الحِكَم العطائية - 40 | مَن لمْ يُقْبِل على اللهِ بِمُلاطفات الإحسان، قِيدَ إليه بِسلاسِل الامتحان
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 18 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (63): "مَنْ لَمْ يُقْبِلْ على اللَّهِ بِمُلَاطَفَاتِ الْإِحْسَانِ.. قِيدَ إِلَيْهِ بِسَلَاسِلِ الإمْتِحَانِ".
الحكمة (64): "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ .. فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا .. فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها."
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
الحكمة (63): "مَنْ لَمْ يُقْبِلْ على اللَّهِ بِمُلَاطَفَاتِ الْإِحْسَانِ.. قِيدَ إِلَيْهِ بِسَلَاسِلِ الإمْتِحَانِ".
فهذا خطابٌ لفريقين وبيان طريقين.
أما الطريق الأول: هم أهل الإقبال، الذين أقبلوا إليه بطريق الطوع والفرح، وهم الذين استجابوا لله من غير توقف ولا تعوق ولا تعثر، كما أشار إليه بالإقبال، والإقبال لا يكون إلا عن رضًا وفرح واستئناس وطرب، وذلك لما أراه من جميل وصفه وعميم فضله، وسابق مِنّته وتوالي نعمته، فهم الشاكرون لله الذين تعرضوا لزيادة إنعامه وتوالي إفضاله.
وقومٌ آخرون لم يرجعوا إليه كذلك ولم يُقْبِلوا، وقد سبقت لهم من الله عناية، قِيدوا إليه بسلاسل الامتحان، والقود لا يقع إلا عن قهر سيما بالسلاسل، فإنها أبلغ في ظهور القهر؛ إذ القود بالسلاسل أبلغ ما يُقهر به المستعصي عن الانقياد، فعبَّر بالمصائب وضروب المتاعب للمؤمن في الدنيا بالسلاسل، ليرده إلى حضرته وليختصّه برحمته، "عجبًا للمؤمن! أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن".
وتلك السلاسل هي ما يبتلى به المؤمن في هذه الدنيا من المصائب في الأهل والمال والعرض وتغيّر الأحوال، فتردُّه إلى الله بالتضرع والابتهال، وانكسار النفس بذلك، وما ينالها من التعب، مما يُقِلُّ رغبتها ويزعجها عن الركون والطمأنينة في الدنيا، وفي ذلك غاية السعادة وجزيل الزيادة.
فسبحانه من كريم ما ألطفه بعباده وأرحمه بهم، فلو تركهم وما يحبونه.. لهلكوا هلاك الأبد، كما يكون ذلك لأهل البعد حيث قال: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ)[هود:15-16].
فالحق سبحانه يستدعي عباده إلى عبادته ومحبته بدرور النعم والأرزاق والعافية وملاطفات الأحوال، فإن لم يجيبوا بذلك، دعاهم من طريق الابتلاء (مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ)، ثم قال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة:155]، أعقب ما ابتلوا به مع وجود الصبر بالبشرى والمدح من الله -عز وجل- كما مدح من قام بصنوف الطاعات ووظائف الأوقات.
ثم بيّن قولهم وما هو الحال، فقال: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) ملكًا وخلقًا وعبوديةً ( وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[البقرة:156] في جميع الأحوال والأقوال والأفعال حقيقةً.
فانظر ماذا حصل عليه من قِيد إلى الله بسلاسل الامتحان، كيف صاروا في مرجعهم إليه مَحوًا لا قولاً ولا فعلاً ولا وصفا!
وهذه مرتبة العبودية الخاصة، فوصلوا إلى مقام الشكر وهو رجوعهم إليه في جميع ما منهم، وهذه طريقة السالكين طريق الترقي في مدارج السلوك ومعارج الأحوال، في بروج الوصال في سماوات الأوصاف وكرسي القرب وعرش المستوى الرحموتي.
يقول الشيخ عليه -رحمة الله تبارك وتعالى-: "مَنْ لَمْ يُقْبِلْ على اللَّهِ بِمُلَاطَفَاتِ الْإِحْسَانِ.. قِيدَ إِلَيْهِ بِسَلَاسِلِ الإمْتِحَانِ"، ما دام له سابقة بأن يرجع إلى الله ويصل إلى نعيم الجنان، فإما أن يُقبِل بما لُوطِف به من إحسان المحسن الرحمن ـ جل جلاله ـ من بداية الخلق.
"مَنْ لَمْ يُقْبِلْ على اللَّهِ بِمُلَاطَفَاتِ الْإِحْسَانِ"، وله سابقة فانقاد لشهوته ووهمه وغفِل، جاءت له سلاسل يُجَرُّ بها من شدائد وآفات تتنزّل عليه ومشاكل… يفيق: أين أنا؟ ومن لي؟ وإلى من أرجع؟ ومن يخلصني؟ ويعود إلى ربه بعد ذلك حتى يصل إلى رتبة الانمحاء عن نفسه في رؤية عظمة ربه وقدسه، وينزل منازل الشاكرين، فيزداد من الخير وينتهي كل الابتلاء والاختبار الذي حلَّ عليه قَبل، وهذا عامةُ الناس والمؤمنين يمرون بهذه المراحل، يقول: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة:214].
وفي مرورها كما أسلفنا في الكلام، بالنسبة لأكابرهم وكمّلهم يرون فيها عجائب من الإفضال والترقية والتقريب والمعرفة والرضوان، فهي لهم في الباطن نعيم فوق نعيمِهم، وهي شدة في الظاهر، ولعامة من معهم شدة عليهم يحسون بها في الظاهر والباطن، ثم هناك ذاك الفريق الذين أقبلوا بملاطفات الإحسان قال: هذا فريق ولهم طريق، والثانيين فريق آخر وله الطريق الآخر.
فأما الفريق الأول "والطريق الأول: أهل الإقبال الذين أقبلوا إلى ربهم وعلى ربهم بطريق الطوع والفرح" والاستبشار والاعتزاز بأنه ربهم:
ومما زادني شرفاً وتيهاً *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيّرت أحمد لي نبيا
فيُقْبِل فرحًا معتزًّا مغتبطًا بإلهه، مستبشرًا راضيًا فرِحًا مطمئنًا مُجِلًّا مقدّرًا مستشعرًا عظيم الإنعام، هؤلاء الذين يُقْبِلون على الله بملاطفات الإحسان، "وهم الذين استجابوا لله من غير توقف ولا تعوق ولا تعثر، كما أشار إليه بالإقبال، والإقبال لا يكون إلا عن رضًا وفرح واستئناس وطرب"، ويحكي ﷺ الخصوصية لأبي بكر في هذه المزية، يقول: ما عرضتُ دعوة الإِسلام على أحدٍ إلا كانت له وقفة، إلا أبو بكر! بمجرد ما عرضها عليه قال : أنا أؤمن أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، مباشرة من دون تردد ولا توقف، هؤلاء الذين يُقبلون من غير توقف ولا تعوق ولا تعثر، مباشرة.. الله، الله!
باستئناس وفرح وطرب، "لما أراه من جميل وصفه وعميم فضله"، فقد كان صديقًا لسيدنا المصطفى محمد من قبل الوحي والنبوة، وعرفه، وبه عرف من صفات الله وعظمته ما عرف قبل نزول الوحي والنبوة، ورأى إفضال الله من الملاطفات عليه بمجرد ما أخبره، قال: أنت لها، وأنت صاحبها، وأنت بابها، وآمن به مباشرة قال: "فهم الشاكرون لله تعالى الذين تعرضوا لزيادة إنعامه وتوالي إفضاله".
ولكن "قوم آخرون"، وهم أكثر المؤمنين "لم يرجعوا إليه كذلك ولم يُقْبِلوا، وسبقت لهم عناية" فلا بد يرجعوا، "قِيدوا إليه بسلاسل الامتحان، والقود لا يقع إلا عن قهر سيما بالسلاسل، أبلغ في ظهور القهر، القود بالسلاسل أبلغ ما يُقهر به المستعصي عن الانقياد"، فيُقَيَّد بالسلاسل ويُقاد، ذا يُسجَن، وذا يُضرَب، وذا يُكسَر داره، وذا يقع في حادث، وأشياء تجيهم تصكصك رؤوسهم، حتى يرجعون عن غي نفوسهم إلى قدوسهم ـجل جلاله ـ ويخضعوا ويخشعوا.. لا إله إلا الله.
"فعبَّر بالمصائب وضروب المتاعب للمؤمن في الدنيا بالسلاسل، ليرده إلى حضرته وليختصّه برحمته، "عجبًا للمؤمن! أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن"" كما جاء في صحيح مسلم.
فيرجع بضروب الأنكال والشدائد والآفات التي تصيبه في نفسه وأهله وماله، فيرجع إلى الله "بالتضرع والابتهال، وانكسار النفس بذلك، وما ينالها من التعب"، فتقل رغبتها وركونها إلى الدنيا، فتبدأ في الركون إلى ربها والالتجاء إليه، فما ألطفه بعباده وأرحمه بهم، لو تركهم وما يحبون لهلكوا هلاك الأبد، ولكن يرسل عليهم هذه الأشياء ليردهم فيُسعِدهم فيمن أسعَد ويُنجِيهم من الهلاك -جل جلاله- فتصير نِعَم، لهذا قالوا: كم نِعَمٍ في طي المصائب! وقال شاعرهم:
جزى الله المصائب كل خير *** أفادتنا علوماً نافعاتِ
علومًا ما قرأنا في كتابٍ …………………
قالوا ما جبناها من كتاب، وعلّمتهم وأوقفتهم على باب الجبار، وعرّفتهم بعظيم صفاته وأسمائه وحقائق من ألوهيته وربوبيته، جعلتهم عبيدًا متحققين بالعبودية، فنالوا المزية، وفيها حِكَم.
وهكذا قال الله في سيدنا إبراهيم لما ابتلي بالأمر بذبح ولده إسماعيل: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) [الصافات:106] خليله وأحب الخلق إليه بعد نبينا محمد ﷺ، إبراهيم الخليل، ولما جاءك ولد وأنت كبير، وبشرناك به، رُح حطه عند البيت الحرام وخلّه هو وأمه وخلهم وحدهم، رُح واتركهم، عاد ألا بيفرح بالولد، جاء له ولد وسِنّه كبير، (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر:54-56].
وجاء الولد، قال: بس رُح حطه هو وأمه هناك خلهم حطهم عند البيت المحرّم، وعاد البيت مكسر ما عاد شيء من أثره إلا بقعته فقط، وتبعته هاجر: يا إبراهيم خليل الله! لمن تتركنا في هذه الصحراء؟ لا أنيس ولا جليس ولا معين ولا… كيف؟ أنا والطفل هذا، ماذا نصنع؟ سكت… قالت: آلله أمرك؟ قال: نعم، قالت: فاذهب حيث شئت فوالله لن يضيعنا! وكان سبب حفر بئر زمزم بظمأ سيدنا إسماعيل عليه السلام.
أمره يتردد إليهم، جاء يتردد إليهم بدأ يكبر، بلغ معه السعي، يسعى معه يقوم، قال: هيا هذا الولد ذا قال اذبحه! (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ) الولد نفسه مربى ومزكى منذ الصغر، (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات:102-107].
أمسك بيده سيدنا جبريل وأعطاه الذبح، جاء له بالخروف من الجنة، وقال: اذبحه مكان إسماعيل -عليهم سلام الله تبارك وتعالى- وخرجوا وتعرّض الشيطان لأمه وردّته، وتعرض له ورده، وتعرض لإبراهيم ورماه إبراهيم وقال: يا أبتِ تُلّني على وجهي حتى لا تسبق نظرتك إلى وجهي فتغلبك عليك حنانة الأب، فتضعف عن القيام بأمر ربك في ذبحي، وسنّ شفرتك حتى لا يبطئ عليك القطع، وارفع ثيابك حتى لا يصيبها شيءٌ من دمي فتراه أمي فتحزن (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ).
(وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) فاستحق الإمامة لكل المؤمنين بعده وإلى يوم القيامة.
(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، من كان من ذريتك ومشى في الطريق، وصبر مثلك، تشبّه بك، نخليه إمام، ومن كان ظالم ما تناله، ما له دخل في الإمامة، (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). لكن جاء منهم إمام الأئمة سيد الكل ﷺ، من ذرية هذا الخليل إبراهيم -عليه السلام.
وقال الله عمن اختارهم للإمامة: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[السجدة:24]
- فاليقين
- والصبر
إذا توفر في مؤمن، كان هذا المؤمن إمامًا؛ إمامًا لأهل محلته، لأهل بلده، لأهل زمانه، لأهل عصره؛ إذا توفّر فيه اليقين والصبر، الصبر واليقين، يصير إمام. فالإمامة على قدر الصبر وعلى قدر اليقين، يختاره الحق تعالى إمامًا في الهدى.
"فسبحانه من كريم"، "لو تركهم وما يحبونه.. لهلكوا هلاك الأبد، كما يكون ذلك لأهل البعد حيث قال: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ)" وما صنعوه هذا كله؟ (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود:15-16] جميع الكفار، في وقتنا هذا والذين ليسوا في وقتنا؛ مضى أشد منهم قوة؛ من في وقتنا ومن قبل ومن بعد.. جميع الكفار؛ (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) لهم مؤتمرات، لهم أحزاب، لهم برامج، لهم قوانين، لهم حضارات.. (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هم والحضارة والدولة؟… (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
قال -سبحانه وتعالى- في قوم سيدنا موسى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ)[الزخرف:55]، قال سبحانه وتعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)[الأعراف:137]؛ انتهوا.. (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
يقول جل جلاله وتعالى في علاه: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواۖ) [الأعراف:135-137]؛ ما هو بما خططوا، ما هو بما جمعوا من أسلحة، بما صبروا!.. (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) وذي الدولة الكبيرة والحضارة، وأنا ربكم الأعلى؟.. (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)[الأعراف:137] خلاص تدمر ما عاد بقي شيء، (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وهؤلاء أهل البعد، الذين ما سبقت لهم السعادة والعياذ بالله، والذين آثروا واختاروا المعاندة للحق ولرسله.
لا إله إلا الله..
"يستدعي عباده إلى عبادته ومحبته بدرور النعم والأرزاق والعافية وملاطفات الأحوال، فإن لم يجيبوا بذلك، دعاهم من طريق الابتلاء"، يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا)، جعلهم في مكة وأولد بينهم حبيبه وأوحى إليه وأرسله إليهم ليسعَدوا، بدلوا نعمة الله كفرًا، قالوا ساحر، كذاب، ابن أبي كبشة! نعمة كبيرة بدلوها كفرًا، (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ)[إبراهيم:28-29].
"(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، أعقب ما ابتلوا به مع وجود الصبر بالبشرى"، (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) ملكًا وخلقًا وعبوديةً (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[البقرة:156] في جميع الأحوال والأقوال والأفعال" (رَاجِعُونَ) "حقيقةً". فالذي حصل عليهم من بعد القيد بالسلاسل صاروا "مَحوًا لا قولاً ولا فعلاً ولا وصفا!"
(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ونحن ذاتًا وإليه قولاً وفعلاً (رَاجِعُونَ) إلى الله، فما بقي إلا الله، (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:156-157].
ورضي الله عنه إلى أن قال:
"فإذا علمت أن ابتداء السلوك الصبر على ممرّات كؤوس المجاهدة، وانتهاؤه الشكر على الكشف والمشاهدة، عقّب ذلك بقوله: شارحاً لما أسلفه في الحكمة قبل، ومبيّنًا لأحوال الشاكرين، وحاثًّا على ما هو المطلوب الأعز، وهو الشكر على النعم المؤذن بدوامها والجالب لزيادتها، فقال -رضي الله عنه-:
الحكمة (64): "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ .. فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا .. فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها."
الشكر: هو الثناء إلا أنه أعم من ذلك، إذ هو الثناء باللسان والاعتراف بالجنان واستعمال الأركان فيما هو المطلوب من خلق الإنسان، إذ قال عز من قائل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات:56]، والشكر مورده عام ومتعلقه خاص، فالحمد بذلك الاعتبار فردٌ من أفراده، وهو أي الحمد بالضد من ذلك خاص المورد عام المتعلق.
والشكر بحسب أحوال الخلق له ثلاث مراتب: شكر العموم، وشكر الخصوص، وشكر خصوص الخصوص.
- فالمرتبة الأولى: ألا تعصيه بنعمة أنعم بها عليك.
- والرتبة الثانية: أن تصرف جميع نعمه فيما خُلقت لأجله.
- والرتبة الثالثة: أن يشغلك بشهود المنعم عن رؤية النعمة.
والنعم إما خاصة وإما عامة، وإما ظاهرة وإما باطنة، وإما دينية وإما دنيوية، وإما حسية وإما معنوية.
فأما النعمة العامة فنعمتان لم يخرج عنهما موجود وهي: نعمة الإيجاد أولاً بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا فذكرك، ومن ذا يقوم بنعمة مَن ذكره قبل أن يُذكَر؟ وأي عقل يقوم بشكر ذكر الحق له وهو لم يكن؟ وفي هذا الذكر دخَل كل موجود توجّه إليه الإيجاد بمجموع العلم البالغ والإرادة النافذة والقدرة الكاملة، فأي نقص في هذه الأوصاف؟ ومن أنت حتى تتوجّه إليك هذه الصفة الكمالية بعد ذكر الذات لك؟ ولو أخذنا فيما انطوت عليه هذه النعمة لاستغرق الوقت.
والنعمة الأخرى: نعمة الإمداد؛ أي الإمداد بالقيام على ممر الأنفاس، فما من نَفَس إلا والحق سبحانه يمد العالم حسيّه ومعنويّه بإمدادات بحسب مراتب الوجود، فللروحانيين إمداد، ولأطوار الخلق من إنس وجن وحيوان ونبات ومعادن وجماد.. إمداد.
وتلك الإمدادات هي ما تلقيه الأملاك على دوائر الأفلاك، وتتصل من الأفلاك بحسب اختلافها على مراتب عالم الملك والأركان الأربعة، فلها أرواح أربعة على أربع مراتب من مراتب العالم الخَلقي، وكل عين من أعيان الحيوانات تلقى مجموع الأربع المراتب، وهذه النعم العامة يكثر تعداد مراتبها ونسب استنادها، وكل من وصل إليه شيء من هذه الإمدادات ما عدا الثقلين فهو شاكر؛ لأنه لم يضع ما وصل إليه في غير المراد منه، فبقي مطالَباً بالشكر هذا النوع الإنساني، لأنه الذي أُعطي التصرف في الأشياء كيف شاء، ورُكبت فيه طبائع أرضية ولطائف سماوية، فالسماء من شأنها الطوع والتمكن، والأرض من شأنها الكره والتلون، فما كان من الأفعال بالوضع السماوي فهو الشكر، وما كان من الأفعال بالوضع الأرضي الظلماني فهو الكفر.
وأما النعم الظاهرة: فما يَعْجِز عن عدها الحصر، فمنها ما هو في تركيبك، ومنها ما هو في ترتيبك.
فمن جملة ما هو في التركيب: السمع والبصر والشم والذوق، وتسوية الخِلقة على أعدل هيئة وأتم بنية، والحركة والسكون والنطق، وسائر نعم الجسم القائم بتركيبه، وإيصال الأغذية، وسائر المنافع المختصة بالجسم.
وأما النعم الترتيبية.. فكالعقل والعلم والقابلية والأوصاف القلبية والمقامات الروحانية والمراتب الملكوتية.
وأما الباطنة.. فما ادخره واستأثر به مما هو الأصلح وما اختص به روحانيتك ما بين الذرات في عمى الجهل وظلمة العدم من إلباسها وتحليتها بفيض تجلي أوصافه، وأودع في تلك اللبسة سائر المقامات الدينية وقابلها بجميع أسمائه، فعرفته بكل مظهر من مظاهر مراتب الوجود، فلم تجهله في كل معاين مشهود، فتكون في كل ما تجلى عليها من الأسماء بحكمة، لا بما يعطيها الطبع الحيواني والمشهد الظلماني.
وهذه النعم لا مطمع في إحصائها.
فالحمد لله شكرا *** على نعمٍ منه تترى
نحمده سرًا وجهرا *** وبالغدايا والآصال
(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20].
"مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ .. فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا .. فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها" قال: "الشكر: هو الثناء إلا أنه أعم من ذلك، إذ هو الثناء باللسان والاعتراف بالجنان واستعمال الأركان فيما هو المطلوب من خلق الإنسان، إذ قال عز من قائل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات:56]"، حققنا اللهم بحقائق العبادة، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسْنِ عبادتك.
فينبغي أن تخرج من أيام الدورة بنظرة تكون بها من أهل الذكر والشكر وحسن العبادة، فإن أهل حسن العبادة لهم من المعبود حُسن المصير إليه، لأهل حسن العبادة حسن المصير إلى المعبود.
جل جلاله لا إله إلا هو.
قال لك: "الشكر مورده عام ومتعلقه خاص، فالحمد بذلك الاعتبار فرد من أفراده"، الحمد "خاص المورد عام المتعلق."، فالحمد بذلك فرد من أفراد الشكر، لا يكون إلا في مقابلة نعمة، هذا خصوص الحمد.
ومورده أنه غير مختص باللسان كالحمد؛ مورد الشكر عام ليس يختص بالثناء باللسان بل يزداد عليه بالأركان الجوارح والجنان في العرف. كذلك الحمد:
- خاص المورد لا يكون إلا باللسان.
- عام المتعلق؛ لعدم اختصاصه بالنعمة ومقابلتها.
فباعتبار المتعلق يكون الحمد أعم من الشكر، وباعتبار المورد أخص والشكر أعم من الحمد باعتبار المورد؛ وأخص منه باعتبار المتعلق، هكذا الحمد والشكر في التعريف اللغوي والتعريف العرفي.
الحمد لله، "من لم يشكر النعم" قال لك: "الشكر بحسب أحوال الخلق الشاكرين ثلاث مراتب:
- شكر العموم
- شكر الخصوص
- شكر خصوص الخصوص".
ولن تصير في الخصوص حتى تمر بالعموم، وإذا مررت بالعموم وأخذت خصوصه، تهيّأت لأن تكون من خصوص الخصوص، ايش هذا!... قال لك:
- "شكر العموم ألا تعصيه بنعمة أنعم بها عليك"، لا تخالفه، لا تترك فرض ولا تفعل محرم؛ هذا شكر العموم.
- "شكر الخصوص" يستنفد ما أوتي من النعم في طاعة المنعم بأن يصرفها "فيما خُلقت من أجله" الله أكبر! تستعملها وتصرفها، هذا شكر الخصوص.
- "شكر خصوص الخصوص"؛ يمتلئون بعظمة المنعم فيشهدونه ويغفلون عن النعم وغيره، فيكونون مع المنعم بكلياتهم، نِعْمَ الشاكرون هؤلاء! والحق تعالى يشكرهم وشكره لائق بأهل كل مقام يشكرهم ذو الجلال والإكرام جل جلاله، وإن كان لا حد لشكره.
"والنعم إما خاصة وإما عامة، وإما ظاهرة وإما باطنة، إما دينية وإما دنيوية، وإما حسية وإما معنوية"، كلها عندك! يا حاضر يا من تسمع كلها عندك، دينية دنيوية، ظاهرة، باطنة، حسية، معنوية، خاصة، عامة كلها عندك لكنك تغفل وهذه كل النعم عندك منوعة أصناف.
قال: "فأما النعمة العامة؛ فنعمتان لم يخرج عنهما موجود" كل الوجود عنده هاتان النعمتان، ما هما؟ قال: "نعمة الإيجاد أولاً"؛ كان عدم وبعدين هو أوجده، ومن أين جات؟ ما هي موجودة فيك؟ أنت موجود ولا عادك معدوم؟ نعم كنت عدم، لكن خلاص جاءتك نعمة الإيجاد، ووُجِدت ما شيء أتفه من العدم، ما شيء أحقر من العدم، كنت هكذا خلاك موجود بعد ما كنت معدوم، (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)[الانسان:1]؛ فجعلك شيء.
فجعلتني أثرًا وما أثرُ
أصلي عدم، هذه النعمة موجودة مع كل موجود، كل كائن أخرجه الله من حيز العدم إلى الوجود، فأنت الآن معدوم أم موجود؟ الحمد لله أوجدك هو، كنت عدم أصلك بعدين أوجدك هو هذه النعمة الأولى لكل واحد.
يقول في نعمة الوجود، هذه النعمة الأولى: "فأي عقل يقوم بشكر ذكر الحق"؟ لأنه ذكره فأنشأه وأوجده، قال: "وفي هذا الذكر دخل كل موجود توجّه إليه الإيجاد، بمجموع العلم البالغ والإرادة النافذة والقدرة الكاملة، فأي نقص في هذه الأوصاف؟ ومن أنت حتى تتوجه إليك هذه" الصفات الربانية الإلهية الكمالية، تذكرك فتوجدك؟ قال: هذه النعمة "لو أخذنا فيما انطوت عليه هذه النعمة لاستغرق الوقت"؛ الإيجاد فقط!
عاد بعد الإيجاد؟ قال: إمداد؛ كل موجود مُمد، "إمداد بالقيام على ممر الأنفاس، فما من نَفَس إلا والحق سبحانه يمد العالم حسيّه ومعنويّه بإمدادات بحسب مراتب الوجود. فللروحانيين إمداد، ولأطوار الخلق من إنس وجن وحيوان ونبات ومعادن وجماد.. إمداد."، (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ) [الإسراء:20]، إمداد للنحل، إمداد للنمل، إمداد للأنعام، إمداد للبر، إمداد للبحر، إمداد للجبال، إمداد لطبقات الأرض، إمداد لطبقات الفضاء والجو، إمداد للقمر، إمداد للشمس، كله تجري بإمداده، تشرق بإمداده وتغرب بإمداده… الله الله!
فنعمة الإيجاد والإمداد حاصلة لكل واحد معك السمع، أمدك به، البصر؟ أمدك به، العقل عاده موجود معك؟ موجود.. كم خلايا فيه؟ كل واحد منها مُمَدّ، آلاف ملايين، وشغلها مدَد، استمرارها مدَد، كم يمدك هذا الإله! يا غافل عنه، يا متراخي عن شكره هو معك بهذا الخير كله وأنت تتجرأ عليه وتنساه وتخالفه وتعصيه؟! لا إله إلا هو.
قال: "نعمة الإمداد"، تلك الإمدادات..
- أمداد جمع مدد
- وإمداد فرد واحد
"وتلك الإمدادات هي ما تلقيه الأملاك على دوائر الأفلاك"، وهم نفسهم مُمَدِّين، الملائكة بالوجود والإمداد، هم نفسهم، إلا إمداد يوصله بأسباب وإلا فهو الممِدّ للكل، لا أحد مَلَك مخلوق من ذاته ولا أحد مَلَك ممدود بذاته، إلا الملك هو الذي يمدهم -سبحانه وتعالى- الله أكبر.
قال: "والأركان الأربعة"، و"أرواح أربعة على أربع مراتب من مراتب العالم الخَلقي، وكل عين من أعيان الحيوانات تلقى مجموع الأربع المراتب، وهذه النعم العامة"، لا يُستطاع تعدادها، (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18]. "وكل من وصل إليه شيء من هذه الأمدادات" "فهو شاكر"، إلا الثقلين هم الذين يكفرون الإنس والجن فقط!
وأما الإمداد بالوجود والإمداد لكل العالم، فالعالم شاكر، يا ربي يسبح بحمدك.. (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44] ولكن حتى الخشية عندهم، حتى في الحجارة: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ)[البقرة:74]. حتى الخشية من الله عند الحجر! البشر.. هذا الآدمي يفقد الخشية ويفقد الخشوع ويفقد الأدب مع الله ويتجرأ على ربه! قال: النعم هذه التي وصلت لكل الكائنات شكرت إلا الاثنين، فريق من الإنس وفريق من الجن، هؤلاء الذين كفروا وجحدوا ما شكروا، وإلا كل شيء خاضع وشاكر.
الله، لا إله إلا الله.
يقول: "لأنه لم يضع ما وصل إليه" من الإمداد الرباني "في غير المراد منه"، فالمطالَب بالشكر "هذا النوع الإنساني، لأنه الذي أُعطي التصرف في الأشياء كيف شاء، ورُكبت فيه طبائع أرضية ولطائف سماوية".
- فاللطائف السماوية: "الطوع والتمكّن".
- والكثائف الأرضية؛ الطبائع الأرضية "كره وتلون"
فما كان من الأفعال:
- بالوضع السماوي.. فهو الشكر.
- وما كان من الأفعال بالوضع الأرضي الظلماني فهو الكفر."
وأما النعم الظاهرة: فما يَعْجِز عن عدها الحصر، فمنها ما هو في تركيبك، ومنها ما هو في ترتيبك.
قال: في تركيبك: السمع، كيف تسمع؟ كيف تسمع؟ ومن أين اشتريت السمع؟ وجعل لك من بني آدم صم، لتعرف قيمة السمع، إن رفعت صوتك أو وطيته كله سواء ما يدري بك، ولكن أنت تسمع، تفرّق بين الأصوات، من أين جبت السمع؟ كمَّله فيك، شغال ليل ونهار، شغال حتى وأنت نايم، إذا ناداك أحد قمت من النوم، شغال… لو كان بتشغيلك أنت مشكلة، بتشغل السمع أم بتشغل البصر؟ إن رحت عند ذا بيتوقف ذا، وإن رحت عند ذا بيتوقف ذا…
وعادك شغل الكلام، وعادك شغل الشم!.. بتروح فين؟.. هو قال لك أنا بشغله كله لك، أجهزتك ذي كلها بخليها شغالة على طول من يوم ما خلقتك وأنا أنمّيها وأراعيها سمع بصر شم لمس وذوق ويد ورجل، وخذ لك خلايا وأعصاب ودورة دموية.. كيف لو قال لك هيا شغّل الدورة الدموية حقك! بتمشيها في حق اليد ذي، بتغفل حق اليد ذي والرجل ذي، من بيمشيها مرة؟ وكلها في وقت واحد صعب عليك!.. كيف بتشغّل الدورة في الرأس وفي الرجل في وقت واحد، بتصلّح كيف؟ وأخذت رأس ورجل وبعدين الباقي يدين والبطن والفخذ حقك من أين بيمشي الدم فيها؟ بتقع في حنبة مشكلة!... قال: لك أنا بجريها لك على طول.
والتنفس حقك؛ الجهاز التنفسي، لو قال: لك بس أنت شغّله، حتى لو كان زر كذا لكل شهيق وكل زفير كم بتزر زر؟ وإذا بتأخذ هذا الزر.. متى بتأكل؟ متى بتطبخ؟ قال لك كلها برتبها لك، أيش التركيب هذا البديع؟ وأنت عادك تجحد وتخالف وتعصي وتقل الأدب!..
قال: "السمع والبصر والشم والذوق، وتسوية الخِلقة على أعدل هيئة"، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4]، "وأتم بنية، والحركة والسكون والنطق"، كم ألفاظ الذين قرأوا وسمعونا نتكلم؟ كم حروف خرجت؟ كل واحد من مخرجه وبسرعة وبتيسير كامل، ما نتعب، شيء من طرف الشفاه، شيء من آخر الحلق وما بينهم المخارج، وكل واحد يخرج؛ ما تعبنا، ولا شيء توقف بين ذا وذا إذا.. بنطق بالهمزة، وبنطق بالباء من طرف الشفاه تخرج كلها في نفس الوقت على طول.. إذا من وسط الحلق بجيب الحاء (ح) في لحظة واحدة جاء، ما شيء إشكال، وكل واحد يخرج من مخرجه وبسرعة وبترتيب… مقابل هذا أيش؟ ما دفعت شيء مقابل هذا، ومكّنني من هذا! لا إله إلا هو.
بعد هذا قال: تركيبك.. وإيصال الأغذية وسائر المنافع المختصة بالجسم.
والترتيب: "عقل، علم، وقابلية، أوصاف قلبية، مقامات روحانية، مراتب ملكوتية" غيبية، كلٌ من عنده، هذه نعم ظاهرة.
ونعم باطنة "ما ادّخره واستأثر به مما هو الأصلح، وما اختص به روحانيتك ما بين الذرات" (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، أخرجك من "عمى الجهل وظلمة العدم من إلباسها وتحليتها بفيض تجلي أوصافه، وأودع في تلك اللبسة سائر المقامات الدينية وقابلها بجميع أسمائه، فعرفته بكل مظهر من مظاهر مراتب الوجود" نِعَم باطنة.. "فلم تجهله في كل معاين مشهود، فتكون في كل ما تجلى عليها من الأسماء بحكمة، لا بما يعطيها الطبع الحيواني والمشهد الظلماني.
وهذه النعم لا مطمع في إحصائها." (لَا تُحْصُوهَا).
فاللهم لك الحمد، اللهم ما أمسى بنا من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك فمنك، فمنك يا رب، فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر على ذلك. اللهم ما أمسى بنا من نعمةٍ أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر على ذلك. اللهم ما أمسى بنا من نعمةٍ أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
وما سيمسي وما سيصبح بنا أو بأحد من خلقك، من أهل أرضك وسماواتك والدنيا والبرزخ ما أصبح أو يصبح وما أمسى أو يمسي بنا وبهم من نعمة فمنك وحدك، منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
تاريخ النشر الهجري
22 ذو الحِجّة 1441
تاريخ النشر الميلادي
12 أغسطس 2020
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(636)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(31)
(4)
(10)
(6)
(480)