الحِكَم العطائية - 35 | الأنوار مَطَايا القُلوب والأسرار
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 5 ذي الحجة 1441هـ.
تتمة شرح الحكمة (54): "أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك".
الحكمة (55): "الأنوار مَطَايا القُلوب والأَسرَار."
الحكمة (56): "النُّورُ جُنْدُ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الظُّلْمَةَ جُنْدُ النَّفْسِ؛ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْصُرَ عَبْدَهُ.. أَمَدَّهُ بِجُنُودِ الْأَنْوَارِ، وَقَطَعَ عَنْهُ مَدَدَ الظُّلَمِ وَالْأَغْيَارِ."
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"ثم اعلم أن مفازة السلوك في ميادين النفوس أرض سحيق وطريق عميق، لا تسلك إلا بمطايا، وأزواد وجيدة الروايا. ومطايا هذا الطريق الموصلة إلى أعلى رفيق وأنزه فريق هي الأنوار القدسية والأسرار القربية. فالقلوب لا تقوى على سير هذه الطريق الكثيرة التعويق إلا بورود هذه الأنوار. قال المؤلف المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (55): "الأنوار مَطَايا القُلوب والأَسرَار."
الأنوار الواردة هي إما من تجلي الصفات وإما من تجلي الأفعال، فالقلوب مطاياها الأنوار الواردة من مظاهر الأفعال الحقية، فتكون حاملة عن القلوب ما تجد من الآلام والكروب. والأنوار الوصفية الغيبية تحمل عن الأسرار ماتجد من ألم الأغيار، والوقوف في محيطات الآثار، فيظهر من سر الاقتدار حسن الإختيار، فيحمل ثقل ظلماتها. فعندما تستمطي القلوب مطايا الغيوب، وتجدُّ في السير إلى المحبوب يشرع لها أنبوب ماء من أنابيب ميزايب المشارب الفهمية. وعندما تركب الأسرار نجائب الأنوار تجري لها أنهار العلوم اللدنية الغيبية والأسرار الملكوتية والأعيان العلمية والأزهار الحقّية والثمرات المطوية، في غيب الكلمات الأزلية. فالحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ولي في ذلك:
مطايا القلوب النازلة من سما العلى *** تنيخ بها في موطن الوصل والقرب
ونوق رحيل السر تسري بها إلى *** رياض الحكم في موطن القدس والحب"
قال: "مفازة السلوك" إلى الله تبارك وتعالى "في ميادين النفوس" وما أغرب النفس وما أغرب صفاتها، وما أغرب تلبيسها وتدليسها، وقلبها للحقائق، ومغالطتها ومخادعتها! نفسك؟ نفسك.. خداعها خداع، وكذبها كذب، وزورها زور، وتلبيسها شديد. نفسك.. ما أنت داري بنفسك! لو عرفت نفسك، يَصدُق الالتجاء إلى القدّوس ويخلصك من شر النفوس، هو وحده. وإلا نفسك.. ما شيء أخوف عليك منها! حتى إبليس ما يقدر يلعب بها؛ إذا صفت وزكّيت نفسك، ما يقدر عليك إبليس! هي المصيبة الكبيرة.
لهذا سمعتم في الآثار: أعدى عدوك نفسُك التي بين جنبيك. وإذا أصلحتها وطهرتها وزكيتها، يا ما أحسنها من مركب تطلع به إلى فوق! هي النفس هذه نفسك، فلما تتزكى وتطهرها يا خير هي مركب عجيب تطلع عليه إلى العُلا، الله أكبر!
يقول: "مفازة السلوك في ميادين النفوس أرض سحيق وطريق عميق"، بغى له "مطايا، وأزواد وجيدة الروايا." لا تتمزق عليك وأنت تمشي في الطريق، روايا لتحمل الماء لك حتى لا تعطش وتموت، بغى لك الروايا القويات الجيدات وإلا بتتمزق. "ومطايا هذا الطريق الموصلة إلى أعلى رفيق وأنزه فريق" ما هي المطايا التي بتركب عليها؟ "هي الأنوار القدسية والأسرار القربية". لمّا تنازلك؛ تقطع بها المسافة، وتتخلص بها من كل آفة. "فالقلوب لاتقوى على سير هذه الطريق الكثيرة التعويق إلا بورود هذه الأنوار". والحق يُكرِم بها بالفضل، "مَن تقرَّب إليَّ شبرًا، تقربت إليه ذراعًا". يفجاءك من النور.. أنت تحاول القليل ويعطيك أعظم!
يقول: "الأنوار الواردة هي:
- إما من تجلي الصفات
- وإما من تجلي الأفعال"
- وإما ما يعبر عنه بعد ذلك بتجلّي الذات.
يقول: "فالقلوب مطاياها"؛ التي تمشي عليها في هذا الطريق للقُرب من الله.. "الأنوار الواردة من مظاهر الأفعال الحقية"، ما الأفعال الحقيّة؟ كل ما سوى الله فعله!.. كل ما سوى الله فعله؛ عرش، كرسي، أرض، سماء، جِنة، آدمي، إنسي، جني، حيوان بر، حيوان بحر، كل ما سوى الله فعله. هذه الأفعال -كما أشرنا- في صفاء الفكر في دقائق مطويات ما فيها.. تشرق عليك أنوار، لا إله إلا الله.
واعلم بأن الكون مطبوعٌ على التـــ***ــغيير والتكدير فامعِن في النظر
لما تُمعن في النظر في هذا، يشرق عليك نور من سر تجليات الأفعال الحقيّة في العوالم الخلقية. الأفعال الحقيّة في العوالم الخلقية؛ تُبين لك أنوار عن تسيير المسيّر، وتدبير المُدبِّر، ومُلك الماك، وقدرة القادر، وقهر القاهر؛ يسجد لها قلبك! فالقلب يركب هذه المطايا من هذه الأنوار، ويسلَم من عقبات هذه الطريق ويقطع عمق سبلها وميادينها السحيقة بهذه الأنوار.
أنوار واردة من مظاهر الأفعال الحقيّة، تكون حاملة عن القلوب ما تجد من الآلام والكروب والتعب؛ فيتعجّب كثير من أرباب الحُجب والغفلة.. يقولون كيف هؤلاء ما يتعبون من الطاعة؟ كأنهم ما يتأثرون، الناس يتكلمون عنهم وهم ما يقولون شيء! أيش فيهم هؤلاء؟!... قد راحت هذه الآلام التي تجدها أنت لأنها ما هبت عليك هذه الأنوار. بهذا النور جاءه فما يحس بألم لهؤلاء، ولا كلامهم، ولا إقبالهم، ولا إدبارهم. وتجده يلتذّ بالطاعة والعبادة.
في مرض الحبيب مشهور -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، إلى المرضة الأخيرة، يقولون أنه يحتاج راحة. وكان يقول: راحتنا في الدروس، ما هي في الجلوس! مَن يقول راحة في الجلوس؟ ما عندنا راحة، ما تُريحُنا هذه، راحتنا في الدروس.
وهكذا قال: "فتكون حاملة عن القلوب ماتجد من الآلام والكروب." فيصفو لها الطاعة والعبادة، وعمل الخير، وتحمُّل المشقات. "والأنوار الوصفية"؛ من أنوار صفات الله "الغيبية تحمل عن الأسرار ماتجد من ألم الأغيار،" وقد يجعلون بين الرُّتبتين روح، ويقولون: قلب، وروح، وسر. فباطن القلب؛ الروح. والتجليات الصفاتية، أكثرها للروح التي هي محل المحبة. والتجليات التي تُعبّـر عنها بالذاتية -مع تنزّه الحق عن أي مشابهة ولكن هذا ما ينتهي له وصفهم بالذاتية- للأسرار. من هنا كانت:
- القلوب محل المعرفة.
- والأرواح محل المحبة.
- والأسرار محل المشاهدة.
فتجليات الأفعال تحمل القلوب، تحمل عنها ما تجد من الألم والكروب. وتجليات الصفات تحمل الأرواح، فتستطيع الطيران.
وأرواح تطير إلى عُلاها *** بأجنحة الغرام المقعدية.
وقال ﷺ: "أرواح الشهداء في حواصل طير خضر" تطير.
ووراءها تجلي الذات للأسرار. فمن تجلي هذه الصفات والأسماء تحمل عن الأسرار ما تجد من ألم الأغيار، "والوقوف في محيطات الآثار" فتبقى مع المؤثر لا مع الآثار؛ "فيظهر من سر الاقتدار حسن الإختيار". بإيثار الحق على ما سواه. وما فعلوا ذلك إلا وقد آثرهم تبارك الله؛ لما آثرهم صاروا يؤثرونه على ما سواه، لا إله إلا الله، "فيحمل -عنها- ثقل ظلماتها."
"فعندما تستمطي -أو تمتطي- القلوب مطايا الغيوب، وتجد في السير إلى المحبوب" وهو الله تعالى، "يشرع لها أنبوب ماء من أنابيب ميزايب المشارب الفهمية." المُذهِبة لجميع الظلمات الوهمية. "وعندما تركب الأسرار نجائب"، نجائب؛ يعني: نوق، "الأنوار تجري لها أنهار العلوم اللدنية الغيبية"، (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65]، "والأسرار الملكوتية" مقابل الأسرار المُلكيّة.
- المُلكيّة: عالم الشهادة والظاهر.
- والملكوتية: عالم الغيب والباطن.
"والأعيان العلمية والأزهار الحقية والثمرات المطوية، في غيب الكلمات الأزلية." الكلمات الأزلية؛ كلمات ربك (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي) [الكهف:109]؛ قرّبها الله لنا وجاءنا بها بالقرآن العظيم، ومطوي فيها عجائب الأسرار، "والثمرات المطوية، في غيب الكلمات الأزلية." بعد ذلك ما عرف الشيخ ماذا يقول لهذا فقال: "فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله." كما يقوله أهل الجنة إذا وصلوا الجنة. وهذه جنة المعرفة بالله، ما عاد يجد أصحابها تعبيرًا بشيء! "فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله." لا إله إلا الله. قال:
"مطايا القلوب النازلة من سما العلى *** تنيخ بها في موطن الوصل والقرب
ونوق رحيل السر تسري بها إلى *** رياض الحكم في موطن القدس والحب"
فهناك العيش وبهجته، فلمبتهجٍ ولمنتهج.
إلى أن قال:
"فهذا الكلام يشير إلى معنى واحد. ثم أخذ بتعبيره بقوله:
الحكمة (56): "النُّورُ جُنْدُ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الظُّلْمَةَ جُنْدُ النَّفْسِ؛ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْصُرَ عَبْدَهُ.. أَمَدَّهُ بِجُنُودِ الْأَنْوَارِ، وَقَطَعَ عَنْهُ مَدَدَ الظُّلَمِ وَالْأَغْيَارِ."
النور هنا عبارة عن وجدان الحق إما بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين، لذلك وحّد اسم النور ثم عدّد مظاهره فقال: جنود جمع جند، فمن تلك الجنود الواردة من طريق العلم وهو أضعفها تأثيرا في قهر العدو وقمع الهوى. ومنها الوارد بطريق العين وهو أقوى من الوارد بطريق العلم في التأثير في ذلك وأضعف بالنسبة إلى الحق. فالحق لا يبقي للباطل وجود، والعين لا تبقي للشك مجال. والعلم ينفي الشرك والجحود، والعين تكسب الفناء في الشهود، والحق يلحق بالبقاء السرمدي. فهذه جنود.
وفي كل مرتبة من هذه المراتب تعداد مقامات وسني حالات، والجنود هي ركن المملكة الأعظم، فلا ينتظم أمر المملكة الإنسانية بدونه. فالمملكة الإنسانية قصرها الأعظم القلب، وسلطان تلك المملكة الإيمان، ووزيرها الأعظم العقل وبوابه العلم، ورئيس الجيش الذكر. ولا تغاير بين تعبيرنا بالإيمان عن القلب وبين عبارة المصنف رحمه الله تعالى بالقلب.
وعبَّر بالقلب إذ هو الملك إذا اعتبر كون القلب المعني هنا نورًا من نور الله، والقلب اللحمي قصر ذلك الملك. فلذلك عبرنا بالقلب المعني؛ النور الرباني بالإيمان ليتميز عن القلب اللحمي. وعبرنا بالقلب اللحمي بأنه قصر الملك لتعرف القلب الذي نسبته إلى الله، والقلب الذي نسبته إلى العبد، ووزيره الأعظم النور، وسلاحه الزهد، وترسه التقوى، ودرعه الورع، وحاكمه السنة، وخدامه الحواس، ومطاياه العزائم، وخيوله الهمم.
كما أن جند النفس الظلمة، ووزيرها الأعظم الهوى، وقائدها الشيطان، وحاكمها الجهل، وسلاحها الحرص، وملاك جيوشها الطمع، ورئيس جيشها طول الأمل، فالظلمة إسم لهذه الجيوش. كما أن النور يشمل جنود القلب المتقدم ذكرهم. فإذا أراد الله أن ينصر عبده أنزل سلطان الإيمان في سويداء الجنان، وثبته بالشهود والعيان، وأيده بنصرة العقل، وتدبير العلم وقوة الذكر وسلاح الزهد ودرع الورع وثواقب البصائر، وصلاح الضمائر. وحكَّم عليه السنة فيما يأخذ ويذر وأخدامه الحواس، وأصلحه عن الأشر والبطر، وسدده بصواب النظر في معاني الصور، وحسم عنه مواد الظلمة، وقهر له جنودها، ومكَّنه من سلطانها، وعرفه مخادع مكامن قطّاعها، وكفاه هم عوارض الطريق، والقوادح في التحقيق، وكفاه هم الأغيار، والإغترار بوجود أنوار دون تحقق بحقائق الشهود والاستبصار. وإذا أراد أن يخذله كان الأمر بالعكس من ذلك والعياذ بالله، فلا أجدر بالعبد من اللجاء إلى الله واللياذ به في أن يكفيه هذه الأعداء والقُطَّاع عن طريق المولى، ولي في ذلك:
النور جند لقلب العبـــــــــد ينصره *** ويهدي الحائر المسجون في الظلم
كما ترى العكس جند النفس تخذله *** وتسلمه كل موعــــــــود من الألم
ثم بيّن حالات القلب وصفات كشفه فقال رضي الله عنه:
الحكمة (57): "النور له الكَشف، والبصيرة لها الحُكم، والقلب له الإقبال والإدبار".
يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: "النُّورُ جُنْدُ الْقَلْبِ"، قال: "النور هنا عبارة عن وجدان الحق"، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) [النساء:64]، وجدان الحق هذا النور. فظلمهم لأنفسهم ظُلمة، ثم مجيئهم للحبيب ﷺ واستغفارهم لله، وطلب الاستغفار من النبي، واستغفار النبي لهم نور يجدون به الحق (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا).
فالنور وجدان الحق، في واحدة من المراتب الثلاثة:
- "إما بعلم اليقين
- أو بعين اليقين
- أو بحق اليقين"
وبينها تباين كبير، بعضها أرفع من بعض. يقول: "النور هنا عبارة عن وجدان الحق إما بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين، لذلك وحّد اسم النور ثم عدّد مظاهره"، فقال: "النُّورُ جُنْدُ الْقَلْبِ".
"فمن تلك الجنود الواردة من طريق العلم"، فما يتعلق بالفهم والعلم في معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله، قال: هذا الأول، "وهو أضعفها تأثيرًا في قهر العدو وقمع الهوى." جانب العلم. لكن من وراء العلم معاينة..
واجعل العلم مقتدانا بحكم الـ***ذوق .....................
الذوق. يرفعك إلى عين اليقين
....................بحكم الـ***ذوق في فهم سر معنى المعية
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد:4]، (وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة:7]. فهنا يجيء وجدان للحق بعين اليقين ما هو بالعلم وحده؛ عين اليقين.
فقال: "الوارد بطريق العلم" أضعف المراتب الثلاث في قهر العدو، وهو: النفس، والشيطان، وقمع الهوى، ويبدد الحجب.
"ومنها الوارد بطريق العين" وهو معاينة البصيرة. معاينة البصيرة لأسرار الأفعال والأسماء والصفات. الذي يجيء من طريق العين "أقوى من الوارد بطريق العلم في التأثير"، فهو أقوى من الوارد بطريق العلم ولكنه أضعف من الوارد بطريق الحق؛ حق اليقين. فهو في مرتبة عين اليقين، فوقه حق اليقين. فهو أقوى من صاحب علم اليقين على إماتة النفس وكبح جماحها، وعلى رد العدو؛ إبليس وجنده. وهو أهدى إلى دقائق السير صاحب عين اليقين من صاحب العلم. فصاحب العلم يعرف أمورًا جملية فيما يتعلق بالسير، لكن صاحب عين اليقين يعرف تفاصيل ودقائق في السير إلى الله وكيفية معاملته. ويكون أنكى للهوى وأقهر للعدو من الأول، حتى ربما وصل إلى الحد الذي قال عنه في سيدنا عمر: إن الشيطان ليفرَق من ظل عمر! ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك. حلف النبي عليها.. "إيهٍ يا ابنَ الخطابِ! والذي نَفْسِي بيدِهِ ما لقِيَكَ الشيطانُ قطُّ سالكًا فجًّا؛ إلَّا سلَكَ فجًّا غيْرَ فَجِّكَ."
يقول: "فالحق لا يبقي للباطل وجود"، (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81]. أما عند إشراق نور حق اليقين.. ما عاد للباطل وجود. أيش الباطل؟ ما سوى الله.. ما تسمع قول الحبيب ﷺ: "أصدَقُ كَلِمةٍ قالها الشَّاعِرُ كَلِمةُ لَبيدٍ: "ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ". ما يبقي أي إحساس عندك من استقلاله بشيء أصلًا. أنت مع المؤثر في الآثار، أنت مع الخالق في الخلائق، أنت مع الصانع في المصنوعات، لا أنت مع المصنوعات، ولا مع الآثار، ولا مع الخلائق أصلًا. هذا حق اليقين، ما عاد يبقي شيء من الباطل (وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) الله أكبر!
قال: "فالحق لا يبقي للباطل وجود، والعين لا تبقي للشك مجال. والعلم ينفي الشرك والجحود"؛ فبالعلم ينتفي الشرك والجحود، تسلًم من هذا وتُسلِّم، لكن بعين اليقين ينتفي الشك كله والوهم، لكن بحق اليقين... "لا يبقي للباطل وجود،" "والعلم ينفي الشرك والجحود، والعين تكسب الفناء في الشهود"، لكن حق اليقين.. "والحق يلحق بالبقاء السرمدي." فيبقى بالحق.
قال سيدنا الإمام الحداد:
ولي أمل وراء هذا بعيد *** وذاك بأن أصير إلى الحبيبِ
أشاهده مشاهدة فأفنى *** عن الكون البعيد مع القريبِ
يا سلام… لكن عاد بعده قال: البقاء
وأن أبقى به بعد التفاني *** فيا بشراي ما أوفى نصيبي
إنما يكون البقاء بحق اليقين، ويكون الفناء بعين اليقين.
- وانتفاء الشرك والجحود بعِلم اليقين.
- وبعين اليقين ينتفي الشك والوهم،
- لكن بحق اليقين خلاص يضمحل الباطل كله ولا يبقى إلا الحق!
"ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ."، هذا أصدق كلمة قال النبي قالها أحد من الشعراء. نعم.
"والحق يلحق بالبقاء السرمدي." حينئذٍ تدخل جنة البقاء بالله، عنها يتفرّع بقاء العرش وبقاء الكرسي، وبقاء الجنة وبقاء النار، وبقاء الأرواح إما في الجنة وإما في النار. أرواح المكلفين إما في الجنة وإما في النار، كله متفرع عن هذا البقاء. فإذا أنت دخلته وأنت في عالم الدنيا؛ لا يبقى الموت لك إلا مجرد انتقال فقط، كما تنتقل من بيت إلى بيت.
يقول بعض أقارب الحبيب مشهور -رحمه الله-، قال: أنا ما رحت مكان، كما يوم سافرت إلى الأردن ورجعت، كما يوم سافرت وأنا هكذا ما رحت مكان. فما يكون الموت بالنسبة لهم إلا مجرد انتقال، أصلًا هو في جنة البقاء بالباقي الذي لا يفنى، بالباقي الدائم جل جلاله. حياة وموت كلها عنده… لا يشهد لغيره موت ولا حياة، يشهد الحي القيوم الذي لا يموت أبدًا. هو يُميت ويحيي، نعم، ولكن هو مع المُحيي المُميت، فحتى حياته وموته تضمحل في شهوده، حياته هو وموته تضمحل في شهوده! تبقى حياة الحي المُحيي المُميت فقط، إماتته وإحياؤه -جل جلاله- لكن بسر حياته جل جلاله.
قال: "والحق يلحق بالبقاء السرمدي. فهذه جنود. وفي كل مرتبة من هذه المراتب تعداد مقامات وسني حالات"، تتحدث عنها أي الحضارات؟ ما تعرف بالنسبة لهذا الكلام إلا حقارات!.. ما تعرف هذه المعاني الساميات، لا إله إلا الله.
إلا حضارات الأنبياء فقط. نعم، هذه حضارات الأنبياء هي تتحدث عن هذه المعاني. حضارات الأنبياء الدائمة العظيمة الكبيرة التي يذعن لها كل أحد، كل ملحد وكل كافر يذعن لها، بيجون في البرزخ وفي القيامة مذعنين لها؛ حضارة الأنبياء هي الحضارة، هي الحق، هي النور، هي الهدى. الباقي باطل، باطل، باطل من أوله إلى آخره. (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3]. فادخل لهذه الدولة التي ما أحد يقدر ينقلب عليها، ولا أحد يقدر يغيرها ولا يبدلها ولا يمسها بشيء، دولة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)؛ فلا خسران عليهم. اذهب عند أهل الدولة هذي، دوّر لهم.
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله..
يقول: "والجنود هي ركن المملكة الأعظم، فلا ينتظم أمر المملكة الإنسانية بدونه. فالمملكة الإنسانية قصرها الأعظم القلب، وسلطان تلك المملكة الإيمان"؛ القصر القلب، والسلطان الإيمان -هذه المعرفة-. "ووزيرها الأعظم العقل وبوابه العلم"، -الأول هذا- "ورئيس الجيش الذكر." هذا قائد قوي.. الذكر، بحضورك مع الله، قوي القيادة، إذا أسلمت له الزمام.. حكيم يقودك تمام، يوصلك للهدف، تُصر على الجند لأنه قائد حكيم جدًا. (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]. الذكر هذا قائد عجيب سبحان الله ما يغلط، يجمعك على المذكور وامشِ في الطريق.. وينهزم كل المعاندين والمغالبين، والحاجبين والمانعين والحاجزين؛ ينهزمون! فقط سلِّم قيادك للذكر، هذا "رئيس الجيش الذكر."
"ولا تغاير بين تعبيرنا بالإيمان عن القلب وبين عبارة المصنف رحمه الله تعالى بالقلب. وعبر بالقلب إذ هو الملك إذا اعتبر كون القلب المعني هنا نورًا من نور الله، والقلب اللحمي قصر ذلك الملك."، القلب اللحمي هذا حتى عند الحيوانات. "فلذلك عبرنا بالقلب المعني النور الرباني بالإيمان" -عبَّر عن القلب- "ليتميز عن القلب اللحمي. وعبرنا بالقلب اللحمي بأنه قصر" -فقط، محل يسكن فيه،- "الملك لتعرف القلب الذي نسبته إلى الله، والقلب الذي نسبته إلى العبد،" هذا اللحمي ذا نسبته إليك، لكن النور هذا إلهي رباني ثاني (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، هذا هو، منسوب إلى الرب. أما اللحمي ذا منسوب لك أنت، إلى جسمك، مكون من الطين نفسه والتراب. "ووزيره الأعظم التقوى بالنور، وسلاحه الزهد، وترسه التقوى، ودرعه الورع، وحاكمه السنة، وخدامه الحواس، ومطاياه العزائم"
خذ بالعزم يا صاحب العزم
همم الرجال تهدّ الجبال.. "وخيوله الهِمم."؛ الهمة القوية. "كما أن جند النفس" الأمارة ذي، جندها "الظلمة، ووزيرها الأعظم الهوى"، -مقابل العقل- "وقائدها الشيطان" إنا لله وإنا إليه راجعون!.. "وحاكمها الجهل، وسلاحها الحرص، وملاك جيوشها الطمع، ورئيس جيشها طول الأمل" ذاك رئيس الجيش الذكر، وهذا رئيس الجيش طول الأمل. عاده باقي في الدنيا، عاده باقي، عاده باقي… هذا رئيس جيش حقها! طول الأمل هذا قائد خبيث هذا، يورطك ورطات واحدة بعد ثانية، حتى يقضي عليك، يجيك الموت وعاد الأمل.. يقضي عليك خلاص تروّح. هذا قائد خبيث هذا لكن يقود أكثر الناس! أكثر الناس يروحون وراه.
"فالظلمة اسم لهذه الجيوش." هذه حق النفس. "كما أن النور يشمل جنود القلب المتقدم ذكرهم. فإذا أراد الله أن ينصر عبده أنزل سلطان الإيمان في سويداء الجنان، وثبّته بالشهود والعيان، وأيّده بنصرة العقل، وتدبير العلم وقوة الذكر وسلاح الزهد ودرع الورع وثواقب البصائر، وصلاح الضمائر." ويا فوزك مع كل منيب شاكر، وقدامك الحبيب الطاهر، وانظر إلى أحلى المناظر، واحضر في أشرف المحاضر، وادخل إلى قدس الحظائر.
والثاني إذا خذلك -والعياذ بالله-... أما هذا قال: "وحكم عليه السنة فيما يأخذ ويذر وأخدامه الحواس، وأصلحه عن الأشر"؛ الذي هو كُفران النعمة وجحدها، "والبطر،" التكبر. "أصلحه عن الأشر والبطر، وسدّده بصواب النظر في معاني الصور" فلا يشهد صورة إلا شهِد المُصَوِّر. "وحسم عنه مواد الظلمة، وقهر له جنودها، ومكنه من سلطانها، وعرفه مخادع مكامن قطاعها، وكفاه هم عوارض الطريق، والقوادح في التحقيق" فصار عبدًا بكل الخير حقيق. "وكفاه هم الأغيار، والاغترار بوجود أنوار دون تحقق بحقائق الشهود والاستبصار." لكن "إذا أراد أن يخذله -العبد- كان الأمر بالعكس والعياذ بالله،" نعوذ بالله! نعوذ بالله! نعوذ بالله!.. "فلا أجدر بالعبد من اللجاء إلى الله واللياذ به". (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ) [فصلت:36]، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) [الناس:1-4]، فلا بد لنا من اللجاء إلى الله واللياذ بالله من شر نفوسنا وشياطين الإنس والجن، ولقطع هذه العقبات كلها، وليؤيدنا وينصرنا حتى نصل إليه إن شاء الله ما دمنا في هذه الحياة، ونلقاه وهو راضٍ عنا، قريري العين برضاه ولقاء مصطفاه، اللَّهم آمين.
نعوذ بالله من الخذلان، فلنلوذ للرب الرحمن، نلوذ إلى الرحمن، ونسأل الرحمن أن يكفينا شر النفس والهوى والشيطان. اللَّهم اكفنا هذه الأعداء والقطّاع عن طريقك يا مولانا.
النور جندٌ لقلب العبـــــــــد ينصره *** ويهدي الحائر المسجون في الظلم
كما ترى العكس جند النفس تخذله *** وتسلمه كل موعــــــــود من الألم"
-والعياذ بالله- إلى العذاب الأليم، وإلى سواء الجحيم، (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) [الدخان:47-48]. أعوذ بالله، نعوذ بالله. هي واحدة إما مع ذا وإما مع ذا… يا رب مع الأخيار، يا رب مع الأطهار، يا رب مع الأبرار، يا رب مع المختار، آمين.
كثير يُنصَرون بجند الله في هذه الأيام، وإذا جاءت العيد فهي لهم عيد صدق لأنهم نصرهم الحق، وراحت الظلمات عنهم؛ فأولئك سادة أهل العيد ونحن إنما ندخل في بركتهم بعدين، نكبّر، ونصلح لنا ثياب وأكل ولكن العيد لأهلها الذين وصلوا إلى الله ونحن في بركتهم. وحد يصلّح ألعاب، وحد يصلّح… صلحوا، ولكن العيد إنما هناك عند أولئك، الفائض على عموم المؤمنين ببركاتهم، ولولاهم ما عاد بقيت الشعائر ولا بقيت العيد.
ادخلنا في حِماه، واسقنا من حميّاه، ويشرّفنا بالنظر إلى محياه، ويجعلنا من أهل الرضا، ويسلك بنا مسالك اقتفاه، والاهتداء بهداه، ويحمينا به من شر الأنفُس وسيئات الأعمال، ويقطع بها عنا عقبات الطريق، ويلحقنا بخير فريق، ويسقينا من أحلى رحيق، ويقينا الأسواء والأدواء وكل بلوى والأمة في السر وفي النجوى، ويغمرنا بفائضات الجود، ويسعدنا بأعظم السعود ويختم لنا بأكمل حُسنى، وهو راضٍ عنا.
بِسِرّ الفاتحة
وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ
تاريخ النشر الهجري
06 ذو الحِجّة 1441
تاريخ النشر الميلادي
27 يوليو 2020
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(636)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(31)
(4)
(10)
(6)
(480)