شرح قصيدة (لذاتي بذاتي) - 4 | من قوله: وخلف حجاب الكون ما أنت طالب

للاستماع إلى الدرس

الدرس الرابع للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في كتاب: شرح قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي: (لذاتي بذاتي) للحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط.
مساء الإثنين 21 محرم 1448هـ

ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن.

من أبرز ما جاء الدرس:

  • مفهوم مرتبتي التقييد والإطلاق وعلاقتهما بوجود الكائنات وعدمها
  • إيجاد العالم مظهر لاسم الله "الرحمن" وللرحمة الإلهية
  • تنزيه أفعال الله تعالى عن الأغراض وارتباطها بالحكمة
  • نظرة العارفين للأكوان ومسألة "وحدة الوجود" بمعناها الصحيح والباطل
  • الحكمة الإلهية من التكليف ومسألة التكليف بالمحال
  • أفعال الله تعالى بين محض الفضل ومحض العدل وتنزيهه عن الجور
  • بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي وإثبات اختيار العبد

وخلفَ حِجَاب الكَون ما أنتَ طالبٌ *** ومن لفظَة المقهُور يلزَم قاهرُ
تأمّلْ حروفَ الكائناتِ فإنَّها *** تشِير إلى معنًى به أنتَ حائرُ

نص الدرس مكتوب:

 

وخلفَ حِجَاب الكَون ما أنتَ طالبٌ *** ومن لفظَة المقهُور يلزَم قاهرُ

 

هذا البيتُ معناه مؤكدٌ لما قبله. والمخاطبُ بقوله "ما أنت طالب" هو المريدُ السالكُ طريقَ الإعراضِ عن السِّوَى. أي: ما تطلبُه أيها الطالبُ كائنٌ خلف الحجابِ الذي هو الكَون. فالإضافةُ هنا بيانيةٌ. والمطلوبُ هنا مطلبُ العارفين، وغايةُ ما يرومُونه من ربّهم تجلّيه عليهم بجمالِه المطلق. ولهذا الجمالِ جلالٌ، هو: احتجابُه بتعيُّناتِ الأكوان. كذا قاله في "جامع أصول الأولياء". قال: "ولما كان في الجلالِ ونعُوتِه معنى الاحتجابِ والعزّة؛ لزِمَه العلوُّ والقهر من الحضرة الإلهية"، انتهى.

وبهذا ظهَر معنى كلام الناظِم: "ومن لفظَة المقهور"، الخ. أي: ويلزم من لفظةِ (المقهُور) وجودُ قاهرٍ، إذ المقهورُ لابدَّ له من قاهِر، والقهرُ لازمٌ للجَلال. 

ثم اعلم أنّ العبارة في مثل هذا مقرّبةٌ للأفهام، ولا يعلمُ هذا الجمالُ الأسنى إلا بالذَّوق. والأمورُ الذوقيةُ لا يكشفُها العبارات، ودونك ما أشارُوا إليه بكلامِهم المنظوم:

ولما تجلى من أحبُّ تكـرُمـاً *** وأشهَدني ذاك الجمالَ المعظَّمـا

ترفَّـعَ لـي حتى تيقنـتُ أننـي *** أراهُ بعينـي جهـــرةً لا توهّمــا

 وفي كل حال أجتَليه ولم يزَلْ *** على طُور قلبي حيث كنتُ مكَلّما

 وما هو في وصْفٍ بمتَّصلٍ  ولا *** بـمنفَصلٍ عنـي وحاشاهُ منهما

وما قَدرْ مثلي أن يحيط بقَدْره *** وأين الثرى من رِفْعة القَدْر أينما

أشاهدُه في صفْوِ سرّي فأجْتلي *** جمـالاً تعالَـى عـزُّه أن يقَسَّما

 كما أن بدْرَ التمِّ يظهَرُ وجهُه *** بصَفْو غديرٍ وهو في أفُقِ السما

 

 الحمد لله العلي الأعلى، الباطن الظاهر، الذي ليس أجلَّ منه، ولا أعلى، ولا أظهر ولا أبطن في شأنٍ من الشؤون حِسًّا ومعنى، لا إله إلا هو، منه المبتدأ وإليه المصير، له الملك وله الحمد، يُحيي ويُميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. 

ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أعظم الخلائق به معرفة، اصطفاه جل جلاله وقرّبه وصفّاه ونظفه، وجعله المجلى لتجلِّياته لمن كرَّمه وشرفه. 

اللهم أدم صلواتك على البدر المنير والسراج المنير سيدنا محمد البشير النذير وعلى آله وصحبه، وعلى من والاه واقتدى به، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين.

وبعد؛ 

فإن من أعظم ما يتميز به المؤمن الصادق في طلباته وفي رغباته وفي مُراداته، شؤون أجلّ من هذه الكائنات التي أُبرزت علامات لعظمة الحق تبارك وتعالى، ودلالاتٍ على جلالِه، لتمْتلئ قلوب العقال أولي الألباب من المكلفين بإعْظامه وإجلاله سبحانه وتعالى، وليكون هو قصدهم دون ما سواه سبحانه وتعالى. 

بذلك امتاز المؤمن في طلباته وفي رغباته، فهو يطلب قربًا خاصًّا من الرحمن، ومعرفة خاصة بالملك المنان -جل جلاله-، ورضوانًا منه أعلى وأجل وأكبر سبحانه وتعالى، ومواصلات يواصل بها أحبابه بما يذوقون من لذيذ وصاله. كل هذه الأشياء وراء هذه الأكوان، وأعظم من هذه الأكوان، وأجل من هذه الأكوان. ومن وقف مع الأكوان لم يصل إلى نيل هذا العطاء الغالي من الرحمن -جل جلاله-، وما أشار إليه من الود في قوله في القرآن: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) [مريم:96].

  • فمطلب جميع الكافرين والغافلين هذه الكائنات وما فيها، بل ما يصلون إليها، وأنّى يصلون إلى جميع الكائنات والموجودات، ولكن ما أدركوه منها وما تمكنوا من الوصول إليه، وينحَجبون فيه وينحَصرون فيه. 
  • لكن المؤمن الصادق: "وخلف حجاب الكون ما أنت طالبٌ" الذي أنت تطلبه وراء هذا الحجاب، وراء هذه الكائنات، وراء هذا الوجود علوي وسفلي، وهو قربك من الحق المعبود، ومعرفتك الخاصة به، ومحبتك له، ونيلك محبته ورضوانه ورضاك عنه -جل جلاله-. هذه شؤون عظيمة وراء هذه الكائنات وما فيها.

وخلفَ حِجَاب الكَون ما أنتَ طالبٌ *** ………………

 

ولكنك وهذه الكائنات مقهورون بقهره، فلابد أن من وراء المقهور قاهر، لا يكون مقهوراً من غير قاهر، فسبحان الواحد القهار -جل جلاله-، الذي يقهر عباده بخلقهم وإيجادهم، ثم بتصريفهم كما شاء، ثم بإماتتهم، ثم ببعثهم، ثم بالحكم عليهم؛ فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، والكل تحت هذا مقهورون لا يشذ منهم أحد. 

وهكذا فيما خلق للملائكة -عليهم السلام- واصطفاه لهم واصطفاهم له، هم تحت هذا القهر الإلهي، ثم يموتون أيضًا كلهم، ثم يبعثون كلهم ويسخرون لما أحب منهم: (وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:27-28].

فوراء المقهورات قاهر، والمَقهورات؛ جميع الكائنات والمبدَعات، والمطلوب هنا مطلب العارفين، 

يقول: "ما أنت طالبٌ"؛ أي: يا أيها "المريدُ السالكُ طريقَ الإعراضِ عن السِّوَى"؛ الإعراض في الطلب والإرادة والرغبة عن السوى؛ عما سوى الله -جل جلاله وتعالى في عُلاه-. فهم في حقائق توحيدهم.. لا يخشون إلا الله، ولا يرجون إلا الله، ولا يحبون إلا الله، ولا يطلبون إلا الله -جل جلاله- ولا يريدون إلا الله..

وأشار الحق إليهم بقوله للنبي: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف:28]. لا تصرفها عنهم، لا تتجاوزهم إلى غيرهم.

إذًا قال: أي ما تطلبه أيها الطالب كائنٌ خلف الحجاب الذي هو الكون. إذًا فاحذر أن تنقطع بهذا الكون وتقف عنده، بل امضِ فيه، وهذه حجب ظلمانية تقطعها بالسير عنها، فتواجِهك كثير من الأنوار والشؤون الغيبية الملكوتية، فلا تقف عندها ولا تنقطع بها أيضًا. وإن كان المنقطع بالحُجب النورانية خير من المنقطع بالحُجب الظلمانية، ولكنه لا يزال محجوباً، أما هو أعظم وأهم وأكبر من حقائق قرب هذا الإله وحقائق معرفته وحقائق محبته -جل جلاله- وحقائق رضوانه الأكبر سبحانه وتعالى.

إذًا قال: "والمطلب هنا مطلب العارفين وغاية ما يرومونه من ربهم تجلِّيه عليهم بجماله المطلق" سبحانه وتعالى. 

واشهد جمالاً أشرقت أنواره *** في كل شيء ظاهرًا لا خافي

فتصير الأشياء كلها لك مرآة وزجاجة تنظر منها إلى حقائق عظمة المقدِّر المدبِّر المصوّر الفاطر المبدع البارئ الخالق المنشئ الرافع الخافض المعطي المانع الحق الحي القيوم -جل جلاله وتعالى في علاه-، الله، لا إله إلا الله. 

قال: "ولهذا الجمال جلال هو احتجابه بتعينات هذه الأكوان، كذا قاله في "جامع أصول الأولياء"، ولما كان في الجلال ونعوته معنى الاحتجاب والعزة، لازمه العلو والقهر من الحضرة الإلهية."

فهذه الكائنات مقهورة، والقهار هو الله سبحانه وتعالى، فلا تملك الكائنات بجميع أصنافها مع الله ذرة في ملكه، ولا تملك لنفسها ولا لغيرها ذرة من نفع ولا ضر ولا خير ولا شر ولا تقريب ولا إبعاد، وما هي إلا مجرد مصوَّرات مكونات مسيرات ميسرات لما خُلِقْنَ له بحسب إرادة الخالق وحده جل جلاله وتعالى في علاه. 

فإذًا؛ لا يستطيع النبات أن يجعل نفسه حيوانًا، ولا الحيوان أن يجعل نفسه نباتاً بنفسه، ولا الإنسان أن يجعل نفسه حيواناً غير الإنسان، ولا أن يجعل نفسه نباتاً، الكل مقهور، الكل مقهور تحت الواحد الأحد جل جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا جميع من في الوجود، من منهم قدَّر لنفسه وقتاً يوجد فيه؟ من منهم قدَّر لنفسه لوناً ينصبغ به؟ من منهم قدر لنفسه أُمّاً تكون هي دون غيرها أمّه؟ من منهم قدر لنفسه أباً يكون هو أبوه دون غيره؟ ولا شيء من هذا، لا أحد بيده شيء، مقهورون كلهم تحت القهر، وهذا هو معنى السجود كَرْهاً، هم ساجدون كَرْهاً لله. 

من يعقلون؟ يتأبّون ويعاندون ويكفرون ويلحدون وهم تحت القهر من بدايتهم إلى نهايتهم، ولكن بما آتاهم من اختيار وإرادة يحصل منهم هذا العناد وهذا الجفاء وهذا الكفران، فيستحقون بذلك العذاب والعياذ بالله تعالى والغضب والسخط والعقاب والنار، أجارنا الله من ذلك. هذا بالنسبة لجميع المكلفين. لا إله إلا الله. قال: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام:61] جل جلاله وتعالى في علاه. 

وهكذا من عندك في الوجود ممن يوصف بالقدرة أو الإمكانية أو استخدام الوسائل.. يفعل ما يريد؟ من منهم ما جرى أمر حتى وسط بيته بغير ما يريد؟ ولا واحد منهم. حتى وسط بيته تجري أشياء ما يريدها، في جسده يجري ما لا يريد. أليس هذا صاحب الإمكانية؟ تصاب عينه بما لا يريد أن تصاب، تصاب معدته بما لا يريد أن تصاب. عجب! أين القهار؟ أين صاحب الملك الحقيقي -جل جلاله وتعالى في علاه-؟ الكل مقهور تحت الجلال والعظمة والكبرياء. 

ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، وحالهم مع العظمة الإلهية كحال المنافقين والكفار مع سيد الوجود البدر المنير الساطع: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]، ينظرون إليك وأنت آية من الآيات الكبرى على الرحمة، ما يبصرون، ما يرون هذا النور الساطع عليك، ما يرون هذه الحقيقة التي جَمعت خصائص آتيناكَ إياها واختصَصناك بها من دون البرية. لا إله إلا الله. سبحان الله، الله يرزقنا كمال الإيمان واليقين والعبودية والأدب والخضوع والخشوع والإنابة والاستقامة يا رب العالمين.

 

قال: "إذ المقهورُ لابدَّ له من قاهِر، والقهرُ لازمٌ للجَلال. 

ثم اعلم أنّ العبارة في مثل هذا مقرّبةٌ للأفهام، ولا يعلمُ هذا الجمالُ الأسنى إلا بالذَّوق،  والأمورُ الذوقيةُ لا يكشفُها العبارات". لا تكشفها العبارات. وهكذا، حتى الأذواق الحسية، فضلاً عن الأذواق المعنوية الروحية التي لا تُذاق إلا بالقلب والروح. 

الأذواق التي تُذاق حتى بالطعم الحسي لشأن، ما تعبر عنها العبارات، ما تعبر عنها. هل هناك فرق بين طعم الموز وطعم التفاح وطعم البطيخ وطعم الرمان وطعم الأرز؟ فيه فرق أم كلها سواء؟.. لا، ليست سواء. عبِّر عنها!... رُح كل أرز، كل رمان، كل عنب بتعرف الفرق بينها. 

طيب عندك السكر حالي، نعم، رمانة حالية، نعم، الموز حالي، نعم، حلاوتها واحدة؟ لا، عبِّر عن الفرق بين حلاواتها!...الرمان حالي ما هو مثل العنب، العنب حالي ما هو مثل الرمان…  إيش تقول؟ هذا ذوق، رُح ذوق بتعرف الفرق، أنا بقعد بجيب لك كلام ما بتجي عليها ولا بتفهمها وتزيدك إشكال وغموض، ولا طريق إلا أن تذوق. وهكذا..

ولو كلت ألفي رطل خمر لم تكن *** لتصير نشواناً إذا لم تشرب

قال: لو تكيل الخمر فقط، تكيل حتى ألفين رطل تكيل؛ ما تأتيك النشوة ولا سكر إلا بالشرب. وهذه الأشياء ما تعرفها إلا بالذوق. اللهم يا من أذاق الصالحين مذاقات قربه وحبه أذقنا، أذقنا برد عفوك وحلاوة رحمتك ولذة مناجاتك، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

قال:

ولما تجلى من أحبُّ تكـرُمـاً *** وأشهَدني ذاك الجمالَ المعظَّمـا

ترفَّـعَ لـي حتى تيقنـتُ أننـي *** أراهُ بعينـي جهـــرةً لا توهّمــا

صارت بصيرتي تشاهد هذه العظمة كما تشاهد العين مني هذه الأجسام وهذه المحسوسات، فصارت مباشرة أشاهدها بالبصيرة، وشهادة البصيرة أقوى من شهادة البصر، فلهذا قال: "أراه بعيني جهرةً لا توهّما".

 وفي كل حال أجتَليه ولم يزَلْ *** على طُور قلبي حيث كنتُ مكَلّما

 وما هو في وصْفٍ بمتَّصلٍ  ولا *** بـمنفَصلٍ عنـي ………..

قال هذه صفات الأجسام والكائنات متصل ومنفصل، قال: ابعد! أنا ما أشركت به ولا ادعيت حلوله فيّ ولا في غيري، أنا أعلم نزاهته وقدسيته تعالى وعلوّ شرفه وعظمته - جل جلاله- فليس بمتصل بشيء ولا منفصل عن شيء؛ لأن كل شيء لو قُدّر انفصاله عنه؛ يعني: انفصال إرادته وتسييره وخلقه وإيجاده وتكوينه ماذا يكون؟ لا يكون شيء، ما يتأتى شيء ينفصل عنه بهذا المعنى. لكن ليس الانفصال عن الذوات والأجرام بعضها البعض. ولا بمتصل به، حاشاه سبحانه وتعالى. 

  • فهو من حيث كونه متصل بإرادته وقدرته وإحاطته وقهره وتعيينه وتقديره، نعم، وكل شيء.
  • لكن ما هو اتصال يسري إلى الأذهان من اتصال الأجسام والكائنات، حاشاه. 

فما كان من اتصال وانفصال للأجسام يتصف بهذا الوصف، فالحق منزه عن ذلك: 

 وما هو في وصْفٍ بمتَّصلٍ  ولا *** بـمنفَصلٍ عنـي وحاشاهُ منهما

وما قَدرْ مثلي أن يحيط بقَدْره *** وأين الثرى من رِفْعة القَدْر أينما

أين الثرى من رفعة البدر؟ تراب وبدر قمر فوق، كم مسافة بينهم؟ هل هم سواء؟! ليسوا سواء، هذا تحت هذا فوق، هذا مخلوق مع مخلوق، فكيف بالكائنات كلها مع الخالق أرفع وأجل وأعلى وأعظم سبحانه وتعالى.

………………………….. *** وأين الثرى من رِفْعة القَدْر أينما

أشاهدُه في صفْوِ سرّي فأجْتلي *** ………………………

يقول ﷺ: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". 

يقول:

أشاهدُه في صفْوِ سرّي فأجْتلي *** جمـالاً تعالَـى عـزُّه أن يقَسَّما

 كما أن بدْرَ التمِّ يظهَرُ وجهُه *** بصَفْو غديرٍ …………..

غدير الماء تنظر فيه ترى البدر فوق في السماء، تأتي تنظر وتراه تحت، تدخل وسط الماء لا تجده. ما هذا؟ ما هو ذات البدر، وذات البدر أكبر من أن تنزل تحت الماء، ذات البدر مرفوع فوق والماء تحت في الأرض. 

وأنت لما يأتي يتجلى عليك البدر في الماء، ترى البدر بجماله العجيب البديع، هذا تجلّي، هذا التجلي. فإذا قلت رأيت البدر ما نقدر نكذّبك، ولكن إذا قلت رأيت ذاته نقول لك لا، ذاته فوق ما هو هنا. 

وكذلك رؤية الخلق لعظمته وقدرته -جل جلاله-، ذاته أكبر وأجل. ولكن تجلّيه سبحانه وتعالى حتى يكون أجلى وأعظم ما يتجلى به على المؤمنين في الجنة، فسمّاه ﷺ بالرؤية وبالنظر، وسمّاه: "يرون ربهم"؛ يعني: يصلون إلى حدود عظيمة من تجلِّيه عليهم، أما قدسيته فما هي إلا هي إلى الأبد وإلى السرمد، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد) [الإخلاص:4]. وأما معاني قربه فقد قال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16].

 

قال رضي الله عنه وعنكم:

[شرح البيت العاشر]

ثم قال الناظم:

تأمّلْ حروفَ الكائناتِ فإنَّها *** تشِير إلى معنًى به أنتَ حائرُ

 

أرشَد إلى الاستدلال على الصَّانع الحكيم بالمصنُوعات، وهي المرادُ بحروف الكائنات. من إضافة المشبَّه به للمشبّه. أي: الكائناتُ المشبَّهة بالحروف في الانتظام والانتساق. ووجهُ الشبَه: دلالةُ كلٍّ إلى المطلوب.

فالحروفُ دالةٌ على الألفاظِ الدالّة على المعاني. والكائناتُ دالةٌ على موجدها، إذ لابدَّ لها من مُوجِد. ففي كل جزءٍ من هذه المصنوعات دلالةٌ كامنةٌ على أن الله هو خالقُها من غير شريك ولا معين. فمَن نظر في المصنوعات العلوية كالشّمْس، والقمرِ، والسماء، والجنة والنار وما في كل منهما من النعيم والعذاب. 

وفي المصنوعات السفلية، كالأرضين، والجبال، والأنهار، والشجر، والدواب، وبني آدم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، إلى غير ذلك. وفي اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب، ودوران الفلك، على ما في جمع ذلك من غاية الإحكام، وجَودة الانتظام، من غير اختلاف في زمان ولا مكان؛ شهِد بوَحْدانيته تعالى لا شريك له ولا منازع. ولله در القائل:

فواعجباً كيف يُعصَى الإلهُ *** أم كيفَ يجحَدُه الجاحِدُ

 ولله في كُلّ تسْكينَةٍ *** وفي كلّ تحريكَةٍ أثرٌ شَاهِدُ

وفي كُلّ شيءِ له آيةٌ *** تدلّ على أنه الواحِدُ

 

عز وجل تعالى في علاه. 

يقول: "تأمّلْ حروفَ الكائناتِ"، فالكائنات بجميع أصنافها حروف، أرضها وسماها، ترابها وحجرها وشجرها كلها حروف، حروف حروف، تدلك على الصانع المكوِّن -جل جلاله-، كما تدلك حروف الآيات على معاني الآيات في القرآن الكريم. فكذلك هذا القرآن المنظور وذلك القرآن المقروء المتلو المنزل على زين الوجود ﷺ. والكون كله حروف كذات جُمَل تدلك على جمال الذي صنع وعظمة الذي أبدع، جل جلاله وتعالى في علاه.

فبذلك ينبغي ألا تقطع نفسك! إلى متى وأنت يمر عليك في الإسلام سنة بعد سنة، مؤمن بربك جل جلاله وأنت مع الكائنات في الكائنات محجوب؟! مثلك مثل من لم يؤمن بالله، ولم يخرج عن قصد هذه الكائنات إلى قصد مولاه بصدق حتى يشهد من جلاله وجماله ما لا أقل من أن ينال مرتبة الإحسان؛ أن يعبد الله كأنه يراه. هذا تعبيره ﷺ: "كأنك تراه"، الله أكبر! وهو الأعلم بعظمة الحق وقدسيته سبحانه وتعالى ونزهته، "كأنك تراه"؛ أي: تصل إلى حالٍ من تجلِّيه عليك كأنك تشاهده شهود عيان.

قال سيدنا حارثة -عليه رضوان الله-: "وأصبحت كأني أرى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون فيها، وأسمع أهل النار يتعاوون فيها". قال: "عبدٌ نوّر الله قلبه، عرفت فالزم". 

فيجب أن نحرِّر لنا قصدًا إليه سبحانه وتعالى، فيكون لنا هو المقصود، حتى لا تكون مقاصد اجتماعاتنا و لقاءاتنا وطلبنا للعلم وأخذنا و صلواتنا وعباداتنا إلا هو -جل جلاله وتعالى في علاه-. فمن أجله، ومن أجل قربه، ومن أجل رضاه.. نصلي ونعبد ونجتمع ونتذاكر ونتذكر ونتبصر، فهو المقصود، المقصود أكبر من هذه الوجودات ومن هذه الكائنات كلها. 

فليكن لنا طلب صادق وتعبير عن هذا الطلب بانقطاعٍ إليه، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا). [المزمل:7-8] تبتّل إليه؛ انقطع إليه انقطاعًا. اتخذنا الله وكيلاً وحسبنا الله ونعم الوكيل. 

يا رب توكلنا عليك في جميع الأحوال والشؤون، فأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وعلى قطع هذه الحُجُب والكائنات وقطع التفاتنا إليها، حتى نشهد من جمالك وجلالك وكمالك ما به نرقى أعلى مراتب الإحسان والمعرفة الخاصة والمحبة الخالصة، آمين.

قال: "فالحروف دالة على الألفاظ الدالة على المعاني، والكائنات دالة على موجدها"، بل هذا سماها حروف الكائنات، إضافة المشبه به إلى المشبه،  المشبهة بالحروف في الانتظام والانتساق، وجه الشبه دلالة كلٍّ على المطلوب. "الحروف تدلك على الألفاظ التي تدل على المعاني، والكائنات تدلك على موجدها، إذ لابد لها من موجد، ففي كل جزء من هذه المصنوعات دلالة كامنةٌ على أن الله هو خالقها من غير شريك ولا معين". لا إله إلا الله.

  • (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ). 
  • ويقول سبحانه وتعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ). 
  • ثم يقول: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ).
  • ويقول: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ)  

[الواقعة:58-72]. 

كلها حروف تقول لك: ربي، ربي، ربي وربك! اتقِ ربي وربك! اخْضع لربي وربك! اخشع.. تقول: نحن ونحن جمادات ما بلغنا مستواك في الفهم والإدراك، نسبح بحمده ونهابُه، أنت آدمي أعطاك قوة عقل، سمع، بصر، ما تهابه؟ ما تخافه؟!..

قال سيدنا نوح: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) هيبةً وإجلالاً. مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ)، شوفوا الحروف الدالة على عظمة المكوِّن، (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) [نوح:13-18]. لا إله إلا الله، الله أكبر.

قال: "فمَن نظر في المصنوعات العلوية كالشّمْس، والقمرِ، والسماء، والجنة والنار وما في كل منهما من النعيم والعذاب. 

وفي المصنوعات السفلية، كالأرضين، والجبال، والأنهار، والشجر، والدواب، وبني آدم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، إلى غير ذلك. وفي اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب، ودوران الفلك، على ما في جمع ذلك من غاية الإحكام، وجَودة الانتظام، من غير اختلاف في زمان ولا مكان"، (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس:40]. الله أكبر! "شهد بوحدانيته تعالى، لا شريك له ولا منازع."

فواعجباً كيف يُعصَى الإلهُ *** أم كيفَ يجحَدُه الجاحِدُ

(قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس:17]، أسأنا الأدب كثير مع هذا الإله وغفلنا عنه. 

ولله في كُلّ تسْكينَةٍ  *** وفي كلّ تحريكَةٍ أثرٌ شَاهِدُ

وفي كُلّ شيءِ له آيةٌ  *** تدلّ على أنه الواحِدُ

 

تاريخ النشر الهجري

22 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

07 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام