(461)
(632)
(368)
(167)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 22 ذي القعدة 1441هـ.
الحكمة (41): الْعَجَبُ كُلُّ ٱلْعَجَبِ مِمَّنْ يَهْرُبُ مِمَّا لا انْفِكَاكَ لَهُ عَنْهُ، وَيَطْلُبُ مَا لَا بَقَاءَ لَهُ مَعَهُ، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
بسم الله الرحمن الرحيم
رضي الله عنكم، من كتاب "شرح الحكم العطائية" للشيخ علي بن عبد الله باراس، قال رضي الله عنه وعنكم ونفعنا بكم في الدين والآخرة. قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (41): الْعَجَبُ كُلُّ ٱلْعَجَبِ مِمَّنْ يَهْرُبُ مِمَّا لا انْفِكَاكَ لَهُ عَنْهُ، وَيَطْلُبُ مَا لَا بَقَاءَ لَهُ مَعَهُ، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
"العَجَب"؛ هو التعجُّب من حُسن الشيء ومن قُبحه. فإذا بلغ غاية الحُسن، تعجّب من بداعة الصنع وكرامة القابل، ومن ذلك: "عجبَ ربُّكَ من شابٍ ما صبا، وعجبَ ربُّكَ من قومٍ يُقادون إلى الجنةِ بالسلاسلِ" .
ومن قُبح الشيء إذا بلغ الغاية في القبح والحماقة، ومنه ذلك، ثُم لم يرضَ بالعجب مجردًا؛ بل أكَّده بقوله: "كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه" وهو اللّٰه سبحانه وتعالى، لا انفكاك للعبد عنه، فكيف ينفكُّ عمَّن لا يظهر وجوده في ممرِّ وجوده إلا به، ولم تنفك عنه معيته أزًلا وأبدًا ووجودًا، فكلُّ ما سواه من سائر محبوباته من جميع شهواته وملذوذاته، متخلفٌ عنه، ومنفكٌ عنه بالموت وبعوارض أخرى تعرض له، وهو الذي أظهرها له من خُبُوّ العدم، ثم بعد ذلك يهرب عنه ويسكن إليها؛ فذلك دليلٌ على عمى قلبه، وانطماس نوره.
وقد علمت أن نظر القلب في عواقب الأمور، ومكنونات المعاني، ومشاهدة العجائب الملكوتية، ولا تظهر عجائب الملكوت على من سكنت نفسه إلى الشهوات، وحارت فكرته في مترادف الظلمات، فإذا هربت عمَّا لا انفكاك لك عنه، واستوحشت وطلبت من أنت غني عنه وهو الذي يطلبك، واستأنست بمن هو عين وحشتك وبريد فرقتك، فذلك دليلٌ على انطماس النور، وعمى القلوب بالفرار عن المحبوب، والاستئناس بالمرهوب؛ فإنها لا تعمى الأبصار؛ لأن عمى الأبصار مع نظر القلوب قُربةٌ وتحفة؛ لأنها معينةٌ لك على جمعك على نظر القلب، وأبعد عن التفرُّقات الشاغلة عن لذيذ الذكر وخفي الفكر، مع ما ورد في ذلك من جزيل المواهب ونيل الرغائب؛ كحديث: "من أخذتُ حبيبتيه ورضي عني، فما جزاؤه إلا النظر إلى وجهي".
هذا عمى الأبصار إذا استنارت القلوب، والعمى كل العمى هو أن يعمى القلب عن الله، وعن شهود مظاهر آياته وعجائب مصنوعاته، ويستأنس ويستلذ نظرّ المحرَّمات، ويستوطن مواطن الغفلات، فإشارته بالقلوب التي في الصدور احترازٌ عن القلوب المدبّرة لظواهر الأمور، المحجوبة عن الأنوار، التائهة في ظلمات الآثار، التي هي مواضع التدبيرات الدنياوية، والشهوات الحيوانية، فإن الصدر هو المشكاة، والقلوب المعنية التي المعوَّل عليها في كلام اللّٰه وكلام رسول الله وإشارات أولياء الله هي المصباح، فهذه القلوب التي في الصدور، فإذا فقد ذلك النور، وأُكسفت هذه البدور، نُودي: بأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولي في ذلك:
إن العجَبْ منك أن تهرب إلى الغِيَرِ *** من بارئ الكون والموجود في الأثرِ
لو كنتَ شاهدتَ ما في الكونِ من عِبَرِ*** غنيتَ بالقلبِ عن منظَرْكَ بالبصرِ
فلو استأنست به لم توحشك المصائب، ولم تسترقَّكَ ملذوذات الرغائب، ولغنيت عنها وافتقرَتْ إليك، ولكن لمّا استأنست بها واستلذذتها، توحَّشت عليك واستوعرت، ونفرت عنك الأشياء لأنها مع الله، حيث كان الله مع عبده بالعون والنصرة والهداية، كانت الأشياء كذلك، وحيث استوحش من الله، أوحشته الأشياء ونافرته وخذلته أحوج ما يكون إليها.
فلما كانت الأشياء من حيث غيريَّتُها متساويةٌ في أنه لا ينبغي للعبد أن يساكنها وأن يرضاها دون الله، قبَّحَ حال مَنْ يرحل من كونٍ إلى كون، فقال رضي اللّه عنه:
الحكمة (42): لَا تَرْحَل مِن كَوْنٍ إِلى كَوْنٍ؛ فتَكُونَ كَحِمَارِ الرَّحَى يَسِيرُ، والذِي ارْتَحَلَ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي ارْتَحَلَ مِنْهُ، وَلَكِنِ ٱرْتَحِلْ مِنَ ٱلْأَكْوَانِ إِلَى الْمُكَوِّن (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ ٱلْمُنتَهى).
لا إله إلا هو جل جلاله.
الحمد لله ربنا ورب كل شيء، خالق كل شيء ومليك كل شيء، ومقدِّر كل شيء، ومدبِّر كل شيء، ومن بيده ملكوت كل شيء، لا إله إلا هو، نسأله بقدرته على كل شيء أن يغفر لنا كل شيء، وأن يُصلح لنا كل شيء، وأن لا يسألنا على شيء، وأن لا يعذبنا على شيء، وأن لا يفتننا بشيء، وأن لا يقطعنا عنه بشيء، وأن لا يُسلِّط علينا من كائناته شيء، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يقول الشيخ: أن العَجَب ينبعث:
فيتعجب الإنسان من الحَسَن البديع ومن القبيح الشنيع، تعجبًا يثير فيه الاستغراب؛ كيف كان ذلك وكيف تم. التعجب من الحسن كما جاء: "عجب ربك من شاب لا صبوة له"، وهذا بمعنى رضاه سبحانه وتعالى عنه، وإقرار جوده وكرمه عليه.
ويأتي العجب "من قُبح الشيء إذا بلغ الغاية في القبح والحماقة"، ومنه هذا: "العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه"، كل الذين يريدون في هذه الحياة بأي تصور كان، هروبًا وبعدًا عن الحق الذي خلقه، واهمون، ولا انفكاك لهم عنه، ألحِد، أو اكفر، أو أبعد، أو تنَصَّر، أو تهوَّد؛ تحت سمائه وفوق أرضه وناصيتك بيده، ومرجعك إليه، أين ستذهب؟.. (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) [الرحمن:33] فرحين بأنفسهم فيما يدّعون أنهم وصلوا إلى كوكب المريخ، انفذ وأترك الأرض والكوكب، هيا اذهب، اهرب من المحل الذي خلقه هو واذهب ابحث لك عن مكان ثاني. مِنْ أين تهرب؟ أين تذهب؟ أنت محكوم بحكمه.
قال: "العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه"، ما لا يقدر يفتك منه يهرب، أنت مجنون؟ أين ستذهب!.. (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير:26]، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26]، (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) [مريم:84]، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [إبراهيم:42].
تهرب مِنْ مَنْ؟ يريد أن يهرب من المطالبة بالفرائض، وبعدين؟.. طيب اترك الفرائض كلها.. لحظة وتموت وتعال للسؤال!.. لا هرب، لا ينفك عنك سؤالك عنه، وأول ما تُسأل في القبر عن فرائض الصلاة، وتعال موقف القيامة والسؤال عنها. لا هروب، أين تهرب؟ أدِّها وأقِمها وافرح أن الله يسرها لك وأدِّها تمام، تهرب أين؟ لا تريد أن تصلي، لا تصلي وبعدين.. أين ستذهب؟ كلما طال هربك طال عَذابك، طال عَذابك وعليك حسابه، ما لك فكة،والذي كان العوام يقولون فقط في مداركهم في الأمور التي تجري لهم في الحياة: اللي ما لك عذر منه تبِتّ مِنُّه! خلاص خلِّص نفسك وامشي سواء وإلا تتعب؛ تهرب تهرب تهرب ويقع فوق رأسك بعدين، الذي يريد يهرب من اللطيف أين يذهب؟ هل يخرج من تحت سمائه؟ هل يبعد من فوق أرضه؟
ولهذا قال بعض العارفين لما كان يعظ تلميذه، قال له: أوصني. قال له: أوصيك، إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من تحت سمائه. قال: كيف أخرج من تحت سمائه؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فاخرج من فوق أرضه. قال: أين أذهب؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه. قال: كل الأرض هذه وما فيها من رزقه، من أين آكل؟ قال له: اذهب إلى مكان لا يراك فيه فاعصِه. قال: وأي من مكان لا يراني فيه؟ (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد:4].
قال: يا هذا، تحت سمائه، وفوق أرضه، وتأكل رزقه، وهو يراك، تريد أن تعصيه؟! قال: خلاص ولا أعصيه بعدها. قال: هذه وصيتي لك. انظر أنت أين، تحت سمائه وفوق أرضه وتأكل رزقه وهو يراك، وبعد ذلك كيف تقدر أن تعصيه؟! كيف تقدر أن تخالفه؟! لكن غفلة، غفلة، غفلة كبيرة. (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) [الأنبياء:1].
"العجب كل العجب ممن يهرب ممن لا انفكاك له عنه"، ما يمكن أبدًا يهرب. فمِثاله: واحد وسط سجن محكم ويريد أن يهرب، يصكصك براسه عند الباب، ويذهب للجدار الثاني، ويطلع جهة النافذة ويصكصك براسه، أنت مجنون؟! أجلس محلك لمّا السجان يفكك وبعدين يجيء أمر بخروجك يفكك؛ وإلا لا فائدة من هذا الهرب، تهرب أين؟ أنت وسط سجنك لا هروب لك، سجن محكم. وأعظم من هذا قبضة الرب، هذا لا أحد يقدر ينفك منها أصلًا، لا مَلَك، ولا إنس، ولا جن، ولا صغير، ولا كبير، ولا حيوان، ولا نبات، ولا جماد، ولا أرض، ولا سماء، (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس:83]، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56]. ما يتأتى الهرب، فتَتعجب، يريدون يُلحِدون، يريدون يتنَصّرون، يريدون يرجعون إباحيين، وإلى أين تذهبون؟ فكّر، والغاية أيش؟ قضيت نَهمتك وشهوتك الخبيثة بأنواع الكدر والغصص الذي فيها، وبعد ذلك؟ ما هي الغاية؟ أليس لك عقل يمتد النظر فيه إلى النهاية؟ إلى الغاية؟ إلى العاقبة؟!..
يقول: "كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه"، فكيف ينفكُّ عمَّن لا يظهر وجوده في ممرِّ وجوده إلا به". نطفتك ما ظهرت إلا به، علقتك ومُضغتك، خروجك من بطن أمك به. (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس:18-20]، وجودك في الحياة كلها به، والحياة التي حواليك موجودة في الأرض، عسى ما هو الحزب حقك ذا صلّح لك الأرض! صلَّح لك الأرض قبل أن تأتي لتكون عضو معهم تعطيهم الأصوات، وتصلِّح مظاهرات معهم، وتقاتل إذا تقاتلوا مع أحد، خلقوا لك البلاد حقك صلَّحوها! ولا الحكومة حقك؟ ولا إيش من دولة صلحوا لك الأرض؟!.. أنت في أرضه هو، وتحت سمائه هو، والهوى هذا الذي تشمه وتقوم حياتك به من الأكسجين لا أحد منهم صلّحه لك قبل أن تأتي؛ لا أصدقائك الذين يغوونك ولا حزبك الذي يستعبدك، ولا شعب ولا دولة، ما أحد منهم الذي خلق لك الهواء، أنت في قبضته من كل مكان، وتريد تهرب، إلى أين؟ إلى عند من؟
(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ)، لماذا قال: (عِندَ رَبِّهِمْ)، [السجدة:12]، لأنه لا مكان ثاني يرجعون إليه أصلاً، ما شي مرجع آخر، أين سيذهبون؟ إلى أين؟ المرجع إلى الرب، تقع مسلم تقع مجرم، تقع مؤمن تقع كافر، المرجع إليه هو، لا مرجع ثاني (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
(إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ)، لكن فرق بين من يرجع إليه وهو مُكرَم والحق راضٍ عنه، ومن يرجع إليه والحق غضبان عليه ينكِّس رأسه أمام العذاب. يقول سبحانه وتعالى: (أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الزمر:24]، وقال: (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [فصلت:40]. فهناك فرق بين ذا وذا، واحد يتقي بوجهه سوء العذاب، وواحد يأتي آمن، ترى الفرق!..
يقول سبحانه وتعالى لما ذكر الجنة: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15]، والله الفرق كبير جدًا جدًا وعظيم بين هذا وهذا! وكله نتيجة هؤلاء هربوا إليه وهؤلاء حاولوا الهروب منه وما قدروا فَرَّجعهم إلى النار، وهؤلاء هربوا إليه، عرفوا أنه لا انفكاك لهم عنه فَهربوا إليه.
ولهذا كان بعض العارفين يتأمل يقول: سبحانك! من خاف أحدًا هرب منه، ومن خَافك هرب إليك! غيرك إذا خفناه نهرب منه، نتَغيَّب عليه ولا عاد يجي علينا، بنترك البلاد الذي هو فيها ونروح.. لكن أنت إذا أحد خاف منك أين يذهب؟ ما معه إلا يرتمي عليك ويرجع إلى عندك وأنت تؤمّنه. من خاف غيرك هرب منه، ومن خَافك هرب إليك. لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه جلَّ جلاله.
يقول: "ولم تنفك عنه معيته أزًلا وأبدًا ووجودًا". قال: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد:4]. (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة:7]، وبعين بتهرب إلى أين؟ معك عقل؟ أستغفره وأِنب إليه، وتب إليه واصدق معه، هذا أحسن لك، وإلا ما لك مفك، وبعدين يعذبك والعياذ بالله تعالى. (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ) [الإسراء:107]. (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا) تمام ما دام هناك غوث لكن قال: (بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ)، أيَّ غوثٍ هذا؟ هذا مصيبة، عذاب فوق العذاب، (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف:29] إذا قربوه من الوجه شواه، ويسقونه فيُقّطِّع الأمعاء قطعًا قطعًا من حرارته، (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15]، اللهم أجرنا من النار.
هذه لا سبيل للوصول لها، أو للولوج لها والدخول فيها، إلا هذه المعاصي، هذه الذنوب، هذا الترك للصلوات، هذا فعل منكرات، هذا الكفر، هذا هو؛ لا شيء غيره سبب يوصلك إلى هذه النار، ولا أن تُغاث بماءٍ كالمُهل يشوي الوجوه، اترك هذه الذنوب والمعاصي وأقبل عليه، ولك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
يقول: "فكلُّ ما سواه من سائر محبوباته" هذا الإنسان "من جميع شهواته وملذوذاته، متخلِّفٌ عنه، ومنفكٌ عنه"؛ فهو يلازم الذي سَيفارقه، ويلجأ ويلوذ بالذي سينقطع عنه، والذي لا مفك له منه ولا مفر يحاول يهرب منه! هذه غاية في البلاهة والبلادة والحماقة والجنون، ولهذا هم يقولون في القيامة: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ) [الملك:10]، ما كان عندهم عقل، يصلحون حيل ومكر يُضِّلُون أنفسهم ويُضِّلُون الناس، يريدون يهربون منه، ما دروا بأنفسهم إلا وصلوا إليه. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ) من؟ أعماله؟.. ذهبت مثل السراب والذي حصّله هو الله (وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور:39]. جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، لا إله إلا هو.
يقول: كل ما تحبه غيره سَينفك عنك، سيتخلَّف عنك، سينقطع عنك، سيذهب عنك، سيفنى عنك، وستفنى عنه، كل شيء، ماذا تحب؟ وزارة، دائرة، رئاسة، قصور، مزارع، طائرات، حِب ما تحب، كلها ستنقَطع عنك، ستفنى عنك، ستنفَك عنك وستنفَك عنها ضرورةً. يا الله! ابحث لك عن شيء لا ينفك، موجود؛ لكن أنت قاعد تريد تهرب، ما لك مهرب؛ هو الله، نعم.
يقول: "ومنفكٌ عنه بالموت و بعوارض أخرى تعرض له". يكون فرحان مسكين بالدائرة هذه وطلع فيها لمّا صار رئيس الإدارة بعدين قالوا جاء قرار خرّجوه، قالوا: وفوق هذا صار ممنوع يدخل في هذا المحل! يا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الذي أفنيت كم من سنة، وعقلك وعمرك حتى في وسط الصلاة ما حضرت مع الرب وأنت تفكر في هذا، اليوم خرّجوك منه، ما عاد حتى صَفَت صلاتك مع الله، الله الذي بترجع إليه وتلقاه، وتركت الاشتغال به واشتغلت بهذا واليوم خرّجوك منه بِجَرّة قلم، قرار قالوا: اخرج، ارحل، كما يقولون..
هذا الذي أفنيت عمرك فيه؟ ولو كان مضى عمرك وأنت معه، ولا أحد بيقدر يقول لك ارحل، أو ادخل أو اخرج، وهو فوق الكل وهو سيُلاطفك وسيقول لك: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) [الحجر:46]، (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر:29-30]. الله يرزقنا حسن معاملته، ويملأ قلوبنا وشعورنا أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، فَنلزم البُدَّ الذي لا بُدّ لنا منه، بُدَّنا اللازم؛ بطاعته وتقواه والبعد عن معاصيه.
(أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، من أحسن قال الله، (أَفَمَن يُلْقَىٰ)؛ يُرمى يُطرح، (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) شي فرق أم ما شي فرق! أين أحسن منهم؟.. (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)؛ هذا واحد من الاثنين، أردت هذا أو أردت ذاك، طريق الإلقاء في النار وطريق الأمان ودخول الجنة؛ (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [فصلت: 40] وراكم رقابة أعلم بكم من أنفسكم، أعلم بكم من أنفسكم، لا إله إلا الله.
قال: "وهو الذي أظهرها"، هذه الأشياء كلها من حواليك، أظهرها لك "من خُبُوّ العَدَم"، كانت معدومة، "ثم بعد ذلك يهرب عنه ويسكن إليها"، يهرب عن الإله الذي خلقه وكونه ويسكن إلى هذه الأشياء التي تنفك عنه وتتركه وتفارقه، "فذلك دليلٌ على عمى قلبه، و انطماس نُوره"؛ نور بصيرته، "وقد علمت أن نظر القلب في عواقب الأمور، ومكنونات المعاني، ومشاهدة العجائب الملكوتية"؛ أي: المعنوية الغيبية، هذا نظر القلب؛ أما نظر العين الجسمية: ألوان، وأجسام، وأشكال، وأحجار، وتراب، وأجسام، ما تعرف غير هذا؛ لكن للقلب نظر، ينظر إلى المعاني، ينظر إلى العواقب، ينظر إلى العجائب الملكوتية، (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام: 75]، ما الإراءة هذه؟ الله يريه الملكوت يعني الغيوب، الأمور الغيبية في السماوات والأرض أراها إبراهيم، فما أعظم قلب إبراهيم الذي أُري هذه الأشياء. قال في سيدنا محمد: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) [الإسراء:1]. بعدين يقول: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم:18]، فكل من رأى من الأنبياء والملائكة من آيات الله، فالكُبرى مع محمد ﷺ، الكبرى مع محمد: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)، أكبر واحدة أعطاه إياها، أراه إياها ما أراها غيره، صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلم، يقول ابن عباس: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)، كبرى الآيات، أكبر واحدة من جملة الآيات أراه الكُبرى، ومن رأى الكبرى عرف الصغرى بيقين، ﷺ.
لهذا قال:
وواقفون لديه عند حدِّهم *** من نقطة العلم أو من شكلة الحِكَمِ
وقدمتك جميع الأنبياء بها *** والرسل تقديم مخدومٍ على خَدَمِ
قال: "نظر القلب في عواقب الأمور ومكنونات المعاني"، عسى لقلبك نظر.. يُدرك في مثل هذه الأماكن، وفي مثل هذه الليالي يُدرَك نظر القلب. وإذا نظر قلبك هنيئًا لك، عشقت الجمال الفائق الأبدي الذي لا يفارقك ولا ينفك عنك، ومحاسنه تبدو لك في سرَّائِك وضرَّائِك، طوال حياتك، وعند الغرغرة والموت يبدو الحسن أجمل وأكمل، حتى تقول واشوقاه، واطرباه.. وما بعد ذلك أجمل وأكمل إلى القيامة، ويقال: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر:27-30].
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، والخطاب من فوق: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ في الدنيا: قد تَوليناكم بِتوفيقنا وتَجنيبكم المهلكات والموبقات والفتن، وتَثبيتكم على ما نحب حتى وصلتم إلى قربنا، وفي الحياة الدنيا إن بقي لكم فيها أثر، إن بقي لكم فيها متصل، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)؛ في مواقفها كلها أنا وليّكم، (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)؛ وعاد في الآخرة.. الحُجب الكثيفة واللطيفة التي ابتليت الناس بها في الدنيا قد ذهبت، ما عاد لها وجود هنا؛ أمر عذب، صافٍ، خالص، نقي، روح خالص، يقول: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ)، ما كنت أبتلي وأختبر به عبادي في الدنيا صالحهم وطالحهم، من سرّاء وضرّاء، وشدة ورخاء، ومرض وصحة، وغنى وفقر، خلاص هذا كله روّح؛ الآن نعيم خالص؛ (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)، ما هذا؟ وكيف نصل لهذا؟ وكيف يتكون لنا هذا؟ قال: (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ)؛ ضيافة من عند غفور رحيم، (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ).
وكيف نصل لهذه الضيافة وندخل في دائرة الله تعالى؟ قال لك: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ)، ادْعِ إليه وامشي في الطريق يوصلك إلى هناك، (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، إن ثارت نفسه، وإن ثارت أفكار الناس، وإن ثارت التيارات من هنا وهناك، قال: أنا من المسلمين، أنا مسلم لله ربي جلَّ جلاله، خلّوا طغيانكم، وفكركم، وتقّولكم، وتَطاولكم هذا، ما يغُرني شيء منكم، لا تهددوني ولا تغروني بشيء، أنا من المسلمين (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، الله الله.
ولكنه علامته يصبر ويتَخلّق، قال: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)؛ إذًا فهي صعبة، قال: مهما كانت صعبة اصدق معي أنا معك، (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت:30-36]؛ عندك معاذ تعوذ به، وملاذ تلوذ إليه، فاستعذ بالله، دعها مهما كانت صعبة اتصل بي وأنا أجعل الصعب سهلًا. يقول ﷺ في دعائه: "اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحَزْن" -الشديد الصعب- "إذا شئت سهلًا"، "وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلًا".
قال بعضهم للحبيب عبد القادر، يذكر ما تجده أرواح المقربين والعارفين من محبة الرحمن ونارها التي تتهيج بالأشواق، وأنه كيف يشكون لظاها وأنها أعظم من كل نار، فلما تكلم في هذا، ت قال الحبيب عبد القادر: نعم، ولكن بعضهم يجعلها الله عليه بردًا وسلامًا! هذه النار الشديدة الكبيرة الصعبة قال: يجعلها بردًا وسلامًا كما جعلها على إبراهيم بردًا وسلامًا، كما جعل النار الحسِّية هذه على إبراهيم بردًا وسلامًا، كذلك نيران الحب التي لا تقوى لها نيران الآخرة التي تُعذَّب فيها أجساد الكفار.. لا تقوى لها.
جُز يا مؤمن فقد أحرقني نورك. هذه نيران المحبة.. ولذا بعض العارفين يقول: ربنا -افتراضًا من عنده- لو أراد الله سبحانه وتعالى أن يُعذِّب النار، لو أراد أن يُعذِّبها، كيف يُعذِّبها وهي مظهر غضبه ويُعذِّب بها عباده؟ فقال: لو أراد أن يُعذِّبها عذَّبها بنار محبته التي أوقدها في قلوب العارفين! وشاهِد ذلك في الحديث: إذا أراد المؤمن أن يجوز على جهنم تقولُ النّارُ: "جُزْ يا مؤمِنُ فقد أطفأَ نورُك لَهبي"، "جز يا مؤمن فقد أحرقني نورك.. قال: امشِ اذهب من عندي، تتأذى من نور المؤمن، قال هكذا.. فكيف بشأن المحبة الخالصة لله تبارك وتعالى.. لا شيء فوقها. الله يرزقنا حقائق محبته ومعرفته وقربه ورضوانه.
يقول: "ولا تظهر عجائب الملكوت على من سكنت نفسه إلى الشهوات، وحارت فكرته في مترادَف الظلمات. فإذا هربت عمّا لا فكاك لك عنه.. استوحشت، وطلبت من أنت غني عنه وهو الذي يطلبك، واستأنست بمن هو عين وحشتك وبريد فرقتك، فذلك الدليل على انطماس النور وعمى القلوب".
لما تصورت الدنيا لسيدنا عيسى ويسألها، قال: كم خطبوا؟ قالت: خُطَّاب كثير يخطبونني. قال: وما تفعلين بهم؟ قالت: تزوجت كثير، قال: كلهم طلقك أم كلهم ماتوا عنك؟ قالت: بل قتلتهم كلهم. ماحد طلقني منهم.. قال: عجبًا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين! أنت كلما تزوجتِ واحد صلحتِ لأبوه مصيبة وقتلتيه وجعلتيه عبرة، ويجيء الثاني والثالث، ما يعتبرون؟ مكانهم خُطاب وأنتِ تقطعين في أبوهم وتكسرين رؤوسهم، ويجيء الثاني بعد الثالث، كلهم بغوا كسّار رأس! ما سمعوا كلام باراس، ولو سمعوا كلام الأكياس من خيار الناس ما وقعوا في هذا المنحط المهتاس! لا إله إلا الله...
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 109].
قال: -تستأنس- "والاستئناس بالمَرهوب؛ فإنها لا تعمى الأبصار؛ لأن عمى الأبصار مع نظر القلوب قُربةٌ وتحفة؛ لأنها معينةٌ لك على جمعك على نظر القلب"، كان واحد من الصالحين -عليه رحمة الله- عمي في آخر وقته، يقول: لو كان العمى جاء في وقت مبكر كان أحسن، قال: جمعية على الله، وكان أيام شبابي ما عاد بغفل ولا بروح يمنى ولا يسرى، لكن جاءني العمى متأخر، يا ليت العمى جاءني من أول. هذا أعمى البصر، لكن بصيرته مفتوحة.
كان يقول لي واحد كنت أمشي معه في شوارع تريم في بعض الليالي، بعدين قال يقول لي: هنا قمر طالع؟ وهو الرجل أعمى، يقول: يوجد قمر هنا طالع؟ قال: قلت له نعم وهو ماشي قمر، وحتى لو القمر طالع هو أعمى أصلاً.. قال: تريم نويرة! تريم نويرة.. (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46].
كما قال: عمى البصر سهل، لكن المصيبة من عمي قلبه ينكب إلى العذاب المؤبد، وما عاد حد يخلِّصه بعد ذلك، عمى البصر سهل، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). بل بالعكس قال لك: يقول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي جاء في رواية الترمذي: "مَنْ أَذْهَبْتُ حَبيبَتَيْهِ"؛ يعني: عينيه، "فَصَبَرَ واحْتَسَبَ؛ لمْ أَرْضَ لهُ ثَوابًا دُونَ الجنةِ". هذه ليس مشكلة عمى البصر وحده؛ لكن المصيبة الكبرى عمى البصيرة. فَالله يُنَّور بصائرنا وأبصارنا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وحولنا وقوتنا في سبيلك ما أحييتنا واجعله الوارث منا يا الله.
"فالعمى كل العمى أن يعمى القلب عن الله وعن شهود مظاهر آياته وعجائب مصنوعاته".
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه هو الواحد
(وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). مجرد القلوب التي تفكر في شؤون الدنيا والمصالح، هذا يوجد حتى عند الحيوانات، ولكن القلوب التي تعي عن الله سر خطابه، القلوب التي تعي عن الله سر خطابه، فهذه لا تصبر عن صدق اللياذ بجنابه، ولا تصبر عن ذكره لحظة.
يقول: "فهذه القلوب التي في الصدور، فإذا فقد ذلك النور، وأُكسفت هذه البدور، نُودي: بأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولي في ذلك:
إن العجَبْ منك أن تهرب إلى الغِيَرِ *** من بارئ الكون والموجود في الأثرِ
كل هذه آثاره..
لو كنتَ شاهدتَ ما في الكونِ من عِبَرِ*** غنيتَ بالقلبِ عن منظَرْكَ بالبصرِ
وصِرت مشاهد بجمال البصيرة. وهكذا؛ "فلو استأنست به -تعالى وبقربه- لم توحشك المصائب"، ولا النوائب، ولا الشدائد. حتى قال: من عرف الله في الشدة لم يشتق إلى الرخاء! يقول الشيخ أبو بكر بن سالم، حتى في الشدة ما يشتاق إلى الرخاء، لأنه معه معروف ذوَّقه حلاوة وصال ما عاد يحس بشيء معه، بل لا يكون دائم إلا في رخاء، هذا الذي عرف الله دائمًا هو حتى إذا اشتدت الأحوال هو في رخاء؛ بينه وبين الله لطائف عجيبة، كما سمعت قول سيدنا بلال: خلطتها بحلاوة الإيمان زادت حلاوة الإيمان. لا إله إلا الله.
قالوا لسيدنا -إبراهيم عليه السلام- آخر عمره: ما أحسن أيام مرت بك في الدنيا؟ قال: أيام كنت في نار النمرود! أحسن أيام مرَّت عليّ لما كنت وسط النار، لمّا دخلني في النار حقه والله تعالى جعلها عليّ بردًا وسلامًا، ومعي جبريل يتردد عليّ ويأتي لي بأكل من الجنة، أحسن أيام كانت.. (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) [الصافات:98]، في الآية الثانية: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء:70]، ولكن إبراهيم في حظيرة القرب من الرب، في طمأنينة وأمن وشيء عجيب، يقول له سيدنا جبريل وهو في الهواء لمّا رموه بالمنجنيق، قال: خليل الله، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، قال: فسَله، قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. في لحظات يتكلم وهو في الهواء، والحق يقول للنار: كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، ودخل فيها كأنه دخل في نهر بارد، استوى وقام يصلي محله، وجاء له جبريل، وأسبوع كامل والنار موقدة، في بعض الروايات: أربعين يوم، في بعض الروايات أكثر، لأنهم جمعوا لها حطب حتى كان الطير يمر في الهواء فوقها يحترق من لهيب النار!.. ودخَّلوا فيها سيدنا الخليل عليه السلام. يقول سيدنا العباس:
وَرَدْتَ نارَ الخليلِ مُكْتَتِمًا *** في صُلْبِهِ أَنتَ كيف يحترقُ
أنت كنت وسط صلب إبراهيم لما دخّلوه النار، والحق قال: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69]، الله. لا إله إلا الله.
"فلو استأنست به لم توحشك المصائب، ولم تسترقَّكَ ملذوذات الرغائب"، وكنت فوقها ولم تكن فوقك، وكنت قاهرها ولم تكن قاهرتك، أنواع الشهوات و اللذائذ، "ولغنيت عنها وافتقرَتْ إليك، ولكن لمّا استأنست بها واستلذذتها، توحَّشت عليك واستوعرت، ونفرت عنك". ولهذا قالوا: يطلبونها وهي كبقرةٍ، إن جاؤوا من أمامها نطَحتهم، وإن جاؤوا من ورائها رمَّحتهم! ولكن هم أرادوا التنطيح والترمح، رجاء أن يحصِّلوا شيء، ويا كم نطَّح ويا كم رمح وقع للناس من القرون السابقة وفي الأوقات اللاحقة. لا إله إلا الله..
فالله يرزقنا صدق الإقبال عليه، وصدق التوجه إليه، ويبارك لنا ولكم في مجامعنا ومجالسنا بركة تامة، ويصلح شؤوننا الخاصة والعامة، ويجمعنا يوم القيامة في دائرة المحبوبين والمقربين أهل التمكين، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
23 ذو القِعدة 1441