الحِكَم العطائية -25 | إنْ لم تُحسِّن ظنَّكَ بهِ لأجلِ وصْفِه، حسِّن ظنَّكَ به لأجلِ مُعاملتِه معك

شرح الحكم العطائية لباراس -25- (إنْ لم تُحسِّن ظنَّكَ بهِ لأجلِ وصْفِه، حسِّن ظنَّكَ به لأجلِ مُعاملتِه معكَ)
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الأحد 21 ذي القعدة 1441هـ.

الحكمة (40): إن لم تُحسِّن ظنك به لأجل وصفه، حسِّن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عوّدك إلا حُسنا؟ وهل أسدى إليك إلا مِننا؟ 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم. 

رضي الله عنكم، ومن كتاب "شرح الحكم العطائية" للشيخ العارف بالله علي بن عبد الله بن أحمد باراس، نفعنا الله به وبعلومه وبعلومكم في الدارين آمين، إلى أن قال: 

الحكمة (40): إن لم تُحسِّن ظنك به لأجل وصفه، حسِّن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عوّدك إلا حُسنا؟ وهل أسدى إليك إلا مِننا؟ 

 

حسن الظن بالله أصل كل خير، ومنبع كل فضيلة، وأنجح كل وسيلة، وبه نال ذوو الفضائل واعتمده كل محققٍ واصل. وعنده يكون لك كل ما أنت آمل، وتصلح معاملة كل عامل. فإذا أراد الله أن يُنيل عبده فضيلةً ويولِّيه جميلة، جعل حسن الظن بالله له إليه سُلَّما.

والخلق في حُسن ظنهم بالله على قسمين بل أقسام كثيرة؛ فمن خاصة وعامة، وهم أيضا صنوف وأقسام عديدة. 

  • فالخاصة لما عرفوا ما هو عليه سبحانه من النعوت العلية والصفات الجميلة، حسنوا ظنهم به لما ترشح في مشاهد أسرارهم من أنوار صفاته وتجليات ألطاف ذاته، فلم تغيرهم اختلافات العوارض الكونية والآلام البدنية لما تمكن في أسرارهم من لطيف جماله وعليّ كماله. فهؤلاء حسنوا ظنهم به لا لشيء ولا بشيء، بل هو عليه وبه، لا بحدوث عرض. 
  • والعامة لم يشهدوا ذلك ولم يحظوا بما هنالك، فحسنوا ظنهم به لكون أيادي فضله عليهم متواصلة ومزايا بره لديهم متزايدة، ولم يعوّدهم إلا لطفاً وإحساناً وفضلاً وامتنانًا. 

فالأوّلون مأمونو الانقلاب عما هم عليه، لأنهم حسنوا ظنهم لا لعلة ولا بعلة. والعامة غير مأموني الانقلاب لتقلب الأحوال؛ فلربما يضعف عن حسن الظن به مع وجود المؤلمات وحصول المنغصات. والذين أحسنوا الظن به لكونه أهلًا لذلك مستحقا له، لا يتطرق إليهم سوء الظن لأجل حصول شيء مما ذكر، لأنهم مستغرقون في شهود الأوصاف العلية والنعوت السنية.

والأحاديث والأخبار والآثار في حُسن الظن أكثر من أن تذكر وأظهر من أن تشهر، منها حديث قدسي: "أنا عند ظن عبدي بي"، ومنها: "لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".

وأما الآثار فما روي عن أحد من أهل الله إلا وكان أغلب أحواله في عموم أوقاته حسن الظن بالله، فطرّزوا به الكتب والدفاتر، وزيّنوا به الخطب والمنابر، سيما من كان مقامه أرفع وعلمه أوسع، فلا يكون جل مقامهم وبالغ كلامهم إلا في حسن الظن بالله. فهو من أجلّ مقامات العبودية، فلو كان عمل أرجى منه أو حال أشرف منه، لكان ينبغي للعبد أن يتصف به عند خاتمة عمره، فلما لم يكن أشرف منه حال ولا أرفع منه من أحوال العبد كمال، دلنا عليه الناصح الشفيق فقال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". فلا ينبغي للعبد أن يفارقه حسن الظن بالله لمحة ناظر ولا فلتة خاطر، لأنه لا يأمن هجوم الموت عليه في حال من أحواله.

ولا يناقض كونه خاشيًا وخائفًا، فإنك إذا قدمت على ملكٍ كريمٍ ووعدك بالعطاء وجميل الوفاء، تكون على ثقةٍ من ذلك مع ما أنت عليه من هيبة الملك وخوف سطوته، فذلك مشاهَد. 

ويتأكد حسن الظن بالله عند النوازل، لأنه قال: "أنا عند حسن ظن عبدي بي"، فإياك أن تخرج عن حضرة عنديته، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، فالكل ظن بالله ظنه، فكل ظن على حسب ما حقيقة العبد عليه منطوية. فلا أدل على سابقة الحسنى من الله للعبد من حسن الظن بالله. ولا يكون حَسَن الظن وهو مخالف للأمر ومنتهك للمحارم، أما إذا كان كذلك -أي منتهك للمحارم تاركا للأوامر- فهو زندقة وخروج عن الحد المطلوب، فإن تمادى وتديّن به ونبذ أوامر الله فذلك دليل المكر. فكل من كان ظنه بالله أحسن، كان لأمره أحفظ، وعلى محابه أحرص، ومن مكره واستدراجه أخوف. وذلك دليل القرب؛ إذ خاصة الملك أشد خوفاً وهيبةً له من أهل البوادي والقاصين في أباعد النواحي، ومع كونهم أشد الخلق خوفاً منه، هم أرجى الناس لفائضات عطاياه، وأحراهم بمننه ومزاياه، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.

ولي في ذلك:

فحسّنِ الظنَّ كي تحظى به كذا *** يكونُ لك كلُّ ما ترجو وتحتسبُ

إن لم تنلْ من شهودِ الواصلينَ فذا *** لِما إليكَ من الإنعامِ والنسبِ

فكيف ترجعُ عن بابِ الكريمِ إذا *** قصدتَهُ عند فقدِ الحَولِ والسببِ

فإذا أردت حسن كمال الظن بالله، فعليك في عامة ليلك ونهارك بتعلُّق قلبك بوحدانية الله، واستعمال جوارحك جهدك فيما يقربك إليه زلفى، وابذل الوسع فيما يُبعدك من القواطع عنه بُعدا. فعندما تصفو لك المشارب، وتحقق لك المطالب، ترى يقينا أن كل ما سوى الله عز وجل مفارقك ومتخلِّفٌ عنك ومتبادرٌ منك، وأن الذي لا يفارقك ولا يتخلف عنك هو سيدك ومولاك عز وجل، وذلك سوى كائن ما كان من دنيا وأهل وأقرباء وأصدقاء. فعندما يتحقق تخلف الكل عنه، وانفكاك كل مقارن وغيبة كل معاين، قال العارف رضي الله عنه متعجباً بعد تحقق ذلك: 

الحكمة (41): "العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب من لا بقاء له معه! (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]."

 

الله أكبر وله الحمد، لا إله إلا هو. أنت بحكم إيمانك بالإله الذي خلق، يجب أن تعبده وتطيعه بما فرض عليك من العبادات، ومما فرض عليك: حُسن الظن به. فلا يجوز أن تتخلف عن هذه العبادة ولا أن تنفك عنها، فيجب -وقد علمت هذا الإله في عظمته- أن تحسن الظن بالله. 

ولك في تحقيق حسن الظن بالله وتثبيته في باطنك إحدى طريقين: 

  • طريق للعامة. 
  • وطريق للخاصة. 

وكلٌّ من أهل الطريقة الأولى والثانية لهم مراتب ودرجات تختلف من واحد لآخر.

فالعامة يشاهدون كيف اعتنى بهم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام إلى كسوة لحم، إلى خروج من بطون الأمهات، إلى ما قذف في قلوب الآباء والأمهات من رحمتهم وتربيتهم، إلى ما دفع عنهم من أنواع المصائب والنوائب، إلى ما أعطاهم؛ يبيتون آمنين، وينامون، ويطعمون ويشربون، ويتنفسون هذا الهواء الذي جعله ضرورة من ضروراتهم مجاناً، وهم في طول أعمارهم، ويجدونه في الديار والشوارع والأماكن المختلفة وحيثما ذهبوا. ويجري لهم دوراتهم الدموية، ويلاحظ جهاز تنفسهم… عجائب من المنن قدامهم، فيرون معاملته لهم فيحسنون الظن بالله أن المعامِل بهذه المعاملة سيتم النعمة. 

ولكن إذا أشرفوا على مراتب المعرفة بالله، صاروا يحسنون الظن به لما يعرفونه من صفاته، ولما يعرفونه من عظمته جل جلاله وتعالى في علاه. فيقول: إذا لم تصل شيء مراتب الخواص، فلا تقصر وتنقطع عن مرتبة عوام المؤمنين.

ولا مجال إذن لليأس أبدًا، ولا لسوء الظن بالرحمن جل جلاله وتعالى في علاه، بل سوء الظن هو الذي حل بالكفار والفجار فأرداهم: (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) [فصلت:22-23]. فحسِّن الظن بهذا الإله.. فإن "حُسن الظن بالله أصل كل خير".

ولحسن الظن ألازم *** فهو خِلّي وحليفي 

وأنيسي وجليسي *** طول ليلي ونهاري 

 

……………………… *** وحسِّن ظنونك في المولى ترى البشرى

 

فالرب عند ظنون العبد فلتدرِ *** جاء الحديث فاصغِ إلى الذكرى

والبس من الصبر سربالاً لدى الضجرِ *** واسأل من الله كشف البؤس والضررِ

الله الله!..

يقول: "حُسن الظن بالله أصل كل خير، ومنبع كل فضيلة"، ولهذا قالوا: لا يتم الوصول إلى الله إلا بحسن الرجاء، بصدق الرجاء. فالرجاء إذا تحقق به العبد وصل إلى الله. والمواهب جميعًا والمنن تحت حسن الرجاء، فاحطط هنا. 

وكيف لا ترجوه وهو الذي تعنو له الوجوه! يعطي ولا يبالي، ويرحم ولا يبالي، ويعذب ولا يبالي. وهو محل كل رجاء ومحل كل خوف؛ فلا ينبغي أن تخاف إلا منه، ولا ترجو إلا هو. فعلى قدر ما تعرفه تكون كذلك، وإلا تسلَّط عليك رجاء غيره وتخيب، وتُسلط عليك خوف غيره وتخيب. وإذا بقيت معه فهو الذي ترجوه والذي تخافه، يعطيك ما ترجوه ويؤمّنك مما تخاف، الله الله!

"وبه نال ذوو الفضائل" فضائلهم، "واعتمده كل محقق واصل". فلا وصول إلى الله إلا بصدق الرجاء في الله. فإذا "أراد الله أن يُنيل عبده فضيلةً ويولِّيه جميلة، جعل حسن الظن بالله له إليه سُلَّما". قال سيدنا الشافعي -عليه رحمة الله-:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلتُ الرجا منّي لعفوك سُلّما

تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه *** بعفوكَ ربي كان عفوُكَ أعظما

مهما عظم ذنبي فعفوك أعظم. وهذا اليائس يقول أنا عندي من الذنب والعصيان ما يغلب ما عندك من العفو والغفران! تقول هذا على ربك! قليل أدب! مهما عظم ذنبك فهو أعظم بعفوه ومنّته. لكن اصدق معه في حسن الظن وتب إليه، (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ) ارجعوا، حققوا حسن رجائكم وظنكم فيه بإقبالكم عليه، (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ)[الزمر:53-56]؛ هكذا، محسنو الظن بالله محسنون للعمل، محسنون للمعاملة، لأنهم محسنو الظن.

ولا يتناسب حسن الظن مع سوء العمل أصلاً، يكون هذا زندقة أو لعب وكذب. وإذا أحسنت الظن بواحد كيف تحترمه؟ كيف توقره؟ كيف تبحث عن أي شيء يحبه وتفرّحه به؟ لأنك محسن الظن به.

 والذي أنت يائس منه، ما تبالي به، لكن إذا عندك حسن ظن به. تقول له: يا مرحبا يا مرحبا، الله يحفظكم، أيش أعمل لك… لأنك محسن الظن به، وربما طامع في شيء مما عنده؛ أهلاً وسهلاً، على العين والرأس، مرحباً، حاضر حاضر... 

فإذاً كيف تحسن الظن بالله وبعدين تخالف وتعصي؟!.. هكذا حسن الظن هو! حسن الظن بالله.. مرحباً، لبيك، لبيك اللهم لبيك، أنا عبدك بين يديك، أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ هذا حسن الظن الصحيح، هذا حسن الظن الصحيح الطيب المليح الفائض بالمنح والعطاء من حضرة الحق سبحانه وتعالى.

يقول: "واعتمده كل محققٍ واصل. وعنده يكون لك كل ما أنت آمل، وتصلح معاملة كل عامل. فإذا أراد الله أن يُنيل عبده فضيلةً ويولِّيه جميلة، جعل حسن الظن بالله له إليه سُلَّما."، فنعم السُّلم نرقى عليه، أحسن الظن فيما يعطيك في الليالي هذه والأيام، وهذه اللقاءات والاجتماعات بتحصّل أكثر مما تؤمل؛ مهما صدقت معه.

هل تسمع؟.. هذا هو الحق! 

"والخلق في حُسن ظنهم بالله على قسمين بل أقسام كثيرة؛ فمن خاصة وعامة"

فالخاصة لما عرفوا ما هو عليه سبحانه من النعوت العلية والصفات الجميلة"، حسّنوا الظن به -الله أكبر- "ترشح في مشاهد أسرارهم من أنوار صفاته وتجليات ألطاف ذاته" ما أيقنوا به أنه يجب حسن الظن فيه، وأن عنده فوق ما أمّلوا، وأعظم مما رجوا، وخير مما ظنوا بيقين. إيش حصل لهم؟ قال: "ترشح في مشاهد أسرارهم من أنوار صفاته وتجليات ألطاف ذاته""ترشح في مشاهد أسرارهم من أنوار صفاته وتجليات ألطاف ذاته"؛ فلا سبيل لهم أن يخرجوا عن حسن الظن به أصلا، ولم يجد سوء الظن في قلوبهم محلا، لأنهم عرفوه، فكانوا عليه معتمدين وعليه متوكلين وإليه مستندين وفيه طامعين ولما عنده راجين والأمر كله إليه مفوضين. تعلم ذلك واسلك شريف المسالك، نجّانا الله من جميع المهالك.

يقول: "فلم تغيرهم اختلافات العوارض الكونية والآلام البدنية لما تمكّن في أسرارهم من لطيف جماله وعليّ كماله."، قالوا لواحد من هؤلاء وقد ابتلي في جسده ببليات كثيرة وصار مقعد ولا يقدر يقوم، وعنده أنواع من الأمراض، ومن يمر به يقول: الحمد لله على ما أعطاني! الحمد لله ما تفضل به عليّ! فيتعجب فيه يشوفه إنسان مقعد مريض يقول: أيش أعطاك؟ ما هذا الذي تفضل به عليك؟! قال: يا هذا! أعطاني قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً، أما لها قيمة هذه؟! عندي قلب شاكر له ولسان ذاكر له. كيف تقول أيش أعطاك! أعطاني شيء عظيم. فيشهدون عجائب وفضائل، ويعلم أن كل ما ينازلهم وراءه من ثوابه وجوده وفضله عليهم شيء كبير. 

فما تغيرهم الحوادث، إن جاءت شدة أو إن جاءت… حسن ظنهم، ما ينقص ما يقل، بل يزداد. (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[آل عمران:173] جل جلاله وتعالى في علاه. 

يقول: "فلم تغيرهم اختلافات العوارض الكونية والآلام البدنية لما تمكن في أسرارهم من لطيف جماله وعليّ كماله." حسن ظنهم به تعالى لمعرفته، "لا لشيء ولا بشيء، بل هو" على الله وبالله ولله خالص.

العامة شهدوا أفعاله، وهؤلاء أحيانًا لما تقع شدة يبدأ يتزعزع.. عجيب.. ما عرف الله تعالى، إنما عرف… لكن إذا اشتدت عليه يقول أيش حصل؟ هل حصل أمر ثاني؟ ولا ما عاده كما أظن… ما يؤمن عليه أن ينقص حسن ظنه يتغير بحصول وحلول بعض الشدائد التي تحل به، ويتململ منها؛ لأنه ما عرفه هو، وما صار محسن ظن به له، محسن الظن به ببعض الأشياء التي يحسها، لما تتغير هذه الأشياء التي يحسها يرجع يتقلقل ويتململ مسكين، ما هو هكذا!!.. 

ولو تأمل وجد نفسه فيما هو فيه.. في ألطاف عاده أيضًا ولكن تخفى عليه أحيانًا، الإنسان هذا -سبحان الله- جحود كفور، (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) إلا الذين تربّوا (إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 19-24]. هؤلاء ما تأثر فيهم الحوادث، والثانيين فورًا بسرعة أي حادث يؤثر عليه. 

يقول: لما لم يشهد العامة ذلك ولم يلاحظوا، "حسّنوا ظنهم" لأيادي فضله،

  • "فالأوّلون مأمونو الانقلاب" 
  • "والعامة غير مأموني الانقلاب لتقلب الأحوال؛ فلربما يضعف عن حسن الظن به مع وجود المؤلمات وحصول المنغصات".

أما الذين "أحسنوا الظن به لكونه أهلًا لذلك"، "لا يتطرق إليهم سوء الظن" ولو كان ما كان. هيا يا بلال اكفر بمحمد هذا وما جاء به! يقول: أحدٌ أحد!.. يضربه، يقول: أحدٌ أحد! يُجر في بطحاء مكة الحارة، أحدٌ أحد! يوضع الحجر الثقيل على صدره في الحر والشمس، أحدٌ أحد! ما يرجع أبداً ولا يقصر حسن ظنه بالله أبداً، الله أكبر! أحدٌ أحد..

قال نبينا عن ربنا: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" كما جاء في رواية الصحيحين وغيرها. وفي رواية لمسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". فلما كان أمر شريف نصحنا النبي أن لا نموت إلا عليه. 

قال: لو كان في حال أشرف منه ولا أرفع من أحوال العبد بيدلنا عليه الناصح الأمين، لكن الناصح الشفيق قال لك هذه الخصلة خلها موجودة عند لقائك للرب تعالى: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". لما مر على بعض الشباب الموفقين في أواخر أنفاسه وعند الموت، قال له: كيف تجدك؟ قال: يا رسول الله أجدني أرجو ربي وأخاف ذنبي. قال: "ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف". ومات على حسن الظن بالله جل جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا؛ العارفون والعلماء طرّزوا به كتبهم ودفاترهم، وزينوا به خطبهم: حسن الظن بالله، فهو من أجلّ مقامات العبودية. فنصحنا النبي أن نتصف به عند خاتمة العمر خاصة وفي العمر عامة، فلا ينبغي أن يفارقنا حسن الظن بربنا لمحة ناظر ولا فلتة خاطر. يا رب لك الحمد أتم النعمة علينا. وهو في كل لمحة وفي كل فلتة يمكن يحصل لك الموت، فمُت وأنت حَسَن الظن بالله. 

وهذا كله ما يناقض كونه خاشيًا خائفًا مهتابًا مُجِلاً لأمر الله تعالى.. أبداً! بل صحة حسن الظن يقوى بها الخوف، وتقوى بها الهيبة، ويقوى هذا بهذا، وهذا بهذا، وهكذا يمد هذا هذا. فأما إذا انفرد الواحد عن الآخر فهو الضر؛ يدَّعي حُسن الظن كذاب، يدعي.. أو يكون يائس من رحمة الله؛ يدّعي الخوف وهو يائس من رحمة الله (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87]، (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر:56].

وعند النوازل قال يتأكد حسن الظن بالله، "أنا عند ظن عبدي بي"؛ فما تخرج عن عنديّته، فهو يكون عند ظنك، إن خير.. فلك الخير منه، وإن ظنك شر.. خذ الشر. كلٌّ ظانٌّ بالله ظن، ولكلٍّ ما ظن. لا إله إلا الله... 

جاء عند النبي ﷺ عيادة واحد مريض أعرابي، وعنده حمى، يقول له: "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله". قال: ما طهور! بل حمى تفور، على شيخٍ كبير، تُزيره القبور! قال ﷺ: "فنعم إذن"؛ خلاص هذا هو نصيبك، ظنك هذا هو.. وزادت عليه وأودته القبر. ولا قَبِل بشارة النبي، ولا أحسن الظن بالله ولا برسوله، روّح مسكين.. صابته قليل الحمى وروّحت به. ما عرف عظمة الله، كم أعاشه في الحياة بلا حمى؟ ساعات أو أيام أو أشهر أو سنين… سنين طويلة والآن قليل حمى كم أيام بينسى الفضل! قليل أدب.. لمّا قل الأدب قال له: "فنعم إذن"، هذا هو. 

لا إله إلا الله، اللهم ارزقنا حسن الظن بك وبخلقك.

 

قال: "ولا يكون حَسَن الظن وهو مخالف للأمر"؛ ما يمكن يكون حسن الظن بالله وهو مخالف لأوامر الله. واحد يحسن الظن بك أنك تعطيه وأنك تكرمه، يقوم يضربك..  لماذا؟ قال: أنا حَسَن الظن! حَسَن الظن تضرب يعني؟! ..يخالف أوامرك، لماذا؟ قال: أنا حَسَن الظن! تحسن الظن بي تخالف أوامري يعني؟! تحسن الظن.. تأدب معي وامتثل أمري.. ما لك كذا.!ا ما يقع حسن الظن مع المخالفة!.. يعطيك لطمة ويقول لك حسن ظن!..إنا لله وإنا إليه راجعون!! إذا هذا حسن الظن خذ حسن الظن حقك لك، الطم نفسك وأحسن الظن بنفسك لا تلطمنا أنا!

وهكذا من يدّعي حسن الظن بالله ويعصي، يعصي، يعصي… ما يكون هذا حسن ظن! هذا حُسن كفر، هذا حُسن شر، ما هو حُسن ظن، هذه إساءة أدب ليس حسن الظن؛ حسن الظن يندم، يرجع، يخشع، يخاف، لا إله إلا الله. 

فقال: "فإن تمادى وتديّن به ونبذ أوامر الله فذلك دليل المكر.  فكل من كان ظنه بالله أحسن، كان لأمره أحفظ، وعلى محابه أحرص، ومن مكره واستدراجه أخوف."

اللهم قربنا إليك، فقال هذا "دليل القرب". قال: خاصة الملك أشد خوفاً وهيبةً له من أهل البوادي" والعوام… يعرفونه ويفزعون منه، لأنه إذا غضب على الواحد منهم بيخرّجه من القرب إلى أين! أما ذاك هو أصلا بعيد هناك، وهذا يخاف أكثر؛ القريب يخاف أكثر لأنه يخسر شيء كبير، والبعيد هو بعيد هناك. كل من كان أقرب لله كان خوفه منه أكبر ورجاؤه فيه أعظم أيضًا. فيا ما أحسن حُسن الظن.

وهكذا؛ سمعتم قصة سيدنا عبد القادر الجيلاني في أدبه مع الله وحُسن ظنّه في أولياء الله، قالوا وقد زار بعض الأولياء معه اثنان، واحد منهم يقول: أنا سأمتحن هذا الشيخ، تظاهر بالولاية والصلاح، معي مسائل سأمتحنه بها. وقال الثاني: جئت أنظر حاله وأنظر كيف هو. قال سيدنا عبد القادر: أنا قصدته لله ومن أجل الله، أرجو بزيارته أن يرضى الله عني وأن يقبلني وأن يؤجرني ويثيبني على زيارة من أحببته من أجل الله تبارك وتعالى. 

وخرج الشيخ عليهم، جلس معهم، قال فلان: جئت تمتحنا؟ معك مسائل؛ مسألتك الأولى كذا وجوابها كذا، والثانية كذا وجوابها كذا، والثالثة كذا وجوابها كذا.. سمعت؟ ما أظنك تموت على الإسلام! وقال للثاني: جئت تنظر حالنا؟ ما تدري.. أراك تغرق في الدنيا إلى شحمة أذنيك! عبد القادر، قصدتني من أجله، وجئت لي حَسَن الظن به وبي من أجله، أراه يرفعك حتى تفوق مراتب الأولياء في زمانك كلها! 

انصرفوا... هذاك الأول مرت عليه الأيام والسنين، وسلّط الله على قلبه محبة امرأة نصرانية وراح يجري وراها، واشترطوا أهلها  يتنصّر. وحدثته نفسه وإبليسه قال: تنصّر كم أيام خذ البنت منهم وبعدين ارجع إلى الإسلام! وتنصّر.. شفت نتائج سوء الظن أين وصلت! لا إله إلا الله... وراح في النصرانية وشرب الخمر ومات وهو سكران ونصراني. الثاني تولى القضاء في بغداد، والجيلاني وصل للذي قاله حتى صار أولياء زمانه كلهم تحت رايته بحسن ظنه وأدبه. يا الله بالتوفيق.

وجاء أيضًا، سأل عن حديث الذي غلبه الخوف، وقال لأولاده: ذرّوني -بعد ما تحرقوني- في يوم ريح عاصف في البحر، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني! هذا خوفه لم يكن مجرداً، وما خافه إلا وهو من جملة ظنه به أنه قادر وقوي ويفعل ما يشاء. 

  • وما بين أن تكون معارفه محدودة. 
  • وما بين أن يكون معنى "لئن قدر الله علي"؛ أن يضيق علي، يعني أراد أن يعذبني سيعذبني. 
  • أو مع كونه محدود المعارف وظن أن الله بعد ذلك ما يتمكن من جمعه، فكان معذوراً لجهله، وما عرف ذلك على يد النبي ولا أحد من العلماء.

فقبله الله بكل ذلك، وما كان قلبه خالٍ عن أن هذا القادر القوي الفعّال لما يريد، إن حاسبه عذّبه، وإن عفا عنه فهو العفوّ، ولكن غلبه الخوف على رجائه فلم يخيّب الله تعالى رجاءه، وهو الفعّال في عباده ما يشاء، لا إله إلا هو.

  • فلا خوف مجرد يمكن أن يوصل إلى النجاة من النار ولا إلى دخول الجنة، بل الخوف المجرّد جناية في الإيمان على معرفة الواحد الأحد. 
  • ولا رجاء مجرّد يمكن أن يوصل إلى المراتب، لكن رجاء مجرد.. زندقة؛ تبعد عن الحق جل جلاله. 

وما من خوف صحيح إلا ومعه رجاء صحيح، ولا من رجاء صحيح إلا ومعه خوف. فالله يملأ قلوبنا بخشيته ومحبته ورجائه. 

وقال طاووس اليماني لمن استوصاه: خَفْ من الله حتى لا يكون شيء أخوف عليك منه، وارجُه أعظم من خوفك منه، وأحب للناس ما تحب لنفسك. اذهب فإنك إذا عملت بهذا فقد عملت بما في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن. 

يا رب وفقنا وأعِنّا وخُذ بأيدينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

تاريخ النشر الهجري

22 ذو القِعدة 1441

تاريخ النشر الميلادي

13 يوليو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام