الحِكَم العطائية -3 | إرادتك التجريد مع إقامة الله إيّاك في الأسباب من الشهوة الخفية

الدرس (3): من قوله: إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية..
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الخميس 8 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (2): "إِرَادَتُكَ التَّجْرِيْدَ مَعَ إِقَامَةِ اللهِ إِيَّاكَ فِي الْأَسْبَابِ مِنَ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ، وَإِرَادَتُكَ الأَسْبابَ مَعَ إِقامَةِ اللهِ إِيَّاكَ في التَّجْريدِ إنْحِطَاطٌ عنِ الهمَّةِ العَليَّةِ."

الحِكمة (3): "سوابقُ الهِمَم لا تَخْرقُ أسوارَ الأقْدار"

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عنكم.

الحكمة (2): "إِرَادَتُكَ التَّجْرِيْدَ مَعَ إِقَامَةِ اللهِ إِيَّاكَ فِي الْأَسْبَابِ مِنَ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ، وَإِرَادَتُكَ الأَسْبابَ مَعَ إِقامَةِ اللهِ إِيَّاكَ في التَّجْريدِ إنْحِطَاطٌ عنِ الهمَّةِ العَليَّةِ."

"الإرادة: حالةٌ من حالات القلب، ووصفٌ من صفات العبد، وهي جائزةٌ كهو، وهي بتخصيصِ الأمور وتدبيرها، وقد علمتَ ما العبدُ عليه من القصورِ والعجز، لجهلِه بتدبير الأمور، والعجزُ من لوازم إرادتِه الأشياءَ واختيارِها، والمطلوبُ من العبد حيث كان كذلك؛ أن يكونَ بتدبيرِ الله واختياره، تاركًا لإرادته وسائرِ أوصافِه وأفعاله، ويبقى بتدبير مَنْ له الإرادةُ الكاملة، والقدرةُ النافذة في حركاتِه الظاهرة والباطنة، فعلَى ذلك لو أُبيحَ له أن يختارَ لكان من حَقِّه تركُ الاختيار، فكيف والعبدُ مأمورٌ بترك الاختيار، لقوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [القصص:68] وبعضُ الأمور أظهرُ من بعضٍ في ظهور الحكمة، فطلبُ التجريد مع إقامةِ الله إياك في الأسباب؛ الشهوةُ فيه خفيةٌ، غامضةٌ جداً، من حيث إنه طاعةٌ، لكنْ بتدقيق النظرِ في دقائق الحقائق يتبيَّن لك شهوةُ النفس، ومخادعةُ الشيطان.

أما شهوةُ النفس فمِن حيثُ استعجالِ الراحة.

وأما مخادعةُ الشيطان فمن حيث إخراجِك من تدبير الله الذي لم يقترن به مذمومٌ شرعاً، إلى تدبيرِك لنفسك المَشوبِ بالحظوظ،

 وأمّا طلبُ الخروج من التجريد إلى الأسباب فقُبْحُه ظاهرٌ جلي.

واعلم أن الأسباب: هي كل ما يُوصلُ إلى غرضٍ دنيوي.

والتجريدُ: هو التفرُّغُ عن كل شاغلٍ يشغل عن الله، وعائقٍ يعوق عن طاعة الله.

واعلم أن التجريد حالٌ شريف ومقامٌ مُنيف، يُقيم الله فيه خاصَّة أصفيائِه وصفوة أوليائه، وعلامةُ مَن أقامَه الله فيه؛ كثرةُ الرضا وعدمُ الشكوى، وعدمُ الركون إلى المعلوم، وتجنبُ كل فعلٍ مَلوم، وخلُقٍ مذموم، والاستغناءُ بالله، وإنزالُ جميع حاجاته ومهمّاته بالله، والبذلُ عند الوجد، والصبرُ عند الفقد، والرأفة بعباد الله والشفقة، ورفعُ الهمة عن التشوّف إليهم في أمرٍ من الأمور، إذا نزلتْ به الحاجة لم يتوجَّه في قضائِها إلى غير الله، وهم في  ذلك ثلاثة:

منهم مَن لايَسألُ ولا يأخذ.

ومنهم مَن لا يَسألُ وإذا أُعطيَ قبِل.

ومنهم  مَن يَسألُ عندما تنزلُ به الحاجة.

  فالأوّل روحانيٌ، والثاني تاركُ للاختيار قائمٌ مقام الافتقار، والثالث كفارةُ سؤاله صدْقُه في فاقته.

 والمتجرِّدُ تجرّدَ عن أسبابٍ وتلبَّس بأحوال، فما يتجرّدون ليتفرَّغوا، ولكن يتجرّدون عن أسبابٍ دنيّة لأحوالٍ سنيّة، فمَن لم يكنْ في حال تجريدِه ذا همةٍ عالية وعلوم وافية، وأخلاقٍ رضيّة، وعلومٍ سنيّة، وأذواقٍ روحية، فتجريدُه بَطالةٌ، وطريقتُه ضلالة، وإنْ كان بهذه الشروط تولىّ اللهُ رعايتَه، ونشرَ عليه سرَّ ولايته، وتوجهّتْ إليه الكائناتُ بسرِّ التسخير، وكُفيَ همَّ التدبير، فإذا توجهتْ همتُه إلى غير الله كائنًا ما كان ذلك الغير، فقد انحطَّ عن هذه الرُّتبةِ العليّة، ونزل عن هذه الهِمّةِ السامية العُلويّة، وحُجِب عن هذه الحالة السنيّة، فما أعظمَ مصيبتَه وأشدَّ عقوبتَه، وما أقبحَ حماقتَه، حيث عاد من اليقين إلى الوهْم، وتلبَّس بالجهل عِوَضاً عن الفَهْم، إن لم يتداركْهُ الله بتوبةٍ وسرعةِ أوبة، فإن لم يتدارك بذلك، كان مَن لم يَسلُك أحمدَ حالاً منه، لأنّ مَن لم يَسلكْ لم يُطلَق عليه أنّه سلكَ طريقًا ورجعَ عنها، ولا يَخفى ضلالُ رأيِ من خُطِب إلى مقام المُلْك والأتراب، ورجع إلى سياسة الدوابّ، وفي مثل ذلك أقول: 

كيف بالأسباب يقنع مَنْ *** لِحمى التجريد قد طُلبا

 مَن بمولاه توثُّقُه *** ثم يرجعُ يطلب السببا

 كانت الأسبابُ تطلبُه *** وهو بالأنوار مُحتجبا

 فترى التنزيلَ يخبرُنا *** بحديثِ العُمْيِ قومِ سبا

 إن فيها آيةٌ ظهرت *** تخبرُ الطلابَ بالعجبا

 برغيد العيش أنكَدَه *** يطلبون البُعد والتعبا

 إن في ذلك لآيةٌ وكفاية، ولا تحسبن الله يقصُّ عليك هذا الحديثَ عبثاً، ولكن أنتَ المراد، فإيّاك ثم إياك والتَّصامُمَ عن هذا الخطاب، فيكون أيسرُ أحوالك العتاب، بشنيع الخطاب، هذا الذي رجعَ عن الباب، واستخارَ البُعدَ عن الاقتراب، وآثر مجالسةَ الأجناب على مشاهدة الأحباب، وأشدُّ حالاتك الطردُ والحجاب، وأليم العذاب،

 فهذه بعضُ إشارةٍ إلى تقبيح حال من انحطَّ عن التجريد إلى الأسباب.

 

الله، لا إله إلا هو، مسبّب الأسباب، الكريم التواب، يعطي بسبب وبلا سبب، وكلُّ شيءٍ عنده بمقدار، القائل في كتابه: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21]، وقد أَعطى اللهُ الإنسانَ ليبتليَه ويختبره؛ إرادةً، ثم ينظر أين يصرفُ إرادتَه واختياره، هناك محطُّ الاختبار للعباد. قال: "فالإرادة حالةٌ من حالات القلب، ووصفٌ من صفات العبد وهي" الحالة "جائزة كهو"، كالوصف،" بتخصيصِ الأمور وتدبيرها" فيما جعل الله تحت أيدي العباد من الاختيارات والإرادات، والعبدُ والإنسان مهما كان عاقلاً وعالمًا واعيًا، فيه نقصٌ، وفيه ضعف، وفيه عجز، ولابد له من القصور والعجز، ولا يستطيع أن يصلَ إلى استيعابِ خفايا الأمور ودقائِقها وأبعادِها، كما يحيطُ بها الربُّ جلَّ جلاله، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، بل طبعُكم أنتم في بشريَّتكم مع ما عندكم من علمٍ ومعرفة (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].

فلما كان الحال هكذا؛ وجبَ على الإنسان أن يتخذَ له طريقاً صحيحاً في تسيير الإرادة، وإلى أين يصرفها، يقول: "والمطلوبُ من العبد حيث كان كذلك؛ أن يكونَ بتدبيرِ الله واختياره"، لا يُحكِّم إرادتَه، وسائرَ أوصافِه وأفعاله على إرادة الله تبارك وتعالى. "ويبقى بتدبير مَنْ له الإرادةُ الكاملة، والقدرةُ النافذة في حركاتِه الظاهرة والباطنة"، فلو أعطيَ الاختيار لكان من حقّه اذا عرف عبوديته وعظمة الربوبية أن لا يختار، "فكيف والعبدُ مأمورٌ بترك الاختيار، لقوله: (وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36]، وقال: "وبعضُ الأمور أظهرُ من بعضٍ في ظهور الحكمة"، -التي قالها الشيخ- يقول: "إِرَادَتُكَ التَّجْرِيْدَ مَعَ إِقَامَةِ اللهِ إِيَّاكَ فِي الْأَسْبَابِ" والأسباب فسرها بأنها "كلُّ ما يوصِل إلى غرضٍ دنيوي"؛ كل ما جعله الله سبب يوصل إلى غرضٍ دنيوي، قال إذا أقامك الله في الأسباب؛ جعلك صاحبَ تجارةٍ، صاحبَ صناعةٍ، صاحب حراثة وزراعة، صاحب حرفة، صاحب ميناء، صاحب بناء، صاحب طيران، صاحب هندسة، أقامك في هذا وحلال، إذا تشوَّفت نفسُك أن تنقل من هذا، وتريد تكون مثل المتجردّين عن الأسباب، الذين لا يعتمدون على سبب، وليس عندهم شيء، وهم مُقامون في التجريد، قال لك: أن هذا شهوة خفية! "إِرَادَتُكَ التَّجْرِيْدَ مَعَ إِقَامَةِ اللهِ إِيَّاكَ فِي الْأَسْبَابِ مِنَ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ"، كيف شهوة خفية؟ عادك تجردتُ وتركتُ الأعمال كلها، قال لك لا! قال كونها خفية، هذه الشهوة الخفية غامضةٌ جداً، كيف؟  يقول: العملُ الذي تقوم به على موجب الشرع يحتاج  صبر ومعاناة وجهد، ويرتب اللهُ عليه أداء واجبٍ مَن الذين تنفق عليهم ممن واجب عليك نفقتهم،  ومنفعةَ الناس، فتجيء نفسُك تستثقل هذا، تنظر إلى المتجردين  تقول هؤلاء مرتاحين يجيء لهم شيء وهم قاعدين كذا.. وأنا الذي أرتب وأفكر واطلع وأنزل… أنا أريد أن أكون مع المتجردين! 

قال: أنت الآن تبعُ شهوة نفسك، خارج من مهمةٍ أقامَكَ اللهُ فيها، يرتبُ عليها خيراتٍ كثيرة، وبنفسك طلبتَ الانتقالَ بلا بيّنة، لم يتغير عليك أمر السبب الذي أنتَ فيه، ولم يكن فيه مخالفةٌ للشرع، ولم تضطرك ظروفٌ وأحوالٌ إلى تركه، ولم يُشرْ عليك بذلك راسخٌ في العلم من ذوي اليقين والمعرفة، ولكن أنتَ بنفسك استثقلتَ وتعبتَ، بغيت فأردت أن تتخلص منها، لا… ما هكذا يُسلَكُ إلى الله، اقعد محلك، هنا جهدك هنا اجتهادك، حتى ينقلك هو. 

والحقُّ أن تمكث حيث أنزلك *** حتى يكون اللهُ عنه نقلك

 بالعلامات التي ينقل بها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا كما يشاء. 

قال: "وأما مخادعةُ الشيطان فمن حيث إخراجك من تدبير الله"؛ لأنه تدبيرٌ غير مذموم شرعاً، إلى تدبيرٍ من عند نفسك ناقصٍ قاصرٍ مشوب بحظوظٍ كثيرة، وآفاتٍ تتخبط بها، ثم أراد أن يتجرد، إذا خرج بهذه الصورة لا يتجرد، ولا يصدق مع الواحد الأحد، ويبقى متلفت إلى ما في أيدي الناس، ويرجع يذم هذا ويسب ذا، ولا هو متجرد ولا هو متسبب، قال:

غرابٌ تعلًم مشيَ القطا *** وقد كان يُحسنُ مشي الحجَل

فهرول بين هذا وذا *** فلا ذا تأتَّى ولا ذا حصل

 أقِمْ حيث أقامك حتى ينقلَك. 

يقول: "وأما طلبُ الخروج من التجريد إلى الأسباب فقُبْحُه ظاهرٌ" ما هي الأسباب؟ قال: "كل ما يُوصل إلى غرض دنيوي"، من أنواع المهن والحرف والأعمال، هذا سبب.

ما التجريد؟ "التجريدُ: هو التفرُّغُ عن كل شاغلٍ يشغل عن الله، وعائقٍ يعوق عن طاعة الله."، والتفرغ للعبادات، مثلُ حال أصحاب الصُّفة، كانوا من الصنف المتجرّدين، وكان في الصحابة من هو أفضلُ منهم، وهم أفضل من كثيرٍ من بقية الصحابة، ولكن هؤلاء في الأسباب، وهؤلاء في التجريد، فكان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر قائمين في الأسباب، وأهلُ الصفة قاعدين في الصُّفة، وهؤلاء أفضل، وسيدنا علي في الأسباب وهو أفضل من أهل الصفة، وأهل الصفة أفضل من كثير من الصحابة القائمين في الأسباب، ولكن كلٌ منهم حيث أقامَه الله جلّ جلاله.

ولذا لما أراد صاحب دُكّانٍ صالحٌ خيّر، ويساعد الناس وينفق الفضل ويقوم بالأمانة، فكَّر أن يترك الدكان ويتفرغ للعبادة، قال له الحسن البصري: لا! هذا محلك قم هنا، نحن نأمن عليك، تأتي للناس بالحلال، وتساعد ذوي الحاجة، ومثلك نأمَنْه في هذا المحل،  أنت هنا محلك أفضل، أنت تنفع المسلمين هنا أكثر، فأقامه الله في ذلك، فأرشدَه إلى أن يقوم فيما أقامه الله، ويؤدي حق الله فيه.

 يقول: "أن التجريد حالٌ شريف ومقام منيف، يُقيم الله فيه خاصَّة أصفيائه وصفوة أوليائه"، وكثير من الناس، لكن ما العلامة أن الله أقامه في التجريد؟ "كثرةُ الرضا"، لا أحد يقول في التجريد: تعبان لا أحد ينتبه إلى أحد، الناس كلهم نفسي نفسي، أنت في التبديد قائم لا في التجريد ؟ ما التجريد هذا! صاحب التجريد راضي، بلا عشاء راضي أحسن من المتعشي، أكثر رضا من الذي تعشى، فرحان.. هذا صاحب التجريد، هكذا يكون، قال: "كثرة الرضا عدم الشكوى".

جاء سيدنا الخليل إبراهيم -عليه السلام- وقف على باب إسماعيل، وسأل زوجته -وهي لا تعرف سيدنا إبراهيم-: كيف حالكم؟ كيف معيشتكم؟ شَكَت… قالت: تفضل انزل، قال: لا، إذا جاء إسماعيل اقرئيه السلام وقولي له غيِّر عتبةَ بابك. راح، جاء سيدنا إسماعيل قالت له: وقف علينا شيخ، له بهاء وهيبة طلبته أن ينزل ولم يرضَ أن ينزل عن فرسه، سألني عن حالي شكوت له الحال، قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: يقرئك السلام ويقول غير عتبة بابك، قال: ما وصف الشيخ؟ قالت: كذا وكذا قال لها ذاك أبي إبراهيم عليه السلام، وقد أمرني أن أفارقك، أنتِ عتبة الباب، يعني ما أعجبه  حالك هذا التشكي، قال: الحقي بأهلك. 

تزوج امرأة أخرى أخذتْ نصيبَها من الإيمان والتربية أحسن، ومرَّ عليهم سيدنا الخليل إبراهيم، وما وجد إسماعيل، قالت تفضل انزل، قال: لا، قالت أغسل عن رجليك، قال: ما حالكم؟ قالت: في خير وفضل ونعمة من الله، حمدتْ الله وأثنت عليه، قال لها: ما طعامُكم؟ قالت له: اللَّحم واللبن، فدعا لهم بالبركة، ولهذا يُقال ما يتبارك اللحم واللبن في موضع أحسن منه في مكة، حتى يقال إنّ مَن يضرهم الجمع في اللحم بين الليل والنهار في أي مكان؛ في مكة ما يضره، دعا لهم بالبركة في اللحم وفي اللبن. 

والحبيبُ دعا لأهل المدينة بالبركة في البُرِّ والذرة، وفي مدِّهم وصاعهم، الحبوب التي يستعملونها، فهي كثيرة البركة هنا، كلُّ من سكن في المدينة يحصل صرفية الشهر حقه تختلف عن أي مكان آخر، تُبارك، لا إله إلا الله… فقال لها: اقرئي إسماعيل إذا جاء السلام وقولي له: ثبِّت عتبة بابك. لما جاء شم رائحة والده قال لها: مرّ هنا بكم رجل؟ قالت شيخ مُهاب عظيم جليل، وكذا كذا كذا وإني غسلت عن رجليه، طلبته أن ينزل فأبى، وسأل عنك فأخبرته، فسألني عن حالي فأثنيتُ على الله تعالى وشكرتُ الحال، وقال يقرئك السلام، ويقول ثبّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي إبراهيم خليل الله عليه السلام، وقد أمرني ألا أفارقك، أنت عتبةُ الباب، أمرني ألا أفارقك، وهكذا.

 ولهذا من جملة ما يَنظر الله إليه من أحوال عباده؛ إذا أمرضَ أحد من خلقه، فيقول للملائكة انظروا ماذا يقول لعوّاده، قال: فإن هو صبرَ على ما ابتليتُه وشكرني ولم يشْكني إلى عوّاده، تكفّلتُ له إن توفيتُه توفيتُه على الملة، إلى خير، وإن عافيتُه أبدلتُه لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، إن أنا توفيتُه توفيته إلى رحمتي لأنه شكور

 كنا نعرف الناس لما تربَوا بمجالس الصالحين، إن حصّلته مريضا وإن حصّلته جائعا وإن حصّلته في حادث، أول ما تسأله عن حاله يقول: الحمد لله الحمد لله، يستحق الحمد يستاهل الحمد، كل شيء من ربك خير، كله زين، الحمد لله أول جواب، من مدارس الأصفياء تخرّجوا، جالسوا صديقين، إن تريدهم عوام، وإن تريدهم خواص.. خواص، عليهم الرضوان، هكذا ما أحد يشكو اللهَ إلى الخلق، له الحمد وله المِنّة، الحمد لله على كل حال.

يقول الله لعيسى بن مريم: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ) ما قلت هذا سبحانك، سبحانك أنت المُقدس، أنت المنزه، ما يكون لي أن أقوله (إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي) ثناء.. (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ)، أنا أقول كذا يا رب! متى قلت، أنا ما قلت، هم يكذبون علي، ولا شيء من هذا الكلام، (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، شفت كلام أهل المعرفة بالله كيف.. (قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) ينادي ملَكَ: لقد سعد عيسى ابنُ مريم سعادةً لا يشقى بعدها أبدا، (هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة:116-119].

 هذا علامة التجريد؛ "كثرةُ الرضا وعدمُ الشكوى، وعدمُ الركون إلى المعلوم، وتجنبُ كل فعلٍ مَلوم، وخلُقٍ مذموم، والاستغناءُ بالله، وإنزالُ جميعَ حاجاته ومهماته بالله، والبذلُ عند الوجد"؛ ينفق، يتصدق، يواسي، يتصدق، يواصل، يُطعِم الطعام، ويتفقد ذوي الحاجة، سر وجهر، ليل ونهار، هؤلاء المتجردّون هكذا يصنعون، ما يقفلوا عليهم، ويقولوا متجردون، وهو إنما متشوّف للذي عنده، هذا معدّد ليس متجرّد!

 قال: "والبذلُ عند الوجد والصبرُ عند الفقد، والرأفةُ بعباد الله والشفقةُ على خلق الله جل جلاله، رفعُ الهمة عن التشوُّف إليهم في أمرٍ من الأمور، إذا نزلتْ به الحاجةُ لم يتوجَّه في قضائِها إلى غير الله" هؤلاء المتجردّون قال: "هُم ثلاثة:

  • منهم مَن لا يَسألُ ولا يأخذ" روحاني مجرد، لا يسأل أحد، وإن حد جاب له شيء ما…  لهم أحوال مع الله تعالى، ويسوق إليهم ما شاء، قد يختبرهم ويبتليهم ثم يفك عليهم بعدين.
  • والثانيين هؤلاء وسط، وفيهم أفاضل كثير، لا يَسأل ولا يرد، وكثير من أكابر هؤلاء يقولون: لنا ثلاثُ خصال:
    • لا نسأل
    • ولا نردُّ
    • ولا ندَّخر 

لا نسأل ولا نرد ولا ندخر.

لقد رفضوا الدنيا الغرور وما سعوا *** لها  والذي يأتي يبادَرُ بالبذل

 فقيرُهم حرٌ وذو المال منفقٌ  *** رجاء ثواب الله في صالح السُّبل

  • والثالث إذا نزلت به الحاجة سأل. 

فالأول روحاني والثالث مجرد عن الاختيار ما أعطاه الله جاء به، أخذه وقبله، وهو الذي أرشد إليه ﷺ أكابر الأمة، مثل سيدنا عمر بن الخطاب؛ أرسل إليه شيء فقال له: اعطِه مَن هو أحوجُ إليه مني، فقال: يا عمر ما جاءك من هذا المال من غير مسألةٍ ولا إشرافِ نفسٍ فخذه، فإن كنتَ محتاجاً له فتموَّلْه وإلا فتصدَّق به. الذي يأتي يُبادَر بالبذل، "وما لا فلا تُتْبعْهُ نفسَك"، بيّن له الطريق، صلى الله على المربي الكريم.

"والثالث كفارةُ سؤاله؛ صدقُه في إفاقته وما يسأل إلا للحاجة".

قال وهذا "المتجرِّدُ تجردَ عن أسبابٍ وتلبَّس بأحوال"، فهذه الأحوال من أقوى الأسباب، لأنه من أقوى أسباب الرزق التقوى، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ) [الطلاق:2-3]، فهو أخذ أحوال من أقوى أسباب الرزق، يعني ما هو معنى تجرّد عن الأسباب راح ينام، الأسباب قاعد ليل ونهار بالنوم ويتفرج على أشياء ويجيب له جوال وبس،  هكذا التجرد هو؟! هذا كما واحد يسهر طول الليل، يجلس كذا؛ لا يصلي لا يقرأ، لا يطالع، يقولون له ما لك أنت قاعد تسهّر نفسك أيش الفائدة؟ قال :ما سمعت قول الشاعر! قال الشاعر:

 ومن طلب العلا سهر الليالي

 بقدر الكدّ تُكتسب المعالي *** ومن طلب العلا سهر الليالي.

قاعد كذا مثلك؟!! كذا يتفرّج يدرّج رأسه!.. سهر الليالي في خير، في علم، في تقوى، أما سهر الليالي ويجلس كذا طول الليل، مجنون أنت؟ ما  هكذا السهر، والتجرّد ليس هكذا، يقول أنه متجرد يروح ينام… يكون لك ضحى، لك رواتب، لك عبادة، لك قراءة، لك عِلم، لك تعليم، نعم متجرّد، أما متجرّد لا أحوال ولا أسباب؟!، رجعتَ سبهلل، أنت غير متجرد، أنت صرت في السبهلل، "إن الله يبغض الرجل السبهلل" ما السبهلل؟ قال: الذي ليس في عمل دين ولا في عمل دنيا. لا في عمل دين ولا في عمل دنيا، قاعد كذا، يقول بيقتل وقته، قتلتَ نفسك وقتلتَ عمرك، كيف تقتل وقتك، قتلت عمرك قتلت نفسك، والوقتُ ذخيرتُك وزادك للآخرة، وعمرُك وشرفك، كيف تقتله؟.. بس يريد يجزّع الوقت يقع في كلام فارغ، يدور له سمار له  أو غفلة ويروح من هنا لهنا، المتجرد حاضر مع الرحمن في كل آن، لا إله إلا الله…

"فما يتجردون ليتفرغوا، لكن عن أسبابٍ دنية لأحوالٍ سنية، فمَن لم يكنْ في حال تجريدِه ذا همةٍ عالية وعلومٍ وافية، وأخلاقٍ رضية، وعلومٍ سنية، وأذواقٍ روحية، فتجريدُه بَطالةٌ"؛ سبهللة تجريده بطالة "وطريقتُه ضلالة"، المتجردين وكما قال بعضهم يروحون ما يحملون الزاد، يقولون متوكلين على الله، وبعدين يتشوّفون ما في أيدي  الناس يسألون الناس، قال لهم: أنتم المتأكلون لستم المتوكلون، متأكلون تريدون أن تأكلوا من الناس بلا تعب، وتسمّون أنفسكم متوكلين، المتوكلين ما يتشوّفون ما في أيدي الناس، ولا يسألون الناس.

 قال وإذا كان بهذه الشروط وقام عليها؛ "تولى اللهُ رعايتَه ونشر عليه سرَّ ولايتِه، وتوجهت إليه الكائنات بسرِّ التسخير وكُفي هم التدبير" كما هو مشاهد في الصادقين هؤلاء، "فإذا توجهتْ همّتُه إلى غير الله كائناً" ذلك الغير "ما كان ذلك الغير، فقد انحطَّ عن هذه الرُّتبةِ العليّة، ونزل عن هذه الهمّةِ الساميّة العُلوية، وحُجِب عن هذه الحالة السنيّة، فما أعظمَ مصيبتَه"، والعياذ بالله تبارك وتعالى "فإن لم يتداركْ بالتوبة وسرعة الأوبة، كان مَن لم يَسلُك في الطريق أحمدَ حالاً منه وأحسنَ عاقبةً:، والعياذ بالله "لأنّ مَن لم يَسلُك لم يُطلق عليه أنه سلك في الطريق ورجع عنه"، وهذا سلك ورجع، رجع القهقرى، فلهذا كان أشدّ أنواع الكفر ما هو؟ ردّة.. لأنه بعد الإسلام جاء يكفر، هذا أشد أنواع الكفر، أعوذ بالله، الردة ثم النفاق ثم الكفر؛ بقية أنواع الكفر. وفي هذا يقول:

كيف بالأسباب يقنع مَنْ *** لِحمى التجريد قد طُلبا

 مَن بمولاه توثُّقُه *** ثم يرجعُ يطلب السببا

 كانت الأسبابُ تطلبُه *** وهو بالأنوار مُحتجبا

 فترى التنزيلَ يخبرُنا *** بحديثِ العُمْيِ قومِ سبا

(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) جابوا على أنفسهم التعب، وهو ربي بارك لهم (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سبأ:15] كلوا واشربوا (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) [سبأ:19] (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) [سبأ:16-17] مَن كفَر النعمة..

 إن فيها آيةٌ ظهرت *** تخبرُ الطلابَ بالعجبا

 برغيد العيش أنكَدَه *** يطلبون البُعد والتعبا

 قال: ما قصَّ الله عليك هذه الآيات مثل قصة سبأٍ وغيرهم في القرآن، ما قصّها عبث، "ولكن أنتَ المراد"، قال اسمع خطاب الرب، إيّاك والتصامُم، "إياك ثم إياك والتصامم عن هذا الخطاب"، اللهم ارزقنا الإنابة والخشية والاستقامة. 

 

قال -رضي الله عنه-:

"وأما المتسبِّبُ الذي أُقيم بالأسباب وأُريد بها، فعلامةُ ذلك تيسيرُها وحصول النتائج فيها، من المنافعِ الدينية، من صلة أرحام وإرفاق ذوي الفاقات مع حفظ الأوقات وعدم الفرح بما أُتي، والتأيُّس على ما فات، فإذا ظهرت هذه العلامات، علم بأنه مرادٌ بالمقام فيها، فليحسن في مقامه بتحليل حلاله وتحريم حرامه، ولا يطلب الخروجَ عنها بنفسه، حتى يكون الحقُّ هو الذي أخرجه (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) [الإسراء:80] على هواي وسائر أعدائي، فالمدخل: الصدق والمخرج: الصدق، أن تدخل في الأشياء وتخرج عنها كما ذكرنا لك.

 ومن آداب المتسبب بل وظائفُه وعلامةُ صدقه أن لا يحتجبَ بالأسباب عن مسبِّبها، ويكون اعتمادُه على حول الله وقوته في جميع ما يأخذ ويدَع،

 ومن وظائفه مراعاةُ القوانين الشرعية فيما يصحُّ له الإقدام عليه، وما يُطلَب منه فيه الأحجام عنه، ويأخذُ من الفقه كل ما يحتاج إليه من كل ما يريد الدخول فيه والتلبِّس به، فما يقوم بوظائف الأسباب إلا الأقوياء الكمَّل العالمون بدقائق المعاملات، وإذا قام بما ذكرنا فقد أدى حقَّ السبب ووفّى بمقامه، وهو أيضًا مقامٌ شريف أقيم فيه جماعةٌ من أكابر الصحابة وجهابذة العلماء، فإذا قام بما ذكرَنا وتحقق بماوصفنا، فلا يَطلبُ الخروجَ منها حتى تدفعَه الأسباب إلى الله أي تتركه، والمتجردُ إذا تركتْه الأسباب فلا تتيسر له أسبابُها، وتُغلق دونه أبوابها، ،وتخطَفه الحقائق، وتنسلخ عنه العوائق، فإذا كان كذلك؛ الله يقيمه مقاماً حسنا، ويكلأه كلاءةً مرية، ويُحييه حياةً طيبة، ويُغذّيه بعيشةٍ هنية، بأن يملأ قلبه نورًا وفرحًا وحبورًا، ويرسل إليه ما قدّره له، ويكفيه همّ ذلك، بأن يُيسِّر له مَن يوصله إياه، إما من أبناء جنسه، وإما أن تُمدَ له موائدُ الغيب، فتكون له أرزاقًا معنوية، وأقواتًا قربية، تتلوّن له كما تتلوّن لأهل الجنة، فقد يكون من ذلك في الدنيا لبعض المرادين، كما كان لابنة عمران: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران:37] ولا نصَبٍ ولا عِقابٍ، فهكذا يُعامل الأحباب. 

مَن قام لله في الأحوال قام له *** كلُّ الوجود بتسخير وتيسير

 

يقول: "وأما المتسبِّبُ الذي أُقيم بالأسباب وأُريد بها"، والمسلمون في كل زمان لابد فيهم من المتجردين، ولابد من القائمين بالأسباب، بل جعلوا من الأسباب ما القيام به فرضُ كفاية على أهل كل قطر، على حسب حاجاتهم، وهكذا رتّب الله العيشَ للناس.

 علامةُ إقامة لله له في الأسباب أنها تتيسّر له الأسباب، وتحصل نتائج ومنافع دينية، وإن كان ليس دائمًا، لكن  يُفتحُ له باب التيسير، ويحصل له خير، ولو على صبر أو على مدى، وتحصل على يده ، "صِلة أرحام، وإرفاق ذوي الفاقات" مع أنه يصلي جماعة وما يترك الوتر، ولا يترك نصيبَه من الضحى والرواتب، ويحضر شيء من مجالس الخير، هذا قام في الأسباب إقامة صحيحة.

ولو قام في الأسباب فخلاص صلاة فرادى، ولا له شيء من القيام ولا وتر، ولا جلسة علم.. ما لك؟ قال مقيم في الأسباب!  أنت مقيم في السِّباب لا في الأسباب، مقيم في الضياع. المُقام في الأسباب يُقيم الأسبابَ بشرع الله، ويأخذُ نصيبَه، (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ) [القصص:77]، نصيبك من الدنيا ما قدّمته لآخرتك. 

يقول: "وإرفاق ذوي الفاقات مع حفظ الأوقات وعدم الفرح بما أُتي"، (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) [الحديد:23]، لا إذا ربح قليل شطح وافتخر، وإذا خسر قليل حزِن، لا حول ولا قوة إلا بالله… ما هو هكذا! هذه آداب القائم بالأسباب، هذيك آداب المتجرد.. هذه آدابُ القائم بالأسباب، فإذا ظهرت هذه العلامات علم أنه مرادٌ بالمقام فيها، "فليُحسنْ في مقامه بتحليلِ حلالِه وتحريمِ حرامه، ولا يطلبُ الخروجَ عنها بنفسِه"، حتى تتركَه هي الأسباب، ويفتحَ الله له الباب، أو يشير عليه بإشارة أحدٍ من أولي الألباب، حتى يكون الحقُّ هو الذي يتولى إدخالُه وإخراجه، (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) [الإسراء:80] ما هو بنفسي أنا، أدخلني وأخرجني أنت، هذا مدخل الصدق ومخرج الصدق، أن تدخلَ في الأشياء وتخرج عنها كما ذكَرَنا لك؛ بأمر الله.

"وآدابُ المتسبِّب بل وظائفُه على المتسبب لا يحتجبَ بالأسباب عن مسبِّبها"، (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) [المنافقون:9] "ويكون اعتمادُه على حول الله وقوته"؛ لا على ترتيبه وهو يرتب، ولا تدبيره وهو يدبّر، لكن اعتمادُه على الله جلّ جلاله.

"ومن وظائفه مراعاةُ القوانين الشرعية فيما يصحُ له الإقدامُ عليه، وما يُطلَب منه فيه الأحجامُ عنه"، ويتفقّه في الدين في كل المعاملات التي يقوم بمزاولتها، قال سيدنا عمر بن الخطاب: "مَن لم يتفقه في ديننا فلا يبعْ في سوقنا"، هذا سوق المسلمين، قال لا أحد يبيع فيها إلا متفقّه في أحكام البيع والشراء على موجب الشريعة "مَن لم يتفقّه في ديننا فلا يبِعْ في سوقنا". قال سيدنا علي: "سوقُ المسلمين كمُصلّى المصلين"؛ فيه شرائع ودينٌ، وتقوى وأحكام، وحلالٌ وحرامٌ وسط السوق، وكان في السوق ذاكرين، وفي السوق شاكرين، وفي السوق ترى أهل القرآن، وفي السوق مرشدين، كانت هكذا أسواق المسلمين، الله يحوّل أحوال المسلمين إلى أحسن حال.

قال: وهو "مقامٌ شريفٌ أُقيم فيه جماعة من أكابر الصحابة وجهابذة العلماء"، إذن فلا يَطلب الخروج  حتى يأتيَ له أمرُ الله بالخروج، "والمتجردُ إذا تركتْه الأسباب"، وقد أقام النبي بمكة وما رضي يخرج منها حتى أتاه أمر الله بأن اخرج، ودخل المدينة، حتى قال بعضُهم في معاني قوله: (رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) المدينة المنورة (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) مكة المكرمة، ليس بنفسه دخل ولا خرج (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) [الإسراء:80] قال: الأنصار في المدينة المنورة، وناصروه على الدين، هذا من جملة المعاني، لا إله إلا الله…

 "والمتجرد إذا تركتْه الأسباب"؛ ما عاد تيسّرت له "وتـغلَقُ دونه أبوابُها، ،وتخطَفه الحقائق"، خلاص… "وتنسلخ عنه العوائق فإذا كان كذلك؛ الله يقيمه مقاماً حسناً، ويكلأَه كلاءةً مرية، ويُحييه حياةً طيبة ويغذيه بعيشةٍ هنية، بأن يملأ قلبه نوراً وفرحاً وحبوراً، ويرسل إليه ما قدّره له، ويكفيه همّ ذلك، بأن يُيسّر له من يوصل" إليه الحاجة،  "إما من أبناء جنسِه، وإما أن تُمدَّ له موائدُ الغيب، فتكون له أرزاقاً معنوية"، مثل كان لسيدتنا مريم؛ (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ ) هو يقفل الباب ويخرج، وما عندها شيء، وبعد ذلك يجد عندها الأكل والفاكهة (يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا) من أين يجيئك؟ (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ) [آل عمران:37] لا إله إلا الله… "ولا نصَبٍ ولا عِقابٍ، فهكذا يُعامل الأحباب."

يقول:

مَن قام لله في الأحوال قام له *** كلُّ الوجود بتسخيروتيسير

 

قال رضي الله عنه:

    الحِكمة (3): "سوابقُ الهِمَم لا تَخْرقُ أسوارَ الأقْدار"

"الهِمّة قوةٌ في النفس يتحصَّلُ عند توُجُهها الى شيءٍ بإذن الله تأثير، وقد أشار بالسبق الى قوة التأثير وسرعته حيث أطلقت فتعلقها بالفضائل واستعمال كل وسيلةٍ من وسائل الخيرات، لطلب المنازل العالية ورفيع الدرجات، وسنيّ الحالات، والنزوع عن مواقع الرذائل والغفلات، إلى فسيح المكارم ونيل المقامات، وبواهر الكرامات، وكلُّ هِمّةٍ إلى غير ذلك فهي من المكر، ولكن تدخل من حيث حَطِّ الهِمّة، ومع ذلك أي كونها مؤثرةٌ سريعة التأثير، فهي موقوفةٌ على مشيئة الله وقدرته، فمتى لم تجد نفوذًا في سُوْر القدَر الإلهي، لم يكن لها تأثيرٌ في شيء ألبتة، فالتخصيصُ الإرادي والإبراز القدري، أصلُ بروز الممكنات، والهِمم السوابق والعزائم الخوارق آثارٌ وفروعٌ عنهما، فلا تتعدّى هِمةٌ دون قدرة الله وإرادته، والهمةُ قوتُها وضعفُها على قدر ما عند الإنسان من الاستعداد، والهمةُ سفينة العارف في بحار الوجود، بها يترقّى عن حضيض الحظوظ والشهوات، وبها يخترقُ المنازل الروحانيات، وهي بُراقُ السالكين وبرهان الواصلين، وبها سارَ مَن سار على الماء، وبها طار من طار في الهواء، لكن قوةُ نفوذها وسرعة تأثيرها على قدر ما عند السالك من الاستعداد، فإذا توجّهتْ في فعل شيءٍ لم تبرزْه القدرة، عادت كليلةً، أو في دفعِ شيءٍ وقد سبق في سابق العلم تقديرُه، ظهر في الوجود تأثيره، ولم تدفع عنك الهمة تقديره. ولي في ذلك:

 إن الهمم تحت حكم الأمر دائرةٌ *** فليس تَنفذُ فيما صانَه القدر

 فهِمّة المرء ما لم تَلق منفذها *** في سور الأقدار لا يظهر لها أثرُ

 فحيثُ علمتَ  أن لا لشيءٍ تأثيرٌ في شيءٍ دون إرادة الله وقدرته، فعلامَ العناء وفيما الاعتناء، فلذلك قال المؤلف رضي الله عنه…."

 

"سوابق الهمم"؛ يعني: أن الله جعل أسباب ومؤثراتٍ في العالم كثيرة، وأكبرُ ما يملك الإنسان من المؤثرات: همَّتُه، همة الإنسان، الله جعل لإرادة هذا الإنسان وهمته إذا توجهت بقوة، انفعالاتٍ عجيبة، وتأثيراتٍ كبيرة، حتى يقول سيدنا عمر بن الخطاب: هُمّوا بمعالي الأمور فإني ما هممتُ بشيءٍ إلا نلتُه، قال حتى الخلافة. فاجعلوا همّكم معالي الأمور، فهناك انفعالات قوية تحصل لِهمَّة الإنسان، إذا تعلّقتْ هِمّتُه بشيء وتوجّه إليه، يحصل الأثر.

 كان يقول الحبيب سعد العيدروس -عليه رحمة الله-: ما من كتاب ذُكِر لي تعلّق قلبي به إلا وجاءني قريب أو بعيد، تو يجيء، لابد، أي كتاب أحن عليه وأحب أقرأه، يأتيني بأي طريقةٍ كان، ما هو موجود هنا، ما هو متوفر، طبْعتُه نفذت، غير موجود إلا  في البلد الفلاني، قريب أو بعيد وهكذا… فكانوا يقولون في هذا مثَل: هممِ الرجال تهدُّ الجبال! وكان بعض الصالحين يقولون: نربي أولادَنا على رِفعة الهمة وقوتها وبها تنفعل الأشياء. أقوى شيءٍ من المؤثرات عند الإنسان يملكـها..همَّتُه ووجهته ونيّته، إذا استَجمعتْ قوتُها ظهرَ أثرُها، ولكن هذا وغيرُها من المؤثرات تحت قدرةِ قادر، وإرادةِ عليمٍ خبير، بيدِه الباطن والظاهر، فهي تفعلُ وتنفعل لها الأسباب ما وافقتْ الإرادةَ الالهيةَ والقَدَر، فإذا لم يكن.. فما عاد تؤثر شيء، خلاص سبحان الله تتوقف وما تؤثر، بنفس الطريقة وبنفس… ولكن أمام القدر المُبرَم من حضرة الله تتوقف. إذًا؛ فاستعملْ مؤثراتِك كلها في الخير، وخصوصًا الهمة، لكن إذا جاء القدَرُ من فوق الله لاعاد تنفع أنت ولا مؤثراتك ولا هِمّتك.. "واعلمْ أنَّ الأُمةَ لو اجْتمعوا على أنْ ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتَبَه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضرُّوك لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك"، فتوجّه إلى الله تبارك وتعالى. 

قال وتعلم الهِمّة العلية، ما هي الهمة العلية؟  قال: 

عزمت شَقْطَع كلَّ أمرٍ أرى ***  في قطعِه نيلَ المقامِ الكريم

وأرفضُ الدنيا الغرورَ التي ***  مِن حبِّها كان الحجابُ مقيم

 والنفسَ والشيطانَ اعصهما *** بقوة الله العليِّ العظيم

 وأُولِّي الأكوانَ ظهرًا ولا أرى *** سِوى اللهِ العزيز الحكيم

 وأُولِّي الأكوانَ ظهرًا ؛ هذه الهِمة…

يا رب هَب لي منك حسنَ اليقين *** وعصمةَ الصدق وقلباً سليم

وهمةً تعلو وصبراً جميل  ***  ونورَ توفيق به نستقيم

 وحسنَ تأييدٍ وعوناً يدوم *** فإنك الدائم وجودُك عميم

 نرجوك تعطينا الذي نبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الذميم

 يقول:

 والآن قلبُه مال *** ………..

يعبّر عن الهِمّة..

 والآن قلبُه مال *** إلى لزوم الباب

 

يا منتهى الآمال *** …………… 

 يخاطب ربه..

يا منتهى الآمال *** ومقصد الطلاب 

مقصد الطلّاب أولي الألباب

عبدُك ضعيفُ الحال *** الخائف المرتاب 

أتاكَ خالي البال *** عن جملة الأحباب

أنتَ حبيبُه فقط…

 ضاقت به الأحوال *** وخانت الأسباب

 لم يدْرِ ما يصنعْ *** من شدّة الحَيرة

عمرُه مضى أجمعْ *** في السّعيِ والدورة

والوقتُ قد ضيّعْ *** في خدمة الصُورة

 والآن قلبُه مال *** …………..

والآن خلاص قلبه مال؛ هذه الهِمّة…..

 والآن قلبُه مال *** إلى لزوم الباب

 وصَرْف همّ السِرّ *** عن خدمة الأجسام

 صرف همَّ السر؛ هم باطنه عن خدمة الأجسام..

مع اعتناقِ البرِّ *** والتركِ للآثام

 يا ربنا يسِّرْ له *** الذي قد رام 

يا دائم الإفضال *** يا برّ يا تواب

 يا دائم الإفضال *** يا بر يا تواب

 خذ بأيدينا ونواصينا إليك أخذ أهل الفضل والكرم عليك، قوّمنا إذا اعوججنا وأعِنّا إذا استقمنا، وخذ بأيدينا إذا عثرنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين، والحمد لله رب العالمين.

يسير بنا في سبيله، ويسقينا من سلسبيله، ويدفع به عنّا الآفات، ويرعانا به في الظواهر والخفيّات، ويرفعنا به إلى عليّ المقامات، ويثبتنا أكمل الثبات، وينقّينا عن جميع الشائبات، ويسقينا كؤوس المحبة الهنيّات، وكؤوس المعرفة الصافيات، وكؤوس الرضوان الأكبر مع صلاح ما بطن وما ظهر، ودفع كل شر أحاط به علم مولانا العليّ الأكبر، وأن يفرج كروب الأمة ويكشف الغمّة، ويعاملنا بمحض الجود والرحمة، ويختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنّا في خيرٍ ولطفٍ وعافية، الفاتحة.

 

تاريخ النشر الهجري

10 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

13 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام