الحِكَم العطائية -5 | لا يكُن تأخُّر إمداد العطاء مع الإلحاح بالدُّعاء موجِبًا ليأسك
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس -رحمه الله تعالى- ضمن فعاليات الدورة التعليمية الصيفية الخامسة والعشرين بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 10 ذي القعدة 1440هـ.
الحكمة (6): لا يكن تأخر إمداد العطاء مع الإلحاح بالدُّعاء موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله:
الحكمة (6): لا يكن تأخر إمداد العطاء مع الإلحاح بالدُّعاء موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد.
العطاء هنا هو ما رفعَته إليك من حاجاتك أو أنزلته به من مهماتك فيما تزعم أنه عطاء، أو تظن أنه رفع بلاء، فلا يكن همك من دعائك الظفر بمطلوبك؛ تكن متحكمًا عليه، فالمنع منه عطاء لمن كُشف عنه الغطاء، والبلايا حيث أشهدك تَعرُّفه إليك هدايا، فلا يكن تأخر ما طلبت موجبًا ليأسك. قال ﷺ "يُسْتَجابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ، يقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"، فالإستجابة إليه لا إليك، وفيما يختار لا فيما تختار لنفسك، فلا تختص بمرادك دون مراده، بل مرادك إن وافق الدعاء وقته، وخصّصت الإرادة فعله، برز على وفق مراده، وسُمّي استجابة عاجلة.
وقد خاف الأكابر من سرعة ذلك، لما رُويَ أن الله سبحانه إذا دعا العبد يقول الله: "أخّروا حاجة عبدي فإني أحبّ أن أسمع صوته"، ويقول الآخر: "عجّلوا حاجته إني أكره أن أسمع صوته"، وهذا على الندور، وأما في غالب الأحوال فإن الله يُكرِم أوليائه بإجابة دعائهم وتعجيل مرادهم ولكن موقوفٌ على مراده، فلا يتقدّم وقته، ولا يتعدّى حدّه، فمتى استعجلت الإجابة فقد تحكمت عليه في ملكه، ولم ترضَ بقضائه، ولم تصبر على بلائه.
ولا يخفى عليك مضادة هذه الأحوال للعبودية ومنازعتها للربُوبية، واتهمت من لا يُخلف الميعاد في وعده، فيعود وبال ذلك عليك، فإنه قال: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي"، وقد أيستَ من الإجابة، فيخشى أن تعامَل بسوء ظنك، حيث قطعت بعدم الإجابة، فيقال لك: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ) [فصلت:23].
فالإجابة لها أوجهٌ ومقاصد، فمنها: ما يؤخَّر لآخرتك وهو الأنفع لك، وفي بعض الأخبار "يبعث الله رجلاً فيقول الله له: يا عبدي لمَ لا تدعُني وقد أمرتك بدعائي؟ فيقول: قد دعوتك، فيقول: ألم آمرك برفع حوائجك إليّ؟ فيقول: بلى وقد رفعتها إليك، فيقول الله: ما سألت شيئًا إلا أجبتك فيه؛ لكن أنجزتُ لك البعض في الدنيا وما لم أنجزه في الدنيا فهو مدّخّر لك فخُذه الآن، فيقول ذلك العبد: ليته لم يقضِ لي حاجة في الدنيا".
وعن أنسٍ عن النَّبي صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله أنه قال: ما من داعٍ يدعو إلا استجاب الله دعوته أو صرف عنه من السوء مثلها أو حط عنه من ذنوبه بقدرها ما لم يدعو بإثمٍ أو قطيعة رحم. فإذا علمت ذلك فاعلم أن الدعاء أيضًا قد يتلقى من البلايا ويدفع من الذنوب والخطايا ما لو تحققتَ بعض ذلك لكنتَ تودّ على الكشف أنها لم تُقضَ لك حاجة كما يرى ذلك في الآخرة عيانًا.
ومن الدعاء ما يظهر أثره في المدعوّ فيه إلا أنه قد يكون عاجلًا وقد لا يأتي وقته إلا بعد، كما في دعاء موسى -صلَّى الله عليه وعلى نبينا- على آل فرعون حيث قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ)، قال الله جلَّ ذكره: (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) لكن لم يأتي إلا بعد أبان وقت نفوذها وظهور تأثيرًا (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [يونس:88-89]. وهم الذين يستعجلون الإجابة لجهلهم بالمقادير الإلهية في الأزمنة والأحوال والأعمال، هذا في الإجابة.
أما في الدعاء فالخلق فيه ثلاث طبقات: عامةٌ وخاصةٌ وخاصة الخاصة.
- فأما العامة فحالهم في دعائهم وغاية مقصدهم الظفر بحاجاتهم ونيل مرادهم، فلا يخفى قصور هذه الطبقة و دنو هممهم وقلة أدبهم بين يدي سيدهم.
- وأما الخاصة فهم في الدعاء بحكم العبودية حيث سمعوا قوله جل ذكره: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60] فسمى الدعاء عبادة؛ بل محض العبادة كما ورد ذلك عن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، وذلك من رحمته بعباده حيث ندبهم إلى ما فيه غايات آمالهم وأقصى، رغباتهم، وأشرف مقاماتهم.
وأي شرف أشرف من مناجاة الحبيب؛ والدنو إلى مقامات التقريب؛ وما اكتفى لهم بمطلق الدعاء حتى قال صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ" فما أعظم فضل الله عليك وأجزل مواهبه لديك، ومع الإلحاح أيضًا يقال إن الله يقول: "أخّروا حاجة عبدي إنّي أحب أن أسمع صوته" كما قدمنا ذلك، فالحمد لله على ذلك فحاجة العبد إلى الله وإن قضيت حاجة تجدّدت له إليه حوائج اضطرارية في دوام أنفاسه، وتوالي حالاته، وأيامه وكرور أوقاته وأيامه وشهوره وسنينه، وهذه من سوابغ نعمه حيث لم يقطعك عنه ولا جعل حوائجك إلى واسطة دونه لتكون له نجيًّا.
- وأما الطبقة الثالثة فهم خاصة الخاصة، فالباعث لهم على الدعاء منازلة سيدهم وتعطف مليكهم، حيث يقول مولانا جل ذكره: "لبيك يا عبدي إذا قال العبد يا رب" كما ورد ذلك في بعض الأخبار أن موسى صلَّى الله عليه وعلى نبينا قال: يا ربِّ، قال: لبيك، قال: هذا لي خاصة أو لعبادك عامة؟ قال بل لكل من دعاني بهذا الاسم.
أو كما قال: فهؤلاء ليس لهم غرضٌ في مطلوب، ولا خوفٌ من مرهوب إلا حب تلبية ربهم، وتعرّضًا لمجاورته، ولذيذ مُحاورته، وصافي مواصلته؛ فأي عطاء أفضل من ذلك! وأي حاجة أنجح مما هنالك، وفقنا الله لذلك واتحفنا بما هنالك، وسلك بنا أشرف المسالك، وصرفنا عن المعاطب والمهالك، إنه ولي ذلك.
فاليأس من روح الله وصف الكفر ونعت الجاحدين، حيث أخبرنا على لسان نبيه يعقوب حيث قال: (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه) [يوسف:87]، وهو تفريج ما هم فيه من الكروب، والظفر بالمطلوب، ونيل المرغوب على أسَرِّ حالٍ و أهناه، وذلك ثمرة حسن ظنّه بالله، حيث أمر به من لم ينله ما ناله بأسًا، من الحزن والكرب فهنا يتحقق حسن الظن أو اليأس والإبلاس فلم يجب له ما ناله بأسا ولم يلحقه بيأسا، فعلى مثل هذه الحالة فكن، وأما مع مساعدتك بقضاء حوائجك ونيل مآربك فلم تتحقق بذلك إلا هنالك. ولي في ذلك شعرًا:
ففي دعا العبد إلى مولاه مكرمة *** ونيلُ حاجته من كل مرغوب
فكن طريحا على أبواب عزته *** عن اختيارك وعن حالتك مسلوب
لا ييأس العبد من تأخير حاجته *** فالعبد للرب بالتسليم مطلوب
فإياك والشك؛ فالشك أيضًا من صفات الكفر وشيم المبعدين، قال الله جلَّ ذكره: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي) [ص:8]، هذا الشك في الله، والشك في ما عند الله، وما وعد الله، (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا) [النمل:66]، أعاذنا الله من الشك بعد اليقين.
تقدم معنا أن ما وعدك الله به من إجابة الدعاء هو أعلم بوقته ومكانه فإياك واستبطائه، وعد عباده بإجابة دعائهم كما وعدهم بإيصال أرزاقهم، فيقول: "لا يكن تأخر إمداد العطاء مع الإلحاح بالدُّعاء موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد"؛ فتعلم العبودية في التوقيت، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21].
وسحاب الخير له مطرٌ *** فإذا جاء الإبان تجيء
إذا جاء الوقت تجيء، إذا جاء الإبان تجيء وهكذا، لكن الدعاء في حد ذاته:
- غنيمة ونعمة عظيمة.
- وصِلة شريفة فخيمة بحضرة الرحمن.
- وفيها اعتراف بالعجز والضعف والحاجة.
- وفيها اضطرار وافتقار إلى الغني المغني.
- وفيها محبة، و "إن الله يحب الملحّين في الدعاء".
فالدعاء في حد ذاته شأن كبير حتى يجعل لكثير من الناس أن الله يصرف عنهم بعض بلايا أو يهبهم بعض عطايا بسبب الدعاء، فيقول: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77]. وله شؤون بديعة، عجيبة، غريبة، منها:
- ما يكون من تحقيق رجاء.
- منها ما يكون من دفع بلاء.
حتى إنه ليتلقى البلاء النازل من السماء فيعتلجان الدعاء والبلاء و يُعدي الوقت ولا عاد ينزل البلاء، يتعالج هو والدعاء ولا يصل الأرض، "وإنَّ البلاءَ لينزل فيتلقّاهُ الدُّعاءُ فَيعتلِجانِ إلى يومِ القيامةِ" محلهُ، ما عادَ يصل للأرض بسبب الدعاء.
للدعاء شؤون، وأعلى من ذلك شأن أهل المحبة الذين بالمناجاة يتلذذون، أتدرون من يخاطبون؟ ومن يسألون؟ ومع من يتكلمون؟ وإلى من يتحدّثون؟ الله أكبر!... فيطيب لهم المناجاة، يكثرون دعاء الحق تبارك وتعالى.
ومن عجيب فضل الله على عبده أنه إذا دعاه في حاجة أولًا، ثانيًا، ثالثًا، رابعًا، خامسًا، سادسًا فتحصل أشياء، أولًا: إذا قضى الحاجة فيكون واحدة من هذه الدعوة. والباقي يندفع بها بلاء أو تُدَّخر للأخرى، ويرفع درجة له، وأحيانًا يأخذ منها مُعجل ومؤجل، الأصل الإجابة بواحدة، بالثانية زيادة في صلاح المجاب فيه وادخارٌ له، والثالثة والرابعة هو دعا خمسين مرة أو ستين مرة الإجابة بواحدة والباقية مدخورة. لا إله إلا الله…
فالدعاء هَذا نعمة كبيرة على الداعي الله فتحها لك.
- قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60].
- (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186].
يقول: "العطاء هنا هو ما رفعَته إليك من حاجاتك أو أنزلته به من مهماتك فيما تزعم أنه عطاء، أو تظن أنه رفع بلاء"، يقول: فادعه تعظيمًا له، وافتقارًا إليه، وفرحًا به، وتشرّفًا بخطابه، واسترضاءً له، وطلبًا للمَنزلة عنده، ادعه، "فلا يكن همك من دعائك الظفر بمطلوبك" تصبح مثل واحد متحكم، تتحكم على من؟ يعني بتصدِّر أوامر ونواهي للرب أنت؟! افعل كذا ولا تفعل كذا، تُصدر أوامر أنت؟ أنت إنما العبد، أنت عبد تدعوه مُستلطف مُسترحم لا أن تأمر وتنهى، أستغفر الله! هو الذي يأمرك وينهاك، إنما أنت عبد، والدعاء طلب أمر أو استدفاع أمر، افعل ولا تفعل، اعطِ كذا، وادفع كذا، ولا تفعل كذا… سبحان الله! لكن سمح لك بالدعاء، انكسر واخضع وادعني...
يقول: "فلا يكن همك من دعائك الظفر بمطلوبك تكن متحكمًا عليه" جلَّ جلاله، والحكم له لا لك، "فالمنع منه عطاء" كيف؟ إذا منعك فقد أعطاك، كيف؟
- لأنه لمَّا منعك كشف عنك غطاء
- لمَّا منعك أراك ذلّتك
- لمَّا منعك عرَّفك عبوديتك، فتَّعرف إليك بربوبيته فصارت عطية كبيرة من أكبر العطايا!
معطي مانع، وفي منعه عطاء، وقد يكون في عطاءه منع، لا إله إلا الله… نسأله حُسن نظره، حُسن تدبيره لنا واختياره لنا، وأن يعافينا من تدبيرنا واختيارنا ويرزقنا حسن تدبيره وجميل اختياره، يا كريم، هو يعلم وليس نحن، لا إله إلا الله، ولكننا سندعوه، وسنلح في الدعاء، وسنكثر الدعاء.
قال سيدنا الإمام زين العابدين بن الحسين: ولا عجّت الأصوات إليك بالدعاء حتى خشعت. كان يقول كثير من صلحاء الأمة في ماضي القرون: إنَّ ارتفاع الأصوات بالدعوات في مواطن العبادات يحلّ ما عقدته الأفلاك الدائرات. (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ). يقول ﷺ في حديثٍ صحَّ عنه: ما اجتمع قومٌ فدعى بعضهم وأمَّن الآخرون إلا استجاب الله لهم.
يقول: "فالمنع منه عطاء لمن كُشف عنه الغطاء، والبلايا حيث أشهدك تَعرُّفه إليك هدايا"؛ هي بلية لكن تعرَّف إليك بسبب هذه البلية، وعرفت ضعفك، وعجزك، والتجأت إليه، وخضعت، وراجعت حسابك بينك وبينه، هدايا هذه؛ فصارت البلايا هدايا.. وحتى يقول بعض أهل المعرفة: جزى الله المصائب عنا كل خيرٍ أفادتنا علومًا نافعات؛ قال من المصايب حصَّلنا علوم نافعات، علومًا ما قرأنا في كتابٍ؛ وما تلَّقاها عنا من الثقات ولكن في المصائب وفي الشدائد يعلِّم سبحانه وتعالى.
كثير ناس بسبب مصيبة وقعت له و رجع خيِّر، وصلَّح حساباته مع ربه وانتقل حاله، بعضهم في مصيبة حفظ القرآن، بعضهم في مصيبة رجعوا وحبسوه ورجع خرج حافظ القرآن، يقوم الليل كان لا يقوم الليل طول عمره من بعد الحبس يقوم الليل، ثم تمسك بقيام الليل إلى أن يموت، حصَّل درجات؛ فصار اللي حبسوه أساتذة غير مشكورين! هم أساتذة لكن غير مشكورين ما لهم أجر، ما لهم نية صالحة؛ ولكن هم أساتذة له وسبب بجلب الخير ألا أنهم غير مشكورين ولا مأجورين. لا إله إلا الله.
جاء واحد عند الحبيب علي الحبشي من طلبته، يقول كيف هذا مر علينا الوقت، ما انتبهنا، ما عرفنا الأشياء، ما ارتقينا، قال:
كل الذي يرجون فضلك أُمطروا *** ما كان برقك حُلّبٌ إلا معي
قال الذي معه هكذا، إذا قد أوقفك على بابه أشكره، وإذا جعلك مع أحبابه فاسجُد شكر له، وأعلم نعمته عليك، وأعلم أن في العطاء منع، وأنشد هذه الأبيات:
يا نفسُ إن لم تظفري لا تجزعي *** وَإلى موائد جود مولاك اهرعي
وإذا تأخر مطلبٌ فلربما *** في ذلك التأخير كل المطمع
فاستأنسي بالمنع …….. *** ……………
كما تستأنسين بالعطاء، يا أيها النفس استأنسي بالمنع؛ لأن المعطي المانع محبوب، والمعطي المانع كريم ورحيم أرحم بك من نفسك، فإن أعطى وإن منع استأنس بذلك، ما منعك إلا من سوء، ولا منعك إلا لحكمة ومصلحة لك.
فاستأنسي بالمنع وارعي حقه *** إن الرضى وصف المنيب الألمعِ
بعد ذلك يقول:
إن العطا إمداده متنوع *** يا حُسْنَ هذاك العطا المتنوع
ورَدُوا على نهر الحياة وكلهم *** شربوا وكم في الركب من متضلّع
حاشا الكريم يردّهم عطشى وقد *** وردُوا وأصل الجود من ذا المنبع
ناس جاءوا من هنا ومن هنا، وناس يتابعون عبر القنوات، وناس… وبعدين بيمنعهم ما بيعطيهم؟!
حاشا الكريم يردّهم عطشى وقد *** وردوا، وأصل الجود من ذا المنبع
يارب لي ظن جميلٌ وافرٌ *** قدّمته أمشي به، يسعى معي
كل الذي يرجون فضلك أُمطروا *** حاشاك أن يبقى هشيمًا مربعي
بدَّل البيت حق ذاك الرجل الذي أستشهد به، وكان قال: ما كان برقك حُلّبٌ إلا معي، وهنا قال:
…………… *** حاشاك أن يبقى هشيمًا مربعي
صلَّح الوضع سواء، صلَّح الكلام سواء، الله أكبر!
…………… *** حاشاك أن يبقى هشيمًا مربعي
ثم الصلاة على النبي محمد *** سببي القويّ إلى المقام الأرفع
توَّسل بحبيب الله، ولا تيأس مما عند الله، والمنع فيه أُنس للصادقين مع الله تبارك وتعالى، الله أكبر!
"يُسْتَجابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ، يقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي"، بل أكثِر الدعاء، "فالاستجابة إليه لا إليك، وفيما يختار -هو- لا فيما تختار لنفسك، فلا تختص بمرادك دون مراده، بل مرادك إن وافق الدعاء وقته، وخصّصت الإرادة فعله، برز على وفق مراده، وسُمّيَّ استجابة عاجلة". كانوا كثير من الأكابر يخافون من الاستجابة العاجلة هذه؛ لأنه من جملة الأشياء التي قد تحصل ما بين العباد وربهم أن الله سبحانه وتعالى إذا دعى عبد من عباده -وهو يحبّه- في حاجة طرأت له يقول للملائكة: "أخّروا حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته" دعوه، -الليلة والثانية والثالثة… دعوه في الليل والنهار، فأنا أحب أسمع صوته، الله!...
"ويقول لآخر:" إذا بدأ يدعو في حاجة، يقول: عجّلوا إجابة دعوته، "إني أكره أن أسمع صوته" نعوذ بالله من غضبه. لماذا أيش بيفيده يحصل أي شيء والله يكرهه! نعوذ بالله من غضب الله.. قالوا: "وهذا على الندور، وأما في غالب الأحوال فإن الله يُكرِم أوليائه بإجابة دعائهم وتعجيل مرادهم" ولكن على مراتب، "ولكن موقوفٌ على مراده، فلا يتقدم وقته، ولا يتعدى حده، فمتى استعجلت الإجابة فقد تحكمت عليه في ملكه، ولم ترضَ بقضائه، ولم تصبر على بلائه".
ولهذا أرشدنا النبي أن ننظر بالمشاعر والأحاسيس:
- في شؤون الدين دائمًا إلى من هو فوقنا، إلى من هو أعلى منا.
- في شؤون الدنيا إلى من هو تحتنا وأقل منا، على ظهر الأرض من لا يجد غداء ولا عشاء، على ظهر الأرض من لا يجد ثوب يلبسه، على ظهر الأرض موجودين كثيرٌ ألا تراهم؟ قال انظر إلى هؤلاء..
فمن نظر في دينه إلى من هو فوقه أو من في الدنيا إلى من هو تحته كان حَريًّا أن يُكتب عند الله شاكرًا ذاكرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، وفي دنياه إلى من هو فوقه لم يُكتب شاكرًا ولا ذاكرًا.
وبعد ذلك يقول: وهذه "مضادة هذه الأحوال للعبودية ومنازعتها للربُوية، واتهمت من لا يُخلف الميعاد في وعده، فَيعود وبال ذلك عَليك"، والحق يقول: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي"، وقد أيستَ من الإجابة، فيخشى أن تعامل بسوء ظنك، حيث قطعت بعدم الإجابة، فيقال لك: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) [فصلت:23].
فالإجابة لها أوجهٌ ومقاصد، فمنها: ما يؤخر لآخرتك" وهذا أنفعها، حتى يقول: "يبعث الله رجلا فيقول الله له: يا عبدي لما لا تدعُني وقد أمرتك بدعائي؟ فيقول: قد دعوتك"، يا رب دعوتك كثير كنت أدعوك في الدنيا، "فيقول: ألم آمرك برفع حوائجك إلي؟ فيقول: بلى وقد رفعتها إليك"، يا رب "فيقول الله: ما سألت شيئًا إلا أجبتك فيه؛ لكن أنجزتُ لك البعض في الدنيا وما لم أنجزه في الدنيا فهو مدخر لك فخُذه الآن"؛ فيمتد له من النعيم بسَاطه، يفرح، يقول يا ليته لم يستجب لي ولا دعوة واحدة في الدنيا، يا ليت ما قدم لي شيء أبدًا!.. "فيقول ذلك العبد: ليته لم يقضِ لي حاجة في الدنيا" يا ليت خلَّى الدعاء كله لأحصل مثل هذا النعيم يا الله، فيتمنى أنه كل دعاءه أُجِّل.
يقول أنس عن النَّبي ﷺ: "ما من داعٍ يدعو إلا:
- استجاب الله دعوته
- أو صرف عنه من السوء مثلها
- أو حطَّ عنه من ذنوبه بقدرها
"ما لم يدعُ بإثمٍ"؛ يدعو بضر لواحد مسلم أو بنزول بلية على واحد، "أو قطيعة رحم" ويخالف بين الناس، أو يؤذي أرحامه… ما هذا الدعاء! هذا يكرهه الله، ويرجع وباله عليه، ولهذا يُقال: دعاء من غير حق ما يلحق؛ ما يصيب إلا صاحبه الداعي.
"فإذا علمت ذلك فاعلم أن الدعاء أيضًا قد يتلقى من البلايا ويدفع من الذنوب والخطايا" ما لو علمت ذلك "لكنتَ تود على الكشف أنها لم تقضَ لك حاجة" لا إله إلا الله، "ومن الدعاء ما يظهر أثره في المدعو فيه إلا أنه قد يكون عاجلًا وقد لا يأتي وقته إلا بعد، كما في دعاء موسى -صلَّى الله عليه وعلى نبينا- على آل فرعون حيث قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) [يونس:88]. قال الله جلَّ ذكره: (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) [يونس:89]"، وبعد سنين ظهر أثر الإجابة "(وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [يونس:89]. وهم الذين يستعجلون الإجابة".
فإذًا الناس في الدعاء:
- عامةٌ.
- وخاصةٌ.
- وخاصة الخاصة.
"فأما العامة: فحالهم في دعائهم وغاية مقصدهم الظفر بحاجاتهم ونيل مرادهم"؛ هذا هو، حولها يدندن ما يريد إلا هذا، هذه طبقة قاصرة، وهمّهم الدنيا، ويقلّون الأدب مع المدعو جلَّ جلاله.
قال: "الخاصة فهم في الدعاء بحكم العبودية"، هم عبيده وهو ربهم ويسألونه الحاجات عبوديةً له، الله أكبرّ.. فالدعاء عبادة، "(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)"؛ يعني: دعائي "(سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60]"، قال ﷺ: "الدُّعاءُ مُخُّ العِبادةِ"، الدعاء هو العبادة، فندبهم إلى الدعاء فضل منه وكرم، و "إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ"، عاده، له الحمد، قال:
الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبني آدم حين يُسألُ يغضبُ
إذا سألت أحد حتى واحد كريم من الناس، ثاني مرة، ثالث، رابع… يبدأ يتغير عليك حتى لو هو كريم، يقول أيش معه هذا!.. لكن ربك كلما ازددت.. يفرح منك ويحبك، "يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ"، هو الكريم على الحقيقة هو، سبحانه عز وجل، "إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ"، الله الله الله الله.
وبعد؛ "فحاجة العبد إلى الله وإن قضيت حاجة تجددت له إليه حوائج اضطرارية في دوام أنفاسه"؛ فهو في عبوديته لله.
فوقهم طبقة، خالص المحبة ولذاذة المناجاة هو الذي يحملهم على الدعاء، قوة محبتهم للرب والتذاذهم بمناجاته هو الذي يدعوهم، فهِمّتُهم ومرادهم وتشوّفهم إلى لذاذة المناجاة وحلاوة القرب من الرب، وإذنه لهم بسؤاله، يسألونه، يسألونه، يسألونه، يتكلمون معه كثير.
لهذا قالوا سيدنا موسى أطال الكلام لمّا خاطبه ربه، من لذاذة المخاطبة والمناجاة، (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ)، هو يقول عصايَّ ويسكت، لا؛ (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ) [طه:17-18], يزيد الكلام لماذا؟ يلتذّ بالمناجاة، يخاطب من؟ يُكلم من؟ يطيل الكلام مع الرب، أحد تحبه كثيرًا ويعز عليك ما تود أن تسكت معه، تود أن تُطيل الكلام معه، تبحث عن كلام أي شي تريد تتكلم، تلتذ بمخاطبته. وإذا وعد عرفت الرب لا شيء ألذ من مخاطبته، -الله الله الله- قال سيد المناجين: "أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا!". دموعه كل ليلة تجري ﷺ، كل ليلة تجري دموعه، في قيامه، في سجوده، في قعوده، ﷺ، ولا أحد أعرف بالله منه، صلوات ربي وسلامه عليه.
قال سيدنا موسى: "يا رب، قال الله: لبيك"، تجيبني بهذه؟ "قال: هذا لي خاصة أو لعبادك عامة؟ قال بل لكل من دعاني بهذا الاسم"؛ عرف ربوبيتي وقال لي يا رب، أقول له لبيك.
يا رب قل ياربنا ياربنا ياربنا ياربنا ياربنا انظر إلينا واعفُ عنا وقربنا إليك زلفى، و اربطنا بحبيبك المصطفى، واحشرنا جميعًا في زمرته، احشر جمعنا، وأهلينا، وأولادنا، وطلابنا، و أحبابنا، وأصحابنا، يا مجيب الدعوات، وأذقنا برد عفوك وحلاوة رحمتك، ولذة مناجاتك يا الله.
والذي يستحلُون بنداء ياا لله كثير في الدنيا حلاوتهم بلقاء الله أكثر في العُقبى، وبالنظر إلى وجه الله أكثر، لأنهم استحلوا بذكر اسمه أكثر في الدنيا؛ الله، الله، "هؤلاء ليس لهم غرضٌ في مطلوب، ولا خوفٌ من مرهوب إلا حب تلبية ربهم، وتعرّضًا لمجاورته، ولذيذ مُحاورته، وصافي مواصلته؛ فأي عطاء أفضل من ذلك! وأي حاجة أنجح مما هنالك"، يا رَبُّ وفقنا..
فهذا شأن الدعاء فأكثِر من الدعاء، واغنم الدعاء مع الداعين، وإن قدرت على ساعة السحر ووجدت لك جماعة مجتمعين ومعهم ملائكة ومعهم أرواح، ادخل بينهم، حط رأسك بينهم، وعسى يصيبك الرحمة التي تنزل عليهم في تلك الساعة، وربي يقول: لبيك لبيك لبيك… ما دريت إلا وقال لك أنت لبيك، وأصبحت شخص ثاني ما عدت على ما كنت عليه بالأمس، وأشرقت على قلبك شمس، ونلِت من الحق أُنس، ودخلت دوائر محبوبين من أهل القدس، يا رب.
وكان بعضهم يحب يكرر يا ربنا يا ربنا يا ربنا خمس مرات، ويرى أن الدعاء بعده مستجاب، ويقول أن الله لما ذكر أولي الألباب ذكر خمس مرات ربنا،
-
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا) 1..
-
(مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا) 2..
-
(إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ* رَّبَّنَا) 3..
-
(إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا * رَبَّنَا) 4..
-
(فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ* رَبَّنَا) 5..
(وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، بعدها (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) [آل عمران:191-195]. فيقول: يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا ويدعو بما أراد وهو المراد.
يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا، واكشف كروبنا، وخُذ بأيدينا وقربنا إليك زلفى، واغفر جميع ما كان منا، وامحُ جميع خطايانا، واغفر زَللنا وسيئاتنا وبدِّلها إلى حسنات تامات موصلات، وارضَ عنا، وارضَ عنا، وارضَ عنا رضوانك الأكبر، يا كريم، يا كريم، يا كريم، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، اجمعنا بسيد المرسلين في الدنيا والبرزخ والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
14 ذو القِعدة 1440