الحِكَم العطائية -4 | أرِح نفسك من همّ التدبير، فما قام به عنكَ غيرك، لا تقُم به أنت لنفسك

الدرس (4): من قوله: (أرِح نفسك من همّ التدبير..)
للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.

عصر الجمعة 9 ذي القعدة 1440هـ.

الحكمة (4): أرح نفسك من همّ التدبير، فما قام به عنك غيرك، لا تقم به أنت لنفسك.

الحكمة (5): اجتهادك فيما ضَمِن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليلٌ على انطماس البصيرة منك.

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم ومعاني الحكم" للإمام أبي محمد علي بن عبد الله بن أحمد باراس رحمه الله ونفعنا بعلومه في الدارين، إلى أن قال: 

الحكمة (4): "أرح نفسك من همّ التدبير، فما قام به عنك غيرك، لا تقم به أنت لنفسك"

"راحة النفس في الكفّ عن ما ليس من شأنها، والتدبير من نعت الربوبية قال الله جل ذكره (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ)[الرعد:2]، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ)[السجدة:5]، فالتدبير فيما كُفيت والتعرض لما عنه نُهيت أشد تعباً وأعنى نصباً، فما لك أيها المسكين، والتدبير في أمورك وقد كفاكها عنك غيرك، ومع كونك تتعب وتنصب فلا يغني عنك تدبيرك، ولم ينفى التقدير، فكن بتدبير الله لك لا بتدبيرك لنفسك، فالتدبير والاختيار لمن له الإرادة والاقتدار، وذلك الله الحكيم القهار، فشأن العبد ألا يزاحم مولاه فيما انفرد به، وكل تدبير ندبك شرع إليه فليس يدخله تحت مطلق الذنب على التدبير، فكل تدبيرات الشرع لا منك ولا إليك فاسمع وأطع، وأنما التدبير المذموم أن تدبر في المقسوم، أو تتهم في المعلوم، فما قُدر فلا بد أن يكون وما لا فلا، فماذا يغني تدبيرك، وماذا يجدي اختيارك وتقديرك، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[القصص:68] مع تدبيرهم واختيارهم ولي في ذلك:

 يا من يدبر أمرا وهو ليس لهُ *** في خيرة الله تدبيرٌ لا ولا قدرُ

إن كنت لابد مختاراً فخيرة من *** بيده الأمرُ والتدبيرُ والقدرُ 

فدبر ألا تدبر في الأمورِ وكن ***  كالميتْ الفانِ لا عينٌ ولا أثرُ 

فشأنك أيها المسكين، أن يكون فكرك وتدبيرك فيما ندبك إلي سيدك من القربات ودعاك إليه من الموافقات، وتدبر ما مضى ولا تهتم بما هو آت من الأسباب الدنيويات، إن كنت ذا بصيرة ناظرة وسريرة صافية وروح حاضرة."

 

 قال: "أرح نفسك من هم التدبير"، جاء بعد قوله: فحيث علمت ألا لشيءٍ تأثير في شيء دون إرادة الله وقدرته، فعلامَ العناء؟ ليش بالتعب؟ وفيما الاعتناء؟

قَدر ودَبر الأمر كله *** والقلم به قد كتب 

فلذلك قال: "أرح نفسك من هم التدبير فما قام به عنك غيرك لا تقوم به أنت لنفسك"؛ قد كُفيته.. الله لا إله إلا الله! هل كلّفك أن تدبر دورة الأرض؟ فكيف لو كلفت نفسك.. بتصلح أيش؟.. هو يدبرها لك ويديرها، وجري الشمس من فوق.. كلفك شيء فيها؟ تدبر أنت شيء فيها؟ عجيب.. الكون كله مدبر بحكمة من قبل صاحب الحكمة البديعة، قال: لك قسمك مقسوم من عندي في الأرزاق، وأنا أسوقه لك إما بسبب ظاهر أو بغير سببٍ ظاهر، فإن كان عندك تدبير دبّر اكتساب الحلال، إذا كنت من أهل الأسباب وعلى الوجه الذي أذنت لك فيه، ولا تأسى على ما فاتك ولا تفرح بما أتاك، واعلم أنك لن تزيد في مقدار ما قسمته لك ولا ذرة، ولن تنقص عنه ولا ذرة، تمام؟ فإذا استعملت فكرك ألا تتوهم أنك في المقسوم بتزيد وتنقص، كما يتوهم المتوهمون ويعمل كثير من هؤلاء على ظهر الأرض. 

وبعض أشياء قدرها -الله سبحانه وتعالى- فيجريها على أيدي المتطاولين المعاندين ليخزيهم، وليكون ذلك زيادة في عذابهم يوم القيامة، ويقام الحجة عليهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، إمهالاً لهم واستدراجًا، أعوذ بالله من غضب الله، فيضرّون كثير من الشعوب ومن المناطق بأسباب من الأسباب الاقتصادية أو أسباب الحروب وغيرها، ويضيّقوا على الناس معايشهم، ويظنوا أنهم هم ضيقوا وهم وسعوا، لا إله إلا الله!!

 أنتم ما تستطيعون ترزقون أنفسكم فكيف تستطيعون ترزقون غيركم! ولكن إذا أجرى ذلك على أيديكم فهذا غاية في الإمهال والاستدراج، وهو كيد عليكم لا لكم. 

  • (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ)[الطارق:15-17]. 
  • (وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ) [فاطر:10].
  • (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[النمل:50-52]، اللهم ارزقنا العلم. 

يقول: إذن تدبيرك في شيء من الأقضية والأقدار تريد غير ما قدر الجبار، وهم وخيال وتعب!.. والمقسوم لك من الرزق هو يدبره لك سبحانه ويجيبه. 

إذا كنت من أهل الأسباب أقم السبب ويجعل فكرك وتدبيرك في: 

  • اجتناب الشبهات والمكروهات والمحرّمات. 
  • والرضا بالحلال الخالص والعمل عليه.

هذا فقط، ما تفكر غير هذا ولا تدبر غير هذا، تدبير يتجاوز هذا الحد؛ زاد ونقص.. وكأن الأمر بيدك تعب وعناء ومشكلة، لكن أمور ضمنها لك، أمور طلبها منك فاصرف تدبيرك وفكرك واختيارك الذي أعطاك إياه لما طلب منك، أما الذي ضمن لك فهو متكفل به -جل جلاله- ولن ينقص عليك شيء. 

ولهذا يقول: "أرح نفسك من هم التدبير"؛ تريد تدبّر مع العلي الكبير المدبر؟! اسمع ما عاد بنمثل لك بأمثلة بعيدة بنمثل لك أمثلة قريبة، الدورة الدموية حقك لو أحد بيوكلها إليك، دبرها مشها تمام، انفخ من هنا أو افعل كذا أو هات أجهزة تمشي لك  الدورة الدموية.. أيش بتصلح؟! هو يجريها لك. 

أنفاسك هذه، سهّل لك التنفس كيف لو يوقف عليك القوة التي آتاك لتصلح لك قوة تتنفس، ومن أين بتجيب قوة تتنفس؟ لو يبعد عنك الهواء شوف شيء من المصانع يخرج لك أكسجين! بيقع موت… شُف هو المدبر هذا كله، وتقوم عادك بتطاول معه في اشياء تتوهم أنك بتزيد بتنقص بتطلع بترفع… الخافض الرافع غيرك، والمقدم الموخر غيرك، والضار النافع غيرك، ما هو أنت! اعرف قدر نفسك، أنت مخلوق عدم.. اصرف همك وتدبيرك فيما شرع لك، فيما طلب منك، هذا محلك ما تتجاوز الحد. 

 لهذا يقول: "راحة النفس في الكفّ عن ما ليس من شأنها، والتدبير من نعت الربوبية"؛ الرب يدبر، يربي كل شيء، ويضع كل شيء يعطي حقه ومستحقه، "(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ) [الرعد:2]، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ)[السجدة:5]. فالتدبير فيما كُفيت والتعرض لما عنه نُهيت أشد تعباً وأعنى نصباً"، قال: فما لك "والتدبير في أمورك وقد كفاكها عنك غيرك"، فإذًا تتعب وتنصب وما يغني عنك ذلك التدبير شيء، "فكن بتدبير الله لك لا بتدبيرك لنفسك" لا إله إلا الله، (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)[التوبة:129]، (وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ)[الأنفال:40]، 

(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ)هل قال: فيا أيها المؤمنون خادعوهم؟ لا لا، الله خادعهم (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) [النساء:142]. هو من سيكفيك أنت امش في طريقك، وامتثل أمره، إذا خادعوك هو من بيخدعهم د ما هو أنت تخادعهم لا، أنت امش في ما شرع لك، هو من بيخدعهم وأيش يقدرون يعملون أمام ربهم -جل جلاله-؟… وهكذا، 

ويقول سبحانه وتعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) هل قال: فاستهزئوا بهم؟ ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) هم إذا استهزئوا بكم  قال الله خلوهم أنا بردّ عليهم، أنتم لا تنزلوا لهذه الدناءة من الأخلاق، أنا برد عليهم، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)[البقرة:14-15]. 

قال: (وَيَمْكُرُونَ) هل قال امكروا بهم؟ لا، لا، خلاص إذا أنتم أقمتم أمري وامتثلتم وقمتم بطاعتي، ومكروا.. أنا  سأريكم فيهم؛ (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال:30] لا إله إلا الله.. (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا).

 

يقولوا: "فشأن العبد ألا يزاحم مولاه فيما انفرد به"، لكن ما ندبك الشرع إليه قم بتدبيره ولا يدخل تحت الذنب؛ بل استعمال صحيح فيما خُلقت من أجله، استعمال الأدوات فيما خلقت له، هذا ما عليك فيه لوم، تمام، استعمل أدواتك فيما خلقها الله له؛ فيما ندبك إليه تمام. فـ "تدبيرات الشرع" عمل منك بأمر الله  "لا منك ولا إليك"، ولكن تنفيذ "فاسمع وأطع"،

وأنما التدبير المذموم" تريد في المقسوم تتحكم "أو تتهم في المعلوم"، نه شيء ينقص عليك وشيء يزيدك فلا يجدي اختيارك (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [القصص:68].

وجاب أبياته عليه الرضوان: 

 يا من يدبر أمرا وهو ليس لهُ *** في خيرة الله تدبيرٌ لا ولا قدرُ

إن كنت لابد مختاراً فخيرة من *** بيده الأمرُ والتدبيرُ والقدرُ 

فدبر ألا تدبر في الأمورِ وكن ***  كالميتْ الفانِ لا عينٌ ولا أثرُ  

 

فدبر أن لا تدبر في الأمور التي ليست لك، تدبيرك هذا ما هو شغلي، شغلي هنا، اشتغل بشغلك وخله هو بيدبر لك فيما ليس من شغلك، وليس من عملك.

يتعجب الحق في ناس كثير يقول: يطالبون برزق الغد قال فهل طالبتهم بعبادة الغد! قال: من منهم اليوم أطالبه بعبادة غد؟! ما لك وأنت رزق غد بيجي غد وبيجي لك رزق غد، تطالبه برزق غد وهو ما طالبك بعبادة غد، خل غد يجي واعبد، خل غد يجيء وبيعطيك الرزق. 

لكن تقول بعدين من أين؟ بيكمل هذا، من أين بيجيء ثاني، بعدين يمكن يكون كذا… هذا مش شغلك! اتق الله وسيدبر لك، مهما بدا لك من الأمر الواضح البين وإلا انظر.. الله الله مع الشدائد الحاصلة الآن في اليمن وغيره، من دبّر لهؤلاء العايشين رجال ونساء وصغار وكبار هنا وفي كثير من المناطق، ما انقطع عليهم غداء ولا عشاء، رزق من دبر لهم؟ لا إله إلا الله… يقول:  

يدبر المرء أمرًا ثم يبرمهُ *** حتما فتصرفه عنه المقاديرُ 

ليعلم المرء أن الأمر ليس لهُ *** وفوق تدبيرنا لله تدبير

 جل جلاله.

وشأنك أيها المسكين في الأقضية والأقدار، وما ليس من شغلك: التسليم والرضا والتفويض والثقة والاعتماد والسؤال؛ هذا شغلك.  

 

الحكمة (5): اجتهادك فيما ضَمِن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليلٌ على انطماس البصيرة منك.

الاجتهاد هو بذل المجهود في طلب المقصود، فليس مقصودًا غير الله أو ما يقرب إلى الله فمن بذل مجهوده لمقصود غير الله فهو ذا بصر مطموس وعقل معكوس، والمضمون هو الرزق المقسوم والنصيب المعلوم لقوله وقوله الحق: (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ)[العنكبوت:60] وقوله: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6]، وقوله: (نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ) [الإسراء:31]، إلى غير ذلك من الآيات.

وقال: في المطلوب منك (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات:56]، وقوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)[النساء:36]، وقال: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ )[العنكبوت:56] إلى غير ذلك، فتقصيرك فيما خُلقت لأجله وندبت إلى فعله وهو العبادة لله بالذل والإنكسار والمسكنة والافتقار، وكثرة الأذكار وصف الأفكار آناء الليل والنهار، فاجتهادك فيما ضمن لك واعتراضك على الأقدار، ونظرك للأغيار محجوبًا بسحب الآثار عن النافع الضار، المقدر المختار، دليل عن انطماس البصيرة منك؛ أي: غيبتها واستثارة نورها عنك. والبصيرة: هي نظر القلب بنور الله فليس للبصيرة نظر إلى غير جمال الله وجلاله وكمال قدرته وحسن أفعاله، فمن نوّر الله عين بصيرته عين بصيرته وجلا صفو سريرته ولم يؤثر على الله غيره، ولم يترك فيه لغير الله بقية ورضي بالله ربًا وحاكمًا ومدبرًا ومقدرًا فبذل وسعه في عبادته، وسلك طريق هدايته، ولم يجتهد إلا فيما يقربه لديه ولم يعول إلا عليه فضلا أن يتهمه في ضمانه أو أن يقاومه في مملكته وسلطانه، وقد أثنى الأدب في عبارتهِ وبديع إشارتهِ، فعبارته أقرب للأدب وأوفق لنيل الأرب، حيث عبر بِطُلبَ بصيغة ما لم يسمَّ فاعله إشعارًا منه بشرف الطالب، 

فبين عبارة: طُلبَ وطلبْ ما لا يخفى لما له أدنى ذوق في فن الأدب، لأن طلبه على سبيل التعبد  والملك والسلطان، لا على سبيل التلقي والاسترفاد، وطلبه لك لا لحاجتهِ إليك ولكن من عظيم منتهِ عليك وسبوغ نعمته لديك أن عرفك طريق نجاتك، وما فيه سعادتك في حياتك ومعادك، وقوله اجتهادك ليس تقبيحٍ على طلب المضمون على الإطلاق، ولكن إن اقترن به تفصيلُ فيما طلب.

يا من سعى في طلب ما كان يطلبه ***  مما تضمّنه الرزاق في القدم  

يأتيك رزقك من لا حيث تحسبُه *** إن تتق الله تعُطى من يد الكرمِ 

فبادرن بما في الوقت يطلبه *** ولا تطالب بما قد خُط بالقلمِ 

فأكمه القلب من يطلب مآربه *** ومطمس النور محبوسٌ في الظلم 

فحيث اجتهدت فيما ضمن لك، وتركت ما طلب منك، فحقيق أن ينوهَ عليك بطمس البصيرة، و الازورار عن المحجة المنيرة، فالمضمون هو ما يقوم بالأوراد، ولا يتقيد بوقت دون وقت، ولا طعام دون طعام، ولا يقدر من كثرة أو قلة وقد قدر الله الأرزاق وأوقاتها وأقدارها وأوصافها في أي وقت وحال ومكان وما هي، قبل بروز المرزوقين إلى عالم الخلق، وكذلك كل ما وعدك به من إجابة دعاء، هو أعلم بوقته و مكانه، فإياك واستبطاءه فقد وعد عباده بإجابة دعائهم، كما وعدهم بإيصال أرزاقهم.

 

يقول: "اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليلُ على انطماس البصيرة منك"، أعمى في عين قلبك ما تشوف كيف تجتهد في شيء هو ضمنه؟ وتقصر في شيء طلب منك؟! أي من حضرة الله ما قال: طَلبَ قال: لأن التعبير بالطلبة يتوهم المتواهمون أن الطالب يطلب لحصول مصلحة له، أو شيء له. قال: هذا الطلب من الله لك ما هو من أجل يحصّل منك شيء، وإنما تكريم منه لك لتنال أنت لتفوز لتسعد أنت، فلهذا ما قال: طَلَب قال: طُلب.

"اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليلُ على انطماس البصيرة" ما هي البصيرة؟ قال: "البصيرة نظر القلب بنور الله"؛ هذه بصيرة، "نظر القلب بنور الله"، إذا انطمست البصيرة ما يشوف القلب، كما صاحب البصر الأعمى، فهذا ما يشوف المعاني، وذا الأعمى ما يشوف المباني. أعمى البصر ما يشوف المباني وأعمى البصيرة ما يشوف المعاني. اللهم نوّر أبصارنا وبصائرنا.

والبصيرة إذا صفت وتنقّت نظرها دائمًا إلى جمال الله، وجماله وكمال القدرة في كل شيء. 

واشهد جمالًا أشرقت أنواره *** في كل شيءٍ ظاهرًا لا خافي 

فإذا نوّر الله عين بصيرته "لم يؤثِر على الله غيره" كائنًا من كان، "ولم يترك فيه لغير الله بقية" قط، "ورضي بالله ربًا وحاكمًا ومدبرًا ومقدرًا" مقدّمًا مؤخرًا رافعًا خافضًا معطيًا مانعًا… رضي بالله، "فبذل وسعه في عبادته، وسلك طريق هدايته" وهو يدبر له أموره -جل جلاله-. 

وبهذا أنزل الله -تبارك وتعالى- على مَن مِن أجلهِ يقابِل إساءات الناس بالحسنات ويحلم عنهم، أنه يعادي من عاداه ويوالي من والاه، سبحانه.. ويكون له العون، حتى قال النبي ﷺ للذي ذكر مظهر من مظاهر هذا التعامل في الحياة قال: إن لي قرابة أصِلهم يقطعوني، أعطيهم ويحرموني، أحبهم ويبغضوني، قال: إن كنت كذلك فكأنما تسفّ في وجوههم المل، ولا يزال معك من الله عونٌ ونصير عليهم ما دمت على ذلك.

 إذا أنت صدق هكذا؛ اصبر.. فهم ما يلاقون من حسن المعاملة هذه إلا خزي عليهم، كأنك تسف في وجههم المل؛ الرماد الحار، وأنتَ يكون لك من الله عون ونصير عليهم؛ نصرة وعون ما دمت هكذا، لما تقوم تنتقم نفسك وتسيء كما أساؤوا، خلاص رُح أنت وإياهم تضاربوا، وأما إذا صدقت معه هو يكفيك إياهم وينصرك ويعينك عليهم. لا إله إلا هو.. 

وهكذا، فطلب منك عبادته وضمِن لك رزقك، الرزق القوام الذي يقوم به الأود.

يا من سعى في طلب ما كان يطلبه ***  مما تضمّنه الرزاق في القدم  

مما تضمنّه الرزاق؛ يعني: قد ضمنه الرزاق 

يأتيك رزقك من لا حيث تحسبُه *** إن تتق الله تعُطى من يد الكرمِ 

(يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ) [آل عمران:37].

فبادرن بما في الوقت يطلبه *** ولا تطالب بما قد خُط بالقلمِ 

فأكمه القلب من يطلب مآربه *** ومطمَس النور محبوسٌ في الظلم 

فأكمه القلب؛ يعني: أعمى القلب.

نوّر بصائرنا يا رب، وصفِّ سرائرنا يا رب، واجعلنا من أولي الأبصار برحمتك يا كريم يا غفّار، انظمنا في سلكه عليه الصلاة والسلام، ثبتنا على الاستقامة مع من استقام، ويرفعنا إلى أعلى مقام، ويتولّانا بما تولى به عباده الكرام، ويصلح شؤوننا في الدنيا والبرزخ والقيام، ويجمعنا مع المشفع في دار السلام، ويقينا به كل سوء أحاط به علم الله في الدنيا والبرزخ والآخرة، ويجعلنا من خواصّ أهل الوجوه الناضرة التي إليه ناظرة، يوفر حظنا في ساعة الإجابة في يوم الجمعة، ويجمعنا بحبيبه ﷺ، ويمزق كل حجاب بيننا وبينه، ويصلح شؤون أمته، ويثبتنا في خيار أمته وأنفعهم للأمة وأبركهم عليهم  في خير ولطف وعافية، إلى حضرة النبي ﷺ. 

 

تاريخ النشر الهجري

10 ذو القِعدة 1440

تاريخ النشر الميلادي

13 يوليو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام