الحِكَم العطائية -36 | النور له الكَشْف، والبَصِيرة لها الحُكْم، والقَلْب له الإِقبال والإدبار

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -36- (النُّورُ له الكَشف، والبَصيرةُ لها الحُكم..)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الإثنين 6 ذي الحجة 1441هـ.

الحكمة (57): "النور له الكَشْف، والبَصِيرَة لها الحُكْم، والقَلْب له الإِقْبَال والإدْبَار."

الحكمة (58): لَا تُفْرِحْكَ الطَّاعَةُ؛ لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنْكَ، وَافْرَحْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْكَ (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس:58].

الحكمة (59): "قَطَعَ السَّائِرِينَ إِلَيْهِ وَالْوَاصِلِينَ إِلَيْهِ عَنْ رُؤْيَةِ أَعْمَالِهِمْ وَشُهُودِ أَحْوَالِهِمْ؛ أَمَّا السَّائِرُون.. فَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَحَققوا الصِّدْقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، وَأَمَّا الْوَاصِلُونَ .. فَلِأَنَّهُ غَيَّبَهُمْ بِشُهُودِهِ عَنْهَا." 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

"ثم بين حالات القلب وصفات كشفه فقال -رضي الله عنه-: 

الحكمة (57): "النور له الكَشْف، والبَصِيرَة لها الحُكْم، والقَلْب له الإِقْبَال والإدْبَار."

النورُ كما علمتَ أنه العلمُ ابتداءً والحقُّ انتهاءً، فابتداؤه يكشفُ عن وجه القلبِ حجابه، ويؤذِنه باقتراب، وتنفتحُ به إلى العُلا أبوابه، والبصيرةُ كما علمتَ أنها عينُ القلب إذ كانت العينُ صحيحة، ولكن لا بُدَّ لها في حصول النظرِ من نور، فلو كانت العينُ صحيحة ولكنها في ظلمةٍ لم ترَ ضوءَ نارٍ، ولا قمر، ولا نجم ولا شمس، ولا شفقٌ، ولا فجر، لم تُدرِك بمُجرَّد العينِ نظرًا، فالعلمُ هو نجومُ ليلِ هذا القلب، والعينُ قمرُه والحقُّ شمسُه، وإن شئتَ قلتَ: النجومُ شريعتُه، والقمرُ طريقتُه، والشمسُ حقيقتُه؛ فإذا كُشفَ عن عينِ القلبِ ظلمةُ الجهلِ بأي نورٍ من هذه الأنوار، أبصرَ ما انطوى عليه المقامُ من الأسرار، فلذلك يُحكمُ به فلا يدخلُه شكٌ ولا يمتريه تردُّد،  فإذا كان كذلك، كان للقلب الإقبال على ما حُكِمَ بصحتِه، والإدبارُ عما تحقَّقَ بطلانُه وتبيَّنَ ضلالتُه. 

فالقلبُ كشخصٍ قائمٍ وله أوصافٌ شتى، فالموصوفُ بتصرّفُ الأوصاف هو الشخصُ بجملتِه، لا الصفةُ مُجرَّدةٌ عن ذاتِها، وللقلب أيضًا سمعٌ وحياة، وقدرةٌ وإرادة، وعلمٌ وكلام، فهو الواسطةُ بين المُلك والملكوت، فالصفاتُ الخلقية تُستشفُّ من وراء هذه الصفاتِ القلبية، والصفاتُ القلبية مواجهةٌ ومُقابلةٌ للصفاتِ الأزلية، لذلك كان له الإقبالُ على الله والإدبار من حيث ما يفيضُ عنه إلى عالم الخلق. 

ولو أخذنا نُبيِّن مُقابلة كل صفةٍ وما تقبله وما يفيضُ عنها على الصفاتِ الخلقية القالبية، لانكشف سرٌّ نحن بصدد صونه عن الإذاعة، لأن القوابل لا تطيق سماعه، وفي الإشارة إلى ذلك كفايةٌ لمن فتح عين بصيرته وأطلعت شمس سريرته ولي في ذلك:

النورُ يفتحُ بابَ القلبِ بالمددْ *** وفي البصيرةِ يظهر سرُّه الصمد

فلما كانت الطاعات بارزةً على الظواهر بما استشفته القلوب من السرائر، يفرح فيها من وجهين: وجهٌ من حيث كونها من الله، ووجهٌ من حيث كونها منك…

 

يقول عن شأن هذا القلب: "النور له الكَشْف، والبَصِيرَة لها الحُكْم، والقَلْب له الإِقْبَال والإدْبَار."؛ فعلى حسب إقبال القلب يشرق له النور، وحينئذٍ ترى البصيرة فتحكم فيمشي على ذلك الحكم، وعلى قدر إدبار القلب يقع في الظلمات، وبذلك تنطمس البصيرة، فيحكم الهوى والنفس وإبليس، فيصير إلى حكمهم، إنما يخرج عن حكمهم إذا أشرقت له نور البصيرة فأدرك المسيرة كيف تكون، وفرَّق بين الهدى والضلال، وبين الغيّ والرشد، بين الصلاح والفساد، وبين الخير والشر، بميزان الحق الأبدي السرمد يفرق بينها وإلا، فما يقع فيه الناس من تخبطات وهم كل الذين لم تتنور بصائرهم، ثم إن فطرهم السليمة القويمة لمَا يتغشاها من شدة الظلمة وكدورات الإعراض والإدبار تبطل خصوصيتها، وتضعف قوتها فتصير كأنها غير موجودة -الفطرة السليمة- بذلك يتخبطون وبذلك يتشككون ويُشكِّكون، وعن الحق ينأون وينهون، (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)[الأنعام:26]، هؤلاء أهل العمى؛ (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا)[الإسراء:72] والعياذ بالله.

من لم يُدرك في الدنيا حقيقة من عبوديّته وخلقيته وصنعته، وأنه مصنوع مخلوقٌ مركب مصوّرٌ مقدّر مدبر، له خالق صانع مكون مدبر بارئ، فاطر، من لم يدرك هذه الحقيقة فهو أحق باسم العمى من جميع عميان الأبصار من أولهم إلى آخرهم؛ لأن هؤلاء إنما عموا عن صور وأجرام ما يضر عدم رؤيتها، ولكن هو عَمي عن إدراك حقيقته ونفسه، وعن إدراك إلهه وخالقه، وهذا العمى يضر أشد الضرر في الدنيا وفي الآخرة. وبهذا سمعنا الآية يقول ربنا: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الحج:46].

اللهم نوِّر قلوبنا يا نور، و (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) 

يقول الشارح الشيخ علي باراس: "النورُ كما علمتَ أنه العلمُ ابتداءً والحقُّ انتهاءً"؛ فالعِلم هو النور تدرك به الأشياء، وعلى حسب العمل به والحكم به تنكشف لك حقائق الأشياء فتنتهي من الخلق إلى الحق، وترقى من علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين.

  • فابتداء النور: علم 
  • وانتهاؤه: حق

"النورُ كما علمتَ أنه العلمُ ابتداءً والحقُّ انتهاءً" قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35] فهذه النهاية، النور هنا؛ هذا النور، ولولاه تعالى لا كان كائن، ولا بصر كائن، ولا عقل كائن، ولا فكر كائن، ولا قلب كائن، لا شيء.. هو الذي أوجد فالنورهو النور في الحقيقة هو، ولكن الوصول إليه إنما يكون عبر صدق وإقبال ووجهة، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ) [البقرة:148]، فاحتاجوا إلى انعكاس هذا النور الإلهي بهذه الوسائل. 

هذه الوسائل كما احتجنا في الليل مثلاً إلى إشراق نور القمر في أيام البدر، ينعكس نور الشمس إلى نور البدر فيبصر أهل الأرض بضوء القمر، القمر ما فيه نور من الأصل، لكن لمقابلته للنور أشرق فيه نور، بعدين سُمّي هو نور ويقولون:  نور القمر، والأصل ليس فيه نور أصلاً، إنما على قدر ما يواجه الشمس يبرز نور الشمس فيه، بعدين يُنسب إليه؛ فيُقال: نور القمر، ومشينا بنور القمر، وبضوء القمر، وهل فيه ضوء هو! لكن سر المقابلة للنور والضوء.. أشرق؛ كذلك الكائنات كلها وخلقها ما هي شيء أصلاً، فالنور هو -جل جلاله- فالنور ابتداءً علم، لكن انتهاءً هو الحق. 

وأولى من يسمى بالنور في العالم الحسي ثم العالم المعنوي: 

  • في العالم الحسي: النجوم والقمر والشمس. 

كل واحد أضوأ من الثاني، فضوء النجوم بالنسبة لضوء القمر خافت ويتلاشى عند إشراق نور القمر، لكن القمر نفسه ما عنده ضوء إلا من الشمس، يستمده من الشمس إذا أشرقت الشمس يضمحل ما يبقى للقمر ضوء. 

فلو أشرقت عليك شمس شهود الحق لاضمحل في شهودك كل شيء، كاضمحلال  أنوار الشموع والنجوم عند إشراق الشمس، فأحق ما يُسمى في عالم الحس نورًا في هذا العالم الحسي هي هذه التي نستحدثها من الشموع والسرج، وإلى أن أحدث الله لنا الكهرباء، ولكنها أين هي من ثبات النجوم ودوامها واستمرارها وأقدميتها؟.. بعض الدول التي ترى نفسها عندها في جوانب الماديات تقدُّم، احتفلت بمرور كم سنين لم تنطفِ عندهم الكهرباء؟ أربعين سنة لم تنطفِ الكهرباء عندهم، لكن أقول لك: النجوم كم لها؟ أربعين؟ ثمانين؟ مئة؟ مئتين؟ ثلاثمائة سنة؟.. ألف؟ ألفين؟ ثلاثة آلاف؟ فذلك أحق أن تسمى بالنور في المعنى. 

النور هذا هو عبارة عن علم، آلته العقل والقلب، فيسمى صاحبه نورًا، قال تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام:122]، كما ينعكس ضوء الشمس على القمر فيظهر بها نور يُنسب إليه، فيُقال: نور القمر وتسمى نورًا، (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا)[الفرقان:61]، كذلك كل فرد من العقلاء الذين أدركوا الحقيقة ينعكس النور عليهم فيصير نورًا، فأرباب النور الأصفياء والأولياء والملائكة والأنبياء، أحق من يسمى بالنور منهم، ويطلق عليه النور: نور الأنوار وسر الأسرار محمد ﷺ. 

لهذا نقرأ في منظومة الإمام الحداد: مُحَمَّدٌ الطُّهْرُ لي نُورِه طمس كل نور. النور في العالم الخَلقي إذا أشرق نور محمد.. انطمست؛ فلا الملائكة ولا الأنبياء ولا الأولياء، لهذا كلهم أتباعه وكلهم تحت لوائه، وما أحد يقدر من سادتنا الملائكة أن يتقدم في موقف القيامة ويقول: أنا لها، ما أحد، فلا يشرق إلا نوره ﷺ، فهو أحق من يسمى بالنور، وبهذا جاء وصفه بذلك في القرآن، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) الله أكبر! من الله.. (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة:15]، فهو نور الله الأكبر ﷺ.

يقول: "فابتداؤه يكشف عن وجه القلب حجابه"؛ ابتداء هذا النور "ويؤذِنه باقترابه، وتنفتح به إلى العُلا أبوابه"، هكذا يفعل العلم؛ وهو إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع. "والبصيرة التي هي عين القلب، وإذا كانت العين صحيحة لابد لها من نور حتى ترى"، لابد لها في حصول النظر من نور، "فلو كانت العين صحيحة ولكن في ظلمة"، ويقول: أنا عندي بصر قوي.. هيا في الظلمة كم تشوف؟ تشوف أيش.. ولا يشوف شيء، ولا يقدر يتبين الأشياء ويراها إلا بواسطة النور! إذًا؛ فعين مجردة ما تنفع. فكما لا تنفع العيون الجسمية البصرية الحسية من دون ضوء حسي ولا تظهر بها حقائق الألوان ولا يُهتدى بها في الطريق، إذا أنت في الظلمة كيف تمشي؟ ما تشوف شيء، مثل العمى تمامًا، العقول كلها البشرية إذا لم يشرق عليها النور، مثل هذا تمامًا، ما تدرك الحقائق قط، ولا تهتدي إليها إلا أن يشرق عليها هذا النور، مثل البصر إذا لم يكن هناك نور لا يرى، وإذا كان هناك نور يرى.

فعقول الخلائق كلهم من دون وحي الله والعلم الذي أنزله الله، مثل العيون التي لا نور لها، مهما كانت قوية. يقزل بصري أصلاً قد فحصت هو ستة على ستة! 6 على 6 أو 10 على 10، تعال ادخل الظلمة، ولا تشوف شيء بالبصر هذا حقك، إلا أن يكون نور، وعلى قدر النور تظهر.. كذلك العقول ما تدرك الحقائق إلا بإشراق هذا النور.

ومن جود الرحمن أن يمُنَّ بهذا النور على كل ذي قلب متوجِّه بالصدق، يمنُّ به عليه ما يبخل به عليه أبداً يشرق، كما لم يبخل بالشمس على عباده، حتى الكفار، حتى الفجار، حتى الملحدين، حتى الذين يشركون به -سبحانه وتعالى- تشرق عليهم الشمس كل يوم، ويجيهم القمر والنجوم فوقهم، والأكسجين من عنده مغلفة به الكرة الأرضية، وما يحتاجونه لأجسادهم مزوّد في الأرض، وينبع وينبت من الأرض كل ما يحتاجونه، ولو كانوا أفجر الفاجرين وأكفر الكافرين. أفتراه يبخل بنور الهداية على المستهدين؟ "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ"، فاستهدوني أهدِكم.

يقول: "فلو كانت العينُ صحيحة ولكنها في ظلمةٍ لم ترَ ضوءَ نارٍ، ولا قمر، ولا نجم ولا شمس، ولا شفقٌ، ولا فجر، لم تُدرِك بمُجرَّد العينِ نظرًا، فالعلمُ هو نجومُ ليلِ هذا القلب، والعينُ قمرُه والحقُّ شمسُه" الله أكبر!.. فلقلبك نجم وقمر وشمس. 

  • فهذا العلم الذي تأخذه؛ إدراك المعلوم على ما هو عليه؛ نجوم، نجم. 
  • والعين التي أُعطيتها في بصيرتك هي القمر. 
  • والحق هو الشمس. 

"النجوم شريعته، والقمر طريقته، والشمس حقيقته". قال تعالى عن سيدنا الخليل إبراهيم: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ)؛ هذه الرتبة الأولى في انكشاف الحقائق بالنجوم، (قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ) أي: انتهت المعرفة بربي لهذه الحدود، وإذا به أشرق عليه قمر غطى؛ يعني ارتفع درجة فوق هذا.. أفَل.. مباشرة يضمحل النور النجم والكوكب إذا رأى القمر، (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ) وانتهى في المعرفة بالله إلى هذه المراتب، (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً) واضمحل نور القمر فيها، (قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ)، وإذا به لا نهاية.. حتى يوقن بالعجز وألا يعرف الله إلا الله، (فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام:77-79]. فما من رتبة إلا وفوقها رتبة، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76]، ولا يحيط بالله شيء، وهو محيطٌ بكل شيء -جل جلاله- له الحمد والمنة.

"فإذا كُشف عن عين القلب ظلمة الجهل بأي نور من هذه الأنوار"، إما بنور كالنجوم، أو كالقمر، أو كالشمس، "أبصر ما انطوى عليه المقام من الأسرار، فالذي يحكم بها" البصيرة تحكم، "النور له الكَشْف، والبَصِيرَة لها الحُكْم"، "فلا يدخله شك ولا يعتريه تردد، فيكون للقلب الإقبال على ما حكم بصحته، والإدبار عما تحقق بطلانه وتبين ضلالته"

  • فقلوب الموقنين والمؤمنين مقبلة على الله والحق والهدى مدبِرة عن الشيطان والضلال والغيّ.
  • وقلوب الفجار والكفار مقبلة على الضلال والغي، مدبرة عن الله والحق والهدى. 

وبحسب الإقبال والإدبار يكون هذا الأمر كما شرحنا في أول الكلام.. 

  • إن صح منه الإقبال على الحق والهدى وإقباله على الرحمن -جل جلاله- استنار. 
  • وإن أعرض وأدبر عن الله وأقبل على الظلمات ازداد ظلمة والعياذ بالله تعالى.

 

"فالقلبُ كشخصٍ قائمٍ وله أوصافٌ شتى، فالموصوفُ بتصرّفُ الأوصاف هو الشخصُ بجملتِه، لا الصفةُ مُجرَّدةٌ عن ذاتِها، وللقلب أيضًا سمعٌ وحياة، وقدرةٌ وإرادة، وعلمٌ وكلام" هذا ملكوت؛ مملكة كبيرة، "فهو الواسطة بين المُلك والملكوت"؛ في الحس مملكة صغيرة، لكن في المعنى مملكة كبيرة، فالقلب والروح مملكة كبيرة، والأعضاء مملكة، فيها عجائب وفيها مهام، وفيها خصائص، وفيها ما لا يحصى من الأعصاب، وما لا يحصى من الخلايا… تكوين بديع! لكن أعظم منها.. الروح والقلب. 

نعم عالم الأرواح خير من الجسم 

فهنا مملكة للقلب ومملكة لهذه الأعضاء. يقول: وللقلب أيضًا سمعٌ" وصمم  "وحياة" وموت، "وقدرةٌ" وعجز، "وإرادة" وإكراه، "وعلمٌ" وجهل، "وكلام" وخرس، موجودة في القلب كل هذا "فهو الواسطة بين المُلك والملكوت"؛ بين الحس والمعنى.

"فالصفات الخلقية تُستشف من وراء هذه الصفات القلبية، والصفات القلبية مواجهة ومقابلة للصفات الأزلية"، صفات الحق -جل جلاله- بشاهد: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29] "إذا كان له الإقبال على الله، والإدبار من حيث ما يفيض عنه إلى عالم الخلق"، يقول: وهذه المقابلة "لو أخذنا نبيّنها بمقابلة كل صفة وما تقبله" وما تقابله "وما يفيض عنها على الصفات الخلقية والقلبية لانكشف السر نحن بصدد صونه عن الإذاعة"

يقول المؤلف: أن الحق أطلعه على أسرار في هذا التكوين، وسر هذه المقابلات حرّم الحق أن يُفشى وأن يُذاع، لأنه إذا أُذيع لغير أهله كان ضُرّه أكثر من نفعه، وكان الفساد به أكثر من الصلاح، وإنما ينتفع به من تهيأ له. كما أنه بحكم الحس يمتنع الصعود إلى الطابق الثاني قبل المرور على مستوى الطابق الأول، سواءً بالدرج، سواءً بالمصعد، سواءً من الداخل أو من الخارج، بالهواء أو بشيء، لابد.. ما يمكن تصل إلى مستوى الطابق الثاني حتى تمر بمستوى الطابق الأول، إذا أردت أن تصل.. 

ويقول واحد: لا خلنا من الطابق الأول ولا بنحا1يه ولا بنوازيه.. بنطلع فوقه، يقول: هذا مستحيل بحكم الترتيب الإلهي، كيف؟! لابد من المرور فكذلك الوصول إلى هذه الحقائق عبر الطريق، يقول له: شوف الطريق قدامك، اطلع.. إذا قال: يا أخي أريد أطلع للدور الخامس ضروري أريد الدور الخامس! تفضل.. عَدِّ على مستوى الأول والثاني والثالث والرابع الطريق قدامك، شوف المصعد قدامك، شوف الدرج قدامك إن بتطلع هنا أو هنا… قال: لا لا ما أريد أنا أعدّي على الأول والثاني، ما بغيت أعدّي عليهم! إذا ما بغيت تعدّي، أنت ما متعدّي، ما يمكن أن تصل إلى فوق، ما يمكن حتى تمر بهذه. 

فهكذا.. أيش تريد؟ معرفة الحقيقة؟ شوف الطريق قدامك، جاتك الشريعة، امسك بها واعمل بها.. وصلت.

قال: ما أريد.. إذًا أنت تريد تخالف سنة المكوّن، تتعب ولا تحصّل لك شيء، اقعد لك.. لو جلست سنة عند باب العمارة وأنت ما تريد تمر على مستوى الطابق الأول، بغيت الخامس فقط، بيعدّوا الناس وبيصلون للخامس والسادس والسابع وبيطلعون وينزلون، وأنت اقعد محلك ولو حتى سنة كاملة، ولا بتصل.. إلا مر من هذا الطريق! 

فكذلك لا وصول إلى الحقيقة إلا بالعمل بالشريعة، وبسَّط الله لعباده الشريعة، يسر لهم أمرها وقرب لهم فهمها، وجعلها على مستوى العقول المختلفة، خذوا بها، وبعد ذلك هممكم.. أنت بتضغط على رقم واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة.. شأنك بعد ذلك، وحيث ما تقدر تصل وهكذا.. 

يقول: "لأن القوابل لا تطيق سماعه، وفي الإشارة إلى ذلك كفايةٌ لمن فتح عين بصيرته وأطلعت شمس سريرته"

النورُ يفتحُ بابَ القلبِ بالمددْ *** وفي البصيرةِ يظهر سرُّه الصمد

سبحانه. (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَد) المقصود على الدوام في الحوائج، لا جوف له ولا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ). لا إله إلا الله.

فيقول: هذه الطاعات التي يوفقنا الله لها، تبرز على أعضائنا، تستشفها القلوب من السرائر، فالفرح بالطاعة يقول: "إما من وجه كونها من الله"، وإما أن تنخدع وتنسى نسبتها الحقيقية وتتشبث بالنسبة الخيالية الوهمية وتنسبها إلى نفسك. 

  • فمن حيث نسبتها إلى نفسك: (إِِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص:76]. 
  • ومن حيث نسبتها إلى فضله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].

 فأنت من أي الوجهين تفرح؟ وجه حق ووجه باطل، وجه صحيح ووجه خطأ، من أي الوجوه أنت تفرح؟.. قوّم فرحك حتى يكون من الوجه الصحيح الحق. 

 

رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:

 لذلك قال المؤلف -رضي الله عنه-: 

الحكمة (58): لَا تُفْرِحْكَ الطَّاعَةُ؛ لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنْكَ، وَافْرَحْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا بَرَزَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْكَ (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس:58].

  • الفرح: هو ابتهاج القلب بأمر محمود عاجل أو آجل. 

 

عرفنا كيف نجمع بين قول الله: 

  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)، أهل العلم قالوا لما نصحوا قارون: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)[القصص:76]. 
  • وبين قوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58].

 الفرح يجيء من وجه مذموم ومن وجه محمود، الفرح من وجه حق ومن وجه باطل، الفرح من وجه صحيح ومن وجه خاطئ، فأمرنا بالفرح الصحيح الحق؛ كل طاعة تعملها الله موفّقك لها، فإما تفرح بها من حيث نسبتها إلى نفسك لكونك وهمي خيالي، وإذا بك أخطأت وأشرفت على العُجُب وعلى الرياء وعلى الكِبر وعلى الزهو بنفسك، وسقطت من عين الله، وإن فرحت بها من حيث أنه تكرّم بها عليك وجاد بها عليك وترجوه أن يقبلها، وأن يبقيها عليك فهذا الفرح طيّب.

حتى في الأمور الحسية التي يرسلها لك، إذا فرحت بثوبي الذي ألبسه هذا، فرحت به من حيث نسبته إليّ، وأنني جبته بفلوسي، ولأتزين قدام الناس، فأنا مخطئ، أنا واهم، أنا في فرحي في باطل في ضلال. 

وإن فرحت من حيث ستر الله الذي جاد به لي ويسره لي، وأن أستر به عورتي وأقتدي فيه بمحمد، وأتزين به لربي في الصلاة، هذا الفرح تحوّل إلى فرح بالله -تبارك وتعالى-، وهو فرح برحمة الله سبحانه وتعالى.

بهذا أوحى الله إلى سيدنا داود: لو سُقت إليك حبة مسوسة؛ فيها سوس حبة، فاعلم أني ذكرتك بها فاشكرني عليها، أنت ما تنظر إلى حاجة يسيرة مسوسة عادها فيها سوس، قل من أين جاءت؟ أنا أرسلتها لك، فتفرح من هذه الناحية. 

لهذا سيدنا إبراهيم قوّمَ نظره، هذا إبراهيم الذي قيل فيه: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)... (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ *وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، حتى فرحه بالعافية من حيث أيش ولماذا ومن أين جاءت… طعامه وشرابه؛ (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ)[الشعراء:78-81]. ولا عاد التفت إلى حياة ولا موت إلا مميت محيٍ، لا طعام ولا سقيا إلا يُطعم ويسقي، شفت النظر حقه فين توجه؟ فهو مقوّم تمامًا، فرحه بالله، جل جلاله وتعالى في علاه. 

يقول: أنا ذكرتك بها. لهذا تجد واحد عنده قلم ما له قيمة غالية ولا شيء، لكن أهداه له واحد عزيز عليه، صاحب منزلة في المجتمع بين الناس، يقول: هذا من فلان بن فلان! فرحان به ويحمله معه، وعنده أقلام أغلى منه، لكن هذا جاء من عند فلان، فإذا صح له شهود أنه يستلم من الرب؛ (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)، حتى لذَّتهم بالطعام وبالشراب تفوق لذة الناس، يشوفها جات من عند مَن وكيف يطعمها حالية،  يشهدها من فوق.. (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)، لا إله إلا هو.

 

قال رضي الله عنه:

"وفرح الجهال بالأمور الآجلة ليس هو من هذا القبيل، لكن الفرح هنا بالطاعة على ضربين: إما بوجودها من حيث هي طاعة ومثوبة وسلامة من عقوبة، لا من حيث إنه أبرزها من خزائن فضله، فذلك فرح المحجوبين والعامة، الجهال الغافلين لذلك نهى المؤلف رحمه الله عن الفرح بها من حيث كونها برزت منك؛ لأنك لا تفرح إلا بما تيقّنت بقاءه ومتى تتيقن براءة أعمالك من مفسداتها والقوادح فيها وإخلاصها؟.. 

وأعظم من ذلك أنك حُجِبت بها عمّن أبرزها، فلو كنت ذا كشف واهتداء، لرأيت من ألهَم ذلك وهدى، وأعان عليه ووعد بالجزاء، فإذا كنت كذلك؛ أي علمت من أين صدرت ولماذا أتت، علمت أنها من جملة عنايته بك، وأنت بعدُ لم تهتدِ إليها إلا بهدايته، ولم تقوَى عليها إلا بإعانته، فإنك بذلك تفرح بها لكونها دليلة على عناية سيدك بك. 

 

وهذا الشهود الأعلى والإدراك الأصفى يلازم أهل الجنة وهم في الجنة: 

  • (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف:34]. 
  • (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) [الزمر:74]. 

فما فرحهم بالجنة من حيث الجنة، بل من حيث أنه اعتنى بهم ورعاهم ويسرها لهم وأدخلهم إياها وأسكنهم هو فيها، وهو هداهم إليها. 

  • (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [يونس:9]. 
  • (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)[الأعراف:43]. 
  • (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر:34-35] 

الله أكبر! فهكذا فرحهم بالله جل جلاله.

 

فيكون فرحك بفضله، وقد أمر بذلك: 

  • (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ)، وهدايته من أعظم الفضائل عليك. 
  • (وَبِرَحْمَتِهِ) وهي إعانته من أتحف الهدايا لديك. 

وفرحك بفضله ورحمته (هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، مما يصل منهم من مجموع أعمال، وتحسين أحوال، فأين ما تجمعه مما تمنحه؟ فلو كان على أنفاس العالم زواكي أعمال وسنيات أحوال، وأنت فرح بها معتمد عليها، لم تغنِ عنك من الله شيئا. فذرّة من عارف بالله، معتمدٍ على فضل الله، فَرِحٍ بنعمة الله، لا توازيها أعمال الآملين و أحوال السالكين مع رؤيتهم لها دون موجدها، ولي في ذلك:

فافرح بفضله فإن الفضل مقصود *** لمن له المن والإحسان والجود

ولا تكن به دون الله مردود *** يكن بلا شيء إن الغير مفقود 

 

قال: "لو كان على أنفاس العالم زواكي أعمال وسنيات أحوال، وأنت فرح بها معتمد عليها، لم تغنِ عنك من الله شيئا". و "ذرّة من عارف بالله، معتمدٍ على فضل الله، فَرِحٍ بنعمة الله" ما توازيها كل هذه الأعمال ولا هذه الأحوال. 

هيهات ما المخلوق مثل الخالق 

جل جلاله وتعالى في علاه.

 فلا اعتماد إلا عليه، ولا استناد إلا إليه. قال سيدنا الإمام الحداد: 

ربي عليك اعتمادي *** كما إليك استنادي 

ونبّهنا النبيّ لذلك، قال: العابد خمسمائة سنة عبد الله، وبعدين حسبوا عليه نعمة البصر وروّحت، وقال له:  أدخلوه النار، رجع ثاني مرة قال: أدخلني الجنة برحمتك، ما عدت لا أنا ولا عملي، خلاص انتهى كل شيء، أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، ونعم العبد عبدي، اشكروه وامدحوه وكله من الله تعالى، لكن هكذا يتفضل وهكذا يعطي فالفضل له، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)[الحجرات:17].

 

رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال: 

"فلما كان الغيبة عن رؤية الأعمال دأب السالكين الأنجاب، والواصلين الأحباب .. قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (59): "قَطَعَ السَّائِرِينَ إِلَيْهِ وَالْوَاصِلِينَ إِلَيْهِ عَنْ رُؤْيَةِ أَعْمَالِهِمْ وَشُهُودِ أَحْوَالِهِمْ؛ أَمَّا السَّائِرُون.. فَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَحَققوا الصِّدْقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، وَأَمَّا الْوَاصِلُونَ .. فَلِأَنَّهُ غَيَّبَهُمْ بِشُهُودِهِ عَنْهَا." 

 

"قطع": لم يمكّنهم، "السَّائِرِينَ": هم السالكون على قدم الصدق في بيداء الإرادة وميادين الأعمال، على نجائب الأحوال، وقد قطعهم عن رؤية أعمالهم وصفو أحوالهم عدم تحقق الصدق؛ إذ هو شرطٌ في قبولها، وهم بعد لم يخرجوا عن رؤية نفوسهم في الأشياء، ولا تصفو الأعمال مع رؤية النفس فيها؛ فلذلك لم يعتدّوا بها، ولم يعتمدوا عليها؛ وذلك أنك لا ترى إلا ما خلص عن شوائبه، وتطهر من معايبه، ولم تأمن دخول الآفات ما دامت النفس ظاهرة.

وأما الواصلون.. فحجبهم عن رؤيتها شهوده، وإذا تحقق شهوده.. لم يبق لغيره فعل ولا وصف؛ فالأعمال مصادر الأفعال، والأحوال مصادر الأوصاف، فلم يبقَ لغيره فعل فيرى له عمل، ولا بقيَ لغيره وصفٌ فيرى له حال، فهذا يعطيه مقام الشهود، والتحقق بالوجود لا يرى معه موجود.

فصحَّ أن رؤية الأعمال دون الله حال المحجوبين الذين لم يحظوا بعزيز الصدق، ولم يَشَمُّوا رائحة نسيم الوصل. 

  • فالواصل: الذي يشهد مُجري الأعمال ومُنشئها. 
  • والصادق: الذي يتهم نفسه فيما يصدر عنها، ويرى عدم الإخلاص، وشهود النقص والتقصير عن الجد والتشمير، حتى لو رأى ما رأى من الأعمال والأحوال.. لم يرَها إلا بعين الدعوى. 

وفي ذلك المعنى كثرت حكاياتهم؛ كما رُويَ عن الواسطي مع أصحاب أبي عثمان، حيث قال لهم: إنما أمركم بالمجوسية المحضة، حيث قالوا: كان يأمرنا بالأعمال ورؤية التقصير فيها، وقال: هلَّا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها!.. هذا في مقام الواصلين.

وأما ما يروى في ذلك المعنى في طريق السالكين.. فكثير، يروى عن بعض ساداتنا العلوية -وهو سيدنا عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف رضي الله عنه- أنه قال: لو تُقبِّلت لي تسبيحة .. لفعلت لجميع أهل بلدي دعوة، أو كما قال.

وآفة السالكين رؤية أعمالهم، والاعتماد في سلوكهم على ما يصدر من أفعالهم، ومنه ينتج الإدلال والإعجاب وضروب من الآفات، سَلِمَ منها الموفقون، وتحصّن عنها المتقون.

فالواصلون قطع عن عين رؤيتهم *** شهود سيدهم عن كل منظورِ

والسالكون سبيل الصدق منهجهم *** ألّا يروا صور الأعمال مسطورِ

 

ماشاءالله لا قوة إلا بالله.

يقول: "قَطَعَ السَّائِرِينَ إِلَيْهِ وَالْوَاصِلِينَ إِلَيْهِ عَنْ رُؤْيَةِ أَعْمَالِهِمْ وَشُهُودِ أَحْوَالِهِمْ"، عندنا أعمال صالحة يجب أن نرغب فيها وأن نقوم بحقِّها وأن نجتهد في إحسانها، ولكنّا إذا صدقنا في القيام بها، كان من إحسانها وإتقانها بعد استنفاد الوسع في أدائها على المتابعة لسيد المحسنين ﷺ.. انقطاع شهودنا أنها منا وإلينا، وذلك في مرحلة السلوك؛ لا ندري أكملت أم فيها نقص؟ أُقبلت أم رُدَّت؟ وهذا يغيّبنا عن شهود الأعمال لنا، ونحن على وجل، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون:60] لا يدرون أُقبلوا أم لا.

أما الواصلون فوق؛ الذين جاوزوا مرحلة السلوك للوصول، فشهوده -تبارك وتعالى- تضمحل أمامه شهود نفوسهم فضلاً عن أعمالهم، فما ينسبون لأنفسهم شيء. 

فالسائرون والواصلون كلهم منقطعون عن شهود أعمالهم ونسبتها إليهم فإذا أنت لم تزل تشهد أعمالك مضافة إليك وكأنك مستقل بالقيام بها، فلا أنت من الواصلين، ولا أنت متحقق بحقائق السالكين، عدك ما سلكت فإذا صدق منك السلوك يضمحل عنك، لأنك لا تدري أتمت أم لا؟ أقبلت أم لا؟ وترقب ما فيها من الشوائب، وتخاف أن يردَّها عليك، فحينئذٍ تبعد عن الاغترار بها، عن العُجُب بها، وتشهد مِنّته عليك، (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ)[الحجرات:17]، تفرح بها من الوجه السابق الذي ذكر، من حيث عنايته بك، وتوفيقه إياك، وتسهيله لك الطريق، وتسييرك في هذا المسار.. نعم، ولكنك لا تأمن أن تنقطع أو ترجع أو ترتد على أدبارك أو تُرَد، فأنت بذلك تنقطع عن شهود العمل ونسبتها إليك في مرحلة السلوك إذا صدقت في السلوك.

أما في مرحلة الوصول فالأمر أكبر من ذلك أنت ذوقًا تعرف قدر الفعّال، وتدرك قول سيدنا الخليل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات:96]. فكما توجه أولئك بعملهم إلى عملهم مما صنعوه بأيديهم من الأصنام، فأنت أيضًا بقصورك متوجِّه في طاعتك عن المطاع إلى عملك، إلا أن تلك أصنام حسية جسمانية ظلمانية، وهذا صنم معنوي نوراني ولكن لا يجوز لك أن تلتفت إلى صنم لا ظلماني ولا نوراني، ولا تقصد إلا الواحد المعبود -جل جلاله وتعالى في علاه- فإنه هو الذي خلق الظلمة والنور، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)[الأنعام:1]. فلا يمكن نعبد ظلمة، ولا يمكن نعبد نور، ولا يمكن أن ننقطع بظلمة، ولا ننقطع بنور؛ هو خالق الظلمات والنور؛ هو تقصده؛ وهو تعبده حقيقة. لا إله إلا الله.

قال: فحجب السالكين وقطع عنهم رؤية أعمالهم عدم تحقق الصدق! وهم على صدق وجهتهم إلى الله يخافون، لأنه: 

  • لا يخاف الرياء إلا المخلص، المرائي ما يخاف الرياء.
  • ولا يخاف الكذب إلا الصادق، الكذاب ما يخاف الكذب! إلا المخلص. 

يقول أنا تمام صليت أنا وقرأت تمام أنا.. كل شيء تمام! لو كان صادق بيخاف الكذب. حتى النفاق، يخافه المؤمن على قدر إيمانه والمنافق أصلا لا يخاف النفاق، المؤمن يفزع من النفاق يكون منافق؟ خوفه من النفاق إيمان خالص، أن يخاف أن يكون منافق هذا إيمان خالص، فلهذا: 

  • إنما يخاف النفاق المؤمن. 
  • ويخاف الرياء المخلص.
  • كذلك هذا الصادق في العمل هو الذي يخاف الكذب، فحينئذٍ ماعاد يغتر بشيء من أعماله.

"وأما الواصلون.. فحجبهم عن رؤيتها شهوده" تعالى. لا إله إلا الله… (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96].

 

علمنا النبي هذا حتى في الأمور الحسية، لما نأكل الطعام نقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ أي: ما يمكن أن يكون لي استقلال بإيجاد هذا لولا إرادته وفضله وتوفيقه لي.. وإلا وإن كنت أنا زرعت وسقيت وأنا الذي شققت الأرض بحقي الآلات ووضعت البذر فيها وسقيتها وراعيتها ومنعت عنها الحشرات، وانتظرتها إلى أن نضجت وخرّجتها وطعمتها.. أطعمني هذا الطعام من غير حول مني ولا قوة! (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، هيا قم هات القوة حقك ذي! (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) تقولون:  (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)[الواقعه:63-67]. (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) [الكهف:42] 

دون ذلك، لما تحركت لتضع البذرة، شَلْ يدك.. هيا حطها الآن!.. قم شل البذرة بفمك حطها، أو برجلك، شل رجلك!... إذا بك محلك قاعد، لا رجل ولا يد، ما لك حَوْل ولا قوة يا هذا! هو أعطاك عين تشوف هنا وتشوف هنا، فإذا أعمى عينك.. وما عادك دراي أين طرف البقعة من طرفها الثاني! ما عندك حَوْل ولا قوة، كله منه منه منه! 

كل ما نطعم طعام.. الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، لو تقول: أنا خرجت فلوسي ورحت اشتريت من الدكان.. وأنت وفلوسك من أين جئت بها؟ وبأي قدرة؟ وبأي يد أخذتها؟ وبأي عين وبأي رجل مشيت لما رحت وجبتها من عند مصنع من؟ الرجل التي رحت تمشي بهذا من أين؟ من عند المصانع حق من جبتها؟ حقه يا هذا.. واسمع، المصانع الثانية التي أنت تشوفها قدام عينك هي أيضًا حقه وأنت تشوف الناس تحركوا فيها هم وحركتهم من عنده، فلا تقع أبله بليد! انظر أيش وراء الأمر، وراء الستارة حقك! لا إله إلا الله (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].

"ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة"، 

تركب على دابة ومثلها دراجة أو سيارة أو طائرة.. الحمد لله سخّر لنا هذا وما كنا له مطيقين؛ ما نحن مطيقين ما نطيق هذا، ما عندنا طاقة ولا قُدْرَة، (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)[الزخرف:13]، لولا تسخيره! ولهذا تشوف الطفل منا الصغير، ينوّخ الجمل ويقوّمه ويركب عليه ويمشي، ويحركه كذا وكذا، يقوده… لكن تعال إلى حشرة صغيرة، هيا تحرك، لا طفل ولا رجال كبير يقدر عليها، أو واحدة حية كهذه صغيرة، هيا مشّها اركب عليها ومشّها! هو سخر هذا، وهو سلط هذا؛ لا بالكبر ولا بالقوة وإلا أيّها أقوى، الحية أم الجمل؟ لو دحقها برجل واحدة بيقتلها، لكنها مسلطة عليك تفزع منها وتبعد بعيد وتنتبه، والجمل والفيل تقوم تركب فوقه لماذا؟ هو سخر هذا وهو سلط هذا.. 

بعوضة صغيرة تؤذيك، ما يجيك النوم! وأيش المصيبة هذه، ساعة تحرك بيدك كذا، وساعة تفعل بيدك كذا، وهات لنا ناموسية، وهات لهذا… بعوضة كهذه تعبتك هذا التعب كله، وجمل كبير مسخر لك تحت أمرك! لا إله إلا الله، هو الذي يسخر وهو الذي يسلّطه. 

وهكذا؛ إلى أكبر الأشياء؛ الجنة هو سخرها والنار هو سلطها، ما شي من نفسها؛ لا الجنة تقدر تنعمك، ولا النار تقدر تعذبك، هو يسلط هذه ويسخر هذه.. لهذا قالوا:

  • لو فرضنا أن الرحمن غضب على أحد في الجنة لذاق الألم وهو في الجنة وما تنعّم بشيء منها. 
  • ولو فرضنا أن الرحمن رضي عن واحد في النار لذاق اللذة وهو وسط النار، النار ما تقدر تعذب وحدها.

إبراهيم لما كان وسط نار الدنيا هل حس بالألم حقها؟.. ولذلك الملائكة يدخلون النار ما تضرهم؛ لأن الله راضٍ عنهم، ولا تقدر النار تتعرض لهم بشيء، حتى خزنتها يدخلون ويخرجون، صكوك معهم، يجون لعند مالك يقولون: عندنا صك كذا وكذا، يقول:  روّح خذه، يدخل هذا ما تقول له شيء النار، ما تقدر تأثر فيه.

 لا إله إلا الله. 

  • فالنعيم رضاه. 
  • والعذاب سخطه. 

ولكن فتنا بالصور الظاهرة في الدنيا، ظننا أنها هي مؤثرة بنفسها وهو لا شيء غير الله مؤثر بنفسه قط قط قط قط! لا إنسي، ولا ملك، ولا جني، ولا جنة، ولا نار، ولا سماء، ولا أرض، ولا ملك، ولا مملوك، ولا وزير، بنفسه باستقلال لا شيء، الله حي قيوم، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)[هود:56]، لا إله إلا الله، ربنا رب كل شيء.

يقول: "والصادق: الذي يتهم نفسه فيما يصدر عنها، ويرى عدم الإخلاص، وشهود النقص والتقصير عن الجد والتشمير" الله أكبر! فتجدهم يعاتبون أنفسهم في الدنيا، هؤلاء لا يوقفهم الله في القيامة مواقف العتاب، لأنهم من أجله عاتبوا أنفسهم وهم في الدنيا. 

لكن المغرورين الذي يمشي ويشوف نفسه ما قصر في شيء وبعدين لما يصير في القبر، يصير في القيامة: أين كان قصدك في عمل كذا؟ أين كان قلبك؟.. وقت تفتيش عليهم واللوم والعتاب والعذاب، "من نوقش الحساب عُذب"، لكن الذين عاشوا في الدنيا من أجله يعاتبون أنفسهم، من أجله يلومون أنفسهم -سبحانه وتعالى ما عاد يجعل عليهم عتاب هناك، ولا عاد يجعل عليهم ملامة، هم قد لاموا أنفسهم من أجلي في الدنيا. الله أكبر.. 

هذا سجل العارفين والأولياء كلهم والأنبياء يخضعون ويخشعون، سيدهم يقول: "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي"، ويبكي كل ليلة، كان يبكي كل ليلة ﷺ!.. وهكذا، قال بعض الأخيار من أتباعه يقول له واحد يعالج عينيه، قال له: يا شيخ، اضمن لي حاجة واحدة، أضمن عينك بتبرأ! قال: لا تبكي، قال له: لا خير في دين لا بكاء فيه، إذا عندي دين ما يحملني على خروج دمع من عيني، أيش من دين هذا؟! الله أكبر!.. قال: هذا ما يمكن أتركه. قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) [المائدة:83]. 

الله يلحقنا بالصادقين ويرزقنا محبتهم، والتشبه بهم حتى يُلحِقنا بهم بفضله آمين.

وقال: "كثرت حكاياتهم" في ذلك. وذكر عن سيدنا "عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف رضي الله عنه- أنه قال: لو تُقبِّلت لي تسبيحة" واحدة، لضيّفت أهل تريم ثمانية أيام على الثريد، على البر واللحم، شكرًا لله على قبول التسبيحة! (يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون:60]. مع أنه هو يأتي في النَّفَس الواحد بألف مرة من اسم يا لطيف، يا لطيف… عنده خادم اسمه  جردان، في النَّفَس الواحد يجيب خمسمائة يا لطيف في النَّفَس الواحد من أيش؟ من تدرّب روحه عليها، حتى ذلّت لسانه فصار يقرأها في هذه المدة بتأنٍّ وترتيل وتسعها؛ نَفَس واحد يجيب خمسمائة مرة يا لطيف!.. هذا في النَّفَس يجيب مئة مرة يا لطيف يا لطيف ما ينقطع نفسه! حتى يكمل ألف مرة من قوله يا لطيف. وله فقهٌ في الدين، وله خلوات مع رب العالمين، وله خوف من الله؛ يقول: لو علمت أن الله تقبل مني تسبيحة واحدة لضيّفت أهل البلد ثمانية أيام على البر واللحم.

فانظر كيف عاشوا!.. هو يقول عن وصف القوم: 

هم أقوامٌ غُذوا في المحبة من صغرهم 

وعاشوا في مخافاتٍ وغابوا في فكرهم 

في مخافاتٍ منه تعالى، وغابوا في فكرهم الصافية النقية بالمعرفة الخاصة.

ويسعد كل من كان في عمره نظرهم

 في البكرة صباح أو عشية في مساهم

ونسأل الله أن يرينا وجوههم في الدنيا والبرزخ والآخرة، احشرنا مع الوجوه الناضرة، التي هي إلى ربها ناظرة. 

ويكاد يحفظ منهاج الإمام النووي في الفقه، ويكاد يحفظ إحياء علوم الدين في سلوك السبيل، هذا الإمام عمر المحضار يجلس في شعب نبي الله هود للعبادة والعكوف على باب الرحمن -جل جلاله- شهرين في خلال الشهرين قوته رطل، رطل من سمك.. ما شي عندنا سمك هنا؟ السمك الجاف هذا مثل اللخم أو الحنيد، رطل قوت شهرين يكفيه ويرجع في مجاهداته، عليه رضوان الله تعالى. 

ثم فيما فتح الله عليه يقول: لو تكلمت على آية (مَا نَنسَخْ) لأوقرت ثمانين جملاً كتبًا! تملأ حِمْل ثمانين جمل من معاني: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:106]، العلوم التي في هذه الآية الواحدة يستطيع يملي منها ما يوقر ثمانين جمل! لا إله إلا الله… ومع ذلك شوف الخوف عندهم: لو علمت أن الله قبل مني تسبيحة.. مع أن الله يظهر له في عالم الحس كرامات كثيرة، ما اغتر بشيء منها ولا قال قد أنا حتى…  تكون وقت الحاجة والإذن.

وهكذا يقول: وآفة السالكين رؤية أعمالهم، والاعتماد في سلوكهم على ما يصدر من أفعالهم، ومنه ينتج الإدلال"؛ فيُدلّون "والإعجاب" فيعجبون "وضروب من الآفات، سَلِمَ منها الموفقون"

فالواصلون قطع عن عين رؤيتهم *** شهود سيدهم عن كل منظورِ

والسالكون سبيل الصدق منهجهم *** ألا يروا صور الأعمال مسطور

ولكن يغوصون على حقيقتها، ولا يدرون أُقبلت أم لا، فلا يغترّون بشيء منها، رضي الله عنهم، وسلك بنا مسلكهم، إنه أكرم الأكرمين والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

17 ذو الحِجّة 1441

تاريخ النشر الميلادي

07 أغسطس 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام