الحِكَم العطائية - 30 | ربَّما كنت مُسيئًا فأراك الإحسان منك صُحْبَتُك إلى مَن هو أسوأ حالاً منك

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -30- مواصلة شرح قوله: (لا تَصْحَبْ مَن لا يُنْهِضُكَ حَالهُ، ولا يدلُّكَ على الله مَقاله)
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الأحد 28 ذي القعدة 1441هـ.

تتمة شرح الحكمة (43): "لا تصحَب من لا ينهِضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله"

الحكمة (44): "رُبَّما كُنْتَ مُسيئاً فَأراكَ الإحْسانَ مِنْكَ صُحْبَتُكَ إلى مَنْ هُوَ أسْوَأ حالاً مِنْكَ."

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

"فلما كان فائدةُ الصُّحبةِ الخروجَ عن أوصافِ البشريّة، والتدرُّعَ بملابسِ العُبودية، فلا تخرجُ عن أوصافِ بشريِّتك إلا برؤيةِ قُصورِك عن أحوال الرِّجال، ولم ترَ قصورَك وظهورَ فتورِك وانطماسَ نورك إلا عند إشراقِ أنوارِ الأبدال، الكارعينَ مناهلَ الحكمة، المُتبَوِّئين منازلَ الوصال، المُتمكنِّين في المقامات والمُتصرِّفين في الأحوال؛ فعند رُؤيتِهم والتعلُّقِ بأذيالِ سيرتِهم… يتبيَّنُ لك قُبحَ ما أنت عليه من الإغترار، وما أنتَ متلبِّسٌ به من أخلاقِ الأشرار، فصحبتُهم تُريكَ قصورَك وتَرفعُ بك عن حضيضِ تعثُّركُ بمُحبطاتِ بشريِّتك وكثائفِ ستورِك. 

وأما صحبةُ مَن هو دونَك في المقام، ولم يخرجْ عن رِقِّ العادات، ولم يحظَ بوصفِ العبادات… فهو دليلُ البُعد عن التأهّـلِ للإرادةِ وأبعدُ عن درَكِ السعادة.

لذلك قال المؤلف -رضي الله تعالى عنه-: 

الحكمة (44): "رُبَّما كُنْتَ مُسيئاً فَأراكَ الإحْسانَ مِنْكَ صُحْبَتُكَ إلى مَنْ هُوَ أسْوَأ حالاً مِنْكَ."

 رُبَّ: تأتي للتعليل غالبًا، "رُبَّما كُنْتَ مُسيئًا" في حالِك، مُخلِّطاً في أفعالك، مقصِّراً في أعمالك، فأراكَ إحسانَك ورِفعةَ شأنِك، وعلوَّ مكانِك على أقرانِك، وظهورَ نفسِك في طول لسانِك وبذلِ بنانِك،  "مَنْ هُوَ أسْوَأ حالاً مِنْكَ"، فترى قصورَهُ عن مقامِك وجَهلَه بكلامِك؛ فتغترَّ بذلك، وتظنَّ أنك قد حصَّلتَ من الطريق على شيء، فأكثرُ ما تُوقِفُ الطالبين وتعثُرُ السالكين هذه الآفةُ الجامعةُ لآفاتٍ لا تُحْصى، ومَهالكَ لا تُستقصى.

 ولو كان مَيمونًا، وإلى النِّهاية مطلوبًا… لَمَا سُلِّطَ عليه الأشرارُ وحُجِبَ عنه الأخيار، وقنعَ بزُخرفِ هذه الدار؛ من رَفعِ الصِّيت وظهورِ المنصب والاشتهار، ورضيَ عن صحبة المحقِّقين بمجالسةِ البطّالين، فما أعظمَ مصيبتَه وما أشدَّ بليتَه!! أعاذنا الله من سوء القدر، والوقوع في مصائد الحذر.

 ونسأل الله أن يعافيَنا من هذه البليّة وسائرِ البلايا في الدِّين، ويلطفُ بنا ولنا في كل حال، ويوالينا بسائر أنواعِ المِنَن وتزايدِ النِّعم والإفضال.

ولِي في ذلك:

فَرُبَّمَا رَأَيْتَ مِمَّنْ دُونَكَ الحَسَنَا *** وَلَوْ صَحِبْتَ الرِّجَالَ السَّادَةَ الأُمَنَا

لَمَا اغْتَرَرْتَ بِظَنٍّ فِيكَ قَدْ كَمَنَا *** يُرِيكَ أَنَّكَ فَوْقَ الدُّونِ حِينَ سَنَا

 

الحمد لله رب العالمين، مكرمنا بأنوار الدلالة عليه بدلالة أكرم خلقه وأحبهم إليه، اللهم صلِّ وسلم على المختار المجتبى سيدنا محمد، وعلى آله المطهّرين وأصحابه المكرمين بالجلوس بين يديه، وعلى مَن تبعهم ووالاهم فيك، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، خيرتِك من بريِّتك، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعد؛

 يتحدث الشيخ -عليه رحمة الله- عن آثار الصحبة، وذكر لنا صحبتَنا لربنا وكيف نصحبه وما آدابها، وصحبتَنا لنبينا من طريق الغيب بالروح إذ فارقَنا أيام كونه في عالم الدنيا ﷺ، وثم الصحبةَ للأولياء وللعارفين، وثمّ الصحبةَ لعموم الخلق.

ويقول: إن "فائدةُ الصُّحبة الخروجُ عن أوصافِ البشرية"، والمراد ما يعلَق بالإنسان من الأوصاف الدنيئة بحكم بشريَّتِه، وحبسِ روحه في جسده وتفتُّحِ عينيه على شؤون هذه الدنيا ومُخادعاتِها وتصنُّعاتِ أهلها والرغبة فيها، فتعلَق به بسبب ذلك صفات، هي الصفات التي إذا تطهَّر منها قال: خرج عن أوصافِ بشريته. ولم يخرج عن أصل البشرية وهو بشر، ولا يزال بشراً، ولو كان نبياً من الأنبياء لكان بشرًا، إلى سيد الأنبياء ﷺ، ولكن ليس كلُّ البشر سواء.

ويعنون بالصفات البشرية: الصفاتِ الدنيئةِ السيِّئةَ التي تعلَقُ بالإنسان، وهي الرغبةُ في غير الحقِّ جل جلاله، وقصدُ غير وجهه، والالتفاتُ إلى الفانيات، وما يترتبُ على ذلك من ترفُّعٍ وتكبرٍ، ومن حسدٍ وحقدٍ، ومن رياءٍ وعُجْبٍ، إلى غير ذلك، فهذه شؤون البشرية التي تَسري إلى الإنسان، وتَعلَقُ به بحكم بشريّتِه في عموم البشرية. ويختلفون في تعلُّقها بهم وفي تأثُّرِهم بها، من بين قليلٍ وكثير، ومن بين عميقٍ قويٍ، ومن بين ضعيفٍ يسير.

 ونقّى الله أنبياءَه ورُسلَه عن كذلك، فلم يعلق بهم من شؤون البشرية ما يُذمّ، حمايةً لهم من ربهم العليِّ الأكرم جل جلاله وتعالى في علاه.

 ثمّ المصطفَون للرحمن -تبارك وتعالى- من العارفين، له بهم عناية وينقيهم؛ 

  • ومنهم من يتنَقَّى بواسطة الرياضة والمجاهدة. 
  • ومنهم من تساعده العنايةُ الربانية فيُخلَقُ مجبولاً مفطوراً على حميد الصفات، مشمئزاً مما يعلَقُ به من ذميمِها حتى لا يعلق به، ومن دنيئِها حتى لا يجد له مجالاً. 

لذا لما سُئل الإمام الحداد بعد زيارته الأولى للإمام عمر بن عبد الرحمن العطاس: كيفَ وجدتَه؟ قال: وجدتُ قلبًا وربًّا، لا نفس ولا هوى؛ أي مُخلىً عن البشرية تمامًا، عن الصفات الدنيئة والذميمة.

يقول: "فائدةُ الصحبة الخروجُ عن أوصاف البشرية والتدرُّعُ بملابس العبودية للحق"، مقتديًا بسيد العبيد إذ يقول: "إنّما أنا عبدٌ، آكلُ كما يأكلُ العبدُ وأجلسُ كما يجلسُ العبد". فهل تستشعر عبوديتك؟.. إن قمت، وإن جلست، وإن أكلت، وإن شربت، أنك عبدٌ عبدٌ عبدٌ عبدٌ.

 وقالوا للإمام الشيخ أبي بكر بن سالم: أما تتعب من هذه الجلسة؟ - جلسة التورُّك- في جلسات طويلة لمدة 10، 15 سنة، ما يُرى إلا كذلك.. قال: هذه جلسةُ العبد بين يدي سيِّده! هذه جلسةُ العبد، جلسة العبد بين يدي سيده، يجلس بالأدب هكذا؛ عبد.. ولما ازدحم الناسُ عليه في آخر أيامه في شِعْبِ نبي الله هود قال: إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه.. وبكى.

استشعارُ العبودية هي أعزُّ الملابس، يُلبِسُها الله من شاء من عباده، فهذه العبودية المُحضة، (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]، وذكر تعالى أوصافهم.. (أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) [الفرقان:75].

ولكن "لا تخرجْ عن أوصافِ بشريَّتك"؛ أي: عن دنيء وذميم الصفات التي تعلَق بك بحكم البشرية، لا تخرج عنها "إلا برؤيةِ قصورك"؛ شهودًا وذوقًا وإدراكًا، تحقُّقًا بهذا الشهود أنك قاصرٌ مقصِّرٌ تحتاج إلى تصفيةٍ ورجعة، "إلا برؤية قصورك عن أحوال الرجال"، وكيف ترى قصورك عن أحوال الرجال؟ 

  • بمجالسة الرجال 
  • بقراءة أخبار الرجال 

بالاطِّلاع على خصائص الرجال وعلى مناقب الرجال أهل كمالٌ تعرف به قصورك.

فأمّا إذا غفلت عن ذلك، وأخذت تذكر القاصرين والغافلين والموسخين والملطَّخين بسوء البشريات، فربما رأيت نفسَك فوق، فما تدركُ قصورَك، فكيف تتحلَّى بالعبودية؟ فكيف تخرج عن البشرية؟! بل تنمو فيك بشريتُك، وتنمو فيك أنانيتك، وينمو فيك عُجبُك؛ لأنك حوّلتَ النظر إلى الدُّون، ورضيتَ أن تقيسَ نفسك بأهل الهون، ولو أنك نظرتَ إلى فوق ورأيتَ أهل المحبة والشوق، لعرفتَ أنك قاصر. 

ولهذا كانوا يقولون: أدخِل عقلك إلى سوق العقول تشوف تعرف أيش مقدار عقلك، وإن ادعيت علمًا أدخِل علمك إلى سوق العلوم، تعال إلى أن تنظر أيش مقدار علمك، وهكذا إن ادعيت شيء فادخل إلى سوقه، ما تروح عند الفاقدين له الذين ما عندهم شيء، وتروّج بضاعتَك، وترى نفسك أنك صاحب رأس المال الكبير فيهم.

 ولهذا يقول: "لا تخرجْ عن أوصافِ بشريَّتِك إلا برؤيةِ قصورك، ولن ترى قُصورَك وظهورَ فتورك وانطماسَ نورك إلا عند إشراق أنوار الأبدال" عليك، "الكارعينَ مناهلَ الحكمةِ، المتبوِّئينَ منازلَ الوصال، المتمكِّنين في المقامات والمتصرِّفين في الأحوال، فعند رؤيتِِهم والتعلقُ بأذيال سيرتهم، يتبينُ لك قبحَ ما أنتَ عليه من الاغترار، وما أنتَ متلبِّسٌ به من أخلاقِ الأشرار".

 إذًا؛ "فصحبتُهم تريكَ قصورَك" وتصفِّي ضميرَك، وتمنحُك تطهيرك، لتنالَ نصيبَك وحظَّك، فالرحمن يقول: "أنا عند المنكسرة قلوبُهم من أجلي". قال: "فصحبتُهم تريك قصورَك، وترفعُ بك عن حضيضِ تعثُّرك بمحبطاتِ بشريتِك وكثائفِ ستورِك".

"أمّا صحبةُ من هو دونك في المقام، ولم يخرجْ عن رِقِّ العادات ولم يحظَ بوَصفِ العبادات"، فاختيارُ صحبتك لهؤلاء القاصرين… "فهو دليلُ البعد عن التأهُّل للإرادة"؛ لستَ من المريدين أصلاً، ولستَ من السالكين، لماذا تختار صحبتهم؟ أو النظر إلى أحوال هؤلاء أهل الحجاب وأهل البعد وأهل القصور؟ يقول: "وأبعَدُ عن درَكِ السعادة،" ما تدرك السعادة، لذلك قال لك: 

"رُبَّما كُنْتَ مُسيئاً"؛ أنت في الإساءة "فَأراكَ الإحْسانَ مِنْكَ" توهمًّا "صُحْبَتُكَ إلى مَنْ هُوَ أسْوَأ حالاً مِنْكَ." فترى نفسَك محسنًا، وتكون قد تخلفتَ عن استقبال النصيحة من أكرمِ ناصحٍ لك من البرية جميعًا، وهو نبيُّك محمد ﷺ.

قد أعطانا هذه النصيحة، قال لنا: مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَه، وَفِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، كان أحرى أن يُكتبَ عند الله صَابِرًا شاكراً، وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَفِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا شَاكِرًا. 

فعَلَّمَك هذا، قال لك: دائماً في أمور الدنيا انظر إلى من هو أحوج منك وأفقر منك وأقل مالاً منك، إن كان في ملبس، إن كان في مسكن، إن كان في مركوب، كم في الدنيا أقل منك؟ كم في العالم من بني آدم اليوم ما وجدوا غداء هذا اليوم؟ كثير من بني آدم موجودون، وأنت تغديت وربما  عادك سخطت وقلت ناقص كذا وأريد كذا.. وإلى غير ذلك، انظر في دنياك إلى من هو دونك، لكن احذر في الدين أن تنظر إلا إلى من هو فوق، إلى من هو أعلى، إلى من هو أعظمُ منك جِد واجتهاد، حينئذٍ تقبلُ نصيحةَ النبي محمد ﷺ فتُحمدُ عاقبتُك، وتَحمد في نهايتك.

"رُبَّما كُنْتَ مُسيئًا" في" حقيقة "حالِك، مُخلِّطاً في أفعالك، مقصراً في أعمالك"، فأراك أنك محسِن، "أراك إحسانَك ورفعةَ شأنك وعلوَّ مكانِك على أقرانِك وظهورَ نفسِك في طول لسانِك وبسطِ بنانك"، رؤيتك "من هو أسوأُ حالاً منك، فترى قصورَه عن مقامِك وجهلَه بكلامك فتغترَّ بذلك". تقول: أنا أعرف أحسن منهم، وأنا أحسن عمل منهم، وأنا أحرص على الخير منهم… مع أنك لو جئت بما أنت فيه لأهل فوق، وجدت نفسك لا شيء وأنك مقصر. 

فيقول: "وتظنُّ أنك قد حصّلتَ من الطريق على شيءٍ، فأكثرُ ما يُوقفُ الطالبين ويُعثُرُ السالكين هذه الآفة"، قال محل يُوقف السائرين عن السير، ويعثر السالكين في طريق الخير؛ أنهم ينظرون في أمور الدين والخير والتقوى إلى من هو أقلّ منهم، ‘ن بغيت تتوقف وتتعثر؟ صلح هكذا… ولكن تكون أهملتَ نصيحةَ خيرِ ناصح ﷺ.

يقول: "هذه الآفةُ الجامعةُ لآفات لا تُحصى ومهالكَ لا تُستقصى"، فاجعل نظرك في الدين دائماً إلى من هو فوقك، تجد الكثير من العوام يقول: عاد نحن أحسن من غيرنا! أحسن من مَن؟ من الشيطان؟ أحسن من مَن؟ انظر خصال الأتقياء والأصفياء والمقربين، أنت بعيد منهم، قال: عاد أنا أحسن من غيري! وبعدين؟ وقانع بهذا وخلاص سقطة وعُجْبٌ عَاد فوقها كذلك، قصورٌ وعَاد فوقه عُجْبٌ! مصيبة من المصائب.

يقول: "وَلَوْ كَانَ مَيْمُونًا وَإِلَى النِّهَايَةِ مَطْلُوبًا… لَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِ الْأَشْرَارُ وَحُجِبْ عَنْهُ الْأَخْيَارُ". يقول: فإذا رماك سبحانه وتعالى إلى مصاحبة الأقل والدون وأهل الهون، وحرمك صحبةَ الأتقياء والأصفياء ورفيعي الرتب عنده، فكفى ذلك عنوان على شقاوتك وعلى بُعدك وعلى خذلانك، والعياذ بالله تعالى. لو كان لك يُمن، ولو كنت مطلوب له سبحانه وتعالى، ولك مكانة لديه، ما بيرميك عندهم، ولا بيحرمك مجالسة الأكابر والأصفياء والمقربين.

 "وَحُجِبْ عَنْهُ الْأَخْيَارُ وَقَنِعَ بِزُخْرُفِ هَذِهِ الدَّارِ مِنْ رَفْعِ الصِّيْتِ وظُهُورِ المُنصِبِ والاشْتِهَارِ". وظن أن هذا شيء! وكله قشاش، وكله هباء، وكله سراب… الألقاب الموجودة في هذه الدنيا والمناصب حقها والرتب والوظائف، من مدير إلى والي وإلى محافظ وإلى وزير وإلى رئيس وزراء وإلى رئيس جمهورية وإلى ملك.. كلها ألقاب وهمية قشور وسراب وهباء، ما تحتها شيء! لا ترفعُ حقيقةَ صاحبها ولا تُنجيهم من عذاب الله، ولا تهيئ لهم سعادة الأبد، إلاّ مَن اتقى الله منهم، إلا مَن اتقى الله منهم واتبع محمد وسلك السبيل هذا وارتبط بالصالحين من عباده، ماعدا ذلك لا رئاسة ترفع أحد، ولا ملك يرفع أحد، ولا وزارة ترفع أحد، ولا إدارة ترفع أحد، صور كلها ولكن مغرورون الناس بها، مغشوشون بغش كبير، وكأنّها كل شيء وهي ليست بشيء، أمَا ترى ربك يبيّن وواضح كلامه.. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور:39].

يقول: "ورضيَ عن صحبةِ المحقِّقين بمجالسةِ البطّالين، فما أعظمَ مصيبتَه وما أشدٌَ بليتَه! أعاذنا اللهُ من سوءِ القدر والوقوعِ في مصائدِ الحذر". 

"نسأل الله أن يعافيَنا من هذه البلية وسائرِ البلايا في الدين"، آمين، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا. ونسأله أن "يلطفَ بنا ولنا في كل حال، ويوالينا بسائرِ أنواع المِننِ وتزايدِ النعَمِ والإفضال".

فَرُبَّمَا رَأَيْتَ مِمَّنْ دُونَكَ الحَسَنَا *** وَلَوْ صَحِبْتَ الرِّجَالَ السَّادَةَ الأُمَنَا

لَمَا اغْتَرَرْتَ بِظَنٍّ فِيكَ قَدْ كَمَنَا *** يُرِيكَ أَنَّكَ فَوْقَ الدُّونِ حِينَ سَنَا

 

رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

"فلما كان الزهد عزوف القلب والتجافي عن المزهود فيه لما هو أشرف منه حِسًّا أو معنى، وكان منبع الأعمال وقطب رحاها هو القلب؛ لأن عليه مدار النيات، والأعمال بالنيات.. كان حقًا أن يُنزَّه ويُصفى عن مكدرات الأشغال؛ لِتصْلُحَ الأعمال وتزكو الأحوال، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (45): "ما قَلَّ عَمَلٌ بَرَزَ مِنْ قَلْبٍ زَاهِدٍ، ولَا كَثُرَ عَمَلٌ بَرَزَ مِنْ قَلْبٍ رَاغِب".

الأعمال مقاديرُها بحسَب صفاءِ القلوب وطهارتِها عن شوائب العيوب؛ فقلوبُ الزهَّاد صافيةٌ، وأحوالُهم وافيةٌ، فأعمالُهم كثيرة وأحوالُهم مستنيرةٌ، فأيُّ قلةٍ في عملٍ خرجَ محفوفًا بالأنوار، سالمًا عن الأكدار، بنسبة قلبٍ طاهرٍ ذي نورٍ ظاهرٍ؟!

 وعمل الراغبين بحسَب ما قلوبُهم متلبِّسةٌ من ظلمات الأشغال، وتكدير الأحوال، بمصائب المال والعيال، فلا يكاد يصفو قلبُه ساعةً، ولا تزكو له طاعة.

والزهدُ: منه واجبٌ ومندوبٌ، وزهدٌ ثالث لأهل المقام الثالث؛ 

  • فالواجبُ: في الحرام 
  • والمندوبُ: في الشبهة والفضول 
  • والثالثُ: هو الزهدُ في الزهد؛ وهو أن يكون في الأشياء بلا اختيار، ويدخلُ في الأسباب بمسبِّب الأسباب، ولا يكون ذلكَ إلاّ لِمَن أحكمَ مقامَ البقاء بعد استيفاءِ مقامَ الفَناء حقه، فيرجعُ إلى الأشياء بالله بعد أن خرج عنها لله.

 فالزهدُ على حسب تفاوت مقاماتهم يكون زكاةُ أعمالهم، وصفاءُ أحوالهم، فأعمالُهم مأمونةٌ عن دخول القوادحِ فيها والشوائبِ لديها؛ لِما هم عليه من الإعراضِ عن الأغيار، والتعلُّقِ بالله في جميع حركاتهم وسكناتهم، فلا تنزعُ قلوبُهم إلى غيره، ولا تسرحُ هممُهم إلى سواه.

والراغبون لا ينفكون عن الشوائب ودخول الآفات عليهم، لما هم عليه من التعلق بالأغيار، وطلب الأعراض في سائر الحركات؛ لذلك قَلَّمَا يصدر عنهم لعدم الإخلاص فيه لله، وكَثُرَ أعمال الزهاد وإن كان قليلاً، لخلوصه عن الشوائب التي هي سبب عدم قبول الأعمال؛ كالرياء، والسمعة، وحب الثناء، وطلب العلو، والإعجاب، وغير ذلك من رذائل الأوصاف وقُبح الأحوال التي هي نتائجُ حب الدنيا. 

  • فإذا كانت رغبة الدنيا في القلب… قَلَّ أن يسلَمَ عمله. 
  • وإذا خرج حب الدنيا عن القلب… خَلُصت منه النياتُ، وصفت الحالاتُ، وتزكت الأعمالُ، وبورك في الأوقات.

 فإذا حصل زهدٌ وعلمٌ وعملٌ… فقد استكملَ أنواعَ الخيرات، وتوالت لديه صنوفُ المسرات والبركات، فلو وُزِنت في جنبِ عملِه أعمالُ سائر أهل العبادات.. لخفَّت في جنب عمله. ولِي في ذلك ما قلت:

مَا قَلَّ عَمَلُ ذِي زُهْدٍ وَذِي وَرَعِ *** وَلَا كَثُرَ عَمَلٌ مَقْرُونُ بِالعِلَلِ

فَلَيْسَ رَاغِبٌ فِي الدُّنْيَا بِمُكْتَرِعٍ *** مَوَارِدَ القُرْبِ إِذْ ما خانه العَمَلُ"

 

يقول عليه الرضوان: "فلما كان الزهد عزوف القلب والتجافي عن المزهود فيه" يزهدُ في شيءٍ أقل لما هو أشرف" منه وأرفعُ وأجلّ، هذا حقيقةُ الزهد الصحيح. لكن الغرابةَ والعجب فيمن يزهد فيما هو أرفعُ وأغلى وأثمن، ويرغبُ فيما هو دونُ وأقلُّ وأبخس!

 وهكذا أراد أن يعتبر بعضُ الناس لما تكلم بعض العارفين، قال له: أنتَ الزاهد؟ قال: أنتَ أزهدُ مني! قال: كيف أنا أزهد منك؟ أنا وراء الدنيا..." قال:  أنا ما زهدتَ إلا في اللُّعَاعَةِ الحقيرة، هذه الدنيا الفانية، والتي سنخرج منها كلنا، لكن أنتَ زهدتَ في القرب والدرجات العُلا وجنات الفردوس الأعلى! قال: أنت أزهدُ مني، زهدتَ في شيءٍ كبيرٍ عظيم، أنا ما زهدتُ إلا في أمور حقيرة دنيئة، هذه الدنيا الفانية. كانت عبرةً له، قال: إنا زهدتُ في شيءٍ فانٍ وحقير كلنا نتركه، لكن أنتَ زهدتَ في الدرجات العُلا، ومرافقةِ خيرِ الملأ وفراديس الجنان، أنت أزهد مني.

قال: "وكان منبع الأعمال وقطب رحاها هو القلب؛ لأن عليه مدار النيات، والأعمال بالنيات.. كان حقًا أن يُنزَّه ويُصفى عن مكدرات الأشغال؛ لِتصْلُحَ الأعمال وتزكو الأحوال، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:"

"ما قَلَّ عَمَلٌ بَرَزَ مِنْ قَلْبٍ زَاهِدٍ"، القلبُ الذي يَقصدُ وجهَ الله ويزهد فيما سواه، تسبيحتـُه عظيمةُ القدر، تكبيرتُه، صدقته، صلاتُه، ركعتُه، كل ما يعمل يتضاعفُ أجره ويعظم ثوابُه وخيره، يكون مقبول، لا يقل عمله مع القبول، قال سيدنا علي. 

"ولَا كَثُرَ عَمَلٌ بَرَزَ مِنْ قَلْبِ رَاغِبٍ" في غير الله وفيما سواه، ولو كان كثير كثير، كثِّر لمّا تشبع أيش الفائدة من كثير غير مقبول؟ أيش ينفع؟ ولكن ما قُبِل ولو يسير صار كثير، ولهذا قال: "الأعمال مقاديرُها بحسَب صفاءِ القلوبِ، وطهارتِها عن شوائبِ العيوب".

ويشهد لذلك ما قال حبيبُ الله المحبوب، في السابقين من الأنصار والمهاجرين من الذين صاحبوه، قال: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ". قال: واحد من هؤلاء يُخرج مُد من الطعام أو نصف مُد، وواحدٌ من غيرهم يتصدق بمثل جبل أُحُدٍ ذهب! المُد حقِّ هؤلاء يزيد على هذا كله، لأحوالهم، ولصفاءِ قلوبهم، ولصدقِهم مع الرحمن جل جلاله.

قال: "فقلوبُ الزهاد صافيةٌ، وأحوالُهم وافية، فأعمالُهم كثيرةٌ"، وإن كانت قليلة، "وأحوالُهم مستنيرةٌ، فأيُّ قلةٍ في عملٍ خرج محفوفاً بالأنوار، سالماً عن الأكدار، بنسبة قلبٍ طاهرٍ، ذي نورٍ ظاهر؟!"، قبِله الحق الحي القيوم، الأول الآخر، الباطن الظاهر، البارئ الفاطر، قَبِلَ هذا العمل؟ أيش من قلة فيه هذا؟ هذا ما هو قليل، من هنا يقولون: ساعة من العافية ما هي قليل، إذا أدركت القبول عند الرب.

قال: "وعملُ الراغبين" المُلتفتةِ قلوبهم لغير المعبود بحقٍّ جل جلاله، "بحَسَب ما قلوبُهم متلبسةٌ به من ظلماتِ الأشغال، وتكديرِ الأحوال، بمصائب المال والعيال"، وما إلى ذلك. "فلا يكاد يصفو قلبُه ساعة، ولا تزكو له طاعة"، فيكون أبعدَ عن إخلاص القصد وعن الحضور مع المقصود جل جلاله.

قال: "فالزهد زهدٌ منه واجب ومنه مندوب، وزهدٌ ثالثٌ لأهل المقام الثالث"؛ 

  • فالواجب: في الحرام، زهدٌ فرضُ عينٍ علينا أن نزهد في كل محرمٍ من الأقوال والأفعال والنظرات والنيات والمأكولات والمشروبات والملبوسات، كل حرامٍ واجبٌ أن نزهد فيه، زهد فرضٌ علينا، هذا فرض عين.
  • ثمّ منه ما هو بعد ذلك مندوب، قال: "في الشُّبهة وفي الفُضول"، الزهد في الشبهات وزهد في الفضول، فيما زاد على الحاجات. 
  • وأما الزهد الثالث: خاص لأهل المقام العاشر أو المقام الرابع، أهل المنزلة الشريفة، منهم "الزهدُ في الزهدِ"؛ لأن الزهدَ غَيْرٌ، وهو ما يلتفت للغير أصلاً. 

قال: هذا ما يصحُّ ولا يتأتى من كلِ أحد، قال: "إلاّ لمَن أحكمَ مقامَ البقاءِ بعد استيفاءِ مقامِ الفناءِ" وإعطائه "حقه"، فَأُفْنِيَ أولاً، فلم يبقَ له شهودٌ لنفسه، ولا لأبناء جنسه، ولا للكائنات، فسقطت من عينه، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:105-107]؛ فتُنسف من شهوده جميعُ الكائنات، ويحظى بالفناء، إذا أعطى هذا المقام حقه وانتقل إلى مقام البقاء، هذا يقدر على الزهد الثالث هذا، أما قبل ذلك هي تخيلاتٌ وخواطر وهوس، ما يحومُ حول حقيقة هذا الزهد حتى يقطعَ هذه العقباتِ، ويتجاوزَ هذه المراتب الشريفات العاليات.

يقول: "الثالثُ: الزهد في الزهد، وأن يكونَ في الأشياء بلا اختيار، يدخل في الأسباب بِمسبِّبِ الأسباب، ولا يكونُ ذلك إلا لمن أحكمَ مقامَ البقاءِ بعد استيفاء مقام الفناء حقه، فيرجعُ إلى الأشياء بالله بعد أن خرجَ عنها لله". خرج عن جميع الأشياء لله، ثم يرجع إليها بالله سبحانه وتعالى.

 فهم على درجات، فهؤلاء كم حقهم العمل يساوي! كم التسبيح حقهم تساوي؟ كم الركعة حقهم تساوي؟ وهكذا.. . ولهذا قال سيدنا الإمام العيدروس: خواصُّ الناس المؤمنون، وخواصُّ المؤمنين العلماء، وخواصٌُّ العلماء العارفون، وخواصُّ العارفين أهلُ الرضا العاملين على الرضا، أهلُ الفناء والبقاء بالله تعالى. فقال: فهؤلاء، ركعة من عالمٍ خير من ألف ركعة من مؤمنٍ غير عالم، وركعة من عارف بالله خيرٌ من ألف ركعة من عالم غير عارف، قال: أما هؤلاء؛ الذَّرّة من أعمالهم تفوقُ أعمال الكل، والنَّفَس من أنفاسهم يعدل أعمال الكل. الله.. لا إله إلا الله.

ولهذا قال: "فالزهدُ على حسب تفاوت مقاماتهم يكون زكاةَ أعمالهم وصفاءَ أحوالهم، أعمالُهم مأمونةٌ عن دخول القوادِحِ فيها، والشوائب لديها، لِما هم عليه من الإعراضِ عن الأغيار والتعلقِ بالله في جميع حركاتِهم وسكناتِهم، فلا تنزعُ قلوبُهم إلى غيرِه ولا تسرح هممُهم إلى سواه". وهكذا.. .

ولما كان متمكنًا في هذا الحضور مع الله، في ساعةٍ قويَ فيها شأنُ صلته بالرحمن إلى حدٍ يخرج عن المعتاد من بعض الصالحين، جاءت له امرأة حاملة إناء لها صيني ليكتب رقية لابنتها، فكتب: بسم الله، فانكسر الإناء، فراحت جابت صيني ثاني، كتب: بسم الله، فانكسر، قال لها: يا هذه، الآن أنا في هذا الحالة لو جئتِ بِصِيَانِي البصرة كلها بتتكسر، فروحي إلى عند واحد ثاني ما هو في هذا الشهود، ولا في هذا الحال خليه يكتب لك، أما أنا الآن لو أقول بسم الله على كل شيء بينكسر، ما بيقف أمام اسم الله جل جلاله وتعالى في علاه. 

ولهذا في مثل هذا الحال الشريف، حمل السمُّ لسيدنا خالد بن الوليد من قِبل جنود الكفار، الذين قالوا: أنتم تقولون معكم ربٌّ وإلهٌ وبيده ملكوت كل شيء… هذا سمٌ اشربه، قال: هات! أخذه وقال: "بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". ذُهلوا لما شربه، وترقبوا إلى اليوم الثاني أن يصيبَه شيء، ما أصابه شيء، ما ناله شيء، فالأحوال تختلف، والدرجات تختلف.

 وهكذا كما سمعتم أن بعض العارفين شكوا إليه دخول مس جني في إنسان، فأرسل واحد من التلامذة، قال له: قل لهم: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) [يونس:59]، راح وقرأ الآية: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)، صاح الجني قال: لا، ما أذِن الله لنا وخرج، بعد مدة توفي الشيخ وعاد الصرَع عند الإنسان، جاءوا، قالوا لهم: الشيخ توفي، قال واحد: أنا أعرف الآية التي قرأها الشيخ، قالوا: رح، راح يقرأ: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)، قام يضحك الجني وهو في الإنسان ما خرج منه! فتعجب وكررها ثاني مرة والجني يضحك عليه.. قال: عجيب ايش هذا؟ الآية مرة واحدة قرأها وخرج، ايش قصتهم؟ صاح الجني قال: الآية الآية، والرجل غير الرجل! الآية هي نفسها، لكن لا القلب هو القلب، ولا النية هي النية، ولا الحال هو الحال مع الله تعالى! الآية هي نفسها… 

لا إله إلا الله…

بطارية فارغة، وبطارية مشحونة سواء؟ ركِّبْ حتى عشر بطاريات فارغة ما تصلّح لك شيء ولا تمشّي لك، ما تمشي لك حتى ريموت صغير ما تمشيه لك، ولكن هات واحدة بطارية معبأة على طول يشتغل، هؤلاء الذين تعبأوا بالحضور مع الله شأنهم شأن.

يقول: "فإذا كانت رغبةُ الدنيا في القلب.. قَلَّ أن يسلمَ عملُه، وإذا خرج حبُّ الدنيا عن القلب… خَلُصت منه النياتُ وصفَت الحالاتُ وتزكَّت الأعمالُ".

 قال سيدنا أبو بكر العدني:

 إذا صَفَت العبودية *** وفنيت كل بشرية

  وصحَّ القصد والنية *** فحينئذٍ فَهَنُّونِي

الله يصفّينا عن شوائبنا، ويرفعنا مراتب قُربه مع المقربين لديه، ويرزقنا الصدق والإخلاص لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ. 

بسر الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد ﷺ

 

 

تاريخ النشر الهجري

29 ذو القِعدة 1441

تاريخ النشر الميلادي

20 يوليو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام