الحِكَم العطائية - 37 | ما بَسَقَتْ أغصان ذُلٍّ إلا عن بِذْرِ طَمَع
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الثلاثاء 7 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (60): "ما بَسَقَتْ أغْصَانُ ذُلٍّ إلًا عن بِذْرِ طَمَعْ."
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"فلما أنهى الكلام على ذلك أخذ يتكلم على ما يَعْتَوِرُ المريدين من مقاطع الطريق، وما يلتبسُ على الجهَّال المغرورين، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (60): "ما بَسَقَتْ أغْصَانُ ذُلٍّ إلًا عن بِذْرِ طَمَعْ."
عبَّرَ بحالةِ الذُّلِّ للمخلوقين كَشَجرةِ الزَّقُّوم التي تَخرجُ في أَصْل الجحيم، طَلْعُها كأنَّه رؤوسُ الشَّياطين، وبالبُسوقِ إلى الطُّولِ في العالَم الهُبوطِيّ، فإنَّ طولَها مَعنويٌّ، تتصلُ ثمرتُه بالرَّعيل الظُّلمانيّ، والمُحْتَدِّ القاصي عن الله.
والأغصانُ: هي ما يَتشعَّبُ من أصلِ هذه الشَّجَرةِ من الأخلاق اللئيمةِ، والصِّفات المَشؤومة؛ التي هي أصولُ النِّفاق، ومَنبعُ طُرُقِ الفُسَّاق، ولا تَبسُقُ هذه الأغصانُ، وتمتدُّ هذه الأفنانُ، وتخرُّ عزيزاتُ الأذقان… "إلًا عن بِذْرِ طَمَعْ.".
والبِذْرُ: هو الحَبُّ الذي يُرادُ للاستِنبات، ويُطلَبُ منه النبات، والطَّمعُ في المخلوقين دليلُ الحجاب عن ربِّ العالمين ومالكِ الدَّارين، وهو علامةُ المنافقين وسِيْما المُبعَدين.
والعزَّةُ بالله من أشرفِ أخلاقِ المؤمنين وأعزِّ أحوال الموقنين، والعزَّةُ بالله لا تكونُ لمَن في قلبه قُبحُ الطَّمَع المُبايِن لِحالةِ الورَع، وقد وصفَ اللهُ الفريقَين ونعَتَ الطَّريقين بأنَّ العزَّةَ للهِ ولرسولِه وللمؤمنين، فلو كان لهم في غيره طمع، أو إلى غيرِه مَطمَحُ نظَرْ… لتخلَّفَ بهم عن هذا المقام، ولقام الكِرامُ مقامَ اللِّئام؛ حيث قال في الفريق الآخَر: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) [المجادلة:20]، والفرقة الأقلِّين يوم القيامة.
والطامعُ أبدًا في عَناءٍ وقلَّةِ غَناء، إذ مَنشَؤه الشكُّ في الله واليأسُ من رَوْحِ الله، والطامعُ لا يَشبعُ، والحريصُ لا يَقنعُ كيفما تقلَّبتْ به الأحوال.
والطَّمعُ على ضَربين: طَمعٌ ظاهرٌ جلِيٌّ يعرفُه كلُّ أحد؛ كالطَّمعِ في الأغراض الفانية، فلا يَخفى قُبْحُه، والإعراضُ عنه محمودٌ لكلِّ أحد، والتنزُّهُ عنه مطلوبٌ عند كلِّ أحد، حتّى عند مَن يَتعاطاهُ من الجُهَّال والغُواةِ الضُّلَّال.
وطمَعٌ باطنٌ خفيٌّ لا يَعرفُه أكثرُ الخلق؛ كالطمعِ في المُستَلَذِّ الأُخرويِّ، فلا يَتركُ الطمعَ فيه إلا محجوبٌ دنيويٌ، أو مقرَّبٌ بمَقام الشُّهود حُظِيَ، فلا يَطمعُ في شيءٍ دون سيِّدِِه والقربِ منه والشُّهودِ له، ولا يتركُ الطمعَ في الفضل الأُخرويِّ احْتقارًا، ولكنْ لِما ظَهرَ له وبادرَ قلبَه من الامتلاء بشُهودِ المَولى، وبدا له من الجَمال الذي حَسُنَ به كلُّ مُستحسَنٍ ما أخذَه عن الأكوان، وشَغَلَه عن التلذُّذ بالجِنان، وما فيها من الحُـور الحِسان، وبانَ له من العِرفان ما استغرقَ الأركان، واستملَكَ الجَنان والعَينَ واللِّسانَ.
فالخاصَّةُ يوصَفون بتركِ الطَّمَع في الأعراضِ الفانيةِ الدُّنيوية دون الفضائلِ والدرجاَّتِ الأُخروية، وخاصَّةُ الخاصَّةِ يوصَفون بتركِ الطمَع فيما سِوى سيِّدِهم ومُنتَهى مَطلبِهم، وغايةُ آمالِهم شهودُ الواحد الحقِّ ورضوانُه عنهم، لا يَلتفتون إلى غرضٍ فانٍ، ولا يُعرِّجون على حظٍّ كائناً ما كان ذلك الحظّ؛ دنيويٌ أو أخرويٌ".
الحمد لله مكرمنا بأنوار الشريعة والطريقة، وضياءاتِ جمال الحقيقة، على يد ولسان خيرِ الخليقة، العُروةِ الوثيقة، عبدِ الله محمَّدِ بنِ عبد الله، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ وكرَّم عليه، وعلى آله وأصحابه وأهل متابعته والاقتداء به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادةِ أهل القرب من الله وأحبابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم بإحسان، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رحمن.
يتحدث الشيخ -رضي الله تعالى عنه- عن مسارات الناس في المَسالك، وما بين ناجٍ وهالِك، ومرتفعٍ بصحيح المدارك إلى أن يحظى بأوسع وأكبر الممالك، من مُلك النَّعيم المُقيم في دار التكريم، وبين منحطٍّ يَطمعُ في الأرذل الأدنى؛ فلا يزال يسقطُ ويتَّضِعُ ويذلُّ ويتدنّى حتى يُحرمَ العيش الأهنى، ويَحلَّ في الغضب والسَّخَط وعذاب النار الذي لا يُطاقُ حِسًّا ولا معنى.
فالناس من حيث ما يطمعون يركضون ويجرون، ويسلكون ويسعون، كلٌّ على حسب ما غلبَ عليه الطَّمَع، ومَن طَمِعَ في الشريف الرفيع العزيز الأعلى.. ما كانت ذِلَّتُه إلا شرفٌ بتذلّلـه لمن يستحق التذلل.
ومَن طمعَ في الأقلِّ والأخسِّ والأحقر…كانت ذلتُه عارٌ وعيبٌ لكل حقير، فيستذلُّ للحقير بقدر طمعه، بقدر طمعه يَذلّ.
ويقول: "ما بَسَقَتْ أغْصَانُ ذُلٍّ إلًا عن بِذْرِ طَمَعْ".
"ما بَسَقَتْ أغْصَانُ ذُلٍّ"؛ يعني: ما طالت ولا قويت وحيَّت، "أغْصَانُ ذُلٍّ إلًا عن بِذْرِ طَمَعْ"، فلا ينالُ شرفَ وكرامة التذلُّل لله تعالى الأكياسُ والصالحون إلا وطَمَعُهم شريفٌ عَلِيٌّ في الله جل جلاله وقربِه ورضاه.
ولا يُستذَلُّ المذلةَ الوخيمةَ الذميمة للمخلوقين إلا طامعٌ في المخلوقين، وطامعٌ في الدُّون، فهو الذي يُستذَلُّ لهم، ويُهان بينهم، وحسْبُه الهونُ هنا وهناك، والعياذ بالله. (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) طمعوا في الدنيا، (سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الأعراف:152]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فذلّتُهم على قدر طمعهم، وذلتُهم مذمومةٌ لأنّها ذلةٌ للحقير، وذلةٌ لغير الله.
"ما بَسَقَتْ أغْصَانُ ذُلٍّ إلًا عن بِذْرِ طَمَعْ"، "عبَّرَ بحالةِ الذُّلِّ للمخلوقين" مثل "شَجرةِ الزَّقُّوم التي تَخرجُ في أَصْل الجحيم، طَلْعُها كأنَّه رؤوسُ الشَّياطين"، وبسوقها "إلى الطُّولِ في العالَم الهُبوطِيّ"، والعياذ بالله، فإن الطولَ معنوي، ليس لها طول إلى فوق، "تتصلُ ثمرتُه بالرَّعيلِ الظُّلمانيّ، والمَحْتَد القاصي"؛ يعني: الأصل القاصي البعيد عن الله.
"والأغصانُ: هي ما يَتشعَّبُ من أصلِ هذه الشَّجَرةِ من الأخلاق اللئيمةِ، والصِّفات المَشؤومة الذميمة؛ التي هي أصولُ النِّفاق، ومَنبعُ طُرُقِ الفُسَّاق، ولا تَبسقُ هذه الأغصان"؛ أغصانُ الذِّلة للخلق، والتزلُّفِ إليهم، والهون عليهم، "وتمتدُّ هذه الأفنانُ"؛ أي: الزهور لتلك الأغصان، "وتمتدُّ هذه الأفنانُ، وتخرُّ عزيزاتُ الأذقان" والجباه… "إلًا على بِذْرِ طَمَعْ، والبَذْرُ: هو الحَبُّ الذي يُرادُ للاستِنبات، ويُطلَبُ منه النبات، والطمَعُ في المخلوقين دليلُ الحجاب عن ربِّ العالمين ومالكِ الدَّارين".
"الطمَعُ في المخلوقين دليلُ الحجاب عن ربِّ العالمين ومالكِ الدَّارَين، وهو علامةُ المنافقين وسِيْما المُبعَدين". فالطمَعُ يورث الذُلَّ والمَهانة والقبحَ والفضيحة في الدنيا والآخرة؛ الطمعُ في غير الله، الطمع فيما سوى الله.
"والعزَّةُ بالله من أشرفِ أخلاقِ المؤمنين" (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[المنافقون:8]، "وأعزُّ أحوال الموقنين" العزةُ بالله.. والعزُّ كلُّ العز للمتقي.
مَن عرفَ الله فلم تُغنِهِ *** معرفةُ الله فذاكَ الشقي
ما يفعلُ العبدُ بعزِّ الغنى *** والعزُّ كل العز للمتقي
ما ضرَّ ذا الطاعة مانالَه *** في طاعة الله وماذا لقي
ما يصنع العبد بعز الغنى*** والعز كل العز للمتقي
"والعزَّةُ بالله لا تكونُ لمَن في قلبه قُبحُ الطَّمَع المُبايِن لحالة الورَع" فقابَلَ الطمعَ بالورع، "وقد وصفَ اللهُ الفريقين ونعَتَ الطريقين بأنَّ العزَّة للهِ ولرسولِه وللمؤمنين، فلو كان لهم في غيره طمعٌ، أو إلى غيرِه مطمَحُ نظر… لتخلَّفَ بهم عن هذا المقام، ولقام الكرامُ مقامَ اللِّئام". لو كان لهم في غيره طمعٌ، أو إلى غيرِه مطمَحُ نظر، ولكنَّ الله أعزَّهم بصدقهم وزهادتهم فيما سوى الله وقناعتهم، "حيث قال في الفريق الآخَر: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ)[المجادلة:20]، والفرقة الأقلِّين يوم القيامة".
وسمعتَ ما هو أصرحُ من ذلك في الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ)[الأعراف:152]. "ولكل أُمَّةٍ عجلٌ، وعجلُ أمتي الدينارُ والدرهم"، "لكل أمةٍ عجلٌ وعجل أمتي الدينار والدرهم"، عجلٌ يعبدونه، يعجبهم خواره..
ويقول: الطَّامعُ في المخلوقين "والطَّامِعُ" في غير الله "أبدًا في عَناءٍ وقلَّةِ غَناء"، لأنَّ منشأَ طمعه شكٌ في الله ويأسٌ من رَوْحِ الله، وبالطمع ما يشبع، لأنَّ عنده وصفُ الطمع ولو حصَّل ما حصَّل، ما يقنع ولا يشبع، فالطمع هذا.. جوعٌ دائمٌ دائم ما يشبع صاحبه، "لو كان لابن آدمَ وادٍ من ذهبٍ لابتغى إليه ثانيًا ولو كان له واديان لابتغى ثالثاً، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب". "والطامعُ لا يَشبعُ، والحريصُ لا يقنعُ كيفما تقلَّبتْ به الأحوال".الله، لا إله إلا الله.
"والطَّمعُ على ضَربين"، أي قسمين:
- "طمعٌ ظاهرٌ جليٌّ يعرفُه كلُّ أحد"
"كالطَّمعِ في الأغراض الفانية"، والطمعِ في المخلوقين وما في أيديهم، "فلا يَخفى قبحُه، والإعراضُ عنه محمودٌ لكلِّ" مؤمنٍ من أي مرتبةٍ من مراتب الإيمان، أن يُعرِض عن الطمع في الأغراض الفانية وما في أيدي الناس، "والتنزُّهُ عنه مطلوبٌ عند كلِّ أحد"، من المؤمنين في أي درجةٍ كان، "حتّى عند مَن يَتعاطاهُ من الجُهَّال والغُواةِ الضُّلَّال"، يرون أن التنزُّهَ عنه أشرف، ولكنهم ينقطعون عن ذلك الشرف بما يغلبُهم من الطمع، وإلا.. هو مطلوب لهم لو اغتنوا..
هذا الطمعُ الظاهر الجليُّ؛ الطمع في الرئاسات، في الظهور بين الناس، في الاشتهار، في السمعة، في ذكر الإسم، في انتشار الصيت، الطمع في سلطة، في حكم، في إدارة.. هذه الأطماع في الفانيات قال: "قُبحُها جليٌّ"، ومع قبحِها الجلي أكثرُ الناس وراءَها، ويطمعون فيها، ويحبونها، ولهذا قال الحق: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[يونس:7-8]، (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود:15-16].
بعد ذلك:
- "طمعٌ باطنٌ خفيٌّ" يتنزه عنه الخواصّ، "طمعٌ باطنٌ خفيٌّ لا يعرفُه أكثرُ الخلق".
"كالطمع في" مجرد "المُستَلَذِّ الأُخروي"، وفي وجود الراحة في الطاعة، وجود هُبوب النَّسَمات في الأسحار، وما إلى ذلك، قال: ما يتركُ الطمعَ فيه إلا أحد شخصين، أحد رجلين: واحد عليّ، وواحدٌ دنيٌّ.
- الساقطين الهابطين ما عندهم طمعٌ في لذائذ الطاعة، ولذةِ المناجاة وفي كثرة الثواب في الدار الآخرة؛ لاغترارهم في الدنيا ورغبتِهم فيها، وعنده ريال أحسن من عشر ركعات وعشرين ركعة، أحسن من ألف تسبيحة، ما له طمعٌ في الثواب، فهذا ساقطٌ هابط ما يطمع.
- واحد ثاني عَلِيٌّ شريف، طمَعُه في الله أنساه الطمعَ في الثواب وفي الأجر وفي الجنة وملاذَّها، وفي الحور العين وفي القصور والأنهار، ما عاد صار يطمع فيها، يطمعُ في الله تعالى، وكلها تجيء له. لا إله إلا الله.. فهذا عَلِيّ شريف.
قال: "إلا محجوبٌ دنيويٌ، أو مقرَّبٌ بمَقام الشُّهود حُظِيَ، فلا يَطمعُ في شيءٍ دون سيِّدِِه".
قال الإمام أبو بكر العطاس عليه رحمة الله: رأيتُ الجنةَ بحورها وقصورها جيء بها إلى تحت بيت ومنزل الحبيب حسن بن صالح البحر، فرأيتُه أشرفَ ينادي ويصيح يقول: ما مرادي الحور ولا القصور، بل مرادي كشفُ الستور. شفت هذا ما عاد عنده طمع إلا في الله جل جلاله. ما مرادي الحور ولا القصور، بل مرادي كشفُ الستور... لذلك يصف الشاعر أذواق أهل هذا الطمع الأعلى، وما يقومون به في الليل، وما يطيبُ لهم من القيام والخلوة بالمعبود ومخاطبتِه ومناجاتِه جل جلاله ويقول:
وما مقصودُهم جناتُ عدنٍ *** ولا الحورُ الحسانُ ولا الخياما
سوى نظرِ الكريمِ فذا مُناهُم *** وهذا مقصد القوم الكراما
فيا طوبى لهم قوم كرام. الله أكبر!
يقول: "فلا يطمعُ في شيءٍ دون سيِّدِِه والقربِ منه والشهودِ له، ولا يتركُ الطمعَ في الفضل الأُخرويِّ احتقارًا"، أبدًا! بل احتقارُ الفضل الأخروي.. معصيةٌ وذنبٌ وبُعدٌ عن الله، حاشاهم من ذلك، ما احتقروه، رأوا أنه شريفٌ لكن طمعوا في الأشرف، ورأوا أنه عظيم لكن أرادوا الأعظم، ورأوا أنه كبيرٌ ولكن طلبوا الأكبر، وهم حاشا أن أحد من أنبياء الله وأولياء الله يحتقر ثوابًا في الآخرة، ولا حالاً حسناً للروح بالطاعة في الدنيا، حاشاهم أن يحتقروا ذلك، لكنَّ مطلوبَهم ومقصودَهم أعلى وأجلُّ وأشرف ، وإنما يحتقرون مطامع ومطامح الدنيا.
"ولكنْ لِما ظهرَ له وبادرَ قلبَه من الامتلاءِ بشُهودِ المَولى، وبدا له من الجمال الذي حَسُنَ به كلُّ مُستحسَنٍ ما أخذَهُ عن الأكوان".
هذا جمالُ الحق قد تجلّى *** ولم يكنْ محجوبًا قبلُ كلا
لكن قلبَ العبد حين يُجلى*** شاهدْ وكانت منه السواتر
طورُ التجلي قلبُ كلِّ عارف *** ومهبطُ الأسرار واللطائفْ
والنفسُ موسى تشهدُ المعارف *** مهما تجلت واثْبِت الظواهر
فالروح مغناطيسُ كون الأجسام *** والنفس مغناطيسُ أمر الالهام
وذاك من بعد التوجه التام*** بكل باطنٍ وبكل ظاهر
الله أكبر هذه الحقيقة *** قد أشرقت من مشرق الطريقة
فامسكْ أخي بالعروة الوثيقة *** وهي اتباعُك سيدَ العشائر
محمدُ المبعوثُ بالهداية *** والحقِّ والتحقيق والولاية
إنسان عينِ الكشف والعناية *** وروحُ معنى جملة المظاهر
صلى الله عليه وسلم.
يقول: "وبَدا له من الجمال الذي حَسُنَ به كلُّ مُستحسَنٍ ما أخذَه عن الأكوان، وشغَلَه عن التلذُّذِ بالجِنان، وما فيها من الحُور الحِسان، وبانَ له من العِرفان ما استغرقَ الأركان، واستملَكَ الجَنان والعينَ واللسانَ"، فهو للرحمن، مع الرحمن، بالرحمن، في الرحمن، في كل شأن! طوبى لهم..
قال:
- "فالخاصَّةُ يوصَفون بتركِ الطَّمَع في الأغراضِ الفانيةِ الدُّنيوية دون الفضائلِ والدرجاَّتِ الأُخروية"، هذا خاصّة المؤمنين.
- "وخاصَّةُ الخاصَّةِ يوصَفون بترك الطمَع فيما سِوى سيِّدِهم ومُنتَهى مَطلبِهم، وغايةُ آمالِهم شهودُ الواحدِ الحقِّ ورضوانُه عنهم"، وقال الله: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72]. "لا يلتفتون إلى غرضٍ فانٍ، ولا يُعرِّجون على حظٍّ كائنًا ما كان ذلك الحظّ؛ دنيوي أو أخروي".
فمَكنَّهُم، وجعلَهم سببَ دخولِ الناس الجنة وسببَ نيل المراتب، لأنهم زهدوا فيما سواه سبحانه وتعالى فأعطاهم المُلكَ الأكبر. لا إله إلا الله.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"ويقابلُ الطَّمعَ الورعُ، والورعُ أيضاً على درجاتٍ شتّى؛ فورَعُ العامَّة، وورعُ الخاصّة، وورعُ خاصّة الخاصّة، وورعٌ ظاهرٌ وورَعٌ باطنٌ، وورَعٌ فرضٌ وورَعٌ فضلٌ؛ وهو يتفاوتُ بحسَب تفاوت الأحوال. والورعُ في الأفعال والأقوال والأحوال.
وورعُ الفرضِ في الحرام الصِّرف في الأفعال والأقوال، وهو ورعُ العامّة، وهو في الظاهر لا بالباطن. وورعٌ في دقائق الأعمال وخفيَّات الأفعال، تظهرُ لأهلها بشواهد السُّنة، والتطلُّعِ على خفيات الآثار، والفحصِ عن أحوال الأخيار، وورعُ خاصّة الخاصّة؛ وهو في الأحوال بمراعاة التعظيم والإجلال، وورعُ خاصّة خاصّة الخاصّة بالفناء والاضمحلال.
وورعُ العامّة عن الحرام، وورعُ الخاصّة عن الشبهات، وورعُ خاصّة الخاصّة عن الفضول من الحلال، وما زال بهم الورعُ يترقّى في مدارج الأحوال حتى وقفَ بهم وأشرف بهم على السرِّ المصون، والعلمِ المخزون، تحت حِيطةِ (كُن فَيَكُونُ).
فيكونُ ما أرادوا من غير تكلُّفٍ وتحرٍّ في إقدامٍ على شيء أو إحجام، فيأخذون بالله، ويتركون لا بأنفسهم، فوقعوا على حقيقة الأمر، ونزلوا على بصيرة، تتراءى لهم في كل شيءٍ علامةٌ تدلُّهم على أخذه أو تركه؛ لأنَّ اللهَ وليُّهم، (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[المائدة:56].
لا يَهجمون بالظنون، ولا يُحجِمون كما يكون لأصحاب الظواهر الذين لم تَستَنِرْ منهم القلوب، ولم تَصْفُ الضمائر، بل واقفون مع ما يتوهمون، ومتَّبعون ما يظنُّون. (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ)[النجم:23]،ۖ وقصروا عن الهدى الذي جاءهم من ربهم، (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ)[النجم:23] ومن الدلالات القرآنية والمعجزات النبوية، فوقفوا عند رَسْمِهم المحصور وحدِّهم المقصور، ولم يحظَوا بالشاهد القلبي الذي أرشدَهم إليه رسولُ الله ﷺ؛ حيث قال: "استفتِ قلبك وإن أفتَوك". فالفتوى القلبيةُ هي الهدى الذي جاءهم من ربهم.-هذا في حال من يتحرّى الورع-.
وأما المنهمكون الذين لم يُبالوا من أيِّ شَيءٍ أخذوا، ولا بأيِّ شيءٍ فَعَلوا… فلا يتوجَّهُ إليهم هذا الخطاب، ولم يَعْنِهم في هذا الجواب، بل نقولُ كما قال ربُّنا فيهم: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۚ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ) [النجم:29-30].
وأحوالُ السلَفِ في الورع مشهورةٌ، وهي أكثرُ من أن تُحصَر، وأظهرُ من أنْ تُشهَر، ويكفيك في ترك الحرام زاجرًا قولُه سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ) [النساء:10]، وأموالُ غيرِهم كأموالِهم، وكالأكلِ غيرُه من الشرب واللبس والمسكَن، وغيرُه من وجوه الانتفاعات، وقوله ﷺ: "من لم يُبالِ من أين أكلَ لم يُبالِ اللهُ في أيِّ وادٍ من أودية النَّار هلَك" أو كما قال.
والذي يَتعبَّدُ من غير ورعٍ كالذي يَبني على السِّرجين، وقالوا: إنَّ الغِذاءَ بِذرٌ، والأعمالُ نتيجةٌ؛ فمن أكلَ الحلال الصِّرفْ…خرَجتْ منه الأعمالُ الخالصة الصِّرفْ، ومن أكل الشُّبُهات…خرجت منه الأعمالُ المَشبوهة، ومن أكل الحرام…نتجت منه الأعمالُ المحرّمة، ولو أخذنا في تبيين أحوال الناس في ذلك…لطال، ويَحتاجُ إلى إفراد كتاب.
وأما تنويرُ القلب… ففي أدقِّ من ذلك من دقائقِ اللَّحَظات، ولطائفِ الخطَرات، فأثرُ ذلك يظهرُ في القلوب تنويراً وظُلمةً، وثِقَلاً وخفَّةً.
فورعُ الخاصَّة في تتبُّع ذلك، والبحثُ عما هنالك، ويظهرُ ورعُ خاصَّة الخاصّة في أدقِّ من ذلك؛ من تضييعِ حقوق الله في الأنفاس ودقائقِ الأوقات، أو عدمِ الصِّدق في ذلك، وأدقُّ من ذلك: الالتفاتُ إلى ما مِنْك، أو رؤيةُ وجودٍ لسوى الواحد المعبود.
قال: وكلُّ رتبةٍ أدنى من ذلك تعمُّ سائرَ المراتب زيادةً ونَقصًا؛ فأمّا في العامَّة…فما ذكرَنا من نتيجة الأعمال الخالصة بأكل الطَّيِّب، وضدُّها بضدِّها، وتؤثِّر في أصحابِ الأحوال ثِقَلاً وقلَّةَ انشراح، أو ضدَّها من خفةٍ وانشراحٍ إن كان في الضد، وأمّا في أهل المقامات والمعارف… فكثرةُ الخواطر من غير جدوى، واختلاطُ المعارف واشتباهِها، وضدُّها بضدِّه، -أي: بالطيِّب-: ضبطُ الخواطر، وحفظُ الوقت وتمييزُ المعارف.
فانظر اتِّصالَ هذا الدين، وعملَ ما يعملُ في الأصاغر والأكابر، لكن بحسب الحال، ففرقٌ بين مَن يكونُ في الحِرمان، وبين من تشتبهُ عليه صنوفُ الأعيان، ولي في ذلك:
إنّ الطمعَ حرفةُ التجويف يَعرفُه *** مَن يقتريه ويَدري ماهو الخبرُ
فاجعلْ بدَلْ ذلك واواً ورا تصرفُه *** عينٌ بها قام نورُ الله في الصورِ
فمبنى الطمع: الوهمُ، وغايتُه: الذلُّ والعبودية لمن يستحقها؛ لذلك قال المؤلف:
الحكمة (61): "ما قادَك شيءٌ مثل الوَهْم."
يقول: "ويقابل الطمعَ الورعُ". تحدثنا عن الطمع وكيف يكون، وفي أي شيءٍ يكون، وما الذي هو عند عامة المؤمنين، وعند خاصَّتهم، وخاصةُ الخاصة يتنزهون عن أي أنواع الأطماع، فكذلك الورع.
"الورَعُ على درجاتٍ شتّى:
- فورعُ العامّة
- وورعُ الخاصَّة
- وورعُ خاصّة الخاصَّة
- وورعٌ ظاهرٌ
- وورعٌ باطنٌ،
- وورعٌ فرضٌ" وهو: تركُ الحرام، الورع في الحرام فرضٌ، والورع عن فضول الحلال فضلٌ،
- وورعٌ فضلٌ؛
وهو يتفاوتُ بحسَب تفاوت الأحوال"، ويكون:
- الورع في الأفعال
- والورع في الأقوال
- والورع في الأحوال أيضًا.
فالورع الفرضُ الذي فرضه الله على جميع مَن آمن به: الورعُ "في الحرام الصِّرفِ الخالص في الأفعال والأقوال"، الورعُ عن السرقة، الورع عن ضرب الغير، الورع عن الغيبة، الورع عن الكذب، هذا فرضٌ فرض، فرضٌ واجبٌ فرضه الله على جميع المؤمنين، هذا فرض، الورع عن أكل الحرام، هذا فرض واجب على جميع المسلمين، الورع عن نظر الحرام، الورع عن المشي لقطيعة الرحم، عن المشي للإضرار بالناس، عن المشي لفعل المعصية، هذا ورع واجب فرضٌ على كل مسلم، هذا ورع الفرض.
"وورعٌ في دقائقِ الأعمال وخفيَّاتِ الأفعال". قال: الورع الأول "فرضٌ، وهوورعُ العامّة وهوبالظَّاهرِ لا بالباطن."
"وورعٌ في دقائق الأعمال وخفيَّات الأفعال تظهرُ لأهلِها بشواهدِ السُّنة، والتطلُّع على خفيَّات الآثار والفحصِ عن أحوال الأخيار، وورعٌ في دقائق الأعمال وخفيَّات الأفعال".
"ورعُ خاصَّة الخاصَّة في الأحوال"، ففي أحوالهم الشَّريفة الكريمة يتورَّعون عن كلِّ أدنى إلى ما هو أعلى، يتورعون في الأحوال كما يتورّع العامة في الأموال والأقوال والأفعال.
والخاصّة يتورّعون في دقائق الأقوال، يتورعُ أحدُهم عن أن يقول لفلان: "الله يهديه" في معرض التشهير به أو لفت النظر إلى تقصيره! يتورع، شف كيف عن دقائق الأقوال!
وذاك العامي يتورع عن أن يقول: فعله وتركه، ما يقول فعله وتركه، أما "الله يهديه" نعم يقول، فلان خلنا بس منه، الله يهديه.. الله يهديه.
لكن الخاصة يقول: أيش معنى الكلام حقك هذا؟ معناه ما هو جيّد، ما هو سوي، ما هو صالح، إنسان مُخبِّط! هذا معنى قولك يقول: خلنا منه، الله يهديه، فهم يتورعون عن هذه الكلمة! "دقائق"..
لذا استغفرَ بعض الأكابر، سيدُنا الجُنيد بن محمد، من أنه قال مرة: "الحمدُ لله" والحمد لله تملأ الميزان، لكن قالَها في غير مَوضعِها فجلس يستغفرُ لها سنوات! كيف؟! يتورّعون عن دقائق الأقوال! قالوا: إن النارَ شبَّت في السوق، كلما وصلت عند دكانك انطفأت، فاحترقت الدكاكين حواليك وبقي دكانك، قال: "الحمد لله" بعدين قال: قلتُها والمسلمون احترقت دكاكينُهم كأني فرحان لإخواني المسلمين باحتراق دكاكينهم وسلامة دكاني أنا! فما قلتُها إلا أنانيةً، ليست شكراً على الوجه المَرضي للرب! فلهذا قال: بقي يستغفرُ من الكلمة هذه سنوات، لأنه نطق بها في غير محلها، قال: كأنني فرحتُ لإخواني المسلمين باحتراق دكاكينهم، شوفوا كيف؟!…
بعد ذلك في الأحوال، ورعُ في الأحوال، ورع في دقائق الأقوال والأفعال؛ أحوال المحبة والتوكل، والصبر والشكر في الأحوال، يتورعون عن ما هو أقلّ إلى ما هو أجلّ.
وهكذا بعد هذا كله، يجيء "ورعُ خاصّة خاصّة الخاصّة"؛ يتورعون أن يَشهدوا لأنفسهم معه وجود فضلاً عن عملٍ أو وصف، يخافون ويتورعون عن أن يشهدوا لأنفسهم شيء معه جل جلاله، فما هم إلا له وبه وفيه ومعه، ليسوا مع أنفسهم بحال، ولا يشهدون لأنفسهم وجود، فضلاً عن وصفٍ، فضلاً عن عملٍ، سمعت؟..
والآن في أيش من درجة أنت من درجات الورع؟ وفي أي بقعةٍ من بقاع الطمع؟ ولا يحسنُ الطمع إلا في ربك وقربه.
قال: "ورع خاصَّة الخاصَّة؛ وهو في الأحوال بمراعاةِ التَّعظيم والإجلال"، ويتورعون عن كل ما يَقصُر بهم عن كمال التعظيم لربِّهم في كل الأحوال.
"وورع خاصَّة خاصّة الخاصَّة: بالاضمحلالِ والفناء" حتى لا تبقى منهم ذرّةٌ.
يا ليتَني قد غبتُ عن هذا الورى *** ودُعيتُ بالمستغرَق المبهوت
حسبي إلهي والذي يختارُه *** الله أكبر غار بحرُ الحوتِ
"ورعُ العامة عن الحرام، وورعُ الخاصَّة عن الشُّبهات، وورعُ خاصّة الخاصّة عن الفضول من الحلال، وما زال بهم الورعُ يترقى في مدارج الأحوال حتى وقفَ بهم وأشرفَ بهم على السرِّ المَصون والعلم المخزونِ تحتَ حَيطةِ (كُن فَيَكُونُ)".
فكانوا مع المُكوِّن، كانوا مع المكوِّن في كلّ حالٍ وشأنٍ من الشؤون، لا مع الأكوان، وعندئذٍ في هذا الحال، هم في صفاءهم ما يريدون شيء بأنفسهم، ولا لأنفسهم، ولا لأهوائهم، فيضمحلُّ مرادُهم في مراد الله، وحينئذٍ يكونوا في هذا المقام.. "يكونُ ما أرادوا من غير تكلُّف وتحرٍّ في إقدامٍ على شيء أو إحجامٍ، فيأخذون بالله ويتركون لا بأنفسهم"، يأخذون ويتركون بالله، لا بأنفسهم.
"وقعوا على حقيقةِ الأمر ونزلوا على بصيرةٍ تتراءى لهم في كلِّ شيءٍ علامةٌ تدلُّهم على أخذِه أو تركِه، لأنّ الله قد تولَّاهم، وهو "وليُّهم". والله وليُّ المؤمنين، والله يتولى الصالحين. "(وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:56] لا يَهجمون بالظنون، ولا يحجمون" بالظنون "كما يكونُ لأصحاب الظواهر الذين لم تَسْتنرْ منهم القلوب، ولم تَصْفُ الضمائِر، بل واقفون مع ما يتوهَّمون ومتَّبِعون ما يظنّون، (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116]، (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ)[النجم:23]. قصروا عن الهدى الذي جاءهم من ربهم، (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) ومن الدِّلالاتِ القرآنية والمعجزاتِ النبوية، فوقفوا عند رَسْمهم المحصور وحَدِّهم المقصور". هؤلاء من؟
هؤلاء أهلُ الحجاب، أصحابُ الظواهر الذين لم تستنرْ قلوبهم "ولم يحظَوا بالشَّاهدِ القلبيِّ الذي أرشدَهم إليه رسولُ الله ﷺ: "استفتِ قلبَك وإن أفتَوك" فالفتوى القلبيةُ هي الهدى الذي جاءهم من ربهم" (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ)"، لكن مالوا عنه لقوّةِ الرغبة والطمع في غير الله تعالى، ما أحبوا أن يتأنّوا وأن يُحجموا إلى أن يرَوا شاهدَ الفتوى القلبية، أمر يرغبون فيه يحبونه، ما يحب حد يتكلم عليه ولا شيء! عاد هو بيفكر فيه؟ يقدم وبس، لا حول ولا وقوّة إلا بالله! ما بغى حد يكلمه عنه، عاده هو بيفكر فيه؟!.. ما ينتظر عاد يستفتي قلبه، أمر مرغوب محبوب، يلهفه يريده وخلاص… لا حول ولا وقوّة إلا بالله! جاءهم من ربهم الهدى، فرفضوه وراحوا وراء الشهوات والأهواء! "فالفتوى القلبيةُ هي الهدى الذي جاءهم من ربهم، هذا في حال من يَتحرّى الورع."
"أما المُنهمِكون الذين لم يُبالوا من أي شيءٍ أخذوا ولا بأيِّ شيءٍ فعلوا… فلا يتوجَّه لهم هذا الخطاب"، يعني خطاب: "استفتِ قلبك"، "ولم يَعْنِهم في هذا الجواب، بل نقول كما قال ربُّنا فيهم: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ۚذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ) [النجم:29-30]". ما له قلب يفتي أبدًا!.. قلبه مسكين مغمور مغطى بظلمات طمع النفس، ما عاد له قلب، قلب لا يفقه به، ما عاد عنده قلب تقول له "استفتِ قلبك"! وين قلبه هو؟ قلبه كلُّه مكدر مغمور بظلمات الطمع، ماعنده قلب مسكين! قال: ما هو معنيٌ بهذا الخطاب، "(فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا)".
"وأحوالُ السلَفِ في الورع مشهورةٌ، وهي أكثرُ من أن تُحصى، وأظهرُ من أن تُشهر". وقال لك: في الزجرُ عن الحرام "يكفيكَ قولُ ذي الجلال والإكرام: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) [المائدة:10]، "وأموالُ غيرهم كأموالِهم، وكالأكلِ غيرُه من الشرب واللبس والمسكن، وغيرُه من وجوه الانتفاعات". سمعت؟..
تعجبت ابنةُ سيدنا الإمام أحمد بن حنبل، وقد راقبت الشافعي عندما بات ليلةً عند أبيها، وترى أباها يثني على الشافعي، يعظّم الشافعي، يحب الشافعي، يدعو للشافعي، فراقبته، فرأت أنه كان مضطجع في ساعات من الليل طويلة، على غير العادة المعلومة للعلماء، وأنه لم يتوجّه إلى جهة القبلة، وأنه لما قام يتهجد آخر الليل ما توضأ، قام بس يصلي! قالت: يا أبي هذا الإمام الذي تذكره وتثني عليه الثناء؟! قالت: لاحظتُ عليه البارحة، ما توجه إلى جهة القبلة، وكان مضطجع في كثيرٍ من الساعات، وقام يصلي ما توضأ! قال: هيا تعالي عند الباب أنا أسأله واسمعي، فسأله: كيف كانت ليلتكم البارحة؟ قال: ليلةٌ مباركة في بيتكم يا أحمد، أخذتُ إلى الفراش فاضطجعتُ فتفكرتُ في حديثٍ نبوي: "يا أبا عُمير ما فعل النُّغير" فاستنبطتُ منه مائة مسألة، أحكام الشريعة تخدم الأمة.
قال له: ما بتّم إلى جهة القبلة؟
قال: أردتُ أن أستقبلَ القبلة فوجدتُ أمام قدمي إذا استقبلتُ القبلة مصحفكم، المصحف حقك هنا في مكان مرفوع، فما حبّيت أوجه رجلي إلى جهة المصحف.
قال له: فهلّا أبعدتَه؟ قال: ما استأذنتُك في ذلك، رحتَ من عندي، لو أنت موجود بستأذنك بقول لك، ولكن لاحظته بعد ما رحت، وهو حقك وأنا ما لي حق!
أيش الورع ذا! وأيش الكلام… تورعَ أن يوجه رجلَه إلى جهة المصحف، وتورع أن يبعدَ المصحف من أجل أنه ملكُ غيره، وما استأذن من صاحب الدار، وما استأذن من الإمام أحمد!..
قال: وما استعملتم الماء؟ قال: ما احتجتُ إليه، فلم أنم، متوضئ طول الليل على وضوئه نفسه.
قال: اسمعي يا بنية، بتِّ وأبوكِ في خدمةِ أنفسكما، وبات الشافعيُ يخدمُ الأمة، واستخرجَ مائةَ مسألةٍ من الحديث!
فهكذا، وهذا ورعه ما رضي ينقل المصحف من مكان إلى مكان لأنه لم يستأذن مالك المصحف، صاحب البيت. شفت الدقائق في الورع عند الكبار؟ رضي الله عنهم.
ولذلك وقع الشافعي، ونفع الله به، وإلا كيف بيكون؟ وكان للإمام أحمد كتاب خاص في الورع، ألّفه عليه رضوان الله، وكان من خواص الورعين، وتورع أن يُوَرِّيَ عن خلق القرآن، واستلم ضرب شيء عشرين شهر يضربونه مسكين، سنتين وشيء، وهم يضربونه حتى يُغمى عليه، ويرفسونه بأرجلهم ولا يرضى، قال: القرآن كلام الله لا أزيد على ذلك ولا أنقص.
لا إله إلا الله.
"قال ﷺ: "من لم يُبالِ من أين أكلَ… لم يُبالِ اللهُ به في أي وادٍ من أودية النار هلَك"، قال إن الحديث عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان عن ابن عمرو، ويُروى: "من لم يُبالِ من أيِّ بابٍ دخل عليه رزقُه، لم يبالِ الله به في أي وادٍ من أودية جهنم أهلكَه".
يقول: "الذي يتعبّدُ من غير ورعٍ"، يصلح عبادات، وهو يلهف أي شيء: "كالذي يَبني على السِّرجين"، يسقط البناء أم يستقر؟ الأساس حقه قمامة -سرجين- يحط فوقها! بغى لك أساس حجر قوي، جاء بالسرجين؛ وسخ وقمامة وقام يبني فوقه، تهتز وتسقط، ما يثبت البناء!
وطاعةٌ ممن حرامًا يأكل*** مثل البناء فوق موجٍ يُجعل
كل ساعة يجيب حجر، أيش معك؟ قال بنبني بيت، أين؟ قال في البحر! والبحر يحمل كل الحجر الذي يجيء به ويروح به إلى أعماق البحر وما عاد ينفعه ولا يطلع بيت! كذلك العبادة مع أكل الحرام مثل البناء فوق البحر.
مثل البناء فوق موجٍ يُجعل
قال: "إن الغذاء بذرٌ، والأعمال نتيجة؛ من أكلَ الحلالَ الصرف" الخالص "خرجت منه الأعمالُ الخالصةُ الصِّرف، ومن أكل الشبُهات… خرجت منه الأعمالُ المشبوهة، من أكلَ الحرامَ… نتجت منه الأعمالُ المحرَّمة"، من أكل الحلال أطاعتْ جوارحُه شاء أم أبى، ومن أكل الحرام عصَت جوارحُه شاء أم أبى.
قال: "ولو أخذنا في تبيين أحوال الناس في ذلك…لطال، ويَحتاجُ إلى إفراد كتاب"، لكن نبهتونا عسى نتنبّه يا ناصحين، وجزاكم الله عنا خير.
"وأما تنويرُ القلب"، يتنور القلب "بأدقِّ من ذلك من دقائق اللَّحظات ولطائف الخطَرات"؛ يتنور أو يظلم، "فأثرُ ذلك يظهرُ في القلوب تنويرًا وظلمةً وثقلاً وخفةً. فورعُ الخاصة في تتبُّعِ ذلك"، ويحرصون على استنارة القلب دائمًا واستزادته، "ويظهرُ ورعُ خاصّة الخاصّة في أدقِّ من ذلك، من تضييعِ حقوق الله في الأنفاس ودقائق الأوقات، أو عدم الصدق في ذلك، وأدقُّ من ذلك: الالتفاتُ إلى ما منك" هذا ما يتورّع عنه خاصة خاصة الخاصة، أن يلتفتوا إلى ما منهم فغطّى شهودُهم ما منه على ما منهم، فلم يَشهدوا لهم وجوداً، فضلاً عن أن يكون منهم أو لهم أو بهم شيءٌ، بل له وبه ومنه؛ فهم فيه.
"وأدقُّ من ذلك: الالتفاتُ إلى ما منك أو رؤيةُ وجودٍ لسوى الواحد المعبود"، فيتورع عن هذا خاصّةُ خاصّة الخاصة.
قالوا: "وكلُّ رتبةٍ أدنى من ذلك تعمُّ سائرَ المراتب زيادةً ونقصًا، أما في العامّة… فما ذكَرنا من نتيجة الأعمالِ الخالصة بأكلِ الطيِّبِ وضدُّها بضدِّها".
- إذا أكلوا الطيب نتجت الأعمالُ الخالصة.
- إذا أكلوا المشبوه نتجت أعمالٌ مشبوهة.
- إذا أكلوا الحرام نتجت أعمالُ الحرام.
هذا في العامة.
"وتؤثِّرُ في أصحاب الأحوال" أيضًا؛ في أصحاب دقائق الأعمال من الخاصّة:
- "ثقلاً وقلةَ انشراح".
- وما تنبَّهوا له، وانتبهوا.. يكون عندهم خفةً وانشراح.
وكذلك "أهل المقامات والمعارف…
- فكثرةُ الخواطر من غير جدوى، واختلاطُ المعارف"، هذا مصيبة.
- ولكن إذا ضَبطوا وتورّعوا… ضُبِطت الخواطر وحُفِظ الوقت وتميزت المعارف.
فكلُّ شيءٍ مؤثر، كل فعلٍ مؤثر، كل قولٍ مؤثر، كل دقيقةٍ تنبّهت لها مؤثرة على باطنك، على تنويرك، على وعيك وفهمك، على إدراكك، على استبانة الأمر لك.
وهكذا، يقول: "فانظرْ اتصالَ هذا الدين بعضَه ببعض".
وهناك ظلمةٌ لفعل الحرام شديدة، و أشدُّ منها ظلمة الكفر، بعدين ظلمةٌ لفعل الحرام، بعدين ظلمةٌ لفعل الشبهة، بعدين ظلمةٌ لفعل المكروه، بعدين ظلمةٌ لفعل خلاف الأولى، لكن أقل ظلمة للقلب، كل واحدٍ له أثر.
وكذلك نورـ المندوبات والمسنونات، نور الفرائض، ونور المتابعة للحبيب؛ هذا نور النور، أقوى شيءٍ ينور أعمالك… احتكامُ المتابعة، (فَاتَّبِعُونِي) حتى تصل إلى القمة بسرعة: (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31].
اللهم ارزقنا حسن متابعته.
قال: ويعمل "في الأصاغر والأكابر لكن بحسب الحال"، ففرق بين هذا وذاك كبير.
الله ينزّهنا عن الطمع فيما سواه، ويطيّب لنا الأوقات كما طيّبها للمحبّين، ويجعلنا عنده وعند رسوله في المحبوبين، ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا في كل شأن وحال وحين، ويرزقنا حسن الورع، ويرزقنا الاتباع للحبيب المشفع، وإن الله ينزه قلوبنا عن الطمع فيما سواه، والتعلّق بمن عداه، اللهم نزِّه قلوبنا عن التعلق بمن دونك، واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك، وبنية صلاح القلوب والقوالب، في الظاهر والباطن، وتوفير حظنا من هذه الليالي، وجود الله فيها وكرمه على أهليها، ويجعله من أبرك الأعياد علينا وعلى أهل الإسلام في الخافي وفي الباد، ويعيد عوائده بفرج عاجل ولطف شامل، وصلاح لكل ظاهر وباطن..
وإلى حضرة النبي
محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
تاريخ النشر الهجري
18 ذو الحِجّة 1441
تاريخ النشر الميلادي
08 أغسطس 2020
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(636)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(31)
(4)
(10)
(6)
(480)