الحِكَم العطائية - 28 |  لا تَصحَب من لا يُنهِضُك حاله، ولا يدلُّك على الله مقالُه

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -28- (لا تَصْحَبْ مَن لا يُنْهِضُكَ حَالهُ..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم 1441هـ.

عصر الأربعاء 24 ذي القعدة 1441هـ.

الحكمة (43): لا تصحَب من لا يُنهِضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. رضي الله عنكم، من كتاب شرح الحكم العطائية، قال المؤلف -رحمه الله-: 

الحكمة (43):"لا تصحَب من لا ينهِضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله".

 

النهي عن الشيء أمرٌ بضده، كما أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدّه، فترك النهي سلامة، وفعل الأمر غنيمة، والسلامة مقدَّمة على الغنيمة؛ لذلك آثر جانب النهي بالذكر وضمّنه بالأمر، فصُحبة المثبطين في حضيض الحظوظ التي لا تنهض هِممهم إلى الأوج العلي، ولم تجل قلوبهم في المنهج السوي، فرؤيتهم قسوة، وصحبتهم شقوة، وأقوالهم في الخوض واللعب مستعملة لا تنتج حكمة، فالحِكم عنها محجوبة، والمعاصي لها مصحوبة، فأي فائدة في صحبة من لا تنهضك أحواله، ولا تدلُّك أقواله، ولم تُهدَ بأفعاله، ولم تصلحك أعماله؟!

فالصحبة في طريق أهل الله أصلٌ كبير ومنهجٌ منير، كما مضى عليه أئمة الطريق وعلماء التحقيق. كيف وأول من شرع مناهجها، وأعذب أجاجها، وأنار سراجها أصحاب رسول الله ﷺ، إذ هم الأصحاب والسادة الأنجاب، والصاحب يشرف بشرف صاحبه، لذلك لم توازَ فضائلهم، ولم تدرك وسائلهم، مع أن غيرهم اجتهد أعظم من اجتهادهم في الأعمال، ولم تساوِ جبال غيرهم أقل ذرات أعمالهم، وما ذاك إلا لما فاض عليهم من آثار الصحبة وهواطل غوامر القربة.

والصحبة مع الله، ومع رسول الله، ومع أولياء الله، ومع خواص عباد الله، ومع عموم خلق الله، ولكل صحبة أدب وحد. فالصحبة مع الله هي الأصل وعليها يبنى أساس الدين وعماد اليقين. 

  • إما أن تصحبه بامتثال الأمر واجتناب النهي، ويكون نصب عيانك وعند سمعك ولسانك، فتحفظ ما استودعك وترعى ما استرعاك في جميع أحوالك وأقوالك، فهذا في صحبة العموم لله.
  • وأما صحبة الخصوص، فهو أن تفنى عن أفعالك، وتغيب عن أوصافك، فتكون لديه حاضرًا وإليه ناظرًا. 
  • وأما صحبة خصوص الخصوص، فأن تضمحلّ عن الأوصاف، وتنمحق بقايا شعورك بذاتك وأنيتك، وظهور اثنينيتك، مع ما أنت عليه من الصحو والقيام بوظائف العبودية، والانطواء تحت توليات الربوبية، والغيبة عن ظهور الحدثية، ومضادة الثنوية بظهور الأولية والآخرية: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ).

والصحبة مع رسول الله ﷺ بحفظ وصيته، وتحكيم شريعته، وحسن متابعته في جميع أخلاقه ومنوَّرات أفعاله وباهرات أقواله على التمام، إلا ما اختص به دون غيره. ولا تحكِّم رأيك على سُنَّته، بل يكون هواك تبعًا لما جاء به دون تعقل أو تأمل. وإجلاله ومحبته ومحبة أصحابه وأهل بيته وموادتهم، وإجلال من قام بشريعته، ومحبة الفقراء وإيثار الآخرة على الدنيا، وإحياء شعائر الدين، والنصيحة لكافة المسلمين، وعدم الغش وتبييت ما لا يرضى من القول والعمل إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره، ولو كانت الخَلْق كُتَّابًا، وَالأشجار أقلامًا، والبحار مِدادًا، من كرائم أحواله وعظِيم أخلاقه ﷺ. 

وأن تحفظه في جميع ما وصل إليك من أمره ونهيه بعد مماته كما في حياته، ليكون لك من الصحبة الخاصة حظ ونصيب، فمن حفظ ذلك أتى يوم الجمع بعد طول الاشتياق إلى التلاق بميزتين: مزية الصحبة على الغيب، ومزية اشتياقه ﷺ حيث قال: "وَاشَوْقَاهُ إِلَى إِخْوَانِي مُؤْمِنِي آخِرِ الزَّمَانِ"، فَيَنَال من الإِكرام رُتْبة الحبِيب القادِم من الغَيْبة علَى أهل المكَان، فيا لها من بِشَارةٍ لمن صَحِبَه ﷺ من أهل آخر الزمان، لذلك ضاعف له المثوبة وخفّف عليه العقوبة حيث قال: "الْعَامِلُ مِنْهُمْ كَخَمْسِينَ مِنْكُمْ"، قَالُوا: بَلْ مِنْهُمْ؟ قالَ: "بَلْ مِنْكُمْ". وقال أيضًا في التخفيف: "مَنْ عَمِلَ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ نَجَا". فالحمد لله.

 

الحمد لله، اللَّهم لك الحمد يا مُسبب الأسباب، ويا معطي بغير حساب، ويا موفق مَن شئت لمسلك الهدى والصواب، ويا مُرسل المُصطفى محمد سيد الأحباب، ويا مَن أنزلت عليه الكتاب، صلِّ وسلم وبارك وكرِّم عليه في كل لمحة ونفس كما يليق بجودك وكرمك ومكانته عندك، وعلى آله وصحبه وأهل محبته وقربه، وعلى مَن تبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل القرب والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين في كل شأن وحينٍ وآن، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا رحمن.

أما بعد، 

فإن الله رتب على المصاحبة شؤونًا كبيرة، وأحوالًا عظيمة في الدنيا والبرزخ والآخرة، لذلك لا يمكن أن يوصف أصحاب نبينا ﷺ بوصف أبلغ وأجل وأكبر من أن يقال: أصحاب محمد، أو يقال: صحب محمد صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن الصاحب له -وهو مؤمن به- معرَّض لأن يرقى في اللحظة والنَّفَس أعلى مراقٍ في القُرب من الحق الأقدس -جل جلاله- ونيل حقائق المحبة، وسراية أنوار اليقين التام بما لا يمكن مع غير هذه الذات، لا من قبل ولا من بعد. فإن كان المرء من جليسه، فمَن هو هذا الجليس، ومَن هو هذا الأنيس، وما مقدار ما في حضرته من عطاء القدوس النفيس!

بذلك كله حذر صاحب الحِكَم من أن تصحب مَن لا ينهضك حاله، فبمجرد أنه لا ينهضك حاله؛ 

  • تكون في صحبته خسران. 
  • وفي صحبته ضياع لعمرك أغلى شيء.
  • وفوات لعطايا يمكن تحصيلها. 

فكيف إذا كان حاله يُسقطك ويبعدك؟ ما هو ما ينهضك فقط! لا، عاده يكسلك ويبعدك ويزيدك غفلة، فهذا صحبته سم، ولِمَ تحب السم؟ وهو يسري في جسدك فيقتلك! يقول: "لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله"يزيد في إيمانك، يزيد في تعظيمك لله ولأوامره ولنواهيه وللآخرة؛ كلامه لمَّا يتكلم معك؛ تزيد تعظيمًا للحق، يدلك على الحق، تزيد اهتمام بأوامر الحق -جل جلاله-، تزيد نفرة من المحرمات والنواهي، هذا "يدلك على الله مقاله"

"لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله". وهكذا:

وَاِصحَب ذَوي المَعروفِ وَالعِلمِ وَالهُدى *** وَجانِب وَلا تَصحَب هَدِيَّتَ مَنِ اِفتَتَنِ

وكانوا يقولون في تقرير التأثير بالمصاحبة: الصاحب ساحب؛ يسحبك لكن إن كان فوق بيسحبك لفوق، وإن كان سفلي بيسحبك إلى تحت، يسفّل بك -والعياذ بالله تعالى-؛ فانتبه من هذه الصحبة، ومَن تختار أن تُصاحب. 

واعلم أن لك مُصاحبًا لا صاحب مثله، محيط بك، قادر عليك، لا يكون شيء من أمرك إلا بإذنه، فاعلم حق صُحبته، فإن عرفتها؛ فتستقيم صُحبتك مع بقية المُصاحبات التي يذكرها الشيخ -عليه رحمة الله تعالى-. 

  • صُحبة الحق تعالى 
  • صُحبة الرسول محمد 
  • صُحبة الأولياء أولياء الله -جل جلاله وتعالى في علاه-
  • وصُحبة عوام الناس. 

يأتي معنا الآن. يقول: السلامة في ترك النهي، "لا تصحب من لا ينهضك حاله"؛ 

"فترك النهي سلامة،" والغنيمة في فعل أمر؛ أن تصاحب مَن ينهضك حاله ولكن  "السلامة مقدمة على الغنيمة"؛ ما تطلب الغنيمة وأنت ما أنت سالم، اسلم أولًا؛ يعني: ما تنفعك صحبة الأخيار إلا إذا انقطعت عنك صحبة الأشرار. ومَن صاحب الأشرار؛ علَّموه سوء الظن بالأخيار. إذا صاحبت الأشرار؛ يعلِّقون قلبك بسوء الظن بالأخيار حتى لا تنتفع بصحبتهم! إذًا فاقطع المادة المفسدة هذه أولًا حتى تستفيد بالمادة المثمرة المصلحة. 

انقطع عن أهل الغفلة وأهل الركون إلى المعاصي وأهل التساهل بأوامر الله، سواءً تلاقيهم مباشرة بأجسادهم، أو تقرأ كتبهم، أو تنظر إلى صورهم في جوال أو آيباد أو جهاز من هذه الأجهزة. "لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله"وإلا فالعمر سيضيع، والفكر والوجهة والنية ستخرب وتفسد الأخلاق.

"لا تصحب من لا ينهضك حاله" أولًا، فـ"السلامة مقدمة على الغنيمة"؛ يعني اترك النهي. "لا تصحب من لا ينهضك حاله"، ثم اطلب الغنيمة بعد ذلك بصحبة الأخيار. 

قال: "فصحبة المثبطين في حضيض الحظوظ التي لا تنهض هممهم إلى الأوج العلي، ولم تجل قلوبهم في المنهج السوي، -تمضي فيهم- فرؤيتهم قسوة، وصحبتهم شقوة، وأقوالهم في الخوض واللعب مستعملة لا تنتج حكمة، فالحِكم عنها محجوبة، والمعاصي لها مصحوبة، فأي فائدة في صحبة من لا تنهضك أحواله، ولا تدلك أقواله، ولم تُهدَ بأفعاله، ولم تصلحك أعماله؟". "مثل الجليس السوء كنافخ الكير"، وإذا جلست مع نافخ الكير قلت: أيش ما علي من ريحه؟ أيش ما عليك منه! يصل إلى أنفك أو إلى مخك شئت أم أبيت رائحة كريهة.تقول: أنا بجلس عنده ورائحته له.. رائحته له! رائحته له ذا، بحكم السُّنة قائمة الرائحة تدخل إلى أنفك من دون استأذان منك! يعني بتستأذنك رخصة أدخل أو لا؟ وكيف؟ تدخل.. تشم أو تطير شرارة من حقه الكير، وعادها بتستأذنك؟! إذا طارت ولامست جبهتك أو يدك أو صدرك أو تحرق ثوبك أو تجيء في عينك.. وأعمت عينك، ما بتستأذنك هي! فلا تقعد معه رُح هناك أيش تريد من صاحب الشرار؟! فماذا تريد بالأشرار! لا إله إلا الله.

يقول: "فالصحبة في طريق أهل الله أصلٌ كبير ومنهجٌ منير، كما مضى عليه أئمة الطريق". ويقول بعض الصحابة في تراجم التابعين وتابع التابعين التابعين: صَحِبَ فلان، صَحِب فلان وفلان، صَحِب فلان، تأدب بفلان، هكذا. يقولون: "كيف وأول من شرع مناهجها، وأعذب أجاجها، وأنار سراجها أصحاب رسول الله ﷺ، إذ هم الأصحاب والسادة الأنجاب، والصاحب يشرف بشرف صاحبه، لذلك لم توازَ فضائلهم، ولم تدرك وسائلهم،" -عليهم الرضوان-. "لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغَ مدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه." لأن هذا صاحبهم وهذا شيخهم، هات لي أصحابك وشيوخك أحد معك مثل هذا؟ ما يتأتى،  فلا يمكن أحد يكون مثلهم ممَن بعدهم -عليهم رضوان من الله تعالى-. 

ويقول: "والصاحب يشرف بشرف صاحبه،"، قال: "ولم تساوِ جبال غيرهم أقل ذرّات أعمالهم" -رضي الله عنهم- "وما ذاك إلا لِما فاض عليهم من آثار الصحبة وهواطل غوامر القربة."

فذكر أنواع الصحبة: "والصحبة مع الله، ومع رسول الله، ومع أولياء الله، ومع خواص عباد الله، ومع عموم خلق الله، -خمس- ولكل صحبة أدب وحَد." يشير لك إشارات إلى الصحبة مع الله؛ عسى إذا فهمت؛ يتولع قلبك، وإذا تولع قلبك؛ لمع، لمع النور فيه. إذا تولع قلبك بمراعاة ومراقبة صحبة الحق لك وصحبتك مع الحق، الله الله.. هنا يبدأ لمعان النور؛ وإذا أشرق هذا النور؛ انفسح له الصدر وانشرح؛ ودونك الارتقاء فيه شؤون ما يمكن الحديث عنه، ولا تجد الألفاظ تعبيرًا صحيحًا لها.

فأشار إشارات؛ قال: "هي الأصل"؛ الصحبة مع الله هي الأصل، كل صاحب -كائن مَن كان- يفارقك في أحوال وينقطع عنك في أحوال ولكن الحق تعالى، لا أيام خلق روحك، ولا أيام تنقّلك في الأصلاب كلها والأرحام إلى عند بطن أمك، ولا أيام كنت نطفة… إلا وهو معك. ولا مضغة، ولا علقة، ولا خروجك من بطن أمك، ولا طفولتك إلا وهو معك. 

يقول: "وعليها يبنى أساس الدين وعماد اليقين"، وإنما يُرتقى بسلَّم الإيمان إلى الإحسان بشهود هذه الصحبة: "أن تعبد الله كأنك تراه"، "إما أن تصحبه بامتثال الأمر واجتناب النهي"، هذا أول الصحبة، أول حُسن صحبتك مع الله مهما عقلت ووصلت إلى سن البلوغ، تجاوزت مرحلة الطفولة، فأول حسن صحبتك مع هذا الإله الذي آمنت به؛ امتثال أوامره واجتناب نواهيه وهي الخلعة الأولى في لباس التقوى. 

"ويكون نصب عيانك وعند سمعك ولسانك"، تراقبه في مرتبةٍ تطلب بها التحقق بالإحسان؛ "فتحفظ ما استودعك" من أمانات الأعضاء السبعة والقلب. فترعى هذه الأمانة، استودعك إياها، لا من عندك جاء قلبك، ولا من عند أبيك وأمك، ولا من عند شعب، ولا حكومة دولة، لا شيء جاء إلا من عنده! وأعطاك القلب، وأعطاك السمع والبصر، وديعة من عنده هو؛ "فتحفظ ما استودعك، وترعى ما استرعاك في جميع أحوالك" هذه مع عظمتها قال: صحبة عموم المؤمنين، الله!.. هذا عموم المؤمنين عادها ألّا!... وما وقعنا في هذا من عموم المؤمنين وعوام المؤمنين، فمتى نصل إلى أهل الخصوص؟ 

قال: عموم المؤمنين هذه، وصحبتهم مع الله، امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ويجعلون نصب أعينهم وعند أسماعهم وأبصارهم، يراقبون ويحفظون ما استودعهم إياه ويرعون ما استرعاهم؛ هذه صحبة عموم المؤمنين، أول درجة في حسن الصحبة مع الخلاق. ما لك اختيار في ترك صحبة هذا، وإن غفلت وإن رحت، هو معك على رغم أنفك.

أما "صحبة الخصوص" مع الإله "فهو أن تفنى عن أفعالك" بشهود أنه الفعّال بتحقيق سر (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96]. فيبدأ الـ "أنا" التي عندك تسكت، وتحل محلها "هو"، تروح أنا ويجيء هو، أها، وتقول: هو الذي وفق، وإن شيء من الفضيلة عندي فهي منه ومن فضله، والفضل له، (وَلَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) [الحجرات:17]. نعم.. "أن تفنى عن أفعالك"، ومن هذا الفناء عن الأفعال أن تفنيها في منهاج الشريعة، ما تخرج عن ميزان الشريعة، خلاص، تبقى مقيدة أفعالك بفعل الشريعة فيكون مفتاح أن تفنى عن أفعالك بشهود الفعّال؛ تقيّد فعلك كله بالشريعة، ما تدخل إلا حيث أمرك، فلا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. يقول: "تفنى عن أفعالك، وتغيب عن أوصافك" وتراها موهوبات، معطيات، مستودَعات، من الحق؛ يعني الأوصاف. 

  • أما الوصف الذي جعله لازمًا لك وبجعله هو؛ فذُلك وعجزك وضعفك هذا، ملازم لك على كل حال في كل الأحوال. 
  • وأما ما عدا ذلك مما يعطيك من الأوصاف الشريفة والفضائل؛ فمستودَعات يعطيك إياها من الفضل، مستعارات، عارية يعطيك.

لكن ذاك عجنه بذاتك، وصف الذلة والعبودية والمسكنة والفقر معجون بذاتك، ما تقدر تتخلص عنه أبدًا؛ هو فيك أقرّيت أو ما أقرّيت، اعترفت أو ما اعترفت، أدركت أو ما أدركت، عملت بمقتضاه أو خالفته، أنت: فقير، ذليل، حقير، مسكين، عبد! هذا وصف لازم للملائكة والإنس والجن ولجميع الخلق، الله أكبر!... 

لكن أوصاف أخرى، يعيرهم إياها؛ تطرأ عليهم. فالفضائل منه معطاة -سبحانه وتعالى- ليست أصل وصفنا ولكن موهوبة لنا منه، وإن شاء رفعها وإن شاء... فارعَ حق المعطي المعير المنّاح -سبحانه وتعالى-. 

"فتكون لديه حاضراً"؛ لأنك ما عاد رَكَزت صنم فعلك، ولا صنم وصفك؛ أفعالك وأوصافك اضمحلّت بشهود الفعال الوهاب؛ فحينئذ ما تبقى لك أسماء، تروح أسماؤك، يبقى اسمه وفعله وعطاؤه.

باقي قال لك: "وأما صحبة خصوص الخصوص" في صحبتهم لله. وعاد خصوص الخصوص! إذا العوام قد حيّرنا أمرهم، فكيف الخصوص؟ وهؤلاء خصوص الخصوص! والعوام على درجات، والخصوص على مراتب أيضًا ودرجات، وخصوص الخصوص كذلك. الله... 

"وأما صحبة خصوص الخصوص، فأن تضمحلّ عن الأوصاف، وتنمحق بقايا شعورك بذاتك وأنيتك"؛ أنا.. "وظهور اثنينيتك"؛ بواحديته تضمحل اثنينيتك ما عاد إلا  واحد، ثم ترتقي لرتبة الأحدية؛ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1]. قال: يحصل لك هذا في مقام يسمّونه البقاء؛ "مع ما أنت عليه من الصحو والقيام بوظائف العبودية"؛ تمتثل وتقيم وتجتهد، وتقرّب وتُبعّد، وتوالي من أجله، وتعادي من أجله، وتحب من أجله، وتبغض من أجله، وأنت فانٍ مضمحل …. الله! أيش هذا؟ هذا حق خصوص الخصوص.

ويمكن تعرف ما بدأوا إذا وصلت مرتبة الخصوص، أنت ما تحققت بصحبة وحسن أدب العوام، العوام عادك ما حصّلته، وتقول لي أيش هذا؟ أيش هذا!.. أيش أقولك؟! ابدأ وقُم بمسألة التحقق بحُسن الصحبة للعوام المؤمنين، بتبدأ تذوق معنى صحبة الخصوص.. اطلع إلى رتبة الخصوص، بتبدأ تذوق هذا الكلام!..

مع صحوهم وقيامهم بالأمر، يشهدون اضمحلال أفعالهم في نفس الوقت، كما كان الأنبياء والمرسلون. ويقول سيدنا إبراهيم لقومه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، ويثبت هو ما أُعطي من ذلك الاختيار والترتيب، يقول: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات:99]، أنا ذاهب إليه، الله أكبر. (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) [الصافات:88-90]، (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) [الأنبياء:57]، وكسّر الأصنام وجعلها جذاذ… قُم بالأعمال ووظائف العبادات، ولكن يعرف أن الأمر من فوق والترتيب من فوق،  ما هو معرفة.. ذوق ووجدان وعيان ومشاهدة.

وهو الذي ارتقى بالرتب العلى سيدنا الخليل، حتى في كيفية إحياء الموتى، رأى عجيب قدرة الله في إحياء الموتى، فأراد أن يرقى فيه إلى أعلى رتب الذوق في معرفة كيفية إحياء الحق للموتى، أراد أن يجاوز نور البصيرة إلى البصر، ويشاهد مشاهدة كيفية إحياء الموتى. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ)، مع أنه قد قال عنه: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75]، لكن عاده يترقى يترقي.. فقال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ). فقال له: (أَوَلَمْ تُؤْمِن) وأنت على رتبة حق اليقين؟ (قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، يريد زيادة. قال: بسم الله، (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)؛ قطِّع رؤوسهن وخل أجسادهن عندك ووزّع رؤوسهن على الجبال، ضع على الجبل الفلاني رأس، وبعده الجبل الثاني فوقه رأس، والثالث… (وَاجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ)؛ أنت بنفسك؛ يعني: أجعلك تحيي أنت الموتى بإذني لترى كيف أنا أحيي الموتى، (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) [البقرة:260]، وزّع رؤوسهن وكل رأس دخل في جسده بدون ما يختلط ذا مع ذا، فرجعت كما كانت، وشاهد ببصيرته وبصره ما لا يُعبَّر عنه! (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ)، صلوات الله عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

قال: "فأن تضمحلّ عن الأوصاف، وتنمحق". رأينا بعض المتعلقين بالخير يقول لي: ادعُ الله لي، يقول: ماذا؟ أن يسحقني ويمحقني! عجيب أيش من آدمي هذا!.. قال: هكذا يريد الله.. يعني: شهودي؛ أنسحق وأنمَحِق، ما عاد يبقى لي شعور بوجودي مع وجود الله -تبارك وتعالى- ما يبقى وجود لنور الشمعة إذا جئنا بالسراج الكبير، فكيف إذا طلعت الشمس! وأنت مخلوق أيش لك من وجود أمام وجود الخالق الوجود له الحقيقي، وأنت إنما أوجدك إيجاد مجازي وإيجاد مؤقت بأمره، والوجود إنما له -جل جلاله وتعالى في علاه-. وهكذا هذه الصحبة مع الله جل جلاله. لا إله إلا الله. 

ثم يقول في صحبة خصوص الخصوص هو "والقيام بوظائف العبودية، الانطواء تحت توليات الربوبية، والغيبة عن ظهور الحدثية، ومضادة الثنوية بظهور الأولية والآخرية: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)، خلاص.. فلا عاد شيء يحجزك عنه لا أول ولا آخر ولا ظاهر ولا باطن، (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3]. هذه الصحبة مع الحق. 

صحبة مع الرسول ﷺ، صحبة مع الرسول.. وإن عادك في دار المصطفى.. صلِّح صحبة سواء، وإن كانك في حلقات علم المصطفى، وإن كنت تقرأ القرآن الذي أُنزل على المصطفى.. صلِّح صحبة سواء .. مصاحبة هذا الرسول.

أدركنا الوقت لحضور جنازة الشيخ عبد الرحمن بن شيخنا الشيخ علي بن سالم الخطيب -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. ابتدأنا حفظ القرآن عند الشيخ علي بن سالم، الذي حَفَّظ كثير من أهل البلد كتاب الله -تبارك وتعالى-، وكان يحضر الروحة في مسجد باعلوي عند الوالد، وكلّمه من أجل أحضر عنده إلى قبة أبو مريِّم، كنت نحو ثماني سنوات، وقال يوم وهو خارج من الروحة: رُح للشيخ علي وقل له: في أي ساعة بغيتنا أجي إلى القبة؟ فجئت إلى عنده وابتدأنا عنده حفظ القرآن. كان يحفّظ في الصباح مُقرأ، وفي العصر مُقرأ، وثمانية مقاري للمحفوظ؛ درس ومقرأ في الصباح ومُقرأ وفي المساء مقرأين حفظ، وثمانية وثمانية درس جزء، درس كل يوم، ومقرأين حفظ. وكان مولّع بالقرآن، لا يكاد يغلط من أول القرآن إلى آخره في كلمة، ويقرأ القرآن حتى وهو نائم. وقال الحبيب مشهور -عليه رحمة الله- قال له: العجب أنه لمّا ينام مرة ثانية يقرأ من حيث وقف! من حيث وقف أول مرة يقرأ، يواصل جزء بعد جزء ويختم ختمات في النوم. ومكث في خطابة جامع تريم سنين طويلة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- حتى مرض آخر عمره، وكنا نطلع إلى بيته هذا الذي تنزل منه الجنازة اليوم، قريب من الجبَّانة ونقرأ عنده هناك، عليه ورحمة الله تعالى. 

ورحم عبد الرحمن ابنه وأصولهم وفروعهم بالرحمة الواسعة، يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وهيأ له كريم النُّزل لديه، ويقابل روحه بأسنى ما يقابل أرواح المحبوبين والمقربين وأهل اليقين، وألحَقه بسلفه الصالحين، وأعاذه من الآفات والعاهات، وجعلها أبرك الليالي عليه وأسعد الأيام لديه، واجمعنا به في دار الكرامة وهو راضٍ عنا. وبارك في أولادهم وأحفادهم وأسباطهم، ورحم موتانا وموتى المسلمين بالرحمة الواسعة، وجعلنا وإياكم ممَن ترعاهم عين العناية في جميع الشؤون في الظهور والبطون، في خير ولطف وعافية، الفاتحة.

 

تاريخ النشر الهجري

26 ذو القِعدة 1441

تاريخ النشر الميلادي

17 يوليو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام