الحِكَم العطائية - 27 | لا ترحل من كونٍ إلى كون، فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -27- (لا تَرْحَلْ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ فتكونَ كحمارِ الرّحَى..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الثلاثاء 23 ذي القعدة 1441هـ.

الحكمة (42): لا ترحل من كونٍ إلى كون، فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارتحل من الأكوان إلى المكوِّن، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ). وانظر إلى قوله ﷺ: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهمٍ، والسلام.  

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، من "شرح الحكم العطائية" للإمام العلامة أبي محمد علي بن عبد الله بن أحمد باراس -رحمه الله- ونفعنا به وبكم في الدارين آمين، إلى أن قال -رضي الله عنه-:

الحكمة (42): لا ترحل من كونٍ إلى كون، فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارتحل من الأكوان إلى المكوِّن، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ). 

الرحلة: هي الإرادة والهمة والعزم على السير، إما ظاهرًا بالأركان القالبية، وإما باطنًا بالحركات المعنوية والجمعية القلبية، ولا لنا إلى السفر بالأبدان حاجة ولا له نعني، ولكن المراد السفر إلى الله بالقلوب من مواطن الشهوات ومحال الغفلات في ميدان النفس وبيداء مراحل العادات الحاجبات عن حضرة الاقتراب، فلا ترحل أيها المريد الصادق من كونٍ من الأكوان، وتعلق همتك بنيل حالٍ أو رفيع مقامٍ أو مستلذ وصال، ولكن ارحل من الكون جملةً، ظلمانية أو نورانية، من ظواهر والمعاني إلى المكوِّن.

 فعند أول نظرة هناك يندرج فيه جميع ما في الأكوان من الحسن والإحسان، وجميع ما في الجنان من كل ما لا يوصف بلسانٍ ويشاهَد بعيان فهذا بأول نظرة، وما وراء ذلك مما ادخره في خزائن الإحسان وذخائر الامتنان عند الشهود والعيان، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ) [النجم:32]؛ فهو منتهى الحسن والإحسان، ولقاؤه منية القاصي والدان، فلو لم يكن ذلك مأمولاً في الجنان ومحجوبًا في النيران لما طاب في الجنة المقيل، ولا ظهر في النار العويل.

فمن رغِب عن ذلك وطلب شيئًا هالكًا إذ كل من سواه هالك، فهو حقيق بأن يوصف بوصف الحمار من البلادة والانغمار في جملة الأشرار، الذين حُجبوا عن الأنوار، ولم يحظوا بمشاهدة الأسرار، ولم يخرجوا عن ظلمة الإنكار وخبطة الانقهار. 

وهذه غاية الجهل، أن يرتحل إلى ما عنه سار، فلا يزال كذلك ولم ينفك عن حركة التدوار في الآثار، وترقّب الانتقال والخروج عن الآثار إلى الأطوار، فلم تفتح له مطالبه ولم تواجهه رغائبه، ولو كان إلى الله سيره، لرآه قريبًا، ولدعائه مجيبًا، ولقاصِده حبيبًا، وبعد سيرٍ إليه من الآثار، واختراق الأطوار، واحتراق الأسرار، تظهر له عقار جنة في صورة نار، فيطير لهُ شرار، وتبدو منه مبادئ المحبة وتفتح في خزائن المحبة أسرار مفاتيح شهود المحبوب.

وفيها يلاقي ما هو لاق، (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) [القيامة:29]. وبعد ذلك يُفتح باب السباق للعُتّاق في السير فيه يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ولنرجع ونقتصر على الإشارة إلى ذلك: فمن كانت همته في سيره نيل مقام أو حصول على حال دون أن يوفي الربوبية حقها، فذلك لبقايا خفيات شهوات النفس ودسائس غوامض كوامن الهوى ولي في ذلك:

ارحل إلى الله لا تلوِ على أرَبِ *** وكُن كليلاً عن الأكوان والغيرِ

فمنتهى كل مأمولٍ ومنقلبِ *** اللَّهُ قلْ وكلَ الأغيار عنك ذرِ

 

الحمد لله. يقول: تعلَّم الرحلات التي فيها حيازة السعادة، تعلَّم الرحلات التي بها تمام النعم الضافيات، تعلَّم الرحلات التي فيها ذوق لذائذ المواصلات من رب الأرض والسماوات، هل تعرف هذه الرحلات؟.. وقال: رحلتك عبارة عن إرادة وهمة، وعزم على السير، فقد يكون ذلك في عالم الظاهر والحِس والأجسام بالأركان القالبية، تنتقل من مكان لمكان، من بلد لبلد، ولكن ذلك منطوٍ في حقائق مقاصدك القلبية. الأنبياء سافروا من مكان لمكان، و خرجوا للجهاد في سبيل الله، وخرجوا لبلاغ الدين، والأولياء سافروا، والصحابة تفرقوا في أقطار الأرض، لعامّتهم من حوالي الحجاز وقريب منها، قبورهم.. حد في المغرب، وحد في إفريقيا، وحد في تركيا، وحد في روسيا، أيش ودّاهم هناك؟ وفي أوقاتهم ما توجد طائرات ولا سهولة مواصلات كما هذا! تفرقوا، رحلوا، لكن هذه الرحلات الحسية كانت منطوية في رحلات لهم يرحلون فيها عن الأكوان. وفي ذلك يقول الحبيب علي:

رحلةٌ فيها رحلنا *** للمقامات العِظام

رحلةٌ فيها عرفنا *** سر تصريف الكلام

في هذه الرحلات يقول ﷺ: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". 

وقال الحق -تبارك وتعالى- في هذه الرحلات الشريفة: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ)؛ من البقعة التي لا تتمكن فيها من ترسيخ قدمك على حسن المعاملة بإقامة شرع ربك؛ ارحل.. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)[النساء:97]. (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر:10]. وفيها قال تعالى: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)[النساء:100].

وفيها قال ﷺ: إن رجلاً زار أخًا له في قريةٍ، فأرصد الله على مدرجته مَلَكًا يترقبه يجيك فلان قل كذا كذا، جاء سلم عليه قال: أين تريد؟ قال: هذه القرية.. لماذا؟ أزور أخي فلان،  قال: لقرابةٍ منه؟ قال: لا، لنعمةٍ تربُها؟ قال لا، قال: فلماذا؟ قال: إلا أني أحببته في الله، قال: وأنا رسول من الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. لا إله إلا الله..

وهكذا حدثنا ﷺ عن خطواتنا التي نمشيها، وأنهُ إذا خرجنا بقصدٍ حسَن إلى مكان طاعة لنا، بكل خطوة تُكتب حسنة، وتكفير سيئة، ورفع درجة، والعكس فيمن خرج للسوء والشر؛ خطواته معاصي وذنوب، هذه الرحلات الحسية متصلة بأصل، وهو رحلة القلوب والأرواح والأسرار.

يقول: "وإما باطنًا بالحركات المعنوية والجمعية القلبية، ولا لنا إلى السفر بالأبدان حاجة ولا له نعني، ولكن المراد السفر إلى الله"، قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)[الذاريات:50]. قال سيدنا الخليل لقومه لمّا بيّن لهم شأن هذا المسلك: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ)[الصافات:99]. أي العقول في الأرض تتعلم الذهاب إلى الرب والفرار إلى الله ورحلة القلوب إلى الحق؟.. قلوب من اتصل بمواريث النبوة وأسرار الوحي. غير هذه.. قلوب مسكينة سجينة في الشؤون الفانية المهينة، وما أسرع ما ينكشف لها سوء اختيارها وتصرفها فيما اختارته، (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)[الزمر:71].

فمن ذا يتحدث عن هذه الرحلات؟ أما السياحة هذه بالمقاصد القصيرة والدنيا كثيرة ويصلحون لها حتى وزارات، ويبنون فنادق ويعملون أشياء كثيرة، ولكن من يتحدث عن رحلة الإنسان إلى ربه؟ لمّا يمر عمر الإنسان في الحياة ما يعرف معنى الرحلة إلى رب، هذا مغبون، هذا فاته أعظم شيء في الحياة، أعظم ما تحصّله في الحياة الدنيا لا أن تكون رئيس دولة صغرى ولا كبرى؛ أن تصل إلى رب الأرباب، هذا أعظم ما تحصله، الرحلة إلى الرب! فإذا مر عمرك ما لك فكر في هذا، ما لك وجهة إلى هذا، فأنت خاسر مغبون، 

ترحل من كون إلى كون، قال: مثل "حمار الرحى" يدور طول اليوم، وقطع كم مسافة؟ وصل أين! يدور على الرحى يدور، مثل ما يعملون الآن يعصرون السمسم عندنا بعض الجمال ساعتين ثلاث ساعات يدور، قطع كم مسافة؟ نفس المكان ما تحول منه، يدور محله، وكذلك الذي يتعلق قلبه من كون إلى كون، من مخلوق إلى مخلوق، في كائنات، محلّك!!.. اطلع، ارتفع، سِر إليه: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)، (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، هكذا قال سيدنا الخليل.

وما مقصود المجامع هذه والدورات إلا الذهاب إلى الرب، والسفر من الأكوان إلى المكون، هذا مقصدها الأساسي، إذا حضرتها اتصل بمقصدها وسافر، 

سافـــر إلـــيه بهمة علوية *** حتى تراه …….

"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

سافـــر إلـــيه بهمة علوية *** حتى تراه وقل لنفسك موتي

  وأقبِل عليه بكل قلبك قاصدًا *** محو الظِّلال أُشِير للناسوت

يقول: "السفر إلى الله بالقلوب من مواطن الشهوات ومحال الغفلات، في ميدان النفس وبيداء مراحل العادات الحاجبات عن حضرة الاقتراب"، فتقطعها؛ فتنطوي لك المسافات، وتبعد عنك الآفات، بصدقك في الوجهة إلى رب البريات، (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ).

"فلا ترحل أيها المريد الصادق من كون من الأكوان، وتعلق همتك بنيل حال أو رفيع مقام أو مستلذ وصال"، هذه مقامات شريفة، لكنها داخلة في الكائنات، والخلق هو المقصود وراء ذلك؛ "ولكن ارحل من الكون جملةً، ظلمانية أو نورانية"؛ فاقطع الحجب الكثيفة الظلمانية، وابعد من الذنوب والمعاصي وابعد من الكفر والشرك، وابعد من الذنوب والمعاصي، وابعد من المكروهات والغفلات، كلها أكوان ظلمانية اقطعها، وحجب ظلمانية اقطعها، قطعتها؟.. تحقيق التوبة، اجتبنت الموبقات والصغائر والكبائر من الذنوب والشبهات والمكروهات وحرصت على اجتناب خلاف الأولى… بسم الله الرحمن الرحيم؛ ارحل بالواجبات والسنن والمندوبات، تمشي وقد أخذت الخلعة الأولى للمسافرين في هذا السفر، الخلعة الأولى من خلع التقوى: لباس الأعضاء؛ بترك المعاصي وامتثال الأوامر، لباس أول خلعة من خلع التقوى؛ بسم الله الرحمن الرحيم تبدأ.. 

"ارحل من الكون" قال: "واقطع الحجب الكثيفة" إذا قطعت، فاقطع الحجب اللطيفة النورانية واخرج من ظلمة الكون ونوره إلى المكوِّن، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[النور:35]"؛ فتصير كلك نور، تصير كلك نور وفي نور دائم، ولا عاد هناك ينالك شيء من الحواجب. "ارحل من الكون جملةً ظلمانية أو نورانية من ظواهر المعاني إلى المكوِّن، فعند أول نظرة هناك يندرج فيه جميع ما في الأكوان من الحسن والإحسان، وجميع ما في الجنان من كل ما لا يوصف بلسان ويشاهد بعيان"؛ لذة الإيمان وحلاوة المناجاة للرحمن تفوق كل ذلك؛ جميع لذائذ الدنيا، وحتى نعيم الجنة! حتى قالوا: إن كان أهل الجنة في الجنة على مثل ما نحن فيه بالليل، إنهم لفي عيْشٍ طيب، يقول في أول نظرة تضمحل هذه الأشياء، أما ما وراء ذلك:

وكان ما كان مما لست أذكره *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر 

الله أكبر! بأول نظرة يندرج ما في الأكوان من حسن وإحسان وجمال؛ تشاهده كله… 

واشهد جمالاً أشرقت أنواره  *** في كل شيء ظاهرًا لا خافي 

فإذا بك خارج من ظلمة الأكوان ونورانيتها إلى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). 

وإن رُمت أن تحظى بقلبٍ منوّرٍ *** نقيٍّ  عن الأكدار فاعكف على الذكر 

وثابر عليه في الظلام وفي الضياء *** وفي كل حالٍ باللسان وبالسِرِ 

فإنك إن لازمته …..  *** …………………………….

لازمته؛ لازمت ذكر الله..

فإنك إن لازمته بتوجِّهٍ  *** بدا لك نورٌ ليس كالشمس والبدرِ

 ولكن نورٌ من الله واردٌ *** أتى ذكره في سورة النور فاستقري

نعم. يقولﷺ لبعض أصحابه: "سل ما شئت"؛ اطلب.. قال: ما أسأل يا رسول الله؟ ماذا أطلب؟ كنا في جاهلية وشر فأنقذنا الله بك، وأنا الآن أذوق حلاوة الإيمان، وينزل عليك القرآن وأسمعه من لسانك خير لسان، أريد أيش؟ أيش أطلب؟ أدرك ما أدرك.. فوق هذا أطلب أيش؟ فلما أمره أن يسأل شيء، يفكر، قال: إن كان ولا بد أريد أطلب مرافقتك في الجنة! "أسألك مرافقتك في الجنة"؛ اسلك السبيل في ذلك؛ قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود". الله، لا إله إلا الله. 

قال: حضورك للصلوات والروحة والحصص، سبيل من أجل المرافقة، سبيل من أجل رؤية وجه محمد في دار الكرامة، "أسألك مرافقتك في الجنة"، ما حد علمك هذا الطمع؟ حد يعلمك تقع لاعب كبير، و حد يعلمك تقع مغني كبير، واحد يعلمك تقع ممثل كبير، كلهم صغير… وحد يعلمك تكون موظف كبير؟ وكله صغير، حد يعلمك تكون وزير، فأين من يرغبك في مرافقة البشير النذير؟! والله أعلى وأغلى.

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)[الفرقان:27]؛  كلهم بيتمنى القرب من هذا، إن هم رؤساء، وإن هم مفكرين، وإن هم قادة جيوش، وإن هم قادة أحزاب، كلهم بيعضّون على أصابعهم في القيامة يقولون: يا ليتنا اتخذنا سبيلاً مع هذا الرسول وقربنا منه. وأنت هيأ الله لك السبيل في هذه الخيرات والمجامع والمجالس والعلوم النافعات، خذ لك سبيل مع رسول الله لترى وجهه المنير يوم تلقى الله، وتدخل معه إلى دار الكرامة والمُصافاة.

قال: "فهذا بأول نظرة، وما وراء ذلك مما ادخره في خزائن الإحسان وذخائر الامتنان عند الشهود والعيان، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ) [النجم:32]، فهو منتهى الحسن والإحسان". (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [النجم:17]؛ "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، واللقاء غاية الأماني، أن تلقاه وهو عنك راضٍ، منية القاصي والداني -لا إله إلا الله-.

"فلو لم يكن ذلك" الوصل من الحق "مأمولاً في الجنان ومحجوباً في النيران لما طاب في الجنة المقيل، ولا ظهر في النار العويل" والصياح، ولكن لأنها محل رضا وقرب طابت مقيلاً.. (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) [الفرقان:76]، الله أكبر! (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ )[فصلت:32]. يقول: ولما كانت النار محل غضب وحجاب وبُعد.. (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)[المؤمنون: 108]؛ ظهر فيها العويل والصياح وخُلدوا -والعياذُ بالله- في تلك الإهانة. 

يقول: ما أكثر عباد الله من بني آدم الذين هم كالأنعام بل أضل! من رغب عن هذا الخير العظيم؛ قُرب الرحمن الرحيم، ومرافقة الحبيب الكريم، وطلب شيئاً هالكاً، ما يقدر يجلس فيه سنين، أو نصف سنة، أربع أيام، أو عشر، أو خمس سنين، خلُّه يقعد حتى عمر نوح، ويخرج ويأخذ لك حجاب مؤبد وعذاب مخلد! ما حصل هذا المسكين وما صلح بحقه.. "من رغب عن ذلك وطلب شيئاً هالكاً إذ كل من سواه سبحانه هالك، فهو حقيق بأن يوصف بوصف الحمار من البلادة، والذي انغمر في جملة الأشرار" هذا ما هو آدمي قال، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)[ الفرقان:44]، ما أكثرهم صورة آوادم، ماهم اوادم، صورة الناس، ماهم ناس.

قال: "الذين حجبوا عن الأنوار، ولم يحظوا بمشاهدة الأسرار، ولم يخرجوا عن ظلمة الإنكار وخبطة الانقهار، تحت سلطة الاغترار وقيادة المكار إلى دار النار"، هذه غاية الجهل، أن يرتحل إلى ما عنه سار، "فلا يزال كذلك ولم ينفك عن حركة التدوار في الآثار، وترقب الانتقال والخروج عن الآثار إلى الأطوار، فلم تفتح له مطالبه ولم تواجهه رغائبه، ولو كان إلى الله سيره، لرآه قريبًا، ولدعائه مجيبًا، ولقاصِده حبيبًا"؛ "من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"، يا ما أكرمه، يا ما أعظم إنعامه وإحسانه وفضله، يا ما أحسن معاملته، كل لحظة تُحسِن معاملته فيها يفتح لك من باب إحسانه ما لا يوصف، كل لحظة تحسن معاملته فيها بقصده وحده -جل جلاله- فهل لك في هذه اللحظات الطيبات المباركات؟.. منها ساعات تأتيكم في الأسحار، وفي أثناء الصلوات، وفي حلقات القرآن والعلم، لا إله إلا الله.. هل لك في هذه اللحظات؟ يقول: تراه قريب، لقاصده حبيب، للدعاء مجيب، الله!

"وبعد سيرٍ إليه" تعالى "من الآثار، واختراق الأطوار، واحتراق الأسرار، تظهر له عقار جنة في صورة نار، فيطير لهُ شرار، وتبدو منه مبادئ المحبة"، والأول ذاك كله السير أيش كان؟ مقدمات.. عاد المبادئ هنا، تلك مقدمات كلها، طريق.. سمعت؟ ذاك مثل لما تريد تسافر مثلاً إلى مكة المكرمة أو إلى المدينة، تروح إلى محطة القطار، أو محطة الباص، أو المطار، هذا مثل هذا؛ محطة الحين، أما إذا بدأت وقربت وأشرفت على الوصول، قال: "وتفتح في خزائن المحبة أسرار مفاتيح شهود المحبوب"؛ هذه مبادئ المحبة الآن.. الله أكبر! شفت؟ الله يكرمنا بمحبته. تعرف معنى قول: يا الله بذرة من محبة الله.. لأننا في المقدمات من بعيد؛ في المحطات، ونظن أننا قد وصلنا! عادك؛ عاد الطريق قدامك، عاد المحطة وصلت إليها. -لا إله إلا الله-.

 يقول: "وفيها يلاقي ما هو لاق، (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)[القيامة:29]،  وحده لا مراد غيره، بعد ذلك يفتح باب السباق للعتاق في السير فيه يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب"، فينزلون منازل القربة، ويتحققون بحقائق المحبة، فهم لرب العرش أحبة؛ هم لرب العرش أحبة. الله أكبر.. 

الشيخ وصل لهذه المعاني وقال: "ولنرجع ونقتصر على الإشارة إلى ذلك"، وكيف يفهمون المقول إذا تكلمنا.. فقال: بس نرجع ونقتصر على إشارة! "من كانت همته في سيره نيل مقام أو حصول على حال دون أن يوفي الربوبية حقها لبقايا خفيات شهوات النفس"، إنما فقط تحولت، كانت عنده شهوات سفلية تحولت شهوات نفس علوية! ولكن مكانها ما زالت شهوة نفس، فأين الطهر عن النفس، والتحقق بمحض القدس، في قصد القدوس؟.. كان في ضلاله وغيّه يشتهي جاه بين الناس وشهرة وشيء من المحرمات والمكروهات، راحت هذه الشهوة، جاءت شهوة ثانية، شهوة يرتفع مقامات ومنازل، مكانها هي هي؛ هذه نورانية، تلك ظلمانية، لكنها شهوة، ما عرفت أنه هو الذي يستحق العبادة من دون شيء؟ ما عرفت أنه سماحه لك بالعبادة منّة ما توصف؟ إلى متى أنت مع غيره؟ مع غيره.. نوراني أو ظلماني لماذا مع غيره؟! لمّا تكون معه أحسن.

بعدين يقول: "لبقايا خفيات شهوات النفس، ودسائس غوامض كوامن الهوى"، فتخلص من هذا كله واقصده وحده:

ارحل إلى الله لا تلوِ على أربِ *** وكن كليلاً عن الأكوان والغيرِ

يعني: غض طرفك عنها.

فمنتهى كل مأمولٍ ومنقلبِ ***  الله قل، وكل الأغيار عنك ذرِ

(قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91] .

 

رضي الله عنكم، إلى أن قال: 

"قال المؤلف رضي الله عنه: 

 

"وانظر إلى قوله ﷺ: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهمٍ، والسلام. "

 

قوله: "فانظر" فالنظر في أسرار المعاني وبواطن الألفاظ دأب اولي الانتباه، وهو أول مبادئ الفتوح القلبية، النظر والأخذ فيه بالأحسن، وأحسن ما ينبغي أن تدقق فيه النظر، وتحرر فيه العبر، بعد كلام الله، كلام رسوله ﷺ، الجامع لأشتات المعاني، فلا أجمع منه بعد كلام الله كلاماً، ولا أبين منه برهاناً. كيف لا وهو ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارا. 

واستشهاده على كلامه بهذا الحديث مرضي موافق لغاية المراد. "فمن كانت هجرته"؛ الهجرة: هي مفارقة الوطن، وقد علمت ما النفوس مجبولة من حب الوطن والتلذذ بمؤانسة الجار والسكن، فما يفارق محبوب إلا لنيل مطلوب، والمطالب: 

  • إما مطلب سني ومراد علي. 
  • وإما مطلب دني. 

فالمطلب العلي:  هو طلب الله ورسوله، ولا أعلى من الله ورسوله، وما سوى ذلك فهو دني، وصاحبه أدنى منه، فمن فارق محبوباته واجتنب شهواته فقد هاجر عنها، ولذلك قال ﷺ: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد هواه"، فلا بعد فتح مكة هجرة إلا مهاجرة محارم الله، وكل عائق يعوق عن الله، فمن لم يفارق ذلك ولم يهاجر عما هنالك: (مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا) [الأنفال:72]. 

 فإذا علمت شرف الهجرة، فشرفها بحسب المقصد؛ 

  • فإن كان لله ورسوله، لا لحظ عاجل، ولا لجزاء آجل، فنعم الهجرة. 
  • ومن كان لحظ من حظوظه دون ذلك من شهواته، خابت صفقته وتحققت غبينته. 

فمجمع الشهوات الدنيوية، مجموعها ما ذكر في هذا الحديث، وهي الدنيا، والتنعم بمطاعمها ومشاربها وملابسها ومراكبها وجاهها وجميع المآرب العاجلة والحظوظ الفانية. وخصَّ لذّةً من ملذوذاتها بالذكر، إذ هي بمجموع الشهوات كالرأس من الجسد، وهي حب النكاح وجمع الهمِّ له، هذا على السالك الطالب. 

ومن جعل في عزمه إرادةٌ لشيء دون الله ورسوله فهو حقيق بالذم، إذ المرادات الشهوات الظاهرة أو المطالب المستأثرة، وقوله: "فافهم"؛ أي: افهم إشارة الحديث الباطنة التي نبَّهت أولي العزائم على تجريد الهمة في السلوك إلى الله، لا إلى شيءٍ دونه، فما دون الله مقصدًا يُصمد ولا مرام يُعمد، والسلام، فما بعد هذا الكلام كلام، ولا بعد هذا المطلوب مرام، وعند السلام ينتهي الكلام. 

وفي آخر الحديث إشارة -والله أعلم- تشير إلى المرادات الدنيوية والحظوظ النفسية إذا أريدت لله ورسوله من عارفٍ بتصحيح النية، صادق الطوية، إنها تكون لله إذا أريدت له، كأن يبتغي الدنيا ليتوصل بها إلى مقاصد مرضية، والنكاح ليتحصَّن به عن الوقوع في المعاصي، وإرادة ولد صالح، وغير ذلك من المقاصد المحمودة.

 والذم: إنما يتوجه حيث جُرِّدت عن هذه النيات، بل من مقتضى داعي الشهوة وقضاء النهمة. فهذا ظاهر كما سمعنا ذلك عن شيخنا وإمامنا العارف بالله عمر بن عبد الرحمن، فسح الله في مدته، وأفاض علينا من هواطل فتوحه وجزيل مواهبه. وهو قوله في الحديث: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"، ولي في ذلك:

من هاجر السِوى وقاصدًا باب مولاه *** ولم يعرج إلى دنيا ولا جاه ُ

ولا لمطلوب دون الله يهواه *** عليه من ربنا الرحمة تغشاهُ 

فإذا أردت أن تسلك هذه المسالك، وتصفِّي من كُدورات الأغيار بالك، وتنزه عن رؤية الأسباب حالك، وتستقيم على سنن الاستقامة أعمالك وسائر أفعالك، فعليك بصحبة من استقامت أعماله وصَفَت أحواله وحسنت أفعاله، ومن لم يكن كذلك، فإياك وصحبته، فإن مخالطته ورؤيته واستحسان حالته أضرُّ على دين المُريد من السم على ظاهر جسمه، إذ بالسم فناء الجسم الفاني، وبصحبة من هذه حالته هلاك الدين، لذلك قال المؤلف -رضي الله عنه-: 

الحكمة (43): لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله.

 

 جعلنا الله من أهل الدلالة عليه، والإقبال الصادق إليه جلَّ جلاله.

 

 يقول: فانظر إلى جوامع الكلم في كلام هادينا إلى الرب عبده المصطفى محمد الحبيب الأعظم صاحب المسلك الأقوم، يقول: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". وكذلك من كانت دورته، من كانت رحلته، من كانت روحته، من كانت طلعته ونزلته… لله ورسوله، ممكن تكون لله ورسوله؛ ممكن تكون وسيلة لقربه لله ورسوله، وممكن أن ينحط إلى مقاصد تافهة وساقطة، والناس بحسب مقاصدهم وبحسب نياتهم؛ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله"، هذه الهجرة في عالم الحس من مكة انقطعت بعد الفتح "لا هجرة بعد الفتح"، سيدنا المصطفى ﷺ، الهجرة إليه في عالم الحس إلى ذاته الشريفة المكرمة في أيام كانت في الدنيا انقطعت، لكن الهجرة إلى الله ورسوله ما يمكن تنقطع، ما يمكن تنقطع، قال: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، وممكن ترى ما تقرب به إلى الله، والمكان الذي يتيسر لك فيه أسباب القرب من الله، المكان الذي تجد فيه محمداً؛ أماكن في الأرض تجد فيها محمد ﷺ، تجد فيها نسيم عنايته وقربه، نسيم سنته وهديه، تجد فيها شذى محبته وودِّه، هاجر إلى الله ورسوله بترك المحرمات.

 يقول الإمام الشيخ أحمد بن علوان -عليه الرحمة-:

وإذا كنت عاشقاً علوياً *** فتحلّى بحلية العشاقِ

بالتماس الرضا وترك المعاصي *** وببذلِ اليدين في الإنفاقِ

والزم الصالحين ما دمت حيًّا *** إنهم للمحب خيرُ رفاقِ

ولهذا لما ذكر المعاني الشيخ علي في هذا، ذكر معنى لاستفادته من سيدنا عمر بن عبد الرحمن العطاس، وختم الكلام، قال: الأمر يعود إلى الصحبة، لأنه ما أدرك هذا إلا بالصحبة، لما صاحب عمر بن عبد الرحمن ارتقى وفهم تلك المعاني. 

يقول: إذا بغيت تستقيم أحوالك بمصاحبة من اعوجّت أحواله، أنت مجنون؟! تريد تستقيم أحوالك، شوف من استقام حاله وامش معه، تريد رفعة مقام، شوف من رفع الله مقامه وامشِ وراه، أما تمشي مع منحط وبعيد ومقطوع ومحجوب وتقول: بغيت تقرب؟ كيف هذا! "المرء من جليسه"، "المرء على دين خليله". 

ولهذا فتحوا للمسلمين مصاحبة الغافلين والجاهلين والفاسقين والبعيدين والعصاة، بمختلف الأجهزة، وقالوا: صاحبوهم صاحبوهم! لأجل ماذا؟! لتنحطوا وتنقطعوا عن الرب، ولا تنصروا في الدنيا ولا يوم يقوم الأشهاد

واصحب الصالحين ما دمت حياً *** إنهم للمحب خير رفاقِ

 

واصحب ذوي المعروف والعلم والهدى *** وجانِب ولا تصحب هُديت من افتتن

لا إله إلا الله..

قال: "فانظر؛ فالنظر في أسرار المعاني وبواطن الألفاظ دأب اولي الانتباه، وهو أول مبادئ الفتوح القلبية"، يرزقك الله حسن النظر، اللهم ارزقنا حسن نظر فيما يرضيك عنا. وأحسن ما ينبغي أن تدقق فيه النظر، وتحرر فيه العبر كلام الله. بعد كلام الله، كلام رسوله، لا أحسن من هذا في صفاء الفكر، في تنقية القلب، في قطع الطريق، في نيل اليقين، في إدراك المعارف، في ذوق الأطائب، كلام الله وكلام رسوله أحسن شيء، لكن أنت بخيل على نفسك، تستروح لكلام غيره أكثر، وتكلم غيره أكثر! وهو فسح لك المجال أن تأخذ كلامه وأن تكلمه، بالصلاة بالدعاء بالذكر، قال: كلمني وخذ كلامي.. 

ولذا قالوا لبعض الصالحين منعزل وقالوا له: أما تستوحش وحدك هنا جالس؟.. قال: لمَ! وأنا إن أردت أن أكلم الله كلمته، وإن أردت أن يكلمني كلمني، قالوا: كيف؟ قال: إذا أردت أن يكلمني قرأت قرآنه، وإذا أردت أن أكلمه قمت إلى الصلاة، أستوحش من أيش وهو أكلمه ويكلمني! ما عندي وحشة، الوحشة لمثلك… أما أنا معه أكلمه ويكلمني أيش بعد هذا؟ إيش أحلى من هذا!.. 

هكذا يقول: "واستشهاده على كلامه بهذا الحديث مرضي موافق لغاية المراد. "فمن كانت هجرته"؛ الهجرة: هي مفارقة الوطن"،  "فما يفارق محبوب إلا لنيل مطلوب"، وأنت تفارق أرض عاداتك، تفارق مرادات شهواتك، تفارق مبتغى هواك؛ هجرة.. تهاجر.. الله أكبر!

 وبعدين لأجل مطلب..

  • إما مطلب سَنِي. 
  • وإما مطلب دني. 

قال: أيش المطلب العلي؟ قال: المطلب العلي؛ المراد العليّ: "طلب الله ورسوله"، ولا أعلى من ذلك، وما سوى ذلك فهو دون، فكن لله ورسوله، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ) [التوبة:62]. 

فيجب نفكر تمامًا كيف نعيش في دائرة الإسلام والإيمان في هذه الأعمار القصيرة، ونحن قد بلغنا الوحي الشريف، والقرآن الكامل عندنا، والسنة الكريمة حُملت إلينا وحفظت على أيدي بررة وخيرة من البرية، نتأثر بما تذيع وتنشر إذاعات وأجهزة أهل الباطل والضلال في الأرض ونغتر بها، وننحجب بها، ونترك استفادتنا من هذا الوحي المنزل وهذه السنة للحبيب الأكمل ﷺ، فنذوق المذاق الأعلى؟ كيف يجوز لنا هذا؟! كيف يسوغ منا هذا؟! كيف يصلح منا هذا؟!... 

نؤدي شكر نعمة الله تعالى أن نبقى في أفكارنا ووجهاتنا متأثرين بهذه المذاعات والمنشورات من كلام ذا وذاك؟! وفكرنا هنا كله هابط نازل ساقط! ومن ابتدائية إلى تعليم أساسي إلى ثانوي إلى جامعة، ومن محل إلى محل، وهو هكذا في السقوط والهبوط، ما ذاق لذة عشق قرب الرحمن! وهو مؤمن والقرآن عنده والسنة بين يديه، وأيادي الإسناد ممتدة ليتصّل بها! فأعرض عن كل ذلك متأثرًا بهذه المنشورات السفلية الظلمانية! حرام عليك أيها المؤمن ترضى لنفسك بهذا الهون!! ترضى لنفسك بهذا الحجاب والانقطاع!!.. العلو يدعوك إلى فوق فلم تصغي إلى هؤلاء؟ ولمَ أنزلتهم منزلة من اصطفى الحق واجتبى من الرسل والمقربين؟ كيف تنزلهم هذه المنزلة؟! من أوحى إليك هذا؟ هو وحي إبليس يأمرك أن تعظّم أولياءه وأن تخاف أولياءه وأن تجِلَّ أولياءه، وأن تحتقر أولياء الله، وأن لا تخاف من أولياء الله وأن لا تبالي بأولياء الله، (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)[آل عمران:175].

 يقول: هؤلاء طلعوا القمر، هؤلاء عندهم خطط وتكتيك، هؤلاء معهم أجهزة… يا عدو الله، هؤلاء حطب جهنم عامتهم، هؤلاء قطاع الطريق عن عباد الله، هؤلاء في حياتهم الدنيا وأنت وإياهم في مهاوي وفي الضلال وفي الكدر في كل ما تدعونه، وما بعد ذلك أشق وأشد.

أين محل أنبياء الله من قلبي؟ أين محل أولياء الله من باطني و شعوري وإحساسي؟ يقول لك: عظم أوليائي عدو الله! عظم أوليائي وخف من أوليائي واقتد بأوليائي، واحتقر أولياء الله واترك أولياء الله وابعد عن أولياء الله!! من أنت؟.. هو الذي خلقني لا أنت، ومرجعي إليه لا إليك، وهو الذي يسعدني لا أنت، والمُلك ملكه لا ملكك. يا من تعهّدت أن تحتنك هذه الذرية وأن لا يوجد أكثرهم شاكرين بإغوائك وتلبيسك وكذبك، ثم تقول لهم في القيامة، (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ ) [إبراهيم:22].  حدثنا عنك الرب. 

لكن بعد هذا الحديث كله، عندنا قلوب مسلمين مؤمنين، صورة إسلام وإيمان ما لهم ذوق في تحقيق لا إله إلا الله، ما لهم إصغاء لتنزيل الوحي، فكرهم مخبوط بآثار هذه المنشورات والمذاعات التي عملوا عليها… شفت ضجة الإعلام في الحوادث الأخيرة هذه؟.. مرَّت على الأمة أمراض أشد من هذا المرض وأكبر، ما حد أحس بها، والناس في سكون وطمأنينة، حركوا وسائل إعلامهم، فصاحوا الناس وضجوا، والخيّر والشرير وما عاد درينا من الخيّر ومن الشرير، إلا قلائل من عباد الله -تبارك وتعالى- وجاءوا للمساجد وجاءوا للبيوت… أيش اللعبة هذه؟ أيش المسخرة هذه؟ أيش الضحك هذا؟! صاروا عبيد إعلام، عبيد كلام، نسوا الرب -جل جلاله- وتعظيمه! يجب الخروج من هذا المضيق، الخروج من هذه الشؤون التوافه.

وقول من أحق أن يُصغى إليه؟ قوله الحق وله الملك، (إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]  يقول: خذ لك مطلب عليّ، اطلب الله ورسوله، خير من جميع رئاسات الأرض ووزاراتها، خير من جميع حضاراتها، الله ورسوله. والذين عبدوا الحضارات والرئاسات، تعرف منهم إن الأموات عدد كثير، ماذا حصّلوا؟ والذين هم في عبادتها الآن، أتظن أنهم عايشين في اطمئنان؟ أتظن أنهم عايشين في سعادة؟ ألقِ نظرك، تجدهم محل الهموم والأكدار والغموم، وعاده منتظرهم أمر ثاني أشد.. والعياذ بالله تعالى.

ومن أين يدرك كل غافل عن الله، مقصوده هواه ودنياه، خير وطمأنينة لحظة من لحظات المجالس هذه، من أين يدركها؟ ما تجدها في خزائن الدول الكبرى، معدومة عندهم، غير موجودة، ما حد هي! الله اختص بها أهل ذكره؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]. فتحها لنا محمد، (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [العمران:164]، فصرنا في نور مبين، فنعرف حق هذا النور ونرتقي، "المجاهد من جاهد هواه"، "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، نهجر ما نهانا الله عنه، من خلال اليوم الأول والثاني تبدأ لك الحلاوة، وتتعرف مبادئ عما يقول العشاق، عما يقول المحبون، وأما المحبة أمر وراء ذلك كبير عظيم، الله يوصلنا إليه ويكرمنا بحقائقه.

يقول: "ومن جعل في عزمه إرادة لشيء دون الله ورسوله فهو حقيق بالذم"، يقول: شبههم بالحمير المتعلقين بغير الله -جل جلاله- وقد صدق، فإذا علمت شرف الهجرة فشرفها بحسب المقصد. يقولون من لم يهاجر لا يكون وليّك. (مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا).. يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ)؛ يقول لك هو مؤمن، لكن ما ترك المحرمات، ما ارتفع من الأرض الساقطة! قال ما له ولاية هذا.. (مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا). وغاية الأمر: مساعدة له، أؤمِّنه فيما يُقام به بأمر الدين؛ (إِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ) [الأنفال:72]، لكن الولاية بعد ما يهاجر.

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)[المائدة:55]؛ هؤلاء المهاجرون، هؤلاء الذين هاجروا هم أوليائنا. لا إله إلا الله.

يقول: ومن جعل في عزمه إرادةٌ لشيء دون الله ورسوله فهو حقيق بالذم، إذ المرادات الشهوات الظاهرة أو المطالب المستأثرة". "فافهم؛ إشارة الحديث الباطنة التي نبَّهت أولي العزائم على تجريد الهمة في السلوك إلى الله"؛ فنريد من مجالسنا.. الله، وسيرًا إلى الله، وقصدًا لوجه الله، وقُربًا من الله، وطلبًا لرضوانه، الله يحققنا بذلك.

يقول: "في آخر الحديث إشارة -والله أعلم- تشير إلى المرادات الدنيوية والحظوظ النفسية"؛ أنها إن أُريد بها وجه الله، كما قال عن جماعة الصحابة: 

  • (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا)؛ يعني: ليتخذها وسيلة وزادًا للآخرة. 
  • (وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ)؛ مجرّدًا، مجرَّدًا. 

(مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران:152].

فهكذا يقول: إن استفاد هذه الفائدة، قال: سمع ذلك من شيخنا وإمامنا العارف بالله عمر بن عبد الرحمن. هذه ألّفها في حياته، في حياة شيخه الإمام عمر بن عبد الرحمن ما شاء الله، قال: "فسح الله في مدته، وأفاض علينا من هواطل فتوحه وجزيل مواهبه"؛ لأنه به عرف؛ وبه وصل؛ وبه أدرك وانتقل وارتفع قدره. ولهذا قال: "فإذا أردت أن تسلك هذه المسالك، وتصفِّي من كُدورات الأغيار بالك، وتنزه عن رؤية الأسباب حالك، وتستقيم على سنن الاستقامة أعمالك وسائر أفعالك، فعليك بصحبة من استقامت أعماله وصَفَت أحواله وحسنت أفعاله، ومن لم يكن كذلك، فإياك وصحبته"، ابعد، ابعد بعيد منهم، "فإن مخالطته ورؤيته واستحسان حالته أضرُّ على دين المُريد من السم على ظاهر جسمه، إذ بالسم فناء الجسم الفاني، وبصحبة من هذه حالته هلاك الدين، لذلك قال المؤلف -رضي الله عنه-: لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلّك على الله مقاله."

عاد باقي معنا من عمرنا القصير، لا تضيّعوه في صحبة البطّالين والغافلين، ولكم في صحبة أهل الله فتح أبواب جود الله عليكم في مصاحبته إياكم بالإفِضال والإحسان، "أنت الصاحب"؛ صاحب ما حد مثله، صاحب قادر على كل شيء، هل من صاحب غيره قادر على كل شيء؟!.. صاحب يرضى بصحبتك مع ما يعلم من شرورك وفسادك! معايبك؛ أكثر مَن حواليك من أصحابك لو دروا بها ما بيرضون بصحبتك، بيروحون… هذا داري بك وأعلم بك من نفسك ويرضاك، قال لك: تعال، ادعني صلِّ لي، اقرأ لي، ارجع إلي، استغفرني، اذكرني وأذكرك.. أيش هذا؟!... وما يفارقك، أي صاحب غيره يفارقك، ليل نهار، سر وإجهار، نوم يقظة، حياة موت… ما يفارق، إذا قد صاحبته بالآداب فما أطيب حالك عند الموت، وما بعده أحسن.. لأنه ما يفارقك أصلاً؛ (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)[الحديد:4]، يا خير صاحب.. فلمَ لا تصاحب الحق بحسن الأدب؟! الله يرفعنا إلى عليّ الرتب، الله يكشف عنا وعن الأمة جميع الكُرَب، يا رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

26 ذو القِعدة 1441

تاريخ النشر الميلادي

17 يوليو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام