الحِكَم العطائية -2 | من علامات الاعتماد على العمل..

شرح الحكم العطائية للشيخ باراس -2- (من علامات الاعتماد على العمل..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الأربعاء 7 ذي القعدة 1440هـ.

الحِكمة (1): "من علامات الاعتماد على العمل؛ نقصان الرجاء عند وجود الزلل." 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن كتاب "شفاء السِّقَم وفتح خزائن الكَلِم بمعاني الحِكم" لسيدنا الشيخ علي باراس إلى أن قال -رضي الله عنه- نفعنا الله به وبكم في الدارين، آمين:

"أما بعد: فإني استخرت الله سبحانه بعد أن صدرت إلي إشارة؛ في طيها بشارة. من صدر زمانه وقطب أوانه، العارف بالله ذوقًا وكشْفًا وتحققًا وعلمًا، سيدي عمر بن عبد الرحمن بن عقيل بن سالم بن عبد الله باعلوي السقاف" 

 

في ذاك الزمن، كان مشهورين فيه آل عقيل بن سالم، وآل أبوبكر بن سالم بآل السقاف، بعدين حدّدت الأسماء: العطاس والشيخ أبوبكر، وبن عقيل وقفوا عندها، فكانوا مشهورين في ذاك الوقت بالسقاف نسبة إلى سيدنا عبدالرحمن السقاف. 

 

أن أضع تعليقًا لطيفًا على كتاب الحِكم، للشيخ العارف بالله: أحمد بن عبد الكريم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد بن عيسى بن الحسين ابن عطاء الله الشاذلي الأسكندري نفع الله به وبعلومه، وأبان لنا من لوائح فهومه، ما يكشف لنا ولكل مسترشد إلى طريقه؛ عن غوامض إشاراته ورموزه، ويفتح لنا ما تضمنه كلامه من الحقائق واللطائف والرقائق. فوجدت عند ذلك أثر الاستخارة، وبركة قبول الإشارة، فقدمت معتمدًا على ما ينقدح بنور الفهم. ولم أكن بعد قد وقفت لهذا الكتاب على شرح غير شرح الشيخ محمد بن إبراهيم ابن عباد النفزي، فجعلت في بعض ما أضعه كلامه لأوائل كلامنا أسًّا، وقد كان كثيرا يعرض واضحات النقول، وجليات المعقول. 

وأنا منتظر ما يُلقى في الفؤاد من لوائح الوداد، فيكون أخذه بلا تقليد؛ وهو الذي نريد. فتكلمنا بحسب ما يظهر لنا من لوائحه، متيمّنّين ببركاتهم الشاملة، ومستنزلين المواهب والفتوح من سماء ساميات أسرارهم القدسية، ومتهدفين للألطاف والمنوح بالإنتماء إلى مذاهبهم، ومتمسكين بأذيال طرائقهم، ومتعرضين لإستعطاف الطاف مصونات حقائقهم. مع اعترافنا بالقصور عن شأوهم وعزيز منالهم، مستشفعين بهم إلى الله في أن ينيلنا عزيز وصالهم، وطالبين من جدواهم كل منحة، ونستمطر التحقيق من سحب أقوالهم وشريف أحوالهم، ونستنشق الأنفاس العلوية في كل نفحة، ونستهدي التوفيق في كل ما ينسب إلينا من قول وفعل ونية. 

ونسأل الله أن يجعلنا ممن سمع الخطاب فوعى؛ وشهد التحقيق فدعا إلى الله على بصيرة، وصفو سريرة، ومحجة منيرة. ويوفقنا لحسن الاتباع، ويجنبنا الزيغ والإبتداع. وأن يجعلني مترجمًا لامتحكّمًا بنفسي، وأن ينفعني والمسلمين بما أوردته في هذا الكتاب وغيره من كل فعلٍ وخطاب، وأن يجعله لنا حُجّة يوم الحساب، ومحجّة إلى كشف الحجاب. وأن يجعلنا ناطقين بالصواب، وأن يجمعنا مع الأحباب؛ مع النبيين وخواص المقربين من الأقطاب، والأئمة والأوتاد والبدلاء والأنجاب، ومشايخنا في الدين، ومن والانا فيك وواليناه والقرابات والأصهار والأنساب، وأن يعم بنفعه كل طالب منيب أوّاب. ولي في ذلك شعرا:

كل الوجود مشيرٌ إن رأيت إلى *** نحو الأحبة دونك هذه الخيم

واسمع خطاب نداء الحق المبين ولا *** يدخلك ريْب بما في مجمَع الكلم

ففي الصدور سطور النور منه على *** صفائح النفس أسرارٌ من القِدم

 إذا بدا ذاك نار الكون منه فلا *** غيْرٌ يُرى عِزّه من سائر الأمم

وكان هذا أوان ابتدائنا في شرح كلام المؤلف رضي الله عنه، مستعينًا بالله ومتوكلًا عليه، ومستنِدًا في أموري إليه. فمن وجد في كتابي هذا لفظًا أو معنى مخالفًا لما عليه أهل السنة والجماعة؛ فأنا برئٌ عن ذلك المقال، وهذا أس المقال؛ إذ قال المؤلف رضي الله عنه:

 

الحِكمة (1): "من علامات الاعتماد على العمل؛ نقصان الرجاء عند وجود الزلل." "

 

ما شاء الله، هذه مقدمة الكتاب. 

أخبر الشيخ -عليه رحمة الله- أنه انتهض لوضع هذا الشرح على هذه الحِكم، التي أجراها الله على قلب ولسان ابن عطاء الله السكندري -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- بعد إشارة صدرت له من شيخه؛ العارف المكين الإمام عُمر بن عبد الرحمن العطاس عليه رحمة الله تبارك وتعالى. قال: وإن وجد ببركة الإشارة وأثر الاستخارة آثارًا كبيرة فيما قام به من الشرح، ولم يكن اطلع على شيء من شروح هذه الحكم إلا شرح الشيخ ابن عبّاد النفزي -عليه رحمة الله تعالى- الذي من جهة المغرب من البربر-، فشرح تلك الحكم واشتهر شرحه في كثير من الأماكن. 

تلك الحِكم كُتبت وتلك الشروح، وهذا الشرح لهذا الشيخ الذي ذكر أنه يستجلي فيه ما يوصله الرحمن إلى القلب من العلم لمَن تأهّل، ممَن عَلِمَ فعَمِلَ واتصل، وبالكلية أقبل؛ فقُبل (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ) [البقرة:282]، "ومَن عمل بما علِم، ورّثه الله علم ما لم يعلم". 

وفي طيات كلام، إشارات عجيبة بديعة من العلم اللَّدُني والوهب الرباني، كتب هذا الشرح، هذا الكتاب، في تلك الفترة والزمن قبل ما يقرُب من الثلاثمائة سنة وزيادة، وما أوصله إلى مطبعة، ولا إلى دار نشر، ولا أعطاه أحد يصلح له دعاية. مرّت ثلاثمائة سنة، يُطبَع، يُجدّد، يُقرأ في الدورة، وفي محلات كثيرة، ويسمعه الناس في الشرق والغرب. أيش هذا؟.. أين وسائل إعلامهم؟ أين الدعايات التي معهم؟ أخلصوا له، صدقوا معه، فأبقى آثارهم. 

وإذا بعد مرور السنين، تتجدّد، ويتجدد النفع بها، ويتجدد أثرها في الأُمة، وحياة للإيمان واليقين، والرابطة بالحق ورسوله من جديد، تتجدد في الناس، ما هذا؟! نتيجة مَن قصدوه، مَن قصدوا وجهه، مَن أرادوه وحده -جلّ جلاله-. نتيجة الإخلاص له؛ فبارك في أعمالهم.. إنه إذا أطاعني عبدي رضيت عنه، وإذا رضيت عنه باركت فيه وفي أثره وليس لبركتي من نهاية. 

ولو واحد تكلّم في زمن انشغاله به، قال: شوف هذا الكتاب، بيجتمعون عليه عدد من أقطار الأرض يقرأونه، ويُنقل في وقت قراءته مباشرة عبر وسائل في شرق الأرض والغرب. بيقول له: بعقلك أنت! ما هذا الكلام.. ما يُصدّق! لكنه عند الله يسير، والله على ذلك قدير، فيا فوز المُخلصين لوجه الله،  الصادقين مع الله.

فابتدأ في الشرح، ومع ذلك، يقول:  "فمن وجد في كتابي هذا لفظًا أو معنى مخالفًا لما عليه أهل السنة والجماعة؛ فأنا برئٌ عن ذلك المقال"، وكلهم على قدم الاتباع والامتثال، ما عندهم ابتداع ولا زيغ ولا ضلال، وعلى قدم الخضوع والخشوع، بلا دعاوي ولا بلاوي، ولا ترفُّع ولا تنطُّع. 

فهم القوم الذين هُدوا *** وبفضل الله قد سَعِدوا 

ولغير الله ما قصدوا *** ومع القرآن في قَرَنِ

يقول: "وهذا أس المقال"، كلام المؤلف يشير إلى أول حكمة من حكم الشيخ ابن عطاء الله، تلميذ الإمام أبو العباس المَرسي، وهو تلميذ الإمام أبو الحسن الشاذلي، وهو تلميذ الإمام عبد السلام بن مشيش، وهكذا سندهم إلى زين الوجود محمد ﷺ.

يقول: "من علامات الاعتماد على العمل وأن الله ندبك للعمل، فرض علينا أعمال، وأحب منا أعمال، فعلينا أن نصدُق فيها وفي إقامتها، وفي الإخلاص فيها وفي إتقانها وإحسانها، ثم لا نعتمد عليها من حيث هي عملٌ لنا قط، قط، قط. ونسأل الذي وفقنا لها، وأعطانا إياها أن يقبلها عنده، وأن يُصلِح ما فيها من خطأ وزلل، وأن يرحمنا بفضله. 

  • فمَن لا يعمل فذاك مُدبِر.
  • ومَن عمل فاعتمد على العمل فذاك متكبّر؛ يريد أن يجعل له على الله حق، وأن يفرض على الله أمر من عمله.
  • ومَن عمل لوجه الله ولم يعتمد إلا على الله؛ فهذا المؤمن الصادق؛ هذا المؤمن المُخلص. 

يقول: لا تعتمد على العمل.. كان سيدنا عبد القادر الجيلاني -عليه رحمة الله- يُخاطب الأعمال الصالحة، وقد قام فيها بمجاهدات عظيمة، وانتشرت على أيديه أعمال صالحة في البرية. يقول للأعمال الصالحة: بكِ لا نصل، ولابُد منك! ما نتخلى عنك ولكن ليس الوصول بك؛ إنما هو إقامة عبوديتنا له، وهو يوصلنا بفضله. بكِ لا نصل، ولابُد منك. 

فيقول: ما علامة أنك معتمد على العمل؟ 

أن يتكون عندك رجاء، تظنّه في الله وإذا به فيك؛ في نفسك وفي عملك، كيف؟ يكون عندك رجاء أن يحصل لك كذا من الخير، وأن يحبك الله، فلما ينقص عندك العمل أو تقع في الزلل يروح الرجاء، أنت ترجو مَن مِن أول؟ ترجو العمل أم ترجو المعمول له؟ فإذا نقص الرجاء، دلّ على أن في باطنك اعتماد على العمل. فنزّه باطنك عن ذلك، اعمل واجتهد ولكن اعتمد عليه هو.

 

"هذه علامات كافية ودلالة وافية. وهذه أحد علامات الاعتماد على العمل؛ وله علامات ودلالات يطول تعدادها؛ ومن جملتها: الإدلال والازدراء من لم يعمل مثله، إلى غير ذلك." 

لا إله إلا الله. 

  • فإذا كان يدل بعمله، ويرى أن له فضلًا بسبب عمله؛ فهو معتمد على العمل.
  • وإذا كان ينتقص ويحتقر مَن لم يعمل بمثل عمله؛ فذلك دليل الاعتماد على العمل. 

قال بعض الأكابر: إن العارفين الأوائل في القرون الأولى مشوا في رحلة، كانوا ثلاثة من أكابر علماء الأمة وأوليائها، معهم واحد صاحبهم في الطريق، كانوا يقومون عامة الليل، وكان رفيقهم ينام عامة الليل، يقوم قليل، فكيف كان حالهم معه؟ قالوا: كنا نراه أفضلنا. الثلاثة الكبار هؤلاء الأولياء، قالوا: نرى هذا الذي ينام كثير، قالوا: كنا نراه أفضلنا!.. ما يعتمدون على العمل، ويرون في الرجل سريرة بينه وبين الله، لا إله إلا الله. 

"الإدلال والازدراء من لم يعمل مثله"، هذا علامات الاعتماد على العمل. 

 

"فالفرق بين من يعتمد على الله دون علمه وعمله أنه لو بات قائما وغيره نائمًا إلى الصباح لم يرَ نفسه عليه بمزيد". 

لا إله إلا الله، هذا الفارق بين مَن يعتمد على الله، ومَن يعتمد على علمه وعمله. الذي يعتمد على الله، وبات طول ليلته قائم، وثاني نائم إلى الصباح، يصبح لم يرَ في نفسه مزية عليه ولا أفضلية عليه، هذا صادق يعتمد على الله تعالى. إذا رأى نفسه أحسن منه وفوقه، نقول يا معتمد على العمل إلى أين يصل بك العمل؟ ولو نقشت فيه لظهر فيه الخلل، ولأوجب عليك وبالًا. والعياذ بالله تبارك وتعالى، لا إله إلا الله. فما معنا إلا أن يتقبل بفضله -جل جلاله تعالى في عُلاه-. 

 

"وهي للواقف على عمله وعلمه وجميع ما منه دون الاعتماد على الله؛ علامة حجابه، ووقوفه دون محض العبودية على مقتضى طبعه. وطلب حظّه من نيل ثواب؛ والهرب من العذاب. وهذه العلل تناقض العبودية. 

"وأما العارفون والسادات المقربين قصروا نظرهم"؛ 

بمعنى حصروه ووحّدوه. 

 

"وعكفوا بهمامهم على امتثال أمر سيدهم دون حظ عاجل أو جزاء آجل، فهم مع الله ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، وفي جميع حركاتهم كائنةً ما كانت، فإن كان ما يصدر منهم من قبيل الموافقات استغرقهم جماله وحسن أفعاله، ومع ذلك تصحبهم هيبة سطوات جلاله. لأنه حيث ظهر وصف الجمال فالجلال باطن، وحيث ظهر سلطان الجلال فالجمال باطن؛ لذلك لا ينفك خوف العارف من رجائه وإن ظهر منه صورة زلة أو مخالفة، هذبهم سلطان الجلال. فأورث لهم حالات سنية، ومقامات علية؛ كالحياء والرهبة والرجاء والخشية، والانطواء تحت سلطان الرهبوت. وإن أقامه بتجلي جماله أسكرهم شراب جماله، وأذهلهم لذيذ وصاله، وأدهشهم كماله، فانبعثت منهم القوى الباطنة، والحركات الظاهرة بمقتضى الشكر من خالص ذكر وصاف فكر، بين روح مشاهدة الجمال وتهذيب الجلال. 

وحيث سمعت بزلة أو هفوة صدرت في عبارة؛ فأعلم أن زلات العارفين وهفواتهم غالبًا في الرُّخَص والمباحات، وعلى الندور تكون في كبيرة. وحيث كانت فهم يطالعون سابق العلم على علمٍ منهم قبل وقوعها على يدهم أنها ستكون، ولابد إما بأن يشهدون ذلك في أم الكتاب مسطرا أو يحدثون به بلا امترا، ولكن الله يقرن لهم البشرى بقبول توبتهم، وغفران ذنوبهم. فلذلك حجّ آدم وموسى كما رد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو لم يكن ذلك لذابت أرواحهم وتلاشت أشباحهم حبا وتعظيما. 

وحال قوعهم فيها وصدورها عنهم يحجبون عن شهود العلم، وإلا لم يتمكنوا من فعلها ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فمراتبهم تعطيهم التعظيم والإجلال؛ كما يكون لغيرهم من الخوف والإذلال، خارجين عن كونهم بأنفسهم قائمين، وعن حولهم وقوتهم متبرئين؛ في جميع ما يصدر منهم وعنهم. وكيف يشهدون ذواتهم وصفاتهم؛ فضلا عن أفعالهم وهم متلاشون بين مشرقات جماله، ومضمحلون تحت محرقات جلاله، فإن أشهدهم ذاته غيّبهم عن ذواتهم، فيكون مقامهم الهيبة والأنس، وإن أشهدهم صفاته أخذهم عن صفاتهم، فحالهم القبض والبسط، وإن أوقفهم تحت أحكام أسمائه قوموا بحكم الخوف والرجاء، هذه مقامات الرجال، والسادات الأبدال. 

وأما عامة الخلق فواقفون في مضيق الحجاب عندما يتوهمون صدوره عنهم أو كونه منهم من طاعة أو عصيان، أو عطاء أو حرمان، فلا يفارقون الشرك إما الخفي أو الجلي؛ فإذا نظروا إلى ما يبرز منهم في صورة طاعة عدوه أرجى بضاعتهم، وعمدة نفاعتهم، وغابوا عن معونة الله لهم وسابق هدايتهم لهم، وعظيم مِنّته عليهم، وأجلّها إيجادهم بعد أن لم يكونوا، وتوالي إمداده وإرسال أنبيائه، وإنزال كتبه، وبسط أرضه، ورفع سمواته، وتسخير موجوداته، (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ) [النحل:18].

ومن جملتها طاعتهم المنسوبة إليهم مجازا وإن وقعت منهم زلة؛ وحصلت منهم هفوة، سلبتهم ما كان عندهم من الرجاء لشهودهم صدورها عنهم، واستنادهم إلى حولهم وقوتهم، فرؤيتهم حولهم وقوتهم في إيجاد شيء أشد من معصيتهم. والحزن المطلوب للعباد لا لكونهم لهم فيها حقيقة إيجاد واختراع، ولكن لكونها برزت على أيديهم فهي من نوازل البلاء، وسطوات في القضاء." 

 

يقول: الواقف على عمله وعلمه، وجميع ما معه دون الاعتماد على الله، علامة على أنه محجوب، وواقف دون تحقيق العبودية للحق المعبود -جل جلاله وتعالى في عُلاه-. اللَّهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين. وكان هذا من دعوات النبي ﷺ فيما بعد الصلوات، بتعليم الله -تبارك وتعالى- له في رؤية من رؤاه والوحي إليه ﷺ؛ اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا. 

لا يزال الأمر قائم في طلب مرضاة الله، وتحقيق الإيمان بالله، وطلب التحقق بالعبودية، وشهود عظمة الربوبية، الأمر قائم على امتثال الأوامر واجتناب النواهي. ولكن ذلك بالنسبة للمبتدئين، مشوبٌ برؤية أنفسهم وبدعاوي حولهم وقوتهم، وبذلك يكون في أعمالهم نقص، وهم الذين يتأثرون بهذه التأثيرات السلبية من رؤية أنفسهم على الغير، من انتقاص مَن لم يعمل بمثل عمله، من نقص الرجاء عند وجود الزلل منهم… وما إلى ذلك. ومَن صدقوا وأخلصوا في العبودية، وطُهّروا من رق السوى؛ لا تنتابهم هذه الأحوال والشؤون لثبات شهودهم في امتثالهم الأمر واجتنابهم النهي؛ يشهدون الآمر الناهي الموفق -جلّ جلاله- فلا ينتابهم أمثال هذه الأوهام والخيالات التي تنتاب عامة المسلمين، وعامة المؤمنين. 

يقول العارفون السادة الغُرر المقرّبون، لصدقهم في معرفة الحق -تبارك وتعالى- فلا يرون لأنفسهم استحقاقًا لثواب على الأعمال، ولا يعملونها لمجرد الهرب من العذاب ولكن أيقنوا أنه الحق الذي يجب أن يُطاع، ولا حق لعبدٍ أن يعصيه بأي حال من الأحوال؛ فخضعوا وانقادوا تعظيمًا له -جل جلاله-. "قصروا نظرهم"؛ حصروه "وعكفوا بهمامهم على امتثال أمر سيدهم" لأنه السيد الذي يجب أن يُطاع، لا لأجل "حظ عاجل أو جزاء آجل"، وفي العاجل وفي الآجل، وثِقوا به وفوضوا إليه واعتمدوا عليه، وطلبوا وسألوا وتضرّعوا عبوديةً وأدبًا، لا بشهود استحقاق، ولا عِلة في القيام بعبادة الخلّاق. نيل ما يريدون ودفع ما يرغبون ليس علة ففي عبادتهم للحق، يعبدون الحق لأنه الحق، ويسألون منه كشف الرزايا والبلايا ودفعها، وإنالة الخيرات والبركات والوصول إليها، ولكن لا بأعمالهم، وليس ذلك علة في عبادتهم له. هو السيد يجب أن يمتثل له الأمر، ويُجتنَب زجره، وانتهت المسألة.. 

وهل لمجاز العبدية عند العباد في ملك بعضهم لبعض، بل لمجرد الإجارة في مستأجر يُستأجَر للعمل، هل اه إذا أمره المستأجر أو المالك له بأمر، يقول له: مقابل أيش؟ كم بتعطينا؟.. أنت هنا مستأجر لتنفّذ هذه الأوامر، أعطيك أيش؟ ماذا أعطيك؟ أعطِ المستأجر أنت والثاني مملوك لعبدي تقول كم تعطينا؟ هل لك حق، وهذه كلها عبدية مجازية وملك مجازي لكن أنت أمام مُلك حق، ومالك حق، وأنت عبد حق، وبعدين تقول أيش بتعطينا على هذا وعلى هذا؟! وأنت عبده تمتثل أمره كما أمرك وانتهت المسألة! شرفك وعزك أن تمتثل أمره وتجتنب نهيه. اللَّهم املأ قلوبنا بالإيمان واليقين. 

قال: "فهم مع الله"، بذواتهم وصفاتهم وأفعالهم لله "في جميع حركاتهم" وسكناتهم "كائنةً ما كانت"، فإن صدر منهم توفيق الله للخير وموافقة الشريعة؛ رأوا إفضاله وجماله وحُسن أفعاله بهم، حُسن صنيعه وتوفيقه، وعاشت أرواحهم عيشة عجيبة في هذه المُطالعة للجمال الأسنى، ومع ذلك وفرحهم بطاعته، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]، فرحهم بتوفيق الله وبطاعته، والقيام بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ينازل قلوبهم سطوة من سطوات الجلال، يخافون أن يستبدل بهم غيرهم، أن يبدل حالهم، أن يخذلهم، فهم يطالعون الجمال والجلال ليتهيئوا في مراتب الكمال. 

يقول: إذا كان صدرت منهم الطاعات والخيرات؛ "استغرقهم جماله وحسن أفعاله" وعجيب توفيقه. ومع ذلك تصحبهم هيبة سطوات جلاله، لأنه حيث ظهر وصف الجمال فالجلال باطن، وحيث ظهر سلطان الجلال"، مكانهم يشهدون أنه يعفو ويغفر ويتجاوز، ولا يصعب عليه شيء، "فالجمال باطن، لذلك لا ينفك خوف العارف من رجائه"؛ 

  • إن غلب الرجاء فالخوف باطن
  • وإن غلب الخوف فالرجاء باطن

وكلاهما موجود لأن وصف المعبود يقتضي ذلك. ووصفه ما ينفك، ولا يبطل، ولا ينقص، لا في حالة طاعتك، ولا في حالة معصيتك، ووصفه وصفه هو هو، الله أكبر. 

"وإن ظهر منه صورة زلة أو مخالفة"، قال: هذبهم سلطان الجلال، فأورث لهم حالات سنية" من الحياء والرهبة، "ومقامات عليّة" والالتجاء إليه، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإذا لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، "والانطواء تحت سلطان الرهبوت."؛ أي: الهيبة والخوف من صاحب البطش والانتقام الذي لا يُطاق انتقامه، (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم:47].

وحين يقيمهم في تجلي جماله، يذهلون عن الأشياء بشراب هذا الجمال، ولذيذ هذا الوصال، فتصيبهم الدهشة؛ دهشة كمال مولاهم -جل جلاله-،  تنبعث "منهم القوى الباطنة، والحركات الظاهرة بمقتضى الشكر"، "أفلا أكون عبدًا "، "من خالص ذكر وصاف فكر". فحياتهم ومعيشتهم في الدنيا "بين روْح مشاهدة الجمال وتهذيب الجلال"، يتروحون ويستلذّون بمشاهدة جمال ربهم وإنعامه وإفضاله، ولطفه وتوفيقه، ومجالي رحمته وإحسانه وعظيم امتنانه، ويخافون سطوته وانتقامه، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ ) أنبياء.. (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90]، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ)  [الزمر:9]، يحذر ويرجو معًا؛ لأن المعبود واحد هو، يحق أن يهاب ويحق أن يُرجى هو نفسه بصفاته، فما تكون حالة من الحالات يسقط شيء من أوصافه حتى لا تهابه، ولا شيء من الحالات يسقط شيء من أوصافه حتى لا ترجوه! أوصافه ثابتة دائمة بديموميته، فلابد ترجوه ولابد تخافه في كل وقت. 

قال سبحانه عن الملائكة المعصومين في السماوات (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28]. مَن عرف الله ما يقدر ما يرجوه، مَن عرف الله ما يقدر ما يخافه. إن عرفته ما تقدر إلا تخافه، وما تقدر إلا ترجوه، إذا عرفته. إذا عرفته من هو؛ كيف ما ترجو؟! كيف ما تخاف؟! ترجو مَن إذا ما رجوته؟! وتخاف من أي شي وكل شيء بيده سبحانه وتعالى. ارزقنا اللَّهم رجاء العارفين، وخشية العارفين. 

قال: "وإن أقامه بتجلّي جماله أسكَرهم شراب جماله، وأذهلهم لذيذ وصاله، وأدهشهم كماله، فانبعثت منهم القوى الباطنة، والحركات الظاهرة بمقتضى الشكر من خالص ذكر وصافِ فكر،" فوقفوا في محراب التبعية لإمامهم القائلة: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". فطول حياتهم "بين روح مشاهدة الجمال وتهذيب الجلال." 

قالوا: "وحيث سمعت بزلة أو هفوة صدرت في عبارة"؛ -لأحد منهم- "فأعلم أن الزلات العارفين وهفواتهم غالبا في الرخص والمباحات، وعلى الندور تكون في كبيرة. وحيث كانت فهم يطالعون سابق العلم على علم منهم قبل وقوعها على يدهم أنها ستكون" كما قال لهم ﷺ فيما حذّر من المُنكرات، وأن حظ العين من الزنا النظر، وحظ اليد اللمس، وحظ اللسان الكلام، وما إلى ذلك… وكل كُتِبَ عليه حظه فهو مدركه لا محالة. وذكر فعل الكبيرة أنه يصدّق ذلك أو يكذبه، فهذه المطالعة عندهم لما أخبر ﷺ، ويعلمون أن ما كُتِبَ عليهم لابد أن يكتب ولكن ما كُتب على مَن يحبهم، يكون مقرونًا بكتابة توبتهم وإنابتهم ولجوئهم إليه، وعفوه عنهم وتجاوزه لهم -سبحانه وتعالى-، كما قال ﷺ في المحبوبين من سادتنا أهل بدر: وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"؛ يعني لا تخذلون إلى معصية، فإن قضي عليكم شيء، كان مقرونًا بصدق التوبة والأوبة والرجوع إلى الله -جل جلاله وتعالى في عُلاه- كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة، كتب الكتاب ولكن قال: لم أفعله ارتدادًا عن الدين ولا شك ولكن بدوافع كذا وكذا وأنا تائب إلى الله، قال ﷺ: صدق. 

قال: "ولكن الله يقرن لهم البشرى بقبول توبتهم، وغفران ذنوبهم. فلذلك حجّ آدم وموسى كما ورد" ذلك "عن رسول الله ﷺ." في حديث الصحيحين، ويقول سيدنا موسى لآدم -عليه السلام-: أنت بأكلك من الشجرة أخرجتنا وأخرجت الذُّرية إلى الأرض. قال يا موسى: أنت تقرأ في كتاب أنه قضى عليّ ذلك قبل أن يخلقني، قال: فكيف تلومني على قضاء قضاه الله؟ قال: فحج آدم موسى، فكانت الحُجة لآدم -عليه السلام-. وعلمت ما قال لمّا قال له الرب: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) ما قال كتبت ذلك…، قال: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:22-23]. فهكذا يطالعون على القضاء المبرم، ويعرفون الواجب المُحتّم على كل عبد ولكن إبليس الخبيث قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)  [الأعراف:12]، (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) [الأعراف:16]، فرق بين النظرين والأمرين، هذا الموفق وهذا المخذول.

بعد ذلك يقول: "ولو لم يكن ذلك" من شهودهم سابق الأقدار "لذابت أرواحهم وتلاشت أشباحهم حبًّا وتعظيمًا."، ولكن الحق بما سمعت من كلام آدم يُخفف على أرواحهم المُطلعة القريبة منه بشواهد سوابق الأقدار حتى يسكنوا، وإلا بيذوبون لمعرفتهم بالله، لا إله إلا الله، "وحال قوعهم فيها وصدورها عنهم يحجبون عن يحجبون عن شهود العلم" قال الله في آدم: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه:115]. ما عزم على معصيتنا إنما نسي، "وإلا لم يتمكنوا من فعلها ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فمراتبهم تعطيهم التعظيم والإجلال؛ كما يكون لغيرهم من الخوف والإذلال، خارجين عن كونهم بأنفسهم قائمين، وعن حولهم وقوتهم متبرئين؛ في جميع ما يصدر منهم وعنهم. وكيف يشهدون ذواتهم وصفاتهم؛ فضلا عن أفعالهم وهم متلاشين بين:" أمرين "مشرقات جماله"، و "محرقات جلاله".

 "بين مشرقات جماله، ومضمحلون تحت محرقات جلاله"، فإذًا هم في حال جميل مع الله، ليس فيهم من يُصر على معصية، ولا من يحتج على الله بقضاء وقدر، ولا مَن يؤخر التوبة، ولا مَن يجهل عبوديته، وأن السلطان للحق القاهر -جل جلاله- فحالهم غير أحوال عامة المؤمنين. 

فهؤلاء في حال "إن أشهدهم ذاته غيبهم عن ذواتهم". كان سيدنا عُمَر بن الخطاب في بعض أحواله، يدخل في الصلاة فيغيب، فاستجروا مَن يقف عنده، يقول له: ركوع، يقول له: اعتدال، يقول له: سجود، يقول له إذا طال فيما نازله من الأحوال. لا إله إلا الله… "إن أشهدهم ذاته غيبهم عن ذواتهم، وإن أشهدهم صفاته أخذهم عن صفاتهم. وإن أشهدهم صفاته أخذهم عن صفاتهم فحالهم القبض والبسط، وإن أوقفهم تحت أحكام أسمائه قاموا بحكم الخوف والرجاء، هذه مقامات الرجال".

قال: يختلفون عن عامة الخلق، "وأما عامة الخلق فواقفون في مضيق الحجاب"، يتوهمون صدور الأشياء عنهم والحول والقوة لهم، فعندهم الشرك الخفي يجب أن يتخلصوا منه. الشرك الخفي غير الشرك الأكبر المُخرج من الملة، لا، هم ما يعتقدون أن مع الله شريك آخر لكنهم يشركون أنفسهم وغيرهم، يظنون استقلال لأحد بفعل شيء، والحق يقول: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29]. فبسبب هذا الوهم؛ ما يفارقهم الشرك الخفي. 

فإذا عملوا طاعة، عدّوها "أرجى بضاعتهم"، وما كان الرجاء في الله إنما في طاعتهم والعبادة. طيب، وإن كانت الطاعة سبب للرحمة لكن الرجاء في الرَّاحم نفسه لا في الطاعة. ويغيبون "عن معونة الله لهم وسابق هدايته لهم، وعظيم مِنّته عليهم"، فكأن لهم المِنَّة فتجيهم الشوائب، ومن منته عليهم: "إيجادهم بعد أن لم يكونوا، وتوالي إمداده وإرسال أنبيائه، وإنزال كتبه"، ينسون هذا كله كأنهم هم عرفوا، وكأنهم هم دروا، وهم أطاعوا، من أين؟ كنت عدم، وأرسل لك الرسول، وأنزل لك كتابه ووفقك، بعد ذلك تقول أنا!.. 

"(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18]". ومن جملتها"؛ جملة النعمة: "طاعتهم المنسوبة إليهم مجازا"،  فهم يريدون نسبتها حقيقة إليهم؛ وذلك لا يصح. (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [يونس:100]. وإن وقعت منهم زلة؛ وحصلت منهم هفوة، سلبتهم ما كان عندهم من الرجاء" عدت ما عندهم من الرجاء كله لأنه ما كان الرجاء في الله، كان في عملهم وطاعتهم، "لشهودهم صدورها عنهم، واستنادهم إلى حولهم وقوتهم"، فلمّا رأوا حولهم وقوتهم في إيجاد الأشياء؛ كان رؤيتهم لذلك أشد من نفس المعصية. هذا الرؤية لهم؛ وهم، باطل، ضال، فيه شرك خفي، أشد من فعل المعصية نفسها، الله يخلصنا من ذلك. اللَّهم إذا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم. 

قال: فما هو الحزن المطلوب للعبادة؟

للعباد إذا فعلوا سيئات أو فاتتهم خيرات؛ قال: هذا الحزن "لا لكونهم لهم فيها حقيقة إيجاد واختراع، ولكن لكونها برزت على أيديهم فهي من نوازل البلاء"، إذا برزت على أيديهم المعاصي "من نوازل البلاء وسطوات في القضاء." فيعوذون بالله. نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. وينتهون إلى شهود الذات: "وأعوذ بك منك سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

 

"فإذا فهمت ذلك تبين لك حالات العامة ومقامات الخاصة وما يعطيهم الحال من الفناء عن أفعالهم وأصافهم وذواتهم؛ وحالات العامة وما يعطى من الحجاب، وما يقاسون من رؤية أنفسهم من النصب والعذاب؛ فالعذاب فرع من ضرب الحجاب. قال الله جل ذكره (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) [المطففين:15-16]. والعارف أما متحقق متمكن؛ وإما مصطلم متلون، فالمتمكن يعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل مقام مستحقه. فمع كونه فانيًا عن أفعاله وأوصافه وذاته؛ فهو باق بربه، يأتمر لأمره وينتهي لنهيه، ويعرف حكمة الله في إثبات العبد مع الله، مع أن الله قال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُۗ) [الأعراف:54]، وقال في مقامٍ آخر: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286]، وهنا علوم تخرجنا عن شرح الكتاب، ولكن كن وقاية له فيما لا يليق إضافته إليه، واجعله وقايتك فيما يحسن أن يضاف إليه من المحامد، وكل ما في إطلاقه ذمّ أو إشارة إلى ذم ولو من بعض الوجوه تكن وقايته فيها، فما كان من المجهودات فإليه خلقًا وإيجادا، أوما كان وجه مدح ومن وجه ذم ومن وجه ذم فوجه المدح إليه، ووجه الذم إليك؛ هذا مشهد الأدباء. 

وأما العامة فإنهم بالضد من ذلك يضيفون ما كان ممدوحًا إليهم، وما كان مذمومًا تبرؤوا منه وأضافوه إلى الله. فهذا بعض ما أبرزته إشارة الوقت، ووراء هذا علوم وأسرار لا يسع كشفها لغير أهلها. ولي في ذلك:

فكن على كرم الرحمن معتمدا ** لا تستند لا إلى علمٍ ولا عمل

 ففضل ربك لا تمنعه معصية ** ولا يضاف إلى الأغراض والعلل

فنسأل الله هدايةً وتوفيقًا، وصوابًا وتحقيقًا." 

 

نسأل الله هدايةً وتوفيقًا، وصوابًا وتحقيقًا. 

قال يُعرف الفرق بين حالة العامة ومقامات الخاصة، لا إله إلا الله. فالحجاب مضروب على العامة، وحُجبوا وحسبهم الحجاب عذاب.. ما يقاسونه من رؤية أنفسهم لأن العذاب فرع عن الحجاب. فكما استشهد بالآية الكريمة في عذاب أهل النار، (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) [المطففين:15-16]. تصليتهم الجحيم لهم إنما نتيجة عن حجابهم عن الله؛ صُلّوا الجحيم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فالحجاب عذاب، الله يكشف عنَّا الحجاب. 

يقول: والعارف ما بين "متحقق متمكن، ومصطلم متلون، فالمتمكن يعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل مقام مستحقه. فمع كونه فانيًا عن أفعاله وأوصافه وذاته؛ فهو باق بربه، يأتمر لأمره وينتهي لنهيه، ويعرف حكمة الله … (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ) [الأعراف:54]، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286]"، والخلق والأمر لله كما قال: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ) [النساء:78]. في الخلق، وبعد ذلك في الاكتساب: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) [النساء:79]. 

لهذا يقول: إذا تعرف الأدب مع الله؛ اجعله وقايتك، فيما يحسُن أن يضاف إليه. فانسب إليه المحامد والخيرات كلها، قال ﷺ: "والشر ليس إليك". وكل ما فيه ذنب من أي وجه فانسبه إليك. ولهذا يقول سيدنا الخضر -عليه السلام- في أدبه، يُكلم سيدنا موسى عن السفينة، وعن الغلام، وعن إقامة الجدار. ولما كلمه عن السفينة، قال: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا)، أردت.. لما أنه فيه عيب وكسر، ما قال أراد الله، قال الخضر: أردت؛ (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) [الكهف:79] لصالحه، فجعلناها هكذا لكي لا يأخذ السفينة عليهم، خلّهم يمشون ويترزقون الله، وإلا لو هي كاملة وصالحة ما فيها هذا النقص، بيأخذها.. هذه حكمة.

بعد ذلك الغلام: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) [الكهف:80-81]، هو يعطيهم واحد أحسن من هذا، وأردنا نحن بالقتل ذلك.

بعدين جاء عند إقامة الجدار، هذا صلاح خالص، ما فيه أي عيب ولا نقص ولا ذم، قال: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) ما قال هنا: فأردت، هناك قال فأردت أن أعيبها، هنا: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) [الكهف:82]؛ لأن الأمر خير كله فنسبه إلى الله تبارك وتعالى. وهكذا المؤمن الصادق المُخلص، يعرف نسبة الشر إلى نفسه والخير إلى ربه -جل جلاله- (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ) [النساء:79]. 

قال: العامة بالضد، إذا فعلوا شيء خير مدحوا أنفسهم وقالوا عملنا، وإذا شيء كذا، يقولون: قدّر الله وذا علينا قدر…. لا حول ولا قوة، يريدون أن ينسبوا الشر إلى مولاهم، وينسبون الخير إلى أنفسهم، عكسوا الأمر تمامًا! لا حول ولا قوة إلا بالله.. فاجترؤوا على الله، وأساءوا الأدب مع الله سبحانه وتعالى، ووضعوا الأشياء في غير موضعها. 

فالله يرزقنا الأدب، ويرفعنا إلى عليّ الرُّتب، ويجعل لنا في هذه الأيام جودًا ووهبًا فهو خير من وهب. اللَّهم هب لنا هباتك، وأجزل لنا عطيّاتك، وارزقنا الأدب معك في جميع شؤوننا وأحوالنا، وشهود فضلك ومنتك علينا، لا تكلنا بحقك عليك إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين برحمتك يا أرحم الرحمين، والحمد لله رب العالمين. 

ينظمنا في سلكه، واحملنا في فُلكه، وتولانا به، ويسلك بنا في دربه، ويسقينا من شربه، ويقينا به الأسواء والأدواء في السِّر والنجوى، ويسر قلبه بنا، ويقر عينه بنا، ويجعلنا من السائرين في سبيله، والشاربين من سلسبيله، ويحمينا به من شرور الأنفس، ومن سيئات الأعمال، ويحمينا به من شر كل ذي شر من الشياطين والخلائق أجمعين، ويجعلنا في الحصون الحصينة والحروز المتينة، يفرج كروب الأمة ويكشف الغُمة، ويعامل بمحض الجود والرحمة، ويرزقنا كمال الاعتماد عليه سبحانه،  والاستناد إليه سبحانه، والتوكل عليه سبحانه، والتفويض إليه سبحانه، ويبلغنا فوق آمالنا من عطاياه العظيمة، ويشفي مرضانا، ويعافي مبتلانا، ويطول أعمارنا في طاعته في عافيه، بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

09 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

12 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام