فتوح الغيب - 4 | بيان الدنيا والحث على عدم الالتفات إليها
الدرس الرابع من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب فتوح الغيب للإمام الشيخ عبدالقادر الجيلاني - قدس الله سره، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1447هـ.
المقالة الخامسة: بيان حال الدنيا والحث على عدم الالتفات إليها
فجر الثلاثاء 5 شوال 1447هـ
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام العارف بالله سبحانه وتعالى الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني -رحمه الله تعالى- ونفعنا به وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين -آمين- من كتاب "فتوح الغيب" رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
الْمَقَالَةُ الْخَامِسَةُ
فِي بَيَانِ الدُّنْيَا وَالْحَثِّ عَلَى عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا
"إِذَا رَأَيْتَ الدُّنْيَا فِي يَدِي أَرْبَابِهَا بِزِينَتِهَا وَأَبَاطِيلِهَا وَخِدَاعِهَا وَمَصَائِدِهَا وَسُمُومِهَا الْقَتَّالَةِ، مَعَ لِيْنِ مَسِّ ظَاهِرِهَا، وَضَرَاوَةِ بَاطِنِهَا، وَسُرْعَةِ إِهْلَاكِهَا، وَقَتْلِهَا لِمَنْ مَسَّهَا وَاغْتَرَّ بِهَا، وَغَفَلَ عَنْ وَلِيِّهَا وَغَدْرِها بِأَهْلِهَا، وَنَقْضِ عَهْدِهَا.
فَكُنْ كَمَنْ رَأَى إِنْسَانًا عَلَى الغَائِطِ بِالبَرَازِ بَادِيَةٌ سَوْأَتُهُ وَفَائِحَةٌ رَائِحَتُهُ، فَإِنَّكَ تَغُضُّ بَصَرَكَ عَنْ سَوْأَتِهِ، وَتَسُدُّ أَنْفَكَ مِنْ رَائِحَتِهِ وَنَتْنِهِ. فَهَكَذَا كُنْ فِي الدُّنْيَا: إِذَا رَأَيْتَهَا غُضَّ بَصَرَكَ عَنْ زِينَتِهَا، وَسُدَّ أَنْفَكَ عَمَّا يَفُوحُ مِنْ رَوَائِحِ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، فَتَنْجُوَ مِنْهَا وَمِنْ آفَاتِهَا، وَيَصِلُ إِلَيْكَ قِسْمُكَ مِنْهَا وَأَنْتَ مُهَنَّأٌ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى ﷺ: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه:131].
الحمد لله الذي ينور قلوب من يشاء، فيملأها بعجائب ما يفيض بالجود والإحسان وينشئ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجد وأبدع وأنشأ، وستر وغَطى وغَشى ونَقى وصفى سبحانه وتعالى كما يشاء، ورفع عن قلوب مَن شاء الغشاء؛ فلم يكن منهم أعمى ولا أعشى، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، تنقل في عجائب ألطاف الله -تبارك وتعالى-، فَقَلَّبه في حقائق جوده وكرمه كما يشاء، ثم أبرزه إلى الوجود فعلى أكمل الأوصاف وخير الصفات والأخلاق نَشأ، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وأصحابه وأهل حضرة اقترابه مِن أحبابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المُبَشِرين به، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد؛
فإن ما يَحجُب هؤلاء العقلاء من المُكَلَفين من الإنس والجن عن إدراك الحقيقة وشهود رب الخليقة؛ بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا وما يليق بعظمته جلَّ وعلا، الذي يحجبهم ويحجزهم عن ذلك:
- آثار النفوس.
- والأهواء.
- ومُلقَيات عدوهم من إبليس وجنده من الشياطين.
- وزينة وزخرف هذه الدنيا.
فهذه الأربع أصول الحجب والحواجز التي تمنع عن الارتقاء مع من ارتفع إلى ما دونه كل المطمع من شهود الحق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- بمرآة أنبيائه وأصفيائه؛ تَقطَعهم النفوس وأهواؤها، وزينة الدنيا وزخرفها، ووساوس وملقيات خواطر إبليس وجنده من شياطين الإنس والجن.
فنسأله جلَّ جلاله أن يعين كلاً منا فيقهر أعداءه، ويُمَكِنَهُ من الثبات على الحق والارتقاء إلى مرتبة المحبوبية: "وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ -بعد أداء الفرائض- حتّى أُحِبَّه"، وهناك العيش وبهجته، ومَن مر عمره لم يقطع هذه الحجب ويزيل كثافتها وكدورتها عن قلبه فهو الذي خسر أعلى ما يُكتسب في الدنيا، وعلى أثر ذلك ومقتضاه يخسر العقبى والآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فإذًا حق عليهم ما قال المؤمنون وما قال العلماء وكما في القرآن وما قال سيد المؤمنين والعلماء رسول الله بأمر الله:
- (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].
- وقال في آيات: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج:11].
إذًا فمن أهم المهمات لكل مَن عَقَل عن الله مؤمناً به ببلاغ رسله الذين ختموا بالنبي محمد، من أهم المهمات في حياته أن يقطع هذه العقبات ويزيح هذه الظلمات:
- النفس فيزكيها.
- والهوى فيخالفه حتى يصير تبعاً لما جاء به الهادي إلى سبيل السواء الذي قال: "لا يؤمِنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لِما جِئْتُ به"، وقال الحق عن هذا: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65].
- والدنيا وزخرفها بأن يتجنب جميع سمومها وآفاتها، وينظر إليها بما نظر إليها الخالق وأحبابه من النبيين والصلحاء، ويتعامل معها تعاملهم كما شرع الحق لهم، ولا يغتر بزخرفها ولا زينتها ولا يُستأسر ولا يُستعبد لها.
- والشياطين بأن يحاربهم ويخالفهم ويعاديهم بأمر الله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6]، (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء:76]، ومن أكبر أوليائه هذه الدنيا وهذه النفس.
وقد ذكر في المقالة الخامسة سيدنا الإمام عبد القادر الجيلاني ما يجب على المؤمن الصادق المخلص السائر إلى الله تعالى الذي يريد المُلك الدائم والنعيم المقيم؛ أن يتخلص من شرها ولا يغتر بزخرفها وزينتها، والدنيا بهذا المعنى:
- كل ما قطعك عن الصدق مع الله والقيام بحقه.
- وكل ما أوقعك في معصيته ومخالفته.
- ثم كل ما لا يبقى أثره طيباً محموداً مُصطَحَبَاً معك إلى الدار الآخرة من هذه الكائنات فهو الدنيا المذمومة.
فبقي ما استعملته منها أو تعاملت معه في هذه الحياة مما له أثر يصحبك حسن محمود إلى البرزخ والقيامة وإلى الجنة، فهذا أيضاً ليس من الدنيا من خلال كسبك لهذا الأثر الذي يَصحَبَك وهو طاعتك لله تبارك وتعالى ونيتك الصالحة مع الله في ذلك الأمر.
إذا كان الأمر كذلك، فإن الله خلق ما في هذه الأرض وما عليها زينة لها اختباراً لعباده، (لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) [سبأ:21]، (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:37-41].
فتحدث في المقالة الخامسة: "إِذَا رَأَيْتَ الدُّنْيَا فِي يَدِي أَرْبَابِهَا"؛ وأرباب الدنيا صنفان:
- الصنف الأول: مَن كَذَب بالآخرة فأراد الدنيا إرادةً نسي فيها الآخرة فلم يؤمن بها
- والصنف الثاني: مَن آمن بالآخرة ولكن لم يعمل لها ولم يستعد، وغلبته نفسه وهواه ليؤثر الدنيا على الآخرة، فلا يعمل للآخرة ما ينبغي أن يعمل، ولا يتصف بما ينبغي أن يتصف زاداً للآخرة، فهؤلاء أرباب الدنيا، أرباب الدنيا صنفان: من لم يؤمن بالآخرة أصلاً، ومن آمن ولكن إيمانه ضعيف فاتر لم يحمله على العمل لها والاستعداد لها والتزود من أجلها.
- فالأول كما سمعت وتقرأ في مقدمة آداب سلوك المريد للإمام الحداد: كافر مخلد في النار لا يؤمن بالآخرة.
- والثاني فاسق موسوم بالخسار؛ خاسر آثر الدنيا على الآخرة.
قال: "إِذَا رَأَيْتَ الدُّنْيَا فِي يَدِي أَرْبَابِهَا": وهم أكثر من على ظهر الأرض ما بين كفار لا يؤمنون بالآخرة، وما بين ضعفاء الإيمان لا يستعدون للآخرة ولا يحسنون التزود لها
قال: هذه الدنيا لما تراها بأيدي أربابها هذين الصنفين بِزِينَتِهَا: وهي ظهور ما تميل إليه النفس وترغب فيه مع مغبةٍ في باطنه تحمل سوءاً وشراً لصاحبه، فما معها إلا زينة وزخرف يغتر بها من يغتر بزينتها.
كما قال تعالى في قارون: (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) فكانت النظرة:
- نظرة العلماء المؤمنين.
- ونظرة الغافلين والكافرين.
(فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) هؤلاء أربابها من الكفار والفساق ضعيفي الإيمان (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ) وكذلك هذه الزينة التي يُتحَدث اليوم عنها من شؤون الدنيا؛ فالغافلون من المؤمنين والفساق يقولون مثل هؤلاء الكفار: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، بهذا المنظار المعكوس الغير صادق.
(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) اللهم اجعلنا ممن أوتِيَ العلم الذي أراده الحق، العلم النافع، إدراك الحقيقة (وَيْلَكُمْ) ليش هذا التمني؟
(ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) نحن موجودون في الدنيا من أجل الآخرة نتزود لها، وخيرنا في هذه الدنيا أن نغتنمها للتزود للآخرة (ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ).
وجاءت النتيجة الحتمية لكل الناس (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ).
ويتنبه من يتنبه ويرجع (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) وفي قراءة أخرى (لَخُسِفَ بِنَا).
يقول الله: تلك الدار الآخرة بنعيمها الدائم وملكها الأبدي وعجائب مزاياها من اللذائذ التي لا توصف، (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) [القصص:79-83].
فتبين أن أهل الدنيا يصحبهم إرادة العلو وإرادة الفساد، وهذا الحاصل، فإيش مراداتهم؟
- يعلون على ظهر الأرض، ويبسطون أيديهم بالتحكم والتسلط ويبثون الفساد في الأرض. ما يصلحون هؤلاء شي؛ وإيش يعملون غير هذا؟ يريدون علواً في الأرض وفساداً، فلا نصيب لهم في الآخرة.
- والآخرة للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً؛ بل يريدون تحقيق عبودية وصلاحاً، فهم يريدون بذلك لا علوَّ الأرض ولكن العلو الحقيقي بالإيمان عند الرب
- (وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:139].
- (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) [طه:67-69].
- وقال: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد:35].
يقول: "إِذَا رَأَيْتَ الدُّنْيَا فِي يَدِي أَرْبَابِهَا بِزِينَتِهَا وَأَبَاطِيلِهَا"
- فهي:
سَحَّارَةٌ تَحْكُمُ التَّخْيِيلَ حَتَّى يَرَى *** كَأَنَّهُ الحَقُّ إِذَا كَانَتْ مِنَ الفِتَنِ
إِنَّ الإِلَهَ بَرَاهَا كَيْ يُمَيِّزَ بِهَا *** بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ أَهْلِ الحُمْقِ وَالفِطَنِ
-إِنَّ الإِلَهَ بَرَاهَا: وخلقها بهذه الصورة-
- وقال:
(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) -اختباراً (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ)[طه:131].
"وَأَبَاطِيلِهَا" كثيرة، قال: "وَخِدَاعِهَا" تقتلهم واحداً بعد الثاني وتهينهم واحداً بعد الثاني وهم مستمسكون بها! أهانت من تمسَّك بها قبلك وعادك تتمسَّك بها؟ وما قبلك من القرون، لا، في حياتك حتى في حياتك، أهانت كم ممن تمسكوا بها وعظموها، وقتلت كم؟ وعادك تمسك بها؟
"وَخِدَاعِهَا وَمَصَائِدِهَا -تصيد الناس- وَسُمُومِهَا الْقَتَّالَةِ، مَعَ لِيْنِ مَسِّ ظَاهِرِهَا" ظاهرها فتنة وباطنها عبرة
يقول: "مَعَ لِيْنِ مَسِّ ظَاهِرِهَا، وَضَرَاوَةِ بَاطِنِهَا، وَسُرْعَةِ إِهْلَاكِهَا، وَقَتْلِهَا لِمَنْ مَسَّهَا وَاغْتَرَّ بِهَا، وَغَفَلَ عَنْ وَلِيِّهَا" "وَلِيِّهَا": خالقها الذي كوّنها وبراها، ويفنيها كما أبداها -جل جلاله- "وَغَدْرِها" تغيراتها وتقلباتها بأطوار أهلها. وغدرها؛ تغير أحوالها وأحوال أهلها بها وغدرها وما لها عهد لما بعده قوله: "وَنَقْضِ عَهْدِهَا"
يقول: تسمع النصيحة مني؟ هذه الخدائع والتلابيس والكذب والزخرف حقيقته مثل ما ترى إنساناً كاشف عورته وأخذ يتبرز في مكان "بِالبَرَازِ" -يعني: فضاء واسع- فواجبك وهو في هذه الحالة "تَغُضُّ بَصَرَكَ عَنْ سَوْأَتِهِ" وتهرب من رائحة قبيحة، تولي نفسك تروح بعيد هناك؛ هذه النصيحة، "فَكُنْ كَمَنْ رَأَى إِنْسَانًا عَلَى الغَائِطِ بِالبَرَازِ -المكان البارز- بَادِيَةٌ سَوْأَتُهُ وَفَائِحَةٌ رَائِحَتُهُ" فإيش واجب العاقل عند ذلك؟ "فَإِنَّكَ تَغُضُّ بَصَرَكَ عَنْ سَوْأَتِهِ، وَتَسُدُّ أَنْفَكَ مِنْ رَائِحَتِهِ وَنَتْنِهِ".
قال: "فَهَكَذَا كُنْ فِي الدُّنْيَا: إِذَا رَأَيْتَهَا غُضَّ بَصَرَكَ عَنْ زِينَتِهَا -فهي عورة- وَسُدَّ أَنْفَكَ عَمَّا يَفُوحُ مِنْ رَوَائِحِ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا -فهي قبيحة- فَتَنْجُوَ مِنْهَا وَمِنْ آفَاتِهَا، وَيَصِلُ إِلَيْكَ قِسْمُكَ مِنْهَا وَأَنْتَ مُهَنَّأٌ" تأبى الشبهات؛ تأبى المحرمات؛ وتقتصر على الحلال، وتؤثر القليل من الحلال على الكثير من الحرام؛ وإذا بيُساق إليك من الخير والبركة وأنت في هنا وعِزَّة ورفعة، هي ذليلة لك وأنت عزيز رفيع؛ بعكس هؤلاء أذلاء لها، مقهورين تحت سطوتها وسيطرتها؛ وهذا الذي لخص الإمام الحداد غُرَرَهُ في قصيدته "فِيمَ الرُّكُونُ":
فِيمَ الرُّكُونُ إِلَى دَارٍ حَقِيقَتُهَا *** كَالطَّيْفِ فِي سِنَةٍ وَالطَّلِّ مِنْ مُزَنِ
كالطيفِ في سِنَةٍ: رؤيا حلم.
في سِنَة: نوم.
والطَّلِ من مُزْنِ: السحاب الكثير.
حتى سمّاهُ من سمّاهُ بـ "فاضح الدنيا" سيدنا الإمام الحداد؛ يقول في قصيدته الأخرى:
وَهَذِهِ الدَّارُ دَارٌ لَا بَقَاءَ لَهَا *** لا يَفْتِنَنَّكَ مِنْهَا الوَرْقُ وَالذَّهَبُ
وفي قصيدته هذه التي ذكرنا مطلعها فِيمَ الرُّكُونُ؟، كيف تركن؟ على أي عقل وعلى أي أساس يكون منك ركون وميل إلى هذه الدنيا التي هذا وصفها؟ خذ وصف حقيقتها من أولها إلى آخرها، يقول عليه رضوان الله تبارك وتعالى:
فِيمَ الرُّكُونُ إِلَى دَارٍ حَقِيقَتُهَا *** كَالطَّيْفِ فِي سِنَةٍ وَالطَّلِّ مِنْ مُزُنِ
دَارٍ: وهي الدنيا.
وَالطَّلِّ: أو الظِّل.
مِنْ مُزُنِ: السحائب.
دَارُ الغُرُورِ وَمَأْوَى كُلِّ مُرْزِيَةٍ *** وَمَعْدِنُ البُؤْس وَاللَّأَوَاءِ وَالمِحَنِ
الزُّورُ ظَاهِرُهَا وَالغَدْرُ حَاضِرُهَا *** وَالمَوْتُ آخِرُهَا وَالكَوْنُ فِي الشَّطَنِ
دَارُ الغُرُورِ: وكم فيها مغرور.
تأمل وصفها بإنصاف بحقيقة تحصل أيش؟
تُبِيدُ مَا جَمَعَتْ تُهِينُ مَنْ رَفَعَتْ *** تَضُرُّ مَنْ نَفَعَتْ فِي سَالِفِ الزَّمَنِ
ماضي الزمن كله وهي تصلح كذا بالناس؛ عندك شي غير هذا تشوّف، هات عقلك وإنصافك، أيش صلَّحتْ؟
تُبِيدُ مَا جَمَعَتْ تُهِينُ مَنْ رَفَعَتْ *** تَضُرُّ مَنْ نَفَعَتْ فِي سَالِفِ الزَّمَنِ
النَّفْسُ تَعْشَقُهَا وَالعَيْنُ تَرْمُقُهَا *** لِكَوْنِ ظَاهِرِهَا فِي صُورَةِ الحَسَنِ
-النَّفْسُ تَعْشَقُهَا: لأنها من جنود إبليس إذا لم تُهذب ولم تُزكى-
النَّفْسُ تَعْشَقُهَا وَالعَيْنُ تَرْمُقُهَا *** لِكَوْنِ ظَاهِرِهَا فِي صُورَةِ الحَسَنِ
بس ظاهرها لأنها سحر:
سَحَّارَةُ تُحْكِمُ التَّخْيِيلَ حَتَّى يُرَى *** كَأَنَّهُ الحَقُّ إِذَا كَانَتْ مِنَ الفِتَنِ
التَّخْيِيلَ: تخيل لك الأمر على غير وجهه
إنَّ الإِلَهَ بَرَاهَا كَيْ يَمِيزَ بِهَا *** بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ أَهْلَ الحُمْقِ وَالفِطَنِ
إنَّ الإِلَهَ بَرَاهَا: الله أوجدها بهذه الصورة.
فَذُو الحَمَاقَةِ مَنْ قَدْ ظَلَّ يَجْمَعُهَا *** يُعَانِي السَّعْيَ مِنْ شَامِ إِلَى يَـمَـنِ
جنوب، شمال، شرق، غرب.
مُشَمِّرًا يَرْكَبُ الأَخْطَارَ مُجْتَهِدًا *** لأَجْلِهَا يَسْتَلِينُ المَرْكَبَ الخَشِن
يَرْكَبُ الأَخْطَارَ مُجْتَهِدًا: يغامر يخاطر.
وَذُو الحِجَا يَقْلُهَا زُهْدًا وَيَنْبِذُهَا *** وَرَاءَهُ نَبْدَةُ الأَقْدَارَ فِي الدِّمَن
وَذُو الحِجَا: صاحب العقل.
فِي الدِّمَن: أوساخ.
يَرْمِي بِقَلْبٍ مُنِيرٍ فِي مَصَائِرِهَا *** فَلَا يُصَادِفُ غَيْرَ الهَمِّ وَالحَزَنِ
يَرْمِي: بتأمل صحيح ونظر فاحص دقيق عميق.
مَصَائِرِهَا: نهاياتها.
يَجُولُ بِالفِكْرِ فِي تَذْكَارِ مَنْ صَرَعَتْ *** مِنْ مُؤْثِرِيهَا بِسَعْي القَلْبِ وَالبَدَنِ
مِمَّنْ أَشَادَ مَبَانِيهَا وَأَحْكَمَهَا *** …………..
واليوم قرأنا أيضًا في الصلاة: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) ما أحد حماهم، ما أحد منعهم من الله تعالى، ما أحد سلمهم، ماحد خلَّصهم، (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) -وتبين لهم هذه الحقائق- (فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [غافر:21-22] وهذه سنته.
قال:
يَجُولُ بِالفِكْرِ فِي تَذْكَارِ مَنْ صَرَعَتْ *** مِنْ مُؤْثِرِيهَا بِسَعْي القَلْبِ وَالبَدَنِ
مِمَّنْ أَشَادَ مَبَانِيهَا وَأَحْكَمَهَا *** لِيَسْتَجِنَّ مِنَ الأَقْدَارِ بالجُنَن
نَالُوا مَكَارِمَهَا أَحْيَوْا مَعَالِمَهَا *** سَلُّوا صَوَارِمَهَا لِلْبَغْيِ وَالضَّغَنِ
رَقَوْا مَنَابِرَهَا قَادُوا عَسَاكِرَهَا *** بِقُوَّةٍ وَابْتَنُوا الأَمْصَارَ وَالمُدنِ
وَعَبَّدُوا النَّاسَ حَتَّى أَصْبَحُوا ذُلُلا *** لأمْرِهِمْ بَيْنَ مَغْلُوبٍ وَمُمْتَهَنِ
وَجَمَّعُوا المَالَ وَاسْتَصْفَوْا نَفَائِسَهُ *** لِمُتْعَةِ النَّفْسِ فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَنِ
وبعد؟
حَتَّى إِذَا امْتَلَؤُوا بِشَرًا بِمَا ظَفِرُوا *** وَمُكْنُوا مِنْ عُلَاهَا أَبْلَغَ المِكَنِ
(وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) [يونس:24].
نَادَاهُمُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ فَاقْتَحَمُوا *** سُبُلَ المَمَاتِ فَأَضْحَوْا عِبْرَةَ الفَطِن
نَادَاهُمُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ: تعال هنا؛ اثبت! سقط ذا وسقط ذا، وروَّح ذا.
تلْكَ القُبُورُ وَقَدْ صَارَوا بِهَا رِمَمًا *** بَعْدَ الضَّخَامَةِ فِي الأَجْسَامِ وَالسِّمَنِ
بَعْدَ التَّشَهى وَأَكل الطَّيِّبَاتِ غَدًا *** يَأْكُلْهُمُ الدُّودُ تَحْتَ التُّرْبِ وَاللَّبن
تَغَيَّرَتْ مِنْهُمُ الأَلْوَانُ وَانْمَحَقَتْ *** مَحَاسِنُ الوَجْهِ وَالعَيْنَيْنِ وَالوَجَنِ
وهو كان يحرص على الزينة ويصلح عمليات تزيين هنا وهناك، والدود ينخر فيه ماعاد وجن ولا عاد عين؛ لاإله إلا الله!
قال:
تَغَيَّرَتْ مِنْهُمُ الأَلْوَانُ وَانْمَحَقَتْ *** مَحَاسِنُ الوَجْهِ وَالعَيْنَيْنِ وَالوَجَنِ
خَلَتْ مَسَاكِنُهُمْ عَنْهُمْ وَأَسْلَمَهُمْ *** …………..
خَلَتْ مَسَاكِنُهُمْ عَنْهُمْ: ذا كان المكتب حق فلان، ذا كان القصر حق فلان، ذا كان الوزارة حق فلان، روحوا، لا إله إلا الله!.
خَلَتْ مَسَاكِنُهُمْ عَنْهُمْ وَأَسْلَمَهُمْ *** مَنْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ
وَعَافَهُمْ كُلُّ مَنْ قَدْ كَانَ يَأْلَفُهُمْ *** مِنَ الأَقَارِبِ وَالأَهْلِينَ وَالخَدَنِ
مَا كَانَ حَظْهُمُ مِنْ عَرْضِ مَا اكْتَسَبُوا *** غَيْرَ الحَنُوطِ وَغَيْرَ القُطن وَالكَفَنِ
ما شيء ثاني خرجوا به من الدنيا.
تِلْكَ القُصُورُ وَتِلْكَ الدُّورُ خَاوِيَةٌ *** يَصِيحُ فِيهَا غُرَابُ البَيْنِ بِالوَهَنِ
فَلَوْ مَرَرْتَ بِهَا وَالبُومُ تَنْدُبُهَا *** فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَمْ تَلْتَذَّ بِالوَسَنِ
وَلَا تَجَمَّلْتَ بِالأَرْيَاشِ مُفْتَخِرًا *** وَلَا افْتَتَنْتَ بحُبُ الأَهْلِ وَالسَّكَن
وَلَا تَلَذَّذْتَ بِالمَطْعُومِ مُنْهَمِكًا *** وَلَا سَعَيْتَ لَدُنْيا سَعْيَ مُفْتَتِن
وَلَا اعْتَبَرْتَ إِذَا شَاهَدْتَ مُعْتَبَرًا *** تَرَاهُ بِالعَيْنِ أَوْ تَسْمَعْهُ بِالأُذُنِ
إِنَّ المَوَاعِظَ لَا تُغْنِي أَسِيرَ هَوَى *** مُقَفَّلَ القَلْبِ فِي حَيْدٍ عَنِ السَّنَنِ
مُسْتَكْبِرًا يَبْطُرُ الحَقَّ الصَّريح إذا *** يُلْقَى إِلَيْهِ لِفَرْطِ الجَهْل وَالشَّنَنِ
يقول: "قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى ﷺ: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه:131]"، رزق الإيمان، ورزق الطاعة والتقوى، ورزق ما تحتاج إليه في شؤون حياتك القصيرة، ورزق حسن الخاتمة، ورزق نعيم الأبد، ورزق بياض الوجه في القيامة، ورزق رجحان كفة الحسنات، "(وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ)".
فهذا شأن الدنيا وما يجب أن نكون معها، "حبُّ الدُّنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ"، فمن أحبها فرأس الخطايا عنده، ومن أخرج الله حبها من قلبه فقد انقطع الرأس، وإذا قُطع الرأس للخطايا ما عاد يبقى حياة لجسد الخطايا، فلا يكاد يصر على صغيرة فضلًا عن كبيرة إذا لم يحب الدنيا؛ لا إله إلا الله.
"قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى ﷺ: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه:131].
عن طاعتك، أو يحول بيننا وبين التحقق بمعرفتك الخاصة ومحبتك الخالصة"، يا الله لا تحرمنا الرزق الذي هو خير وأبقى بهذا القبيح الزائل الفاني النتن المنقضي، يا الله اجعلنا ممن آثروك على ما سواك.
فهذا شأن المؤمن السائر إلى الله تعالى مع هذه الدنيا وما فيها من زينة تخطف الأبصار وتخدع العقول، ولكن من أدرك الحقيقة استمسك بالعروة الوثيقة، وصار مع الدنيا تحت أوامر الله تبارك وتعالى؛ لا يرضى إلا بالحلال كما شرع الله تبارك وتعالى، ويطلب من الله البركة فيما آتاه، ويتجنب الشبهات فضلًا عن المحرمات، ويعلم المكاسب الكبرى في هذه الدنيا ما ارتفع له به قدر لدى الرحمن، وما اعتلى به درجة عند الإله المنان، وما وُقي به عذاب القبر والنيران، وما استعد به لدخول الجنان ومرافقة سيد الأكوان والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين أرباب العرفان؛ فهذا خير ما يُكتسب وأجَلُّ ما يُكتسب من خلال وجودنا في هذه الحياة الدنيا وبقائنا فيها ومرور أيامها ولياليها علينا.
فالله يوفر حظنا من هذا الكسب الطيب النافع، المرقي الرافع، الموصل إلى مرافقة الحبيب الشافع، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين.
برحمتك يا أرحم الراحمين نسألك صحة في تقوى، وطول عمر في حسن عمل، وأرزاقًا واسعة بلا عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
وكان ساداتنا المهاجرون -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى-، لما يجيئون إلى مكة لأجل عمرة أو حج، إذا صادف مرَّ أحدهم تحت بيت كان يملكه قبل الهجرة، يلوي برأسه عنه ويمشي، ما عاد يريد ينظر إليه، يقولون: ما لكم؟ يقولون: تركناها لله، ما عاد نريد ننظر جهتها ولا نلتفت إليها؛ انظر هؤلاء هم الصادقون عليهم الرضوان.
واشتغل الأنصار بعد فرض الجهاد بالخروج مع رسول الله ﷺ، فبسبب ذلك كان كثير من الأراضي التي كانوا يعتادون زرعها توقفت، وإلى أن جاء وقت صلح الحديبية فجماعة منهم فكروا وقالوا: والآن نعود إليها، وكان عندهم الحمدلله كفاية وربي جاب لهم خيرات كثيرة، ولكن قالوا: نعود إلى هذه الأراضي؛ قال: فأنزل الله تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، قال: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وتؤثرون الانشغال بشيء من الدنيا عن الجهاد مع نبينا والقيام معه، قال: لا لا لا، اللي معكم يكفيكم وما عندكم تَمّ خلاص، اغنموا عمركم، قوموا مع الحبيب ﷺ، قال: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)؛ تهلكون أنفسكم بالرجعة إلى هذا المسار، فكان هذا سبب نزول الآية: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195] وهي في آيات القتال في قوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ) -ما تزيد على حدك حتى وإن كنت في جهاد، انتبه إذا عدوان مقابل عدوان- (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) -أموالكم وأوقاتكم وأفكاركم وقواكم- (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) -وهي رجعتكم إلى الاشتغال بالدنيا وترك شرف الجهاد مع المصطفى ﷺ- (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة:193-196].
رزقنا الله الإيمان، يا رب اجعل من قِراء رمضان نقاء قلوبنا عن الدنايا، وارتقاءنا مع أهل المزايا إلى الدرجات الرفيعة مع خيار البرايا، برحمتك يا أرحم الراحمين؛ ولا تفتنّا بالدنيا، لا بما آتيتنا ولا بما زويت عنا منها يا أرحم الراحمين، واجعل ما آتيتنا عونًا لنا على الخير، واجعل ما زويت منها عنا فراغًا لنا في مرضاتك وما يقربنا إليك يا أرحم الراحمين، واحفظ أعيُننا عن أن تمتد إلى أن تغبط فاسقًا أو مجرمًا أو كافرًا مصيره جهنم وبئس المصير، ولا تجعل لنا غبطةً إلا للمقربين والصديقين والعباد الصالحين، ثبتنا على أقدامهم وطريقتهم وتوفنا على ملتهمْ واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
06 شوّال 1447