقضي:
- ما كان موافقًا للشريعة والحق، رضينا به.
- وما كان مخالفًا للشرع وللدين؛ رفضناه، وأنكرناه، وأبغضناه، (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) [الزمر:6] فلا نرضى إلا ما يرضاه الله.
هذا هو الطريق الصحيح والباقي مغالطات من إبليس.
قال: غلط فيها جملة ممَن ينتمي إلى التصوف أو ينتمي إلى الأخيار من الأمة، بلا علم ولا وعي ولا حقيقة إدراك؛ فلا حُجة لهم ولكن الحجة عليهم بأن يصرفوا مُستطاعهم ومقدورهم إلى غير ما شرع ربهم، وأن يختاروا ما لم يختره إلههم -سبحانه وتعالى-.
- فيجب على المؤمن الصادق أن يُفني أفعاله في الشريعة؛ فيكون أفعاله مضبوطة بميزان الشرع.
- وأن يُفني بعد ذلك صفاته في الطريقة.
- حتى تفنى ذاته في الحقيقة؛ ويصير مستغرقًا بشهود جلال الله وجماله وكماله سبحانه وتعالى.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
وهكذا فهَلَك الكثير باعتراضهم على الله فيما قضى وتبرُّمهم في مملكته بما أمضى، وكذلك هلك الكثير بإحالة أفعالهم التي عليهم فيها اللوم على القضاء والقدر، بجعلها ذريعة؛ فأخطأوا الحكمة؛ وأخطأوا الشريعة؛ وأخطأوا العبودية؛ وأخطأوا الواجب.
وما معنى الصوفي ابن وقته؟
قال: للوقت "إطلاقات: فمنهم من ذهب إلى أنه ما طلبه الحق منك"؛ فالصوفي دائمًا ينظر ما يحبه الحق منه في هذا الحال؟ في هذا الوقت؟ في هذا الشأن؟ في هذا العمل؟ يبحث ما يطلبه الحق وما يحبه الحق؟ هذا الأول.
ويُطلق الوقت ويراد به ما كان من تجليات "الشؤون الإلهية"؛ يخضع لها وينقاد؛ ما يعترض على الله في شيء. ومهما طلب خيرًا وزيادة؛ فلا يتبرّم بما أُقيم فيه، ولا بما أعطيه أبدًا، ولا يستنقص، ولا يستحقر ما أوتي. وهكذا يكون معنى ابن الوقت؛ "مراعاة الأنفاس" يعطى كل لحظة حرصًا على الأوقات؛
- ما يستحقه من عبادة للمبتدئين.
- أو عبودية للمتوسطين.
- أو عبودة للمنتهين.
فتستغرقهم عبادتهم بالأعمال، وعبوديتهم بالصفات، وعبودتهم بالذات، تستغرقهم ذلك عن المعاصي والمخالفات والذنوب؛ فيعطون كل نفس "ما تستحقه من عبادة أو عبودية أو عبودة"..
- فالعبادة: تتعلق بالأعمال.
- والعبودية: تتعلق بالصفات.
- والعبودة: تتعلق بالأسرار المتعلقة بالذات والأذواق والمشاهدات.
"فيستغرقهم ذلك عن الماضي والمستقبل، لذلك يقال الصوفي: ابن وقته"؛ لا يلتفت إلى ماضي، ولا إلى مستقبل. الحال الذي هو فيه كيف يكون مع الله؛ يستغرق بعظمة الله في هذا الحال، خلاص ابن وقته؛ هذا معنى قولهم الصوفي ابن وقته؛ "أي كل ما اقتضاه تجلي الوقت عليه كان نعته ذلك التجلي، فكل من لم يقطع الأنفاس فيما طلبه الحق منه كانت -الأنفاس- عليه حسرة" وإلا كل نفَس من أنفاسك جوهرة، لا قيمة لها إلا إذا صرفته في مرضاة الله.
و "الوقت إذا لم تقطعه بما طلبه الحق منك"؛ قطعك بما تطلبه النفس، وعدوك إبليس، "قطعك عن الطاعات"، وقطعك عن الخيرات، وقطعك عن الرقي، ومُتَّ محسورًا -والعياذ بالله- (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) [مريم:39].
الوقت در ثمين لا مرد له *** والموت يقطع عنه غالي الدرر
كن ابن وقتك إياك أن تصاوله *** فلا ترد غير ما يبرزه مقتدر
فسلِّم إن كنت ذا عقل فليس له *** مردّ يمنعه من سائر البشر
فمن يريد غير ما قدره فاعله *** فوصفه الجهل يحكى ذا عن الأثر
وتجد هؤلاء يشتغلون بما هو أنفع، وأرفع، وأجمع، وأوسع، وألمع… ففي أي زمان عاشوا، في أي مكان على قُرب وحال شُرب، وحقيقة طرَب ونيل أرب، وقُرب من الرب... يا سلام، حيث ما كانوا، أي وقت وفي أي زمان.
والثاني يقول: ليه ذا ما جا كذا؟ وليه ذاك يقول كذا، وليش الوضع هكذا؟ وليه ذا ما خرج من ذا؟ وليه ذا راح؟ وهذا ما طلع؟ وسعر هذا هكذا؟…… اقعد هموم وغموم، مبعود مرجوم لمّا يجيك الأجل المحتوم؛ ضيّعت عمرك، ضيّعت فرصك، ضيّعت خيرات مولاك الموهوبة، كنت بتحصلّها لكن قمت تشتغل تريد تغير الأحوال، محول للأحوال ما هو أنت! ولا تُصدّق أن الذي يسمونهم صناع قرار ولا غيرهم يحولون، إنما المحول واحد من فوقهم، هم وصناعتهم تحت حكمه، هو الذي يحول الأحوال. انظر هم.. يوم يقولون كذا ويوم يقولون كذا، ويوم يتقاربون ويوم يتراصعون… فوقهم محوّل، ما هم يحولون الأحوال، ولا هم يصنعون القرار، ما لهم قرار. ولا خير للعباد من الفرار إلى من بيده القرار، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات:50-51]، فما أحسن الفرار إلى الله! واغتنام الوقت بما ينفع ويرفع، وهكذا..
بعض الحروب التي وقعت في الوقت القريب..
- من الناس مَن اشتغل بها وإلى حد شارك في الدماء بالفعل.
- وفيهم مَن شارك بالعزم والنية والقول.
- وفيهم فارغ ما شارك غير أنه قعد يتكلم كذا وكذا...
عدّت أيام الحرب، ذا مُشرّد، وذا مُسفّر، وذا متبرّم، وذا جازع. جماعة منهم، من جماعتهم، من أصحابهم، من جيرانهم. عدّت وقت الحرب السنوات الماضية، يعملون مجالس، يقيمون دروس، يكتبون كتب، يطبعون بعض الكتب، يذكرون الله -تبارك وتعالى-، الحمد لله رب العالمين ما كأن شي حرب جاءت ، وأجرهم موفور ..، ولا عليهم تبعة عند الله في دم أحد، ولا في مال أحد، ولا يطالبهم الله بقول ولا فعل، الحمد لله رب العالمين؛ فهؤلاء فائزون ورابحون، غنموا الحياة وغنموا ما فيها، ولا خسروا شيء بل ربحوا.
أولئك أيش حصّلوا من اهتماماتهم هذه؟ إن لاثوا في الدماء ولاطوا، يا ويلهم! والحساب قدامهم، وأول ما يُفصَل في القيامة بين الناس في الدماء، وإن تمنوا ذا، أو ذا، لو أن نفسًا قُتلَت ظلمًا بالمشرق؛ فرضيها رجل بالمغرب؛ لكان شريكًا في إثم قاتلها! دخّلوا أنفسهم في مهاوي وبلاوي، وهم في غنى عنها، ويقولون: فلان يستحق، فلان تمام يوم قتلوه، وخذ لك إثم قاتل! أيش لك بالبلية! أنت داري مَن يصلُح ومَن لا يصلُح؟ وربك هو من يحكم بين عباده، وما جعلك عليهم وكيل، ولا جعلك عليهم حفيظ، وبعدين ما لك تتجاوز حدك؟ وتُكدر صفوك؟ وتضيع عمرك؟ وتفقد أجرك؟ ويشتد وزرك؟ وبعدين؟… هذا سوء الاختيار!
وكن راضٍ بما قدَّر المولى ودبّر *** ولا تسخط قضاء الله رب العرش الأكبر
تجد بعض الناس مثلًا عمي، فلمَّا عمي رضي، عبادته زادت، طاعته زادت، حِسّه الرهف، صار يدرك أشياء ما كان يدركها أيام كان بصير، وصار حاله جميل، والمجالس يحضرها، والثاني يقول: أيش هذا! ويتبرّم… وبعدين لا عاد عرف، ولا عاد فهم، ولا عاد حضر مجلس، يا بليد! يا أبله! ارضَ بقضاء الله واخرج، واغنم عمرك، واغنم ما أنت فيه! وهكذا ما يُنال الناس من أمراض أُخرى من صمم أو غيرها… فالراضي؛ يمشي والأجر له، والخير موفور عنده، وله الثواب عند الله، وعاد تزيد له خصائص أخرى ما حصّلها لمّا كان فيه تلك الخصيصة! لا إله إلا الله، ما شي مثل الرضى..
أَلَا يَا صَاحْ يَا صَاحْ لَا تَجْزَعْ وَتَضْجَرْ *** وَسَلِّمْ لِلمَقَادِيرْ كَي تُحْمَدْ وَتُؤْجَرْ
وَكُنْ رَاضِي بِمَا قَدَّرَ المَوْلَى وَدَبَّرْ *** وَلَا تَسْخَطْ قَضَا الله رَبِّ العَرْشِ الأَكْبَرْ
هذا ليس قرار أمم المتحدة، هذا قرار جاء من فوق!.. مرَّة سمِع الحبيب عطاس الحبشي ناس يتكلمون يقولون: أمريكان، أمريكان، أمريكان… وقال لهم: اسمعوا، يقول لكم: أمري كان، أمري كان، خلاص، أمري، أمره، أمر الحق هو الذي يكون، لا هذا ولا ذاك، أمري كان. ولا يكون إلا أمر الله، ولا يكون إلا ما شاء الله -جلّ جلاله-، وما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن. ولا، لا نعرف مقدِّم ولا مؤخر غيره، ولا رافع ولا خافض غيره، ولا ضار ولا نافع غيره، لا إله إلا هو.
الحكمة (18): إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس.
العبد مركزه الجسماني في دار الدنيا؛ ومحتِده الروجاني في دار الآخرة. والمركز الجسماني فاني ومطالبه شتى، والمحتد الروحاني باقي ومطلبه واحد. فالأعمال وإن كثرت أجناسها وتعدّدت أنواعها فمرجعها إلى شيء واحد؛ هو الله عز وجل. فإذا طالبه هذا العالم الروحاني بالعمل بسائر أنواعه سواء كان العمل بالأركان أو بالجنان فالواجب عليه إجابته، وقطع دواعي أشغاله الجسمانية، فإذا أجاب العالم الروحاني وترك أشغال العالم الجسماني فذلك هو الكيس الفطن؛ بشهادة رسول الله ﷺ بذلك، وثناء الله عليه بقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [الأنبياء:90]. وقول رسول الله ﷺ: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" والرعونة هي الحماقة، قال ﷺ في شطر الحديث: "والأحمق من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني" ومن جملة ذلك أنه منهمك في أشغاله الدنياوية، كيف وكل شغل منها تتولد منه أشغال كثيرة، فإذا لم ينهض عن فترته ويستيقظ من رقاد غفلته فجدير أن تطول حسرته، وتتوالى عليه مدلهمات ضلالته؛ إما أن يختطفه الموت على حين غفلته، أو يركن إلى الدنيا ونسي قرب نقلته.
والموفق الميمون من استغنم فرصة الإمهال، وقطع علائق الأشغال، وبادر الأيام والليال، ولم يلهه عن ذكر الله مال ولا عيال، وقام بعبادة الله على كل حال؛ مرضًا أو صحة، فقر أو غنى، صيف أو شتاء، سفر أو حضر، إلى غير ذلك من تقلب الأحوال فلم يدر متى تفجأه قواصف الآجال، وتغيرات الأحوال.
يامن يريد خروجا من مآربـه *** علام تطلب مجالا ليس تدركه
فانهض على ضعفك المقدور فأت به *** إن شئت تفرغ عن شغل فأتـركـه
غيره:
رعونة النفس أن توعدك بالعمل *** وتستبد إلى الشهوات والكسل
وتنسي المرء منا سرعة الأجــل *** ويعتريه بذاك الهم والمــــــــــلل
لا إله إلا الله
يقول هكذا: "الوقت سيف قاطع، سريع المرور يفوت نفائس الأعمال وسنيات الأحوال"، ويدركها مَن يدركها بالوقت نفسه، سنيات الأحوال ونفائس الأعمال كلها تدرك بالوقت، بالمواهب والمنح؛ بالوقت، فالذي يغتنمها؛ يدركها. والثاني تفوت عليه. بالوقت نفسه وإذا ضيّع الوقت.
فلهذا يقول: "إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس"؛ من حماقتها، من تلبيسها، من تدليسها، من زيغها، من ضلالها، تقول لك: مستقبلًا؛ بعدين اعمل، كل ما عُرِض لك عمل من أعمال الخير؛ تقول لك: فيما بعد، فيما بعد، عادك ما هو الآن، إلى أن تتفرّغ بعدين الآن أنت مشغول، وبعدين؟ إلى أن تموت وأنت مشغول بغير الخيرات.
"إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس."، يُقال إن أكثر عذاب أهل النار من "سوف"، يعذبون على أيش؟ قالوا على سوف؛ سوف نتوب، سوف نرجع، سوف نصوم، سوف، سوف… ثم يمضي العمر هكذا، ما في سوف، كل ما قدرت عليه تفرّغ له وقُم. قالوا لبعض الصالحين: أن البضاعة الفلانية غُلّيت على الناس، قال: أرخِصوها، أيش يعني أرخصوها؟ قال: اتركوها، لا أحد يشتريها. ما دامت ليست ضرورة، ما هي ضرورة، اتركوها، ترخص.. لا، يشتكون أنها غالية ويشترونها بالغلاء!! بتغلى أكثر! أرخصوها بالترك قال. لا إله إلا الله.
فكذلك إذا أردت أن تتفرغ لأمر؛ أقطع الشواغل الأخرى، مادامت دونه، اقطعها، وخذ الأهم، تعترض عن الأعظم والأهم بالشغل بالأقل والأدنى والأتفه، أنت مجنون!! وهكذا أكثر الناس يجون إلى مطالب النفوس، وتجيهم مطالب الروح، يقولون: مشغولين!.. اقطعها هذه واشتغل بذاك خير لك.
إلى متى أنتَ باللَّذَّاتِ مَشغُولُ *** وَأنتَ عن كلِّ ما قَدَّمْتَ مَسؤُولُ
وهكذا..
كل يومٍ تنوي الرحيل مرارا *** ثم تغدو تلفّق الأعذارا
لا إله إلا الله.
"إحالتك الأعمال على وجود الفراغ". قال: "العبد -له- مركزه الجسماني في دار الدنيا؛ ومحتده -أصل- الروحاني في دار الآخرة. والمركز الجسماني فاني ومطالبه شتى"؛ كثير.. والذين استرسلوا وراء مطالب الأجسام، ما كمّلت إلى أن ماتوا، ما أحد منهم حصَّل الفراغ قبل أن يموت. مشغول، مشغول… إلى أن مات.
ولذلك قالوا إذا ذهبت إلى المقابر كلهم، قل: مَن منكم تفرّغ قبل أن يموت؟ بيقولون: لا أحد منهم، كلهم ماتوا وهم مشغولين. إلا أن الشغل يختلف عن شغل؛ شغل بعلوي وشغل بسفلي، شغل بنور وشغل بظلمة، شغل بحق وشغل بباطل.
وما أنت مشغول بالدنيا، أنت مشغول به في القبر، وأنت مشغول به في القيامة، لهذا قال: مَن كان شغله في الدنيا بالناس، هو في القبر مشغول بالناس، يوم القيامة هو مشغول بالناس، لا إله إلا الله! مَن كان شغله بالمال في الدنيا، شغله في القبر بالمال، من أين أخذته؟ وكيف أنفقته؟ كيف طلعت كذا؟ وشغله في القيامة به.
ومَن كان شغله في الدنيا بالجاه، شغله في القيامة بالجاه، شغله في الآخرة في الجاه. لا حول ولا قوة إلا بالله.
وهكذا مَن كان شغله في الدنيا بالحق، شغله في القبر بالحق، شغله في الآخرة بالحق، الله أكبر! مشغول بالحق. ومَن كان شغله في الدنيا بالنبي، شغله في القبر بالنبي، شغله في البرزخ بالنبي، وشغله في البرزخ بالنبي.. يشوف النبي ويجلس مع النبي. شغله في القيامة بالنبي؛ يرافق النبي لأنه كان مشغول به.
والذي تشتغل به في الدنيا؛ بعد ذلك هو شغلك في القبر، وبعد ذلك هو شغلك في الآخرة. وإذا أنت مشغول بفُسّاق مجرمين، أنت مشغول بهم في القبر، ويقع شغلك بهم في القيامة، ما الذي بلاك؟! ما الذي أوصلك إلى هناك؟! اجعل بربك شغلك،
فاشتغل بربك، والذي عليك *** في فرض الحقيقة والشرع المصون
شرع المصطفى الهادي البشير *** ……………………
ونعم الشغل.
قال: "فإذا طالبه هذا العالم الروحاني بالعمل بسائر أنواعه سواءً كان العمل بالأركان أو بالجنان فالواجب عليه إجابته، وقطع دواعي أشغاله الجسمانية، فإذا أجاب العالم الروحاني وترك أشغال العالم الجسماني فذلك هو الكيس الفطن؛ بشهادة رسول الله ﷺ بذلك، وثناء الله عليه بقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [الأنبياء:90]."
- وقال: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133].
- (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد:21].
- وإن "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت".
"والرعونة هي الحماقة، قال ﷺ في شطر الحديث: "والأحمق من اتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله الأماني". فقال: "ومن جملة ذلك أنه منهمك في أشغاله الدنياوية، وكل شغل منها تتولد منه أشغال كثيرة،" وشغل وراء شغل، ورا شغل، وما عاد يستيقظ إلا وهو في الغرغرة، لا حول ولا قوة إلا هو! قال سيدنا علي: "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا"! ما عاد ينفع الانتباه الآن، إذا انتبهوا ندموا، إذا ندموا لم ينفع الندم، لكن مَن انتبه قبل ينفعه الانتباه، وإلا هذا تطول حسرته -العياذ بالله-.
"الموفق الميمون من استغنم فرصة الإمهال" اللَّهم ارزقنا اغتنامها، "، وقطع علائق الأشغال، وبادر الأيام والليال"، لا اله الا الله.
تبلغ بالقليل من القليل ***وهيء الزاد للسفر الطويل
ولا تغتر بالدنيا وذرها *** فما الدنيا بدارٍ للنزيل
ولا تحرص على المال المخلّى *** خلافك للقريب أو السليل
وأنفق منه مهما كان مال *** وقدّم منه لليوم الثقيل
لا إله إلا الله.
يقول:
يامن يريد خروجا من مــــــــــآربـه *** علام تطلب مجالا ليس تدركه
فانهض على ضعفك المقدور فأت به *** إن شئت تفرغ عن شغل فأتـركـه
غيره: فاحذر
رعونة النفس أن توعدك بالعمل *** وتستبد إلى الشهوات والكسل
"فإذا أقامك الحق في عبادته، واستعملك بأعمال طاعته فلم تتم عبوديتك إلا بالتسليم له في أمر ربوبيته لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (19): لاتطلبه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج.
لا تطلب أيها المؤمن الراضي بتدبيره واختياره؛ الخاضع تحت أمره واقتداره أن يخرجك من حالةٍ هو مرتضيها لك ومقدرها عليك، وإن خالفت مرادك وناقضَت طبعك، ونافرت هواك، فهو أعلم بما فيه منفعتك، فلا ينبغي لك أن تعرفه بما يصلحك وتذكره بما ينفعك.
فإذا طلبت منه فاطلب أن يرزقك حسن الأدب معه، وترك الاعتراض عليه. فافهم ما على العبد من الأدب مع الله سيما فيما استأثر بعلمه دون خلقه، فإذا أقامك في حالة الأدب دينية أو دنيوية لم يطالبك العلم بالخروج عنها ولم يذمّها منك، فالأدب أن لا تتحكم وتتخيّر على الله بالخروج عنها، فلو أراد ذلك لاستعملك فيما طلبت من غير استعمال من خروج منك؛ كما أدخلك واستعملك فيما أنت فيه ولم تكن طلبت الدخول فيها قبل، فطلب العبد لذلك لفرط غباوته وجهله بربّه، حيث استدرك عليه في علمه.
وإن كانت تلك الحالة غير ملائمة له ومنغِصّة للذته؛ فحق العبودية أن لا يتعرض ولا يتبرّم بل يقبل كلما أبرزته الربوبية، وتكون حالته الرضا، فإن لم يقوى على ذلك فالصبر فهو رخصة في العبودية. والحالة هي كل ما كان العبد فيه:
- سواء كان من قبيل الحركات الجسمانية
- أو من قبيل الخطرات والإرادات القلبيات.
وأما إذا كانت تلك مما فيه مناقضة للعلم؛ ومباينة للأمر فينبغي أن يتضرع إلى الله ويبتهل في إخراجه، فليس ذلك مما نهى عن الطلب فيه المصنف، بل ذلك مما يقتضيه كلامه أو في حالة قصور أو حالة فتور فينبغي أن يطلب من الله المزيد كما ندب نبيّه ﷺ المتخلق بأعلى مراتب العبودية، الذي خُصَّ من الأدب بأكمله، ومن العلم بأفضله، حيث قال الله عز وجل:
- في حقه، وتنبيها لأدباء أمته: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [ طه:114].
- وقال في حق من طلب الخروج من المآثم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) [ النساء:75].
فالطلب المحضور هو أن تطلب الخروج من حالة مرضية إلى حالة أخرى لم ينص الله ولا رسوله على تفضيلها على ما أنت عليها، فتكون كالمستدرك عليه في علمه، ومعترض في حكمه، فلا يخفى ما في ذلك من سوء الأدب . وفي معناه أقول:
لا يطلب العبد أن يخرجه سيده *** من حالة يرتضيها قامه فـيها
فلو أرادك لأن الحكم في يده *** لاستعملك قبل أن تظهر مباديها
فنسأل الله حسن العافية وتمام العافية فيما قضى، والخيرة فيما استعمل وأمضى، فشأن العبد أن يمضي في مراد سيده، ولا تتشوف نفسه إلى جزاء عاجل من قبيل الأحوال، ولا ثواب آجل في الآخرة من قبيل الدرجات، بل يكون عبدا محضًا، أمره سيده فامتثل أمره، ونهاه فاجتنب نهيه."
الله أكبر.
لذلك قال المؤلف رضي الله عنه: "لا تطلبه أن يخرجك من حالةٍ ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج." يقول: تسيير له تدبيره عظيم، وحكمه فيها بالغة؛ فلا تتحكم. وليس لك إلا أن تحسن الطلب منه في ما هو أحب، وما هو أرغب، وما هو أطيب، وما هو أرقى..
- (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [ طه:114].
- (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) [الإسراء:80].
فقط. أما تتحكم أنت بعقلك، برأيك، من دون أمر معك في الشرع، ولا إرشاد من النبوة، لا … هو أدرى وأعلم، هو أخبر وأحكم -جل جلاله وتعالى-. عادك بتستدرك عليه! عادك بتعلمه!! ويُروى في الحديث القدسي: ابن آدم أطعني، ولا تقل لي ما يُصلحك أنا أعلم. أطعني وأنا أدرى ما الذي يصلح لك، وما هو أحسن لك، هو الذي ييسيّرك فيه -جل جلاله وتعالى في عُلاه- الله يرزقنا حسن الطاعة.
يُقال للاعتبار: أن سيدنا يوسف -عليه السلام- قال لسيدنا جبريل: كنت تأتيني أيام كنت في الجُب، في البئر، كل بكرة وعشية، وهنا ما تأتيني في السجن إلا في الأسبوع وفي الشهر... قال له: يا يوسف، كان دخولك الجُب لا اختيار لك فيه أصلًا، بمجرد تقدير الله عليك، السجن أنت قلت لمّا سمعت كلام النسوة، قلت: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف:33]، اسأله الخلاص وهو يخلصك بسجن أو بغير السجن، هو أدرى -سبحانه وتعالى- لكن ما شابه لون اختيار منك، نقص مجيئنا إلى عندك، لا إله إلا الله!.. وهكذا كل ما كان فيه التسليم للحق أكبر؛ كان الحظ أوفر، والخير أعظم، رضينا بقضاء الله وقدره، وسألناه التوفيق.
يقول: "فإذا أقامك في حالة الأدب دينية أو دنيوية لم يطالبك العلم"؛ علم الشريعة، "بالخروج عنها ولم يذمها منك"، فأدبُك ألا تتحكم ولا تتخيّر على الله، اخرج عنها، فالأمر أمره هو أعلم بما يصلحك. لو أراد استعملك فيما طلبت من غير استعمال خروج منك، كما أدخلك واستعملك، (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) [الإسراء:80].
إذا كانت فيها مناقضة للعلم، ومباينة للأمر، تضرّع إلى الله، يخرجك منها، ويبعدك منها، بإشارته وبشرعه، ما هو بنفسك. نعم، ورفع الله الحرج عنهم في طلب المزيد مما هو أعظم، قال لنبيّه أعلم خلقه: "(وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [ طه:114]"؛
- يتطلع إلى ما هو أعظم من دون اعتراض على المقام الذي هو فيه.
- ومن دون استشعار استحقاق.
- وأشد منه أن يرى أنه يستحق أكثر من هذا! هذا سوء أدب مع الرب جل جلاله.
وما يجب عليه شيء نحوك، وما أعطاك له الحمد وله المِنَّة، وإن سألته الزيادة، فبالفضل والمن، لا بالاستحقاق، لا بالاستحقاق. وإن شكرته، فهو الذي وفّقك للشكر، وهو الذي رتب من فضله الزيادة على الشكر، لا أنت! فلا أحد يستحق عليه شيء لكن هو يتفضل على العباد بما يشاء -جل جلاله-.
وهكذا إذا كان في بلدة ما يستطيع إقامة أمر الدين فيها، وعجز عن الخروج، يرجع إلى ربه لييسر له الخروج، "(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) [النساء:75]" وأما ما أقرّه الشرع، فلا سبيل لك لإنكاره، ولا التحكم على ربك فيه، يختار ما هو الخير عنده جل جلاله وتعالى في علاه.
وسمعتم قصة الذي كلما أصابه شيء مما لا يلائم، قال لشيخه: أصابني، يقول له: فيه صالح.. حتى بعد ذلك واحد عدى عليه، وعور عينه، فجاء عند الشيخ، قال: فيه صالح! قال: الشيخ ذا ما يعرف إلا فيه صالح، أيش الصالح في أن تُهدر عيني! وصار على عين واحدة. صبر على مضض، وراح وقع في أيدي ناس من البشر يأكلون البشر، أخذوه في مجموعة، وذهبوا به إلى مساكنهم. وعادتهم قبل ما يقتلون الواحد يعرضونه على أطبائهم الخاصين، فإذا قالوا أنه صالح، يخرقون رأسه، يخرجون الدم، يصبوا منه، وبعد ذلك يأكلونه، يصلحون هكذا!
جاء، وصل الدور عنده، طبيبهم قال: بسبب عينه، يوجد أعصاب وكذا، هذا لا يصلح. قال: فُكُّوه، فَكُّوه. قال: فيه صالح.. راح يجري عند الشيخ، قال: والله أنا قليل أدب، أنت قلت كل شيء فيه صالح، لو ما كان كذا لكانوا خرقوا رأسي، وصرت ما عاد أنا في الدنيا، فأبقاه الله.
ويكتب بعضهم إلى شيخه ويقول له: حصل لي كذا، قال له: اشكر الله، حصل لي كذا، اشكر الله… سجنوه، كتب له، قال له: اشكر الله، سجنوا معه مجوسي، قال: اشكر الله، ربطوا رجله برجل المجوسي في قيد واحد، حتى إذا أراد أحدهم قضاء حاجته يقوم الثاني معه، ويبقى قائم إلى أن يقضي الثاني حاجته، فكتب إلى الشيخ وقال: اشكر الله. تعجب قال: كيف تقول اشكر الله إلى هذا الحد وأنا في هذا الحد!! قال له: لو نُقِل الزنار الذي فيه إليك، وأصبحت أنت مجوسي، حينها تعرف قدر النعم. قال: اشكر الله، حفظ عليك الإسلام والإيمان، يعطيك بهذا درجات، فتنبّه أنه وراءه حكمة، وأنه لو أحد نقل حقه الزنار، وأصبحت أنت المجوسي حطب النار، فتعرف قدر النعمة التي أنت فيها.
فالله لا يبتلينا ولا يختبرنا، وله الحمد على كل حال، وله الحمد على كل حال، لا سبيل للعبد أن يعترض على ربه. والله يلطف بنا وبالأمة فيما تجري به المقادير.
قال: فإذا كان أمر صعب وما تقدر عليه، قال: إذا ما قدرت على الرضا فالصبر، وهذه رخصة لك من الله أن تكون صابر، لست شاكر، ولا أنت راضي لكنك صابر، وهذا ما أخرجك عنه العبودية بالصبر لكن فوقها الرضا. اعمل على الرضا، قال ﷺ: "فإن لم تستطع، ففي الصبر على ما تكره خير كثير". قال: رضي منك بالصبر فقط، لكن الذي فوقك، وأعلى منك معرفة به، عندهم رضا، وعندهم محبة وتسليم لأمر العلي العظيم.
الله يكتبنا وإياكم في ديوان أهل الصدق، ويجعلنا في خيار الخلق، ويكشف عنا الكرب والضيق، ويصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
22 ذو القِعدة 1440