(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 20 ذي القعدة 1441هـ.
الحكمة (37): كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان.
الحكمة (38): لا تتعدينَّ هِمَّتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال.
الحكمة (39): لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعًا، من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعًا؟
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. من كتاب "شرح الحكم العطائية" للشيخ علي بن عبد الله باراس إلى أن قال، رضي الله تعالى عنكم:
الحكمة (37): "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"
الحكمة (38): لا تتعدينَّ هِمَّتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال".
الكريم هو الذي يعطي مَن لم يرجُ نفعه ولا يخاف شره، ولا يبالي بمن أعطى ولا بما أعطى؛ لثبوت غناه عن إيصال المنافع إليه، وتعاليه عن أن يُدرِكَ كُنهَهُ سواه، أو يثني عليه حق ثنائه إلا إياه. فهو الكريم المفضال الذي لا تتخطاه الآمال ولم تعتره متغيرات الأحوال. فحيث علمت أنه كذلك فلا ينبغي لك أن تتعدى بهمتك في حوائجك إلى سواه، ولا تقصد في مهماتك إلا إياه، فلا لغيره حقيقة وجود في ذاته وصفاته، فضلاً عن أن يكون عنده ما تطلب ولديه ما تقصد. فهو لا يرضى لك تقصد غيره، ولا تعرض عن معروفه وخيره. كيف وقد علمك ذلك ودلَّك عليه ونبهك على ما عنده من عظيم الفضل؟ فقال: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، ودلك على أنه لا يوحشك عظيم جرمك وكثير ذنبك، فهو الذي إذا قدر عفا، وإذا اعتُذر إليه قَبِل وما استقصى.
فقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ)، وقال: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ)، وقال: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) إلى غير ذلك.
ومن لطفه بعبده أن جعل لعباده من كل اسمٍ من أسمائه خُلقاً، فالحمد لله. فقلّ من تجد من أهل دائرة الإسلام لم يتخلق بواحد من أسمائه. فلك من اسمه "الكريم" أن تكرم نفسك وتصونها عن رذائل أخلاقها، وتكرمها بالتقوى، وتتكرم على كل عضو من أعضائك بإحيائه بالأعمال المقربة إلى الله زلفى. ولي في ذلك:
إن كنت ترجو لديه الفضل والأملِ *** فلا تعداه للأسباب والحيلِ
إن الكريم إذا ما نيل لم يزلِ *** يعطي ويُغضي عن الإجرام والزللِ
فكيف تعرفه يوماً وتبتذلِ *** إلى الخلائق أو تلجأ إلى العللِ
فلما كان هو الذي يورد الحاجات عليك، كما أنه يهدي الزلفى لديك، نعمة منه ليردك إلى بابه لتقرع بكف الفقر والاضطرار باب الغنى وخزائن العطاء المودعة تحت وجود الانكسار والاضطرار.
ثم قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (39): "لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعًا، من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعًا؟".
نعم، الحمد لله.
لم يحصل في هذا الشرح كلام على الحكمة التي قال فيها: "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"، وكلامه آخر الحكمة التي قبلها يشير لأن النسخة التي كانت بيد الشيخ علي ليس فيها هذه الحكمة، لأن كلامه يشير إلى هذا المعنى، وإن كان يمكن دخول معاني هذه الحكمة في التي بعدها أيضًا وتتداخل في بعض المعاني والدلالات. فالحكمة هذه الأولى التي لا نرى عن ألفاظها شرحًا موجودًا، يقول فيها: "كان الله ولا شيء معه"؛ وهذا الذي نص عليه في الحديث نبينا المهذِّب المنقّي لنا عن كل خبيث. نصَّ في الحديث، يأمرنا بالسعي الحثيث، إلى إدراك رفيع وشرف معرفة الحق -جل جلاله-. وهذه المعارف؛ رأسٌ في جميع المعارف التي تقوم بها الأحوال الشريفة، وتترتب عليها الأعمال الطيبة الصالحة. فكما أن كل وصف شريف لا يقوم إلا بمعرفة، كل المعارف التي تتفرع عنها الصفات الشريفة والأحوال الرفيعة؛ نتيجة لهذه المعرفة أو متفرِّعة عن هذه المعرفة، وهي معرفة الله تبارك وتعالى.
"كان الله" في الأزل، في القدم، بلا أول. "كان الله ولا شيء معه"؛ لا عرش، لا كرسي، لا سماء، لا أرض، لا بحر، لا جبل، لا جنة، لا نار، لا مَلك، لا إنسي، لا جني، لا حشرة، لا هواء، لا ليل، لا نهار. لا شيء، لا شيء، لا شيء، لا شيء. الله أكبر! هذا الموجود الحق. هذا الموجود الحق، الموجودات هذه وجودها مستعار وقابل للإزالة، فَلِمَ الاغترار؟ ولِمَ الإعراض والإغفال والإهمال؟ "كان الله ولا شيء معه"، إنسي، جني، ملك، أرض، هواء، شمس، قمر، كواكب، نجوم، عرش، كرسي، قلم، لوح، لا شيء، لا شيء، لا شيء. "كان الله ولا شيء معه". وهكذا جاءنا في الحديث السابق: "كان الله ولا شيء معه"، وفي لفظ: "كان الله ولا شيء غيره"؛ لا شيء.
"وهو الآن على ما عليه كان"، الوجود الحق له، ولا وجود لسواه إلا ما كان بإيجاده. فوجود الموجودات؛ مُستعار مُستحدث تحت حكمه وفي قبضته، وتحت تدبيره وإرادته، أولهم وآخرهم. خلق النور أول ما خلق، كما جاء في حديث سيدنا جابر -رضي الله تعالى عنه-. ودلَّت على أولية النور المحمدي عدد من الأحاديث غير حديث سيدنا جابر. وحديث سيدنا جابر، ذكره جماعة من الأكابر من المحدِّثين والعارفين في مسند عبد الرزاق، وقد أخرجه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ثم إن هذا المُسند للشيخ عبد الرزاق الذي أخذ عنه سيدنا الإمام الشافعي، جاء إلى صنعاء من أجل عبد الرزاق، قَلّت نُسخه وعلى مدى القرون وتوالي الحروب والأوضاع، قَلّت نُسخ الحديث، ما بقيت منه إلا نُسخ، فطبع منه من نسخة مفقود أولها وبعض مواضع فيها، فلم يوجد هذا الحديث في المطبوع. وعلى ذلك طنطن مَن يرى أنه من أهل العلم والحديث، يقول: لا وجود له ولا أصل له. ثم وجد في بعض النسخ المخطوطة الموثوقة، الجزء الأول، وفي وسطه هذا الحديث عن ثقات كلهم وسند صحيح.
ولذا قال الأشخر في شرحه على السيرة النبوية للحريضي، من حرَض؛ يحيى بن أبي بكر العامري "بهجة المحافل"، في شرحه على بهجة المحافل قال الإمام الأشخر: وقد أخرجه عبد الرزاق بسند جيد. والأشخر -ومن قبله ومن بعده- ممَّن ينسبون هذا إلى مسند عبد الرزاق، أهم خفيفين في الوزن؟ أم هم يتكلمون بغير بصيرة ومن غير اطلاع؟ حاشاهم -عليهم الرضوان-.
وهكذا، فجاءنا حديثه أنه سأل رسول الله: ما أول شيء خلقه الله؟ "أخبرني عن أول شيء خلقه الله -عز وجل-. قال: يا جابر، إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك"؛ خلق النور، ومن هذا النور: خلق العرش، خلق الكرسي، خلق الجنة، خلق النار، خلق الأرض، خلق السماء، خلق الملائكة، وتفرَّع الخلق… منه القلم، ومنه اللوح، وما إلى ذلك. وأول ما خلق الله بعد هذا النور: العرش، والكرسي، واللوح، والقلم.
قال للقلم: اكتب في اللوح، ما أريد أن يكون في خلقي هذا إلى يوم القيامة. فكتب ما أمره الحق بكتابته. من ذلك ما كتب عن الأمم وشؤونهم مع الحق -جل جلاله-؛ أمة آدم -عليه السلام- مَن أطاع الله دخل الجنة، ومَن عصاه أدخله النار. أمة، أمة، أمة… فجاء على الأنبياء واحد، واحد. أمة محمد ﷺ؛ مَن أطاع الله دخل الجنة، ومَن عصى الله؟ قال الحق: "يا قلم"، فاهتز القلم من هيبة الله، قال: اكتب: أمة مذنبة ورب غفور. مشيرًا إلى ما وفَّر لهذه الأمة من أسباب المغفرة والرحمة. فالحمد لله الذي جعلنا في أمة محمد، ولنغنم هذه النعمة، الله يرزقنا اغتنامها.
"كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان؛ في أحديته وواحديته، وفي عظمته وفي وجوده، وله الوجود الحق -جل جلاله وتعالى في عُلاه- لا يزيد في شيء، لا ينقص من شيء. الزيادة والنقص وصف الخلائق، الحركة والسكون وصف الخلائق، المكان والحاجة إلى المكان وصف الخلائق، الألوان وصف الخلائق؛ مخلوقاته التي خلقها لها ألوان، أما هو بذاته العليَّة فوق ذلك كله، وأعلى من ذلك كله، وأسمى من ذلك كله، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]. جميع الكائنات لا يشبهه منها شيء، ولا يحل منها فيه شيء، ولا يحل هو في شيء -جل جلاله-. أمامنا مظاهر أفعاله الدَّالة على صفاته في عظمته وكبريائه. وأنى للعقول أن تحيط بالأفعال، فضلًا عن الأسماء والصفات، فضلًا عن الذات. قال سيدنا أبو بكر الصديق:
لا يعرف اللّه إلا اللّه فاتّئدوا *** والدّين دينان إيمان وإشراك
وللعقول حدودٌ لا تجاوزها *** والعجز عن دَرَك الإدراك إدراك
هذه المعارف تترتب عليها جميع المعارف التي تُثمر الصفات الطيبة والأحوال الشريفة؛ معرفة الله.
"كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"؛ يحدِث ويخلق ويدبر، ويحيي ويميت، ويرفع ويخفض، ويضر وينفع، ويقدِّم ويؤخر، ويُسعِد ويشقي، تتغير الكائنات وهو لا يتغير.
فالحمد لله القديم الأوّلِ *** الآخرِ الباقي بلا تحوُّلِ
التحول للأشياء علامة الحدوث وعلامة التسلط عليها، وهذه الكائنات كلها، أما هو -جل جلاله- تعالى عن كل ما يُتصور بالبال، وعن كل ما يُتخيل بالخيال، وحسبنا أن ندرك من معرفته عجزنا عن الإحاطة بأفعاله فضلًا عن صفاته فضلًا عن أسمائه فضلًا عن ذاته العليّة. فلهذا قال: لا يعرف الله إلا الله... أي شيء ما يعرفه؟! هذه معرفة الإحاطة.. أما المعرفة المطالَب بها الخلق وخصوصًا الملائكة والإنس والجن، معرفة خاصة في إدراك العظمة تنفك عنها بقية الكائنات. مع أن الكائنات حتى جماداتها معظمة لهذا الإله، مسبحة بحمده، تعرف جلاله وكبريائه.
لذا غضب الهدهد: (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ)، زعلان الهدهد، ما لهؤلاء بني آدم بعقولهم يعبدون غير هذا الإله؟! غير هذا الخالق؟! شوف كيف، عقل أحسن منهم! (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النمل:24-26]، هذا كلام الهدهد. وأنت ما عندك غيرة الهدهد، ولا عندك دعوة الهدهد؟ داعي إلى الله أحسن منك، وغار على الدين أحسن منك! ما تصير حتى مثل الهدهد، يا مؤمن، يا مسلم، غار على دين الله.. قال: ما هذه العقول؟ وكيف يسجدون لشمس؟ لا شمس ولا قمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، اسجدوا لله الذي خلقهن. (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ) [طه:49-50]، (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) بعدين.. هل عندك حجة؟ عندك شيء؟ (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء:23-29] هذه حجة؟ هذا علم هذا؟! اعبدني أنا أو بسجنك! أيش من علم هذا! أيش من حجة هذه؟! حجة الغطرسة التي هي قائمة في زماننا كذلك كما كانت قائمة عند فرعون، وفراعنة كل زمان هكذا يقولون: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وبعدين؟..(هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) [الأنعام:148].
"كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، الله يرزقنا الإيمان، الله يرزقنا اليقين، الله يرزقنا المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة.
يقول: "لا تتعدينّ همتك إلى غيره"، أيش تريد؟ ومن أي شيء ترهب؟ لن يقيك المرهوب، ولن يوصل إليك المطلوب أحد غيره. ومهما تخيلت وتوهمت، فتتعب نفسك ثم تصادف مستقبلًا ومآلًا صعبًا. فخير لك.. اصدق معه ولا تتعداه همتك، فإن في خزائنه ما لا ينفد، وفوق كل مؤمَّل، وأعظم من كل مرغوب. ولذا قال: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر." هذا ربنا وربكم، ما أعظمه وما أجلَّه وما أكرمه، وجعلنا في ذي الأمة، ونتذاكر صفاته هذه العظيمة والشؤون التي يُبديها في البرية الكبيرة. فينصح سيدنا ابن عطاء الله، يقول: "لا تتعدين همتك إلى غيره"؛ لا تظن أن ينفعك ويصونك، ويبلغك مطلوبك ويحقق مصالحك، لا دول ولا شعوب ولا أحزاب… إن كنت تريد شيء، تعال إلى عنده، هو من عنده الخزائن. "لا تتعدينّ همتك إلى غيره" وإلا رُح وراء وهمك وخيالك، وهم ما خلقوك ولا أوجدوك، وإذا مرضت ما قدروا أن يشفوك، ولن يدفعوا عن أنفسهم فكيف عنك الموت، وسترجعون إلى هذا الإله وتخسر لمّا انصرفت عنه إلى مَن لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. "لا تتعدينّ همتك إلى غيره"، احذر أن تغرك نفسك وتشغلك، فإن الله يفتن الخلق بالأسباب وظواهر القدرات على الماديات والصور؛ فلا تتأثر.
سيدنا الإمام أحمد بن حنبل لمّا أرادوا إكراهه على أن يقول غير السُّنة، فأبى، فأخذوا يضربونه بالسياط، آلموه وأتعبوه.. جاء واحد سارق وكان في الحبس، جاء إلى عند أذنه يقول له: يا أحمد اثبُت، فإنهم ضربوني مئة ألف سوط على أن أعترف، ما اعترفت لهم وأنا على باطل، فكيف أنت على الحق والسُّنة، لا تحملنك آلام السياط على أن تقول غير الحق! قال: فكلما آلمتني آلام السياط؛ أتذكر قول هذا. قال: وكان الله أرسله إلي، فكان يدفع معي في قوة عزيمتي وإيماني. الله أكبر.. قال: حتى فكان يذكره بعد خروجه من السجن، ويترحم عليه، ويستغفر له، -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى-. قال له: أنا على باطل لكن عزة نفسي ما خلتني أعترف، فضربوني لما شبعوا؛ ولا اعترفت لهم، وأنت على الحق؛ لا تتأثر. كلَّمه في أذنه لما كانوا يضربونه، وستة عشر شهرًا أو عشرين شهرًا وهو في السجن وتحت الضرب، وخرج. كان الإمام الشافعي قبلها بمدة رأى رسول الله ﷺ قال: بشِّر أحمد بن حنبل بالجنة على بلوى تصيبه. ولمّا أرسل رسول إليه يقول له ذلك، قال: الله المستعان. فجاءت هذه البلوى فيما بعد، وثبت -عليه الرضوان-.
"لا تتعدينَّ همتك إلى غيره"، فالآن آثار أحمد بن حنبل موجودة في عالم المسلمين أم آثار الذين ضربوه؟ وشيء قدر له قائم في الدنيا من قبل الآخرة الآن أم قدر الذين ضربوه؟ ما يذكرهم أحد إلا وهو يحتقرهم، وهو يعرف أنهم تعدوا طورهم، وأنهم سيئين في المعاملة. لكن ما يُذكر أحمد إلا ويُعرف أنه عظيم، وأنه كريم، وأنه مستقيم، -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. هذا عادنا في الدنيا، عاد الجزاء مقبل …اصبر، عاد الستائر ترتفع، والأوهام تندفع، والأهوية تنقمع، وترى عند الحُكم من الفائز.. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:227]، (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء:42].
"لا تتعدينَّ همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال". مهما كان عندك من أمل، عنده أكمل وأفضل، وأجزل وأكبر، فلماذا تروح لأحد ثاني؟ أين تذهب؟!...
اِلْزَمْ باب ربِّك *** واترك كُلَّ دُونْ
قِف على باب ما يقلده يا سعد قالِدْ
باب مولاك لي منه ورود الفوائد
الله أكبر..
لَم أَزَل بِالبابِ واقِفٌ *** فارحمن ربي وقوفي
وَبِوادي الفَضلِ عاكِفٌ *** فَأَدِم رَبّي عُكوفي
"لا تتعدينَّ همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال".
"الكريم -الله- هو الذي يعطي مَن لم يرجُ نفعه ولا يُخاف شره"؛ الكرم بهذا المعنى له وحده فقط، فقط، فقط، لا أحد كريم بهذا المعنى غيره. أي كريم أعطاك أنت وما يرجو منك نفع ولا يرجو منك ضر؛ لو فرضنا إنسان مخلص صادق… يريد أجر، يريد رضوان، يريد قربة، يريد، محتاج.. يعطي بمقابل مهما كان وإن كان (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) صح، منك أنت سما عنه، لكن (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان:9-13]. شفت؟ حصّلوا ولّا ما حصلوا؟ في كل شيء مقابل، إلا هو، يعطي ومَن يعطيه؟ ما أحد يعطيه، ولا هو، ولا يخاف من أحد، ولا يرجو من أحد شيء، وهو يعطي؛ هذا الكرم بهذا المعنى له وحده، ما أحد كريم إلا هو. بعد ذلك، أعلى الخلق كرم مَن يعطي لأجله هو وحده، لأجل الكريم الكبير. ولا مترقٍ في ذروة هذا المعنى مثل محمد، يؤتي، ولا هو منتظر من أحد جزاء ولا شكور، من قريب ولا من بعيد، ويعرف قصد هذا الوجه، فهو أعرف الخلق به، يعرف كيف يُقصَد، وكيف يُرغَب فيه، وكيف يُتذلَّل لجلاله؛ هذا هو الأكرم للخلق، أكرمهم. ولهذا كان من هو أتقى للرب أكرم من غيره؛ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]؛ لأنه قريب من هذا، وإذا قال أو فعل ما يرجو غير الله، وإذا خافك أو رجاك، ما يحمله خوفه ورجاؤه أن يضر، ولا أن يكذب، ولا أن يغش، ولا أن يغل أبدًا، هؤلاء أكرم الخلق، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
"الكريم هو الذي يعطي مَن لم يرجُ نفعه ولا يخاف شره، ولا يبالي بمن أعطى ولا بما أعطى" الله أكبر.. هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي. الكريم الذي يغفر ولا هو مبالي، له الحمد. قال: "لثبوت غناه عن إيصال المنافع إليه"، هو الغني، (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ) [محمد:38]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]، والغني بهذا المعنى ليس غيره قط، ولا سيدنا جبريل، ولا سيدنا ميكائيل، ولا ملوك الأرض، ولا ممالك الجن؛ لا أحد منهم غني بهذا المعنى، ولا واحد غني. أغناهم من الإنس والجن، محتاج حتى إلى البولة، لو امتسكت عليه البولة؛ يتغلق نهمته وهمته وملكه كله بسبب البولة! محتاجين مساكين، وما يتنفسون الهواء؟ محتاجين للهواء أم لا؟ المسكين الأكسجين يخف عليه، إذا جاءوا يحللون وطلع الأكسجين ناقص عنده…. محتاجون. الغني بهذا المعنى واحد، هو الله، هو الله. كل ما عداه محتاج إليه، وهو الغني عن كل شيء -جل جلاله-.
فأغنى الخلق بعد ذلك مَن تولّاه هذا الغني برأفته ورحمته وإرادته، هو الله، الله، الله، الله. وإنما يتولى مَن اضطر إليه، وافتقر إليه؛ فعلى قدر افتقارك يكون حقيقة غناك. على قدر افتقارك إليه يكون مقدار غناك عمَن سواه. وكلما نقص افتقارك إليه قوي افتقارك، وقام افتقارك إلى مَن عداه. وإذا افتقرت إلى مَن عداه، استعبدك واستخدمك. أما هو، ما يرجو منك شيء جلَّ جلاله.
قال: "لثبوت غناه عن إيصال المنافع إليه، وتعاليه" -وتساميه ورفعته- "عن أن يُدرِكَ كُنهَهُ سواه"؛ أي: حقيقته -جل جلاله-، ما يدرك كنهه سواه. "أو يثني عليه حق ثنائه إلا إياه." أو يثني عليه، ما أحد يقدر يثني عليه حق الثناء إلا هو. قال سيد من أثنى على الله، وأكبر الخلق ثناءً على الله: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". فما أحد يقدر يثني عليه. فهل يريد من أحد شيء؟! ولا يقدر أحد يثني عليه كما هو أهله، إلا هو بنفسه -جل جلاله-، غيره ما يقدر، "أنت كما أثنيت على نفسك".
"فهو الكريم المفضل الذي لا تتخطاه الآمال، ولم تعتِره مغيرات الأحوال. فحيث علمت أنه كذلك فلا ينبغي لك أن تتعدى" وتتجاوز "بهمتك في حوائجك إلى سواه"
ثق بمولاك في جميع الأمور *** واحسب الخلق كلهم في القبور
لأنهم بيرجعون إلى القبور، خلاص من بيرجع إلى القبر، عدُّه في القبر.. شوف الحي الذي لا يموت، ذا تمسك به. الله!
لا تسألنَّ بني آدمَ حاجةً *** وسَلِ الذي أبوابُه لا تُحجَبُ
اللهُ يغضبُ إن تركتَ سؤاله *** وبني آدمَ حين يُسألُ يغضبُ
ومهما كان سخي وكريم، أول مرة، وثاني مرة، وثالث مرة، بعدين يقول: إلى متى؟ والذي يروح لعنده يقول: فكوا علي من هذا! لكن ربك يحب الملحين، تلح، تلح: مرحبًا، تفضل، خذ، تلح خذ، تزيد الإلحاح، خذ أكثر! يحب الملحين في الدعاء -جل جلاله-، فهو الكريم حقًا.
يقول: "فلا ينبغي لك أن تتعدى بهمتك في حوائجك إلى سواه، ولا تقصد في مهماتك إلا إياه، فلا لغيره حقيقة وجود في ذاته وصفاته"؛ ليس لغيره حقيقة وجود في ذاته وصفاته، كلها مكوَّنة، مستحدثة بتكوينه وإحداثه -جلَّ جلاله-، كلها من دون استثناء، التقلّبات التي نمر بها في الحياة، وتطوراته من نطفة إلى علقة إلى مظاهر تقديره وتدبيره. إذًا ما هناك شيء لغيره أصلًا، عدا الوهم والخيال، والاغترار بمظاهر الأسباب.
يقول: "فضلاً عن أن يكون عنده ما تطلب"، غيره ما له حقيقة وجود فضلًا عن أن يكون عنده تلبية طلبك وتحقيق قصدك. "ولديه ما تقصد." فربك هذا العظيم "لا يرضى لك تقصد غيره" يقول لك أنا خلقتك ورزقتك، وبيدي أمرك، وتروح لعند غيري! ماذا يعمل لك غيري؟! "ولا تعرض عن معروفه وخيره." لا تُعرض عن معروفه وخيره. "كيف وقد علمك ذلك"، قال لك: اسألني؛ أُجِبك. ادعني؛ أستجب لك. استغفرني؛ أغفر لك. ارجني؛ أحقق رجاءك. خفني؛ أُؤَمِّنك. بعدين تروح أين؟ تروح لعند غيره؟! مَن يعطيك كهذا؟ لا أحد يقدر يغفر لك، ولا أحد يقدر يدخلك الجنة، ولا أحد يقدر يحسن خاتمتك إلا هو. لماذا تروح لعند غيره؟ بيده أمره كله.
يقول: "ودلَّك عليه" على فضله "ونبهك على ما عنده من عظيم الفضل؟ فقال: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، ودلك على أنه لا يوحشك عظيم جرمك" لا ينبغي "وكثير ذنبك، فهو الذي إذا قدر عفا، وإذا اعتذر إليه قَبِل وما استقصى." ولهذا يقول لهم: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]، والذي ما هو "أحسن"؟ خلاص ما عاد يفتش، يشوف الأحسن ويعطه جزاءه، خلاص. حتى من معانيها، قال بعض أهل التفسير: يقول للملائكة انظروا إلى أعظم حسنة لعبدي هذا، ضاعفتها أكبر مضاعفة، ما هي؟ يقولون: يا رب الحسنة الفلانية، قبلتها وضاعفتها مضاعفات، يقول: اجعلوا جميع حسناته مثلها! (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). يا سلام! والذي ما "أحسن"؟ ما يقول له كذا ولا كذا، لا إله إلا هو، يا ما أعجبه، يا ما أعظم فضله!
قال: "وما استقصى. فقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ)، وقال: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ)، وقال: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) إلى غير ذلك." واحد يعاملك هذه المعاملة، ويقول لك: شُف هذا عندي كله بعطيك، لماذا تروح عند غيره،
ما لك أنت؟ لماذا تقصر في التوبة إليه والرجوع إليه بسرعة؟ شوف يعطيك أيش ومَن يعاملك مثل هذه المعاملة غيره! "ومن لطفه بعبده أن جعل لعباده من كل اسم من أسمائه خُلقاً"، وهذا الذي يطلقون عليه على سبيل المجاز: التخلق بأخلاق الله تعالى عند المؤمن. فلكل وصف وأوصاف الله معنى لائق بالمخلوق العبد يتخلق به، غير وصف الله تعالى لكنه مناسب للفظ الاسم أو الصفة، منه هذا الكريم، "فالحمد لله. فقلّ من تجد من أهل دائرة الإسلام لم يتخلق بواحد من أسمائه." تعالى، في شيء منها: إما رحيم، أو كريم، أو حليم، أو غفور، أو مسامح… أي وصف من أسماء الحق يكون غالب عليه؛ كل المسلمين، فيه شيء، إما في ذا أو في ذا، طيب.
"فلك من اسمه "الكريم" أن تكرم نفسك" كن كريم، وأنت تكرم نفسك "وتصونها عن رذائل أخلاقها"؛ اكرمها، لا توسخها، لا ترمِ بها في القاذورات، أكرمها. "وتكرمها بالتقوى"، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]. "وتتكرم على كل عضو من أعضائك بإحيائه بالأعمال المقربة إلى الله زلفى." تكرَّم على عينك بالنظر في المصحف، وبالنظر للمؤمنين بعين الرحمة والتعظيم، والنظر لوجوه الصُلحاء بعين الإكبار والإجلال، والنظر للملك والملكوت بعين الاعتبار والادكار.. أكرم عينك، لا توسخها، لا تهبط بها، تنظر بعين احتقار، بعين استحسان لزخرف الدنيا، بعين تعظيم لكافر، إلى عورة، إلى شيء حرّمه الله، أكرم عينك.
أكرم يدك، لا تأكل بها إلا حلال، لا تضرب بها مسلم، تصدق بها، ارفعها في الدعاء إليه خاضع خاشع، أكرم يدك. أكرم أذنك، اسمع كلامه بها، أذنك تسمع كلامه، أيش الكرامة هذه؟ أذنك تسمع كلام الرب! اسمع كلامه، اسمع كلام نبيه ﷺ، لا تستمع إلى حديث قوم هم له كارهون، لا تستمع إلى آلات المحرَّمة، لا تنصت لغيبة، أكرم أذنك. أكرم لسانك، أكرم فرجك، أكرم بطنك، أكرم رجلك، أكرم أعضاءك. نصيبك من اسمه الكريم -جل جلاله-، الله أكبر. "ولي في ذلك:"
إن كنت ترجو لديه الفضل والأملِ *** فلا تعداه للأسباب والحيلِ
إن الكريم إذا ما نيل لم يزلِ *** يعطي ويُغضي عن الإجرام والزللِ
فكيف تعرفه يوماً وتبتذلِ *** إلى الخلائق أو تلجأ إلى العللِ
الله أكبر.
إن الكريم إذا ما نيل لم يزلِ *** يعطي ويُغضي عن الإجرام والزللِ
فكيف تعرفه يوماً وتبتذلِ *** إلى الخلائق أو تلجأ إلى العللِ
"فلما كان هو الذي يورد الحاجات عليك، كما أنه يهدي الزلفى لديك، نعمة منه ليردك إلى بابه لتقرع بكف الفقر والاضطرار باب الغنى وخزائن العطاء المودعة تحت وجود الانكسار والاضطرار."
قال المؤلف رحمه الله:
الحكمة (39): لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعًا، من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً.
"الرفع هو الطلب وعكوف الهمة على باب المرفوع إليه، إما في رفع نازلة في الحال أو خوفاً منها في المآل أو إرادة عطية أو دفع بلية. فإذا علمت ذلك، وأعطى نور التوحيد أن لا فاعل إلا الله، علمت أن وجود المنافع ودفع المضار آثار لمؤثِّرات. وتلك المؤثِّرات إما من مظاهر الأفعال الظاهر آثارها في ظواهر الأعمال والأقوال، وإما من آثار تجلِّي الصفات التي تظهر آثارها في الملكوتيات والمقامات الأخرويات. وإذا تحققت بأن لا فاعل ولا مؤثر ولا محرك ولا مسكِّن ولا نافع ولا ضار ولا واضع ولا رافع إلا الله، ولا موصوف بصفات الكمال ولا ظاهر بالجمال والجلال إلا الله، علمت يقينًا أنه لا يرفع ما نزل بك سواه، وعلمت أن غيرك مثلك في عجزه عن رفع ما أنزله أو تبديل ما قدره، فما جاز عليك جاز على غيرك.
فإذا لم تقدر على رفع ما نزل بك، فغيرك أعجز. كيف تنزل الحوائج أو ترفع المطالب إلى غيره؟ أم كيف يجمل بك أن تمضي مطايا الطلب إلى سواه وقد علمت فقر غيره وثبوت غناه وعجز غيره وثبوت عزه واقتداره؟ أم كيف تنتصر بمن هو مفتقر في وجود غناه؟ يا عجبًا، أترى يرفع غيره ما أنزله؟ أو يطلب من سواه ما لا يوجد إلا في خزائنه؟ أترى لغيره من القدرة ما ليس له؟ أو يوجد معه من هو هالك في وجوده وغائب في شهوده؟ ويكفيك من العتب أن أثبت الباطل مع الحق. فكيف وقد أثبت الباطل وآمنت به وكفرت بالحق -أي سترته-؟ قال الله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
ويمكن أن تكون: "يكفيك من العيب"، لكن كتب: "يكفيك من العتب".
"ومن أخسر حالاً وأخيب سؤالاً ممن رفع حوائجه بمن هو غافل عن دعائه ومتبرئ عن ولائه. فإذا كانت الأمور صادرةً عنه وقد علمت كمال علمه وغناه ونفوذ حُكمه، وأنه لا راد لأمره ولا معقِّب لحُكمه، فكيف تراك تقصد غيره وهو لا يرضى ذلك لك؟ أليس في ذلك غاية الجفاء وعدم الإنصاف وترك الوفاء وترك المبالاة بالجناب الإلهي؟ فما ترجع إلى بابه إلا وقد حاولت كل حيلة وتلوذت بكل وسيلة.
أترى للوسائل من جلب النفع ودفع الضر ما ليس له؟ أم تراه لا يسمع نداءك ويعلم ضراءك إلا بتذكير المذكرين؟ كيف وهو الذي نصب الدلائل وأبان الوسائل؟ هذا العتب إذا غفلت عنه وتعلقت بسواه، ولم تشهد سر الله في الوسائط والوسائل. وإلا إذا كنت لذلك شاهدًا وله في الأمور ذاكرًا، فلا حرج أن تتوسَّل إليه بوسائله وتتضرع إليه بأصفيائه وخواص أوليائه وشعائره وما احتُرم لحُرمته، فهو الذي نصب الأسباب وعرَّفك الأبواب، فقال: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) فسمَّاهُ بِرًّا. وقد علمتَ ما أمرك الله أن تتشفَّع إليه وتدعوه به من أسمائه، وما عرَّفك في كتابه إذ قال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا). وقد ثبتَ أن شفاعةَ الأنبياء والعلماء كلٌّ على حسب جاهِه عنده، لكن بعد الإذن في ذلك، فقال: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ)، وأحَقَّهُمْ بِذَلِكَ الْمَقَامَ أَخْشَاهُمْ لَهُ، فقال: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).
ولي في ذلك:
يا طالبَ النُّجْحِ في الحاجاتِ والظفرِ *** اقصِد هُديتَ إلى ذي الجُودِ والكرمِ
كُنْ عاكِفَ الهَمِّ في الحالاتِ بالنظرِ *** إلى الذي خيرُهُ جَمُّ النَّدَى عَمِمُ
- وأصلُ الاعتماد على الله حُسنَ الظنِّ بالله.
- وأصلُ الاعتماد على غير الله سُوءَ الظنِّ بالله، أعاذَنَا الله منه.
وحُسنُ ظنِّك به يُلزِمُك، إن لم تُحسِّن ظنَّك به لكونه أهل الفضل ولأوصافه العُلا ونُعوته الفضلى، فلِمَا يصلُ إليك من الآلاء والإحسان وعظيمِ الامتنان، فذلك مُلازِمُك على ممر الأزمان. لذلك قال المؤلف -رضي الله عنه-: "إن لم تُحسِّن ظنَّك به لأجل وصفه، حسِّن ظنَّك به لأجل معاملته معك، فهل عوَّدك إلا حسنًا وهل أسدى إليك إلا منناً."
قال: "لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك" قال: الرفع هو الطلب وعكوف الهمة على باب المرفوع إليه. إما في:
يقول: "إذا علمت ذلك، وأعطى نور التوحيد"؛ أي: أعطى فهمك وعقلك وإدراكك "أن لا فاعل إلا الله، علمت أن وجود المنافع ودفع المضار آثار لمؤثِّرات. وتلك المؤثِّرات:
والناس في هذا العالم يرون حصول آثار كثيرة؛ بعضها بسبب أن هذا دق ذا، أو ذا اصطدم بذا، أو ذا أعطى ذا، أو ذا اتصل بذا. وبعضها ما يدري ماذا حصل؟ ما أدري كيف؟ فجأة، فجأة، فجأة! في مختلف الأحوال، وعند الصغار، وعند الكبار، وعند الذين عندهم آلات التنصت، والذين عندهم… وثم يقول: ما أدري كيف فجأة حصل! حتى في بعض الأجهزة الحديثة يقول: فيروس، أو حصل اختراق ما أدري أين؟ ما أدري كيف فجأة! من أين جاء؟ ذا أظهر لك سببه، وهذا كان المسبب من ورائه من دون أن يظهر لك السبب.
وأمور أخرى معنوية روحانية ما تجد لها سبب ظاهر. وأحيانًا حتى في حال الإنسان العادي يحس بفرح ما يعلم لماذا؟! يحس حزن، ضيق، من ماذا؟ ما يدري.. كيف ما تدري، أيش الذي جاءك؟! وكل هذا مظاهر أهل الغفلة عن الله تعالى، أما المتصلون به أمورهم مرتبة من جهته، ويدبِّر لهم. لا إله إلا هو.
يقول: "وإذا تحققت بأن لا فاعل ولا مؤثر ولا محرك ولا مسكن ولا نافع ولا ضار ولا واضع ولا رافع إلا الله، ولا موصوف بصفات الكمال -على الإطلاق- ولا ظاهر بالجمال والجلال إلا الله، علمت يقينًا أنه لا يرفع ما نزل بك سواه". ولو كان رمد في عينك، ولو كان ألم في بطنك، ولو كان طنين في أذنك، ما بيرفعه إلا هو، بسبب، بغير سبب، بذا أو بذاك.. وإذا ما أراد رفعه، هات أسباب العالم كلها… ثم يقال في بعض الحالات: عجزنا، الطب وقف هنا. كيف وقف؟ خلاص يقولون وقف ما عندنا وراء هذا شيء. يقول كيف وأنت المتقدم والمتطور تحرك… كيف يتحرك؟! هو بنفسه مسكين يصيبه المرض والعلة وما يتحرك، لا إله إلا الله. إذًا، لا يرفع السوء له.
قالوا: ومن أذكار الصالحين التي يفترقون عليها: بسمِ اللهِ ما شاء الله لا يسوق الخَيْرَ إِلا الله، بسمِ اللهِ ما شآءَ الله لا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلا الله، بسمِ اللهِ ما شآءَ الله وما بكم مِن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله. بسمِ اللهِ ما شآءَ الله ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بالله.
أنت بما آتاك من قوة هذه، تظن أنه لو وقعت ذرَّة -نملة- في رجلك تدفعها بقوتك.. إذا لم يُرد تدفعها، هات قوتك وقوة من غيرك، ما تندفع! تحاول تبعدها تجدها في مكان ثاني، وتكمل الذي قدَّر لها من قبضتك، وبعد ذلك تخرج، وأنت قلت كذا وهزيت رجلك، ما طارت ما خرجت، ضربت الأرض بقوة وبقيت عالقة فيك. ومَن يخرجها؟ هو، ويأذن في أن تخرج بأي سبب ظاهر لك أو غير ظاهر، يخرجها، يخرجها، ما يريد تخرج، ما تخرج.
حشرة صغيرة دخلت في أنف النمرود، ولا عاد أحد قدر يخرجها، ملك عنده وأنا أُحي وأميت، هيا أمت الحشرة هذه! جاب آدمي يقتله أمام سيدنا إبراهيم، والآن حشرة صغيرة ما قدر يقتلها! ووجع شديد في رأسه، يضربون رأسه ليسكن الوجع، وروَّح فيها النمرود! سبحان الخالق القوي. بدل أنا أُحي وأُميت، هذه حشرة صغيرة ما قدر يخرجها، ما قدر يموتها حتى يخرجها حية فقط، أخرجها من وسط أنفك، ما قدر!
إذًا، لا فاعل إلا هو، لا مقدِّم لما أخر ولا مؤخر لما قدَّم. (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) [فاطر:2]. (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:51]. ارزقنا صدق التوكل عليك يا رب، لنا مطالب في اجتماعاتنا، في جلساتنا، والحاضرين، ومَن يسمع ولكن ما تتحقق إلا بك، عليك توكلنا في إنجاحها وإنجازها من خيرات الدنيا والآخرة، فعليك التوكل، وعليك الاعتماد، وعليك الاستناد، فحقق لنا فوق ما رجونا، (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
يقول: و"علمت يقيناً أنه لا يرفع ما نزل بك سواه، وعلمت أن غيرك مثلك في عجزه عن رفع ما أنزله أو تبديل ما قدره، فما جاز عليك جاز على غيرك." خَلْق مثلك، "فإذا لم تقدر على رفع ما نزل بك"، -أنت نفسك- "فغيرك أعجز." أنت بنفسك ما تقدر وغيرك أعجز كذلك!.. "كيف تنزل الحوائج أو ترفع المطالب إلى غيره؟ أم كيف يجمل بك أن تُمضي مطايا الطلب"؛ يعني: تجد وتجتهد في الوجهة والطلب، إلى فلان بن فلان وفلتان بن فلتان، والهيئة الفلانية، بنهم وشوق واهتمام وتعظيم. "تمضي مطايا الطلب إلى سواه وقد علمت فقر غيره وثبوت غناه -جل جلاله- وعجز غيره وثبوت عزه واقتداره؟ أم كيف تنتصر بمن هو مفتقر في وجود غناه؟". قال: غني بماله، هو مفتقر لذلك المال، وإذا هلك المال مسكين! عجيب. غني بسلطة، هو فقير لتلك السلطة، لو حصل انقلاب وكذا، فإذا بهم حد حبسوه، وحد حاكموه، وحد قتلوه…
الغني منهم في غناه فقير، الغِنى له وحده تعالى فقط. وأنت تنتصر بمَن هو مفتقر في وجود غناه؟!.. "يا عجباً، أترى يرفع غيره ما أنزله؟" أو يُنزل غيره ما رفعه؟ "أو يُطلب من سواه ما لا يوجد إلا في خزائنه؟ أترى لغيره من القدرة ما ليس له؟ -حاشا الله- أو يوجد معه من هو هالك في وجوده وغائب في شهوده؟" (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88]. "ويكفيك" أن تعاتَب بهذا العتَب "أثبتَّ الباطل مع الحق. -ما تستحي؟!- "فكيف وقد أثبت الباطل وآمنت به وكفرت بالحق -أي سترته-؟ قال الله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)." [العنكبوت:52]، (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ) [البقرة:256].
"ومن أخسر حالاً وأخيب سؤالاً ممن رفع حوائجه بمن هو غافل عن دعائه ومتبرئ عن ولائه." لا إله إلا الله، (وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) [الأحقاف:5]. "فإذا كانت الأمور صادرة عنه، وقد علمت كمال علمه وغناه ونفوذ حكمه وأنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، فكيف تراك تقصد غيره وهو لا يرضى ذلك لك؟" قال لك: أكرِم نفسك، واقصد الفعَّال القادر، اقصدني أنا، لا تذل نفسك، وتقصد غيري. "أليس في ذلك غاية الجفاء وعدم الإنصاف وترك الوفاء وترك المبالاة بالجناب الإلهي؟" هذا كله عتاب عليك لمَّا تستند إلى غيره، لمَّا تعتمد على سواه؛ تُعاتَب بهذه الحقائق.
"أترى للوسائل من جلب النفع ودفع الضر ما ليس له؟ أم تراه لا يسمع نداءك ويعلم ضراءك إلا بتذكير المذكرين؟ كيف وهو الذي نصب الدلائل وأبان الوسائل؟" (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الملك:13]. (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80].
"هذا العتب إذا غفلت عنه وتعلقت بسواه ولم تشهد سر الله في الوسائط والوسائل. وإلا إذا كنت لذلك شاهداً وله في الأمور ذاكراً، فلا حرج أن تتوسَّل إليه بوسائله"؛ التي شرعها وأحبها منك، "وتتضرع إليه بأصفيائه وخواص أوليائه وشعائره"، لهذا أهل القيامة عند اشتداد الأمر عليهم يلوذون بآدم، في لفظ في البخاري: استغاثوا بآدم. في لفظ: لاذوا، وفي لفظ: توسلوا، وكلها معناها واحد؛ استغاثوا بآدم؛ ذهبوا لآدم وآدم يحولهم على واحد ثاني.. ولا واحد من هؤلاء الأنبياء يقول: يا جماعة لا تسألوا إلا الله! وهم يسألون الله لكنهم طالبين وسيلة إلى الرب، وهم سألوا غيره هم؟! هم يطلبونه لكن يريدوا وسيلة لكي يخاطبوا فيهم، فكل واحد من الأنبياء يحول على الثاني. فهل يحتاج الأنبياء إلى واحد متخرج من مدرسة ما أعلم أين يعلمه التوحيد، يعلم الأنبياء التوحيد؟ يقول لهم: لا تقولوا للناس اذهبوا لعند فلان، لعند فلان، قل: اذهب لعند ربك! يا أخي، هذا فلان وفلان ما قُصِد إلا من أجل الله ولأن الله يحبه، فجيء إليه تذللًا لله وخضوعًا لما أبدى من سر محبته له، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]. اذهبوا إلى نوح، سيدنا نوح يقول: اذهبوا إلى إبراهيم. شوفوا وسيلة عند إبراهيم هناك يتكلم ربكم. وإبراهيم يقول: اذهبوا إلى موسى، وموسى يقول: اذهبوا إلى عيسى، وعيسى يقول: اذهبوا إلى محمد، وسيدنا محمد يقول: أنا لها، اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
قال: "وخواص أوليائه وشعائره ومحترمات حُرمته، فهو الذي نصب الأسباب وعرَّفك الأبواب"، تعرف من الأسباب، يروي ظمأك هو بواسطة تناول الماء، ولا تعرف من الأسباب أنه يستجيب دعاءك بواسطة محبوب عنده، ما تعرف هذا؟!! ولو اعتقدت في أن هذا الماء بنفسه يرويني لأشركت بربي، حاشا الله! ليس الماء بنفسه يرويني، يخلق الله الرِّيَّ عند تناوله. لما أتناوله، الله جعل هذه المادة عند تناول الحيوان لها يخلق الرِّيَّ، ولو جعله في مادة ثانية يكون في مادة ثانية ولكن الله رتبه. ومن الذي رتبه. مَن الذي رتبه؟ ما أحد من دولهم رتبه ولا من أصنامهم، الله رتب ذلك. الله رتب ذلك، وجعلك محتاج للماء، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء:30]. الله قال: نحن جعلنا، أحد منكم رتب هذا؟ الله قال: أنا رتبت هذا. الترتيب ترتيبه، فلا يمكن تقول خلاص، ما دام الماء ما يروي بنفسه ما عاد بشرب! وهو الذي رتب الري على هذا. وأنت بتتحدى تسبيبه للأسباب، ولا تقول: هذا الماء يرويني بنفسه! إن اعتقدت ذلك، هذا التناقض مع حقيقة الإيمان، ما يروي بنفسه.
سيدنا الحسين في المعركة لما ظمئوا للماء، قال واحد للحسين: ما عندكم، الماء في جهتنا ولن نعطيكم ماء حتى تموتوا عطشًا. قال سيدنا الحسين: اللَّهم أمِته عطشًا. عطش الرجل عطشة، يشرب يزداد عطش! ما نفعه الماء، ما خلق الله الري! يشرب الماء، والماء بيخرج من بطنه من كثرته وهو عطشان مات، وما نفعه الماء. ليس الماء الذي يروي، الله يروي لكن رتب هذا السبب.
أدخلوا سيدنا إبراهيم وسط النار؛ وما احترق. لو كانت النار بنفسها تحرق لروَّح سيدنا إبراهيم هو وجسده! لكن لا ما تحرق بنفسها، حاشا الله (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69] فليست النار تحرق، أيش قدَّرها مسكينة! الله يخلق عند ملامستها لأجساد معينة ومواد معينة الإحراق. الله خلق ورتب ذلك هو -جل جلاله-.
لذا كان يستشهد باستجابة الله لدعوات الصالحين، حبيبنا عبد القادر السقاف -رحمة الله عليه- يقول: كان والدي عند واحد من أهل الخير والمحبة من سيئون، يشتغل في الغاز هذا والمواد المشتعلة، معه مخزن يخزن فيها هذه الأشياء. قال: جاء عنده، كان مدعو يتغدى عنده. وجاء له خبر، قالوا له إن النار لهبت في مستودعك! فانزعج قام من الغداء قال له والدي: فين تبغى؟ قال: قالوا لنا إنه حريق في مخزننايا حبيب، وهذا الحريق غاز يشتعل! قال له: لا، ما بيحرقه الله ونحن عندك، اقعد محلك تغدى معنا. هو قال كذا وهناك انطفت النار! تغدى وراح حصَّل ما في شيء، جزء بسيط والنار وقفت هناك. فكان يقول الحبيب عبدالقادر: قدرة الله واستجابته. ولا كل واحد يقدر يقول هذا الكلام، وهل إذا قالها بتتوقف النار وتنطفئ؟! لكن الله -جل جلاله-! الله، بالمقربين.. النار ما تحرق بنفسها! تحرق بنفسها؟ الله، إذا أراد… واحد محبوب عنده قال: النار ما بتحرق ونحن عندك، عيب. نأكل غداك ويحرق الله مخزنك؟ كلمة.. هو ما نطق بهذه الكلمة إلا والنار هناك انطفت، وقعد الرجال يتغدى مبسوط، وذهب هناك وما حصّل هناك شيء.
وهكذا سيدنا أبو مسلم الخولاني، وسط صنعاء يجيء له الأسود العنسي ويقول: تؤمن بي أني رسول؟ قال: ما أسمع! قال: محمد رسول الله؟ قال: محمد رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. قال له: تشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع كلامك! قال أحرقوه.. جاءوا بالنار، وأدخلوه، دخل تربّع في النار، ما أصابه شيء منها إلى أن انطفئت النار وخرج حتى ثيابه سالمة، ما أصابه شيء! قالوا: أبعد الرجل ذا من مملكتك وإلا بيفسد الناس عليك، وأخرجوه. راح نحو المدينة المنورة وتواصلت الأخبار أن الأسود العنسي حرق واحد من الأخيار وما أصابته النار. صادف عند دخوله المدينة سيدنا عمر. قال له: من أين الرجل؟ قال: من اليمن. قال: ما خبر أبي مسلم الخولاني؟ هو بنفسه ما يعرفه، كان بلغنا أن الأسود أدخله النار فلم تحرقه، أكان ذلك؟ قال: نعم. قال: أين هو؟ قال: هو ذا، عندك! قام اعتنقه سيدنا عمر ضمّه ودخل معه للمسجد، أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق وقال: الحمد لله الذي أراني في أمة محمد مَن جعل الله عليه النار بردًا وسلامًا كما جعلها على إبراهيم بردًا وسلامًا.
فلا ننكر الأسباب ولا نبطلها لأننا لسنا الذين وضعناها، هو الذي وضعها. ولا نعتمد عليها، ولا نظن أنها فعّالة بذاتها، ونحن نؤمن بأنه هو الذي وضعها ويخلّفها متى شاء -جل جلاله وتعالى في علاه-. فلا ننقض حكمته، ولا ننكر قدرته، ولا نيأس من رحمته. وإذا أصابتنا شدة فهو لنا، وعند ذلك في طمأنينتنا تستوي الأحوال شدة ورخاء، وقربًا وبعدًا، ومحبة وبغضًا، يستوي عند التجائنا إليه أنه هو الذي لا يكون إلا ما قدّره؛ فهو المتولي، وهكذا.
احتاجوا مرة حاجة من مسؤول لمَّا كنا في البيضاء، وهذا كان لوالده محبة للصالحين واتجاه في الخير، بعد ذلك جالس هذا الولد -الذي صار مسؤول فيما بعد- بعض الجلساء بغّضوا إليه الأخيار والصالحين.. بعدين بعضهم له حاجة منه، جاءوا للحبيب محمد بن عبد الله الهدار قال حاجته فيها مصلحة للناس في البلد لكن عند فلان، وفلان الآن يبغض العلماء، ما عاد يحبهم. قال: إذا فيه مصلحة للناس هاتوا نكتب إليه، فليس هو الذي يقضيها، كان مبغض أو محب كل سواء. إن الله أراد على يده تنقضي بتنقضي إن كان مبغض أوكان محب. وإذا ما أراد الله ما تنقضي؛ ما بتنقضي إن كان مبغض أو محب. كتب، مجرد ما وصلت قال: طيب، ونفذ. وهم يتعجبون! ولكن من أول ما قالوا له قال: إذا فيها مصلحة للناس هاتوا نكتب إليه، وقال: هو الله إن أراد قضاها سواء هذا يحبنا أو يبغضنا، وإن ما أراد؛ ما بتنقضي ولو كان أكبر محب، -جل جلاله-.
وهكذا، دخل بعض الأخيار مرة عند بعض المسؤولين يريد يوقِّع له على حاجة.. رفض. وهو خارج عند الباب، يسمعه الحارس يقول: يوم ما أردت أنت الرجال ما رضي! يخاطب ربه … ما يُدرى أيش حرّك قلبه ذاك، قال للحارس قل لفلان: ارجع، ارجع. وقّع له، خرج؛ قال: شُف يوم رضيت كيف صلّحت! هو الذي ردّنا الآن.
كنا مرة راح عند حدود بعض الدول، وردّوا واحد بعدين مدري أيش حصل حتى في حقهم الكمبيوتر، قالوا: ردوا الرجال ذاك خلوا يجيء، بدل هو ما كانوا يردونه، راحوا يدورون له، وختموا الجواز حقه وقالوا له: امش!... وبعدي، والأمر لمَن؟ (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [الروم:4]. تسليطات يسلَّطها على القلوب، يحرك ذا، ويحرك ذا… فيا ما أحسن حال المعتمد عليه والمستند إليه! -جل جلاله-، ومن أخسر حالًا، وأخيب سؤالًا، ممَن رفع وجهه إلى غيره!
يقول: "هذا العتب إذا غفلت عنه وتعلقت بسواه ولم تشهد سر الله في الوسائط والوسائل." يقول: "(وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)". (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) [البقرة:189]. قال: عدّه من البر. "وقد علمتَ ما أمرك الله أن تتشفَّع إليه وتدعوه به من أسمائه، وما عرَّفك في كتابه إذ قال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا)." نسألك بأسمائك الحسنى وكلماتك العُلى أن تجعلنا من الصالحين، والهُداة المهتدين، وأهل اليقين، وعزيمة الصبر في عافية.
"وقد ثبتَ أن شفاعةَ الأنبياء والعلماء كلٌّ على حسب جاهِه عنده، لكن بعد الإذن" (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [البقرة:255]، "(وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ)، وأحَقَّهُمْ بِذَلِكَ الْمَقَامَ أَخْشَاهُمْ لَهُ فقال: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)." (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:28].
يا طالبَ النُّجْحِ في الحاجاتِ والظفرِ *** اقصِد هُديتَ إلى ذي الجُودِ والكرمِ
كُنْ عاكِفَ الهَمِّ في الحالاتِ بالنظرِ *** إلى الذي خيرُهُ جَمُّ النَّدَى عَمِمُ
"وحُسنُ ظنِّك به يُلزِمُك، إن لم تُحسِّن ظنَّك به لكونه أهل الفضل" -يلزمك إن لم تحسن لكونه أهل الفضل- ولأوصافه العُلا ونُعوته الفضلى"، فأنت مَن يغذيك ويربيك من أيام كنت في بطن أمك؟ والآن كم عمرك؟ وكل العمر هذا ما قطع رزقه عليك، ولا قطع عافيته عنك، ولا قطع الهواء الذي تستنشقه عليك، ولا سلَّط عليك مفترس يفترسك، ولا سلَّط عليك... وفي كل يوم كم أنفاس لك؟ ولك في كل نفس كم نِعَم؟ ودورتك الدموية ما توقفت طول السنين هذه التي أنت تعيشها! وبصرك معك وسمعك معك، أيش هذا الإحسان ذا كله؟! كان تحسن ظنك به حتى من الأشياء الواقعة فيك والواصلة إليك!..
وكم مرة عصيته؟ وكم مرة خالفته؟.. ولا نزع منك البصر، ولا نزع منك السمع، ولا فضحك بين الخلق، وكل هذا الإحسان منه، وعادك ما تحسن الظن به؟! تحسن الظن بواحد، لو حس منك قليل أنك تخالفه أو من وراءه تصلح شيء؛ ينقلب عليك انقلابه، وإن قدر يسجنك يسجنك، وإن قدر يخرجك من وظيفة يخرجك! وتعمل هذه الأشياء كلها مع الرب العظيم هذا، وهو يسترك، ويواصل فضله عليك، كيف ما تحسن الظن به؟! لا إله إلا الله.
إذا ما عاد عرفت عظمته وصفاته، اعرف الإحسان الحاصل فيك منه.. كم سترك؟ كم عافاك؟ كم دفع عنك مصيبة؟ كم كشف عنك ضر، كم وكم؟… له الحمد (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18] "فلِمَا يصلُ إليك من الآلاء والإحسان وعظيمِ الامتنان، فذلك مُلازِمُك على ممر الأزمان" في كل لحظة لك منه إنعامٌ كبير. والله أعلم.
21 ذو القِعدة 1441