صلة الأهل والأقربين بتعليم الدين - 2 - سنن الوضوء

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب صلة الأهل والأقربين بتعليم الدين للإمام عبدالله بن حسين بن طاهر رحمه الله، ضمن ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار رضي الله عنهم لعام 1445هـ - الأردن

فجر يوم الجمعة: 10 جمادى الأولى 1445هـ

لتحميل كتاب (صلة الأقربين) pdf:

https://omr.to/silatahl-pdf

نص الدرس مكتوب:

"وله سنن كثيرة؛ منها: السواك، والبسملة ولو في أثنائه، وغسل الكفين، والمضمضة والاستنشاق قبله، والمبالغة فيهما لمُفطِر، وإطالة الغرّة والتحجيل، ومسح كل الرأس والأذنين، والتخليل، والتثليث، والدلك للكل، والموالاة، والشهادتان بعده، وركعتان.

وإن كان عليه غُسل من جماع أو خروج منيٍّ أو انقطاع حيضٍ أو نفاسٍ أو ولادة.. وجب غسل جميع البدن مع النية لرفع ذلك، وسُنَّ له الوضوء، وإزالة القذر، وتعهد المعاطف، والتثليث، والدلك، والتسمية، والشهادتان بعده.

وينقض الوضوءَ ما خرج من أحد السبيلين، والنوم لا ممكّن مقعده، وزوال العقل، ومسّ فرج الآدمي ودبره ببطن الكف، وتلاقي بدن لرجلٍ وامرأة إلا المَحْرَم والصغير والشعر والسن والظفر.

 ويُسنُّ الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف، والنوم ممكّنًا، ومن أكل لحم الجزور.

ومن انتقض وضوؤه .. حَرُم عليه الصلاة، والطواف، وحمل المصحف ومسّه، ويزيد على الجنب اللبث في المسجد، وقراءة القرآن، ويزيد على الحائض الصوم، واستمتاع الزوج بما بين سرّتها وركبتها".

 

الحمد لله مُكرمنا بشريعته الغرَّاء، وبيانها على لسان خير الورى، سيدنا محمد أرفع الخلائق عند الرحمن قدرا، صلى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأهل بيته الذين حبَاهم به طهرا، وعلى أصحابه الذين رفع الله لهم به منارًا ومنزلةً وفخرا، وعلى من والاهم واتّبعهم بإحسان من الجارين في مجراهم خير مجرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، الراقين أعلى الذرى في كل فضلٍ ومِنَّةٍ وقُربٍ وإحسانٍ سرِّا وجهرا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

 

وبعد،،

 فيوالي الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الكتاب والرسالة المباركة، ذكر: واجبات المؤمن، وما يصلُ به نفسه وقرابته وأرحامه، من واجب الصلاة والوضوء لها، والوضوء رفيع المنزلة والقَدْر عند الرحمن، وهو سلاح المؤمن، ويقول ﷺ: "الطهور شطر الإيمان". وذكر لنا فرائضه، فالمُجَمْعُ عليها: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. ثم بعد ذلك تأتي النية في إيجاب واعتبار أكثر فقهاء المِلَّةِ والشريعة، كذلك الترتيب عند أكثر الفقهاء وجمهورهم؛ بأن لا يُقَدِّمَ عضوًا على عضو. ثم بعد ذلك ذكر لنا السُّنَن المتعلقة بالوضوء.

 

العناية بالسُّنن

وعَيْشُ المؤمن في سُنَنِ نبيِّه مجال قربه من الرحمن، وتذوّق حلاوة هذا الدنوّ والقُرب، والتعرُّض للمعرفة الخاصة والمحبة الخالصة، في دوائرِ: (..فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ..) [آل عمران:31]، فيجب أن يكون عند المؤمن عنايةٌ بالسُّنن، وولعٌ بها، واهتمام بشأنها؛ فإنها ميدان علامة صدقه، وعلامة حبه؛ فإنَّ مَن أحبّ الرحمن أدّى الفرائض وعَشِقَ السنن تقرُّباً إلى الله الخالق -جَلَّ جلاله- مُتَّبِعاً للهادي لأقوم سَنَن، حبيبه المصطفى خاتم إنبائه وإرساله.

 

السواك عند كل وضوء

فقال: "وله سنن كثيرة،" فذكر منها: "السواك"، الذي قال فيه ﷺ: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كل وضوء"، فلم يأمرهم أمرَ إيجاب؛ رحمة منه، وخوفًا من المشقة عليهم، ولكنه ندبنا إلى ذلك، وأمرنا أمر نَدْبٍ وسنَّة ﷺ. فما أجدرنا أن نُقِرَّ عينه، وأن نُلبيَ ما أحبَّه، ونحرِص على السواك عند كل وضوء. وكذلك يأتي في مواطن كـ: عند النوم، والاستيقاظ من النوم، وعند دخول البيت، وعند قراءة القرآن.. مواطن يتأكد السواك فيها. 

على أن الاستياك في الأسنان سنَّة من سننه ﷺ  في كل حال، فمن استاك بنية اتباع السُّنَّة، وتطييبِ مجرى الذكر: الفم واللسان.. من تسوَّك على هذا بأيِّ نوع من أنواع السواك لقِيَ الثواب والأجر عند الله -تبارك وتعالى-. ولذا قالوا: السواك مستحبٌّ في كل حال، وإنما يجب لو كان في فمه نجاسة لا تزول إلا بالسواك، وَجَبَ استعمال السواك، ومن نذر أن يستاك لوضوء أو لصلاةٍ أو نحو ذاك وَجَبَ عليه بسبب النذر، وإلا فالأصل فيه: الندب، فهو مندوبٌ في كل حال. وكثيرًا ما كان يستاك ﷺ، ويُروى: "ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيتُ على أضراسي".

ومن أعظم فوائد هذا السواك أنه: يُذَكِّرُ اللهُ به وبواسطة استعماله عند الموت المؤمن الشهادة، فيذكُر الشهادة عند الموت؛ فيُختَم له المؤمن بقول: "لا إله إلا الله محمد الرسول"؛ فضلًا من الله تبارك وتعالى. 

يكون السواك مستحب في كل حال، وبعد ذلك لا يكون محرّمًا إلا على مَن يأخذ سواك الغير بغير إذنه، أو يَغتَصِبُ سواكًا، وما إلى ذلك. وكذلك يكون مكروهًا لمن كان يُدمِي لثّته السواك، ويخاف إذا استاك أن تدمى لثته وهو داخلٌ إلى الصلاة؛ 

  • فهذا يأخذ بمذهب الحنفية: أنَّ السواك إنما يكون عند الوضوء لأجل الصلاة، لا عند الصلاة إذا كانت لثّته تَدْمَى بسبب السواك فيتعرَّض لخروج الدم وهو في الصلاة، فيأخذ بهذا المسلك الحنفية.. فيجعلون السُّنِّيَّة في السواك عند الوضوء لأجل الصلاة، لا وقت الصلاة. 
  • ولكن عند غيرهم من الأئمة: فمن كان لا تَدْمى لثّته ينبغي له أن يستاك قبل الصلاة، و: "ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك".
  • وكذلك رأى الشافعية: كراهته للصائم بعد زوال الشمس في يوم الصوم، ولكنّ الأئمة الثلاثة واختيار النووي من الشافعية: أن ذلك لا يُكره. 
    • ويُستأنس للمذاهب بما ورد من مثل: "استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشيّ" ومن مثل: "رأيتُ رسول الله ﷺ يستاكُ وهو صائم ما لا أُعِدّه ولا أحصيه" ومنهم من أطلقه ولم يبالي بأول النهار ولا آخره، وعليه الجمهور. 
    • ومنهم من كرهه بعد زوال الشمس للصائم.. وهم الشافعية، فقالوا: أنه بعد أن تزول الشمس يُكره له أن يستاك، لقوله: "ولا تستاكوا بالعشيّ"؛ ولأجل أن: "خلوف فم الصائم.."، ولا يبدأ الخلوف بسبب الصوم إلا من بعد الزوال، "أطيب عند الله من ريح المسك"؛ فلا يتعرَّض لإزالته بالسواك.

قال: "منها: السواك،" وأفضله من عود الأراك. ومهما اُكتِشَفَ أنه أقوى شيء لصحة الأسنان وللقضاء على المكروبات المتعلقة بالفم والأسنان؛ فإن تعيين رسول الله ﷺ له وحثِّه عليه أقوى الشواهد، على أنه أجلّ وأجمل وأفضل وأكمل ﷺ.

 

البسملة وما جاء فيها

قال: "والبسملة" ، وقد جاء في قولٍ عند الحنابلة: أنها واجبة عند الوضوء أن يُسمّي الله تبارك وتعالى، وقد روى الحديث أيضا الإمام أحمد -وإن ضَعَّفَ سنده- في قوله ﷺ: "لا وضوء لمن لم يُسَمِّ الله"، وحمله عامّة الأئمة على كمال الوضوء، وأن الوضوء يَصِحُّ ولو من دون ذكر البسملة، ولكنها سنة مؤكدة في بداية الوضوء أن يُسمّي الله تبارك وتعالى: "بسم الله" أو بإكمالها: "بسم الله الرحمن الرحيم". قال: "ولو في أثنائه،" أي: إذا نسيها في أول الوضوء فتذكَّر وهو في أثناء الوضوء، فيقول: "بسم الله أوله وآخره" كما يفعل ذلك في الطعام، ويزيد في الطعام أنه إذا تذكَّر البسملة ولو بعد الفراغ من الطعام أن يأتي بها تداركًا. فإنّ الشيطان الذي هو قرينه وقد أكل معه من الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه.. يتقايء ما أكله معه -إذا سمَّى الله تبارك وتعالى-. ولا يأتي هذا في الوضوء، فإذا فرغ من الوضوء وذكَر أنه لم يسمِّ.. انتهت الفرصة، ولا تدارك للوضوء؛ لأنه قد نال الشيطان منك وسوسته ووسوس عليك وانتهت المسألة.. فماذا ستعمل الآن؟ ولا يمكن أن يتقيأ وسوسته، وأما الطعام فيمكن أن يتقيأ إذا سمّيت اسم الله عليه حرم عليه الطعام فتقايأه وأخرجه من بطنه.

وذلك أنّ الله جعل لكل آدميّ رفيقًا من الشياطين، يولد بولادته ويموت بموته، يُقرَنُ به، وهو القرين الذي يَظهَرً له يوم القيامة ويأتي معه ويُحشر معه، (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ) [ق:27-28]. كما يُقرن الله تعالى بالآدميّ من حين يُخلَق ملائكة، فيكونون قُرَنَاء له مقابل هذا، والملائكة يُلقون عليه خواطر الخير وينصحونه، والقرين مُوكَّلٌ من إبليس يُلقي عليه خواطر الشر ويُزيِّن له السوء، فينتاب القلب لمَّة الملك ولمَّة الشيطان، فهو بين هذه وهذه.. وَأَيُّهُمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ أَخَذَتْ بِهِ؛ إِمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ إِلَى الْعُلُوِ وَالرِّفْعَةِ، وَإِمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِلَى السُّفْلِ وَالْخَسْرَانِ -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

كما أنّ له عشرة من الملائكة حفظة في الليل وعشرة في النهار، قال سبحانه وتعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد:11]. غير رقيب وعتيد، وإنما يوكّلان بالإنسان من حين بلوغه، فيكونان موكّلان به رقيب وعتيد إلى أن يُتوفّى. ولكل فردٍ من المُكلَّفين رقيبٌ وعتيد، أي: ملكان اسم كلّ منهما: رقيبٌ وعتيد، قال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17-18]. فيكتب ملك الحسنات الحسنة بعشر أمثالها، وإن همَّ بالحسنة كتبها حسنة، وإن همَّ بالسيئة فلم يفعلها خوفًا من الله كتبها حسنة، وإن همَّ بالسيئة فعملها كتبها مَلَك السيئات سيئة واحدة، وقد يأمره كما جاءنا في الأخبار ملك اليمين: أن انتظر لعلّه يتوب أو يتذكر، فإن أناب وتاب كُتبت توبة منها ومُحيَت السيئة، وإلا بقيت عليه.

وجاء في الأثر: "من قارفَ ذنباً فارقه عقلٌ لا يعود إليه" ؛ وذلك أن نور المعرفة والإيمان يَنقُص بهذا الذنب، فغايته أن يتوب ويأتي بحسنة بعده تمحوه. هذا الإنسان لو لم يكن سيئة قبل، لكانت هذه الحسنة زيادة في نوره، ولكن بسبب أنه كانت قبلها سيئة؛ فغايتها تمسح ظلمة السيئة، وهذا معنى: "فارقه عقلٌ لا يعود إليه أبداً" فاته فوات مهما تدارك وتاب! هذه الأعمال التي عملها بعد التوبة لو جاءت ولا ذنب قبلها لارتقى بها وارتفع وازداد نور الإيمان، ولكن لمَّا كانت السيئة موجودة اشتغلت الحسنة بمحو السيئة "واتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا" يقول سبحانه وتعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ) [هود:114]. وهذا من فضل الله على عباده جَلَّ جلاله.

 قال: "والبسملة ولو في أثنائه،" فحري بالمؤمن أن لا يلبس إلا بالبسملة، وأن لا يأكل إلا بالبسملة، وأن لا يشرب إلا بالبسملة، وأن لا يتوضأ إلا بالبسملة، وأن لا يدخل ويخرج إلا بالبسملة.. سنة المصطفى ﷺ، وفيه حفظ وحراسة للمؤمن. حتى جاء أن شيطانين التقيا.. أحدهما كان سمينًا وكان دَهِينًا وكان كحيلاً وكان ريَّانًا، والآخر كان هزيلاً وكان جائعًا وكان أشعثًا أغبرا، فيقول له صاحبه: مالك بهذه الصورة وبهذه الحالة؟! يقول: أنا عند رجل موكّل به، كلما أكل قال: "بسم الله"؛ فأظل جائعًا، كلما شرب قال: "بسم الله"؛ فأظل عطشانًا، وكلما لَبِس قال: "بسم الله"؛ فأظل عريانًا، وكلما ادّهن قال: "بسم الله"؛ فأظل شَعِثَاً! قال: أمَّا أنا عند رجل لا يذكر اسم الله على شيءٍ من ذلك، فأنا أشركه في طعامه وشرابه ومنامه ودهنه ولباسه، حتى إتيانه أهله أشاركه معه -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فينبغي الاعتناء بذلك.

وقد كان معهودًا في أسر المسلمين أن يُنشئوا أولادهم من طفولتهم على البسملة، في كل أكل وفي كل طعام، وفي كل شراب، وفي كل لباس، وفي كل دخول وخروج؛ حتى يألفون ذلك وينشئون عليه، فلا يُفارقوا اسم الله؛ فيكون حرزًا لهم، وحصنًا من الشيطان ومن بلاياه ومن آفاتٍ كثيرة.

غسل الكفين مع بداية البسملة 

قال: "وغسل الكفين،" في بداية الوضوء أيضًا بعد البسملة، من أطراف الأصابع إلى الكوعين ثلاثاً.

 

المضمضة والاستنشاق سنة من السنن

"والمضمضة"، وهي: إدخال الماء إلى الفم وإدارته فيه لتنظيف الفم، وهي سُنّة من السنن، أوجبها بعض العلماء في الوضوء، وأوجبها الحنفية في الغسل، وجعلوا المضمضة والاستنشاق في الغسل واجبًا، وجعلوا أن الجنابة تُصيب الفم، وتُصيب أيضًا الأنف الذي يصل إليه الماء، وأخذوا بعموم قوله سبحانه وتعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة:6]. وأمَّا في الوضوء فقال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة:6]، فمَا دخَل الفم ولا دخل باطن الأنف في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة:6]؛ فلم يوجبوها في الوضوء وأوجبوها في الغسل، وقالوا: يجب على مَن وجب عليه الغسل أن يتمضمض وأن يستنشق. وعلى كُلٍّ فهي مطلوبة ومشروعة بالاتفاق، أوجبها بعض الأئمة في الوضوء وفي الغسل، وبعضهم في الغسل دون الوضوء، وقال الآخرون أنها سنة في الوضوء وسنة في الغسل كذلك.

 

كيفية المضمضة والاستنشاق وما أوجب بها الأئمة

"والمضمضة والاستنشاق قبله،" ولها كيفيات:

  •  فإمَّا أن يأخذ الماء بكفّيه معًا، 
  • وإما بكفِّه اليمنى وحدها. وقالوا هذا أفضل لأنه أقوى الروايات وأصحّها عنه ﷺ، 
  • وإذا أخذه بالكفين معًا: 
    • فإمَّا أن يواصل بين المضمضة والاستنشاق، 
    • وإما أن يفصل.. 

إمَّا أن يواصل بأن يتمضمض ويستنشق من الغرفة الواحدة، إمّا مرة واحدة ويأخذ ثانية وثالثة كذلك، وإمّا بالكفّ الواحد يتمضمض ثلاثًا ويستنشق ثلاثًا، أو يتمضمض ويستنشق ويتمضمض ويستنشق ويتمضمض ويستنشق من الغرفة الواحدة، هذه ثلاث كيفيات؛ يقولون لها: الوصل؛ لأنه يَصِلُ في الغرفة بين المضمضة والاستنشاق. 

والكيفيات الأخرى وهي الفصل: يفصل في الغرف بين المضمضة والاستنشاق، وذلك بأن يأخذ غرفةً بيده ويتمضمض بها ويستنشق بالباقي، هذا وصلٌ أيضًا. أو يأخذ غرفةً بيده فيتمضمض بها وغرفةً أخرى فيتمضمض وغرفة ثانية فيتمضمض، ثم غرفة رابعة فيستنشق، وغرفة خامسة فيستنشق، وغرفة سادسة فيستنشق. وأفضل الكيفيات: ما ورد عنه  ﷺ: أنه يأخذ الماء بكفِّه اليمين فيتمضمض ببعضه ويستنشق بالباقي ﷺ.

و"مع المضمضة والاستنشاق" يأتي الاستنثار، وهو: إخراج الماء من الأنف والفم، لإزالة القذر الذي في الأنف والفم؛ استعدادًا للمناجاة والمخاطبة. قال: "والمبالغة فيهما.." أي: المضمضة والاستنشاق "..لمُفطِر،" أي: لغير صائم، أما الصائم فلا يبالغ في المضمضة والاستنشاق؛ لقوله ﷺ: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"؛ فلا يبالغ، ولكن في طرف الفم وطرف الأنف يتمضمض ويستنشق.. الصائم. وغير الصائم ينبغي أن يبالغ، فيوصل الماء إلى الغَلْصَمَة في المضمضة، ويرفعه بالنَّفَسِ إلى أعلى الخيشوم في الاستنشاق. فالمبالغة فيهما سُنَّة لغير الصائم.

 

إطالة الغرّة والتحجيل

قال: "وإطالة الغرّة" ومعنى إطالة الغرة: أن يَغسِلَ زائدًا على الواجب في الوجه، وأكمله: أن يغسل مقدمة الرأس وما بينه وبين الأذنين، والأذنين، وصفحتي العنق، وهذا غاية ما يكون في إطالة الغُرَّة.. فإطالة الغرة: غسل ما زاد على الواجب في الوجه. وفيه الحديث الشريف: "أُمَّتي غُرٌّ مُحَجَّلُون يوم القيامة من آثار الوضوء". ولمَّا سألوه ﷺ: تعرف أمتك من بين بقية الأمم؟ قال: "نعم، أرأيتم لو أنَّ مع رجل خَيْلا جُرْدًا مُرْدًا ومع رجل خَيْلٌ غُرّ مُحَجَّلَة أيميزها؟ قالوا: نعم. قال: فإنّ أمتي يوم القيامة يُبعَثُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من آثار الوضوء". فكان يقول أبو هريرة إذا روى الحديث: فمن استطاع منكم أن يُطِيلَ غُرَّته فليفعل. فهذه إطالة الغرة.

كذلك إطالة "التحجيل"، قال الفقهاء: أمّا نفس الغُرّة والتحجيل فواجبة.. كيف؟ وهو أن يغسل أدنى شيء مما زاد على الوجه، وهذا واجب من حيث أنه: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكذلك في طرف العضد عند المرفق، ولكن إطالة الغرة هي السنة، إطالة الغرة هي السنة، وإطالة التحجيل هي السنة، وأن يغسل زائد على الواجب في اليدين إلى نصف العضد، والأكمل والأفضل: إلى الكتف والمنكب، فهذه إطالة الغُرَّة والتحجيل؛ تُنَوَّر بنور الوضوء؛ فيَظهر عليها النور يوم القيامة.

"ومسح كل الرأس"، فهو عند غير المالكية: سُنَّة، أن يَعُمَّ بالمسح جميع رأسه، وعند المالكية: واجب أن يعم الرأس بالمسح. ولكن قال غيرهم: أن استيعاب الرأس بالمسح هو سُنَّة؛ وذلك لقول الله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة:6]. 

  • فمن قال أن الباء معناها: الإلصاق كالمالكية قالوا: يجب أن يمسح الرأس كله. 
  • ومن قال أن الباء معناها التبعيض؛ أي: بعض رؤوسكم فقالوا: يمسح بعض الرأس.

 وبعض الرأس ما هو؟ قال الشافعية: أدنى شيء من الرأس بشرًا أو شعرًا، لكن بشرط أن لا يخرج بالمَدِّ عن حدود الرأس فيكفي. والأفضل أن يعمّه بالمسح، وأن يكون مَسْحُ الرأس بتبليل اليدين ثم وضع المُسَبِّحتَيْنِ في أول الرأس عند المقدمة عند الناصية، فوق الوجه ويمشي بهما إلى القفا، فإن كان له شعر يَنقَلِب رَدّهما إلى الأمام. فهذه من أفضل الكيفيات في كيفية مسح الرأس. وقال الحنفية: يمسح الربع فما زاد على الربع. وقد جاء في المسح: أنه ﷺ رفع عمامته الشريفة فوق رأسه الشريف، فمسح الناصية، ثم أكمل المسح على العمامة. 

 

مسح الأذنين 

"والأذنين،" مسح الأذنين بعد مسح الرأس، بماءٍ غير ماء الرأس، وذلك بأن يبلّ إصبعيه السبابة والإبهام، ثم يُدير السبابة في خرق الأذن: الصّماخ، ومعاطف الأذن، ويمر بالإبهام من الخلف في ظاهر الأذن، فيمسحها من أسفلها إلى أعلاها، ثلاث مرات. وكذلك بالرّاحتين، يبلّ الرّاحتين بالماء ويمسح بهما الأذنين ثلاثًا أيضًا. بل قال الشافعية: أنّ المسح يُندب أن يتكرّر للأذنين إثنا عشرة مرة؛ 

  • وذلك بأن يُدخلهما في الوضوء زيادةً في إطالة الغُرّة، فيغسلهما مع الوضوء ثلاثًا،
  •  ثم يدخلهما في الرأس؛ لِمَا قيل أنهما من الرأس، فيمسحهما معًا، 
  • ثم مسح مُستَقِلّ بهذه المسحات بالاصبعين: السبابة والإبهام، ويضع السبابة في صِمَاخ خرق الأذن، ويمر على معاطف الأذن، ويَمُرّ بالإبهام من وراء الأذن من أسفلها إلى أعلاها ثلاثًا، فصارت تسعًا، ثم ثلاثا بالاستظهار، هكذا. فصارت اثنتي عشرة.

 بل ذكر بعض فقهاء الشافعية أنه وبعد ذلك: ثلاثًا بالخنصر -الذي هو أصغر الأصابع- للصِّماخين وحدها، فعلى هذا القول تصير: خمسة عشر مسحة.

 

مسح الرقبة

ثم بعد ذلك اختلفوا في مسح الرقبة، ولم يذكرها الشيخ هنا؛ لقوة الخلاف فيها، فاستحبّها الحنفية وبعض الشافعية، وقال: يمسح رقبته، ومنهم الإمام الغزالي والبغوي من الشافعية، قالوا بسنيّة مسح الرقبة بعد الأذنين وقبل غسل الرجلين، ويُذكر فيها حديث: "مسح الرقبة أمان من الغِلّ". وقال أكثر الشافعية: لا يُسن مسح الرقبة، وعليه أيضًا المالكية والحنابلة.

 

تخليل الأصابع 

قال: "والتخليل"، التَّخْلِيلُ: يأتي في اليدين والرجلين، وذلك بالتنبّه لِمَا بين الأصابع، 

  • أمَّا تخليلُ اليدين: فبالتشبيك مع وجود الماء؛ ليتأكد من وصول الماء إلى ما بين كل إصبعٍ وإصبع، فيكون بالتخليل.. هكذا ثم هكذا لليسرى ، أي: أدخلَ أصابع يده اليمنى بين أصابع اليسرى بوضع باطن اليمنى على ظاهر اليسرى مفرّقتيّ الأصابع، 
  • وأمّا في الرجلين: فبخنصر اليد اليسرى، الأفضل أن يُدخله من أسفل بين الإصبع الخنصر والبنصر، ثم ما يليه على الترتيب.. إلى أن يصل ما بين الإبهام والسبابة، ثم يرجع إلى اليسرى ما بين الإبهام والسبابة، ثم ما بين السبابة والوسطى، ثم ما بين الوسطى والبنصر، ثم ما بين البنصر والخنصر، فيمشي على ترتيب القدمين من الخنصر إلى الخنصر، ويكون بخنصر اليد اليسرى، ذلك هو الأفضل في التخليل. 

فإن كان مُشَبَّك الأصابع.. كيف؟ مُترَابِط ما بين الأصابع في اليدين أو في الرجلين.. لا يصل الماء إلا بالتخليل صار التخليل واجباً؛ لأن العبرة بوصول الماء، فإن وصل الماء فالتخليل سنة، وإن لم يصل الماء فالتخليل واجب. وكما أنه لو كان بين الأصابع شيء من النجاسة تحتاج إلى تخليل، صار التخليل واجبًا؛ لإزالة النجاسة. وهكذا.

 

 التثليث وتفصيله 

يقول: "والتثليث،" وهو: أن يغسل الأعضاء ثلاثًا، ويمسح الممسوحات ثلاثًا كذلك، وفي كل أفعال الوضوء. قال كثير من أهل العلم: إلا الرأس فيمسحه مسحةً واحدة، قال الشافعية: والرأس كذلك؛ لِمَا جاء في رواية أوردها الإمام البيهقي في السنن الكبرى: أنه مسح الرأس ثلاثًا ولِمَا جاء في العموم في البخاري: أنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ولم يستثنِ مسح الرأس. وأمَّا عند تفصيل كيفية الغسل: فأكثر الروايات في الصحيحين وغيرهما أنه مسح الرأس مرةً واحدة، بعضهم ينصّ على الواحدة وبعضهم يذكر مسح الرأس ولا يذكر التثليث وينتقل إلى ما بعده من الأذنين أو الرجلين. فبذلك جاء اجتهاد فقهاء الشريعة: ما بين مَن جعل التثليث في مسح الرأس، ومن جعل أن يمسح الرأس مرة واحدة، والأمر فيه واسع.

 

الدلك

قال: "والدلك للكل" وهو إمرار اليد على العضو الذي يغسله؛ لكمال التنظيف والتأكد من وصول الماء إلى بشرة هذا العضو. "الدلك" فهو سنة، وقد أوجبه المالكية وقالوا: يجب على المتوضئ وعلى المُغتَسِل غسل الفرض أن يَدْلِكَ جسده، و المتوضئ يَدْلِك أعضاءه.

 

الموالاة وواجباتها

"والموالاة،" وهي أيضًا عند المالكية واجب من الواجبات: أن يوالي، بحيث لا يفصل بين غسل عضو وعضو، فلو غسل الوجه ومضى وقت يسع أن ييبس الماء -إذا كان في وقت معتدل وكان هو معتدل الطبع ومعتدل هبوب الريح- يجف وييبس الماء، فهذا حصل فصلٌ وانقطعت الموالاة. ثم يغسل يده بعد أن ييبس الماء على الوجه أو ييبس الوجه من الماء، فغسله العضو الثاني قبل جفاف الأول.. هو الموالاة، وتأخيره حتى يجف -مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان- ترك الموالاة. فالموالاة واجبة عند المالكية، سُنّة عند غيرهم، أن يوالي بين أفعال الوضوء ولا يؤخِّر هذا عن هذا.

 

الشهادتان وما جاء في الصحيحين وغيره

"والشهادتان بعده،" وهي قول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله؛

  • وفي الصحيحين أنَّ مَن قال بعد الوضوء: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله فُتِحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيّها شاء"؛ ذِكْرٌ يسير وجزاءٌ كبير. 
  • وفي بعض الروايات في غير الصحيحين أيضًا زيادة قوله: "اللهم اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين". 
  • كما أنه جاء في الذِّكر بعد الوضوء قول: "سبحانك اللهم ربنا بحمدك أشهد أنه لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". 

وقالوا ينبغي أن يستقبل القبلة وأن يرفع يديه مفرّقُا بينها، وأن يرفع طرفه نحو السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أنه لا إله إلا أنت إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

ويُروى بسند ضعيف عند الديلمي: قراءة سورة (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ..) بعد الوضوء وإثر الوضوء، وأنَّ مَن قرأها مرة غُفِرَ له، ومن قرأها مرتين بعد الوضوء حُشِرَ مع الصديقين، ومن قرأها ثلاثًا حُشِرَ مع الأنبياء.

 

ركعتان بعد الوضوء

 وقال: "وركعتان." أي: سُنّة الوضوء عند جماهير العلماء؛ لقول بلال لرسول الله ﷺ: ما أحدثتُ إلا توضأت وما توضأتُ إلا صليت بذلك الوضوء ما كُتِبَ ليّ. فأقلّها: ركعتان بعد الوضوء، تُسمّى: سنة الوضوء.

 

وجوب الغسل وما يترتب عليه

 قال: "وإن كان عليه غُسلٌ من جماع أو خروج منيٍّ أو انقطاع حيضٍ" بالنسبة للمرأة، "أو نفاسٍ أو ولادة"، أو أو بولادة من دون أن يكون بعدها نفاس؛ "وجب غسل جميع البدن مع النية"، فقد اختبر الله -تبارك وتعالى- عباده بشهوة الجماع، وجعلها محل اختبارٍ قوي، قال تعالى عنه فيمن استجابوا لدواعي الإيمان: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المؤمنون:5-7]. ورتَّبَ عليه الخِزيّ الشديد في يوم القيامة، وأن يُحشر أرباب الفواحش على أحوالهم وعلى هيئاتهم، مُصَوَّرين بصورٍ على عدد ما لم يعف الله عنه منهم وما لم يتوبوا منه بين يدي الأولين والآخرين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- تشتعل فروجهم نارًا ثم تسكب القَيْحَ والصديد في النار، ويشرب منه أهل النار، فهو عصارة أهل النار؛ القيح والصديد الخارج من فروج الزناة والزانيات -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. وهو اختبار مِمَّا اختبر الله به -سبحانه وتعالى- عباده في تركيبتهم في هذه الحياة، وما ركَّبَ فيهم من أنواع الشهوات، وجعل الميزان فيها الصدق والخوف منه -جلَّ جلاله- والاستعداد للقائه، وأنَّ جزاء مَن تمكَّن مِن فعل مثل ذلك فأعرض عنه خوفًا من الله أن يُظَلَّ في ظِلِّ عرشه، يوم لا ظِلّ إلا ظله.

قال: "وجب غسل جميع البدن مع النية لرفع ذلك،" وذلك من الرأس إلى القدمين، قال ﷺ: "تحت كل شعرة جنابة"، فوجب أن يعمّ الغسل جميع أجزاء البدن. وهنا يجب على مَن وجب عليه الغسل.. من حائض انقطع حيضها أو النفساء وأرادت أن تغتسل للصلاة أو ذي جنابة: أن ينويَ رفع الحدث عند الاستنجاء، فإن موضع الاستنجاء ما يصله الماء وهو يغتسل قائمًا، ولو حتى في الانغماس كذلك ما يستوعبه الماء، فيحتاج عند الاستنجاء: أن ينوي رفع الحدث الأكبر عن موضع الاستنجاء؛ حتى يعمّ الماء معاطف بدنه كلها، ولا يبقى أثرٌ لم يصل إليه الماء. 

"تحت كل شعرةٍ جنابة" حتى قال سيدنا علي: فمن يومها يوم سمعت النبي يقول تحت كل شعرة جنابة عاديتُ شعر رأسي. فكان يميل إلى حلاقته ويحلقه كلما طال شعره -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- فيجب استيعاب جميع البدن بالماء، سواء موضع الاستنجاء، أو السرة، أو الإبطين، أو معاطف البطن، والأماكن التي يغفل عنها الماء، يجب على المُغتسل الغسل الواجب أو السنة أن يتفقّدها؛ حتى يستوعب الماء جميع البدن، مع النية.

قال: "وسُنَّ له الوضوء،" أي: الجنب، يتوضأ، والأفضل أن يكون قبل الغسل، ويجوز أن يكون بعد الغسل؛ لمحل اختلاف فقهاء الشريعة؛ هل يكفي الغسل وحده عن الوضوء ويكون رفع الحدث الأصغر والأكبر معًا بالغسل؟ أو لا بد من وضوء لرفع الحدث الأصغر وغسل لرفع الحدث الأكبر؟ قال الشافعية ومن وافقهم من الأئمة: أنه يندرج الأصغر في الأكبر ويرتفع، ولكن بشرط: أنه لا يتعرّض للنّاقض أثناء الوضوء، فإذا مسّ عورته في أثناء الغسل انتقض عليه وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ولكن السنة أن يتوضأ وأن يغتسل، والأفضل: أن يُقدِّم الوضوء ثم الغسل اتباعًا، ويجوز أن يُقَدِّم الغسل ثم يتوضأ بعد ذلك.

وكذلك مثل غسل الجمعة، ولمن وجب عليه الغسل أيضًا، هل يكفي أن يجعله غسلًا واحدًا لرفع الجنابة ولحضور الجمعة؟ نعم هو كذلك عند كثير من فقهاء الشريعة؛ يكفي غسل واحد يرفع به الجنابة ويكون لأجل سُنِّيَّة الغسل لحضور يوم الجمعة، فهو غسلٌ مؤكّد مِن آكد الأغسال المسنونة. وقال سيدنا الإمام الشافعي: ما تركت غسل يوم الجمعة حضَرًا ولا سَفَرا. وصرفهم عن الوجوب ما جاء في الحديث من قوله ﷺ: "مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" وإلا قد قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" أي: على كل بالغ، أي ثابت مؤكد صرَفه عن الوجوب الشرعي قوله: "فالغسل أفضل". 

قال: "وإزالة القذر،" قبل الاغتسال،"وتعهد المعاطف، والتثليث، والدَّلْك، والتسمية، والشهادتان بعده."  بعد الغسل كما هو بعد الوضوء.

 

ما ينقض الوضوء 

 قال: "وينقض الوضوءَ ما خرج من أحد السبيلين،" 

  • أمّا ما كان معتادًا من بول وغائط وريح: فباتّفاق فقهاء الشريعة ينقض الوضوء، 
  • وما كان نادرًا، فعند أكثرهم كذلك.. من حجرةٍ أو دودةٍ أو عودٍ ونحو ذلك.. إذا خرج من القبل أو الدبر: أبطل الوضوء عند جماهير الفقهاء والعلماء، 

منهم مَن قال: إنما يبطل ما كان معتادا من بول وغائط وريح. وقال: "والنوم لا ممكّن مقعده،" النوم ينقض الوضوء عند أكثر العلماء كذلك أنه ينقض الوضوء ما لم يكن مُتَمَكِّنا، ففي الحديث: "العينان وكاء السَّهِ فمن نام فليتوضأ"، وجاء عن سيدنا حذيفة: أنه مرّ عليه ﷺ وهو جالس في المسجد ينعس، فحرَّكه ﷺ في رجله فانتبه، فإذا رسول الله! قال: يا رسول الله أمن هذا الوضوء؟ قال لا، أو تضع جنبك. أي: حتى تضع جنبك. فحينئذٍ مَن نام مضطجعًا وَجَبَ عليه أن يتوضأ، وكل مَن نام غير مُمَكِّنٍ. 

  • قال المالكية: إن كان النوم خفيفًا بحيث لا يسقط ما في يده من كتاب وسبحة: فلا ينتقض الوضوء، وإن كان ثقيلا: انتقض الوضوء. 
  • وقال الشافعية: إن كان الرجل معتدل الخِلْقَة -يعني غير مفرط في السِّمَن وغير مفرط النحف- ثم نام مُمَكِّنًا مقعده من مَقَرِّهِ ثم انتبه على الحالة التي نام عليها، لم تتغير حالته ولم يخبره بالنقض عدل ثقة: فالوضوء صحيح وباقٍ، سواء طال النوم أو قصر؛ لِمَا جاء أن الصحابة كانت تخفق رؤوسهم في المسجد منتظرين رسول الله ﷺ لصلاة العشاء، فيخرج فيصلي بهم ويُصلّون ولا يُجدِّدون لذلك وضوءا. وإن كان غير مُتَمَكِّن أو أخبره بأنه انتقض عَدْلٌ فحينئذ عليه أن يعيد الوضوء، ويكون قد بطل وضوؤه بذلك النوم. 

فالنوم عند الشافعية: إذا جمع أن يكون معتدل الخِلْقَة وأن يكون مُتَمَكِّنًا وأن ينتبه على الحالة التي نام عليها، وأن لا يخبره بالنَّقضِ عَدْلٌ. فهذه الأربعة شروط يكون بها النوم غير ناقضٍ للوضوء، وإلا فينتقض الوضوء. وهذا في حق غير الأنبياء، أمَّا الأنبياء فلا ينتقض وضوؤهم بالنوم، وذلك أنه تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم، كما قال ﷺ.

قال: "وزوال العقل،" إذا زال عقل الإنسان بطل وضوؤه ووجب عليه تجديد الوضوء، بإغماء أو بسُكْرٍ أو بجنون. "ومسِّ فرج الآدمي ودبره ببطن الكف،" لِمَا جاء حديث عبد الله بن بُسْرَة: "مَن مسَّ ذكره فليتوضأ"، ثم قِيسَ الدُّبُر على القُبُل، وفي لفظ: "مَن أفضى بيده.."؛ ولذا خصَّصه عامَّة الفقهاء بباطن الكَفّ وبطون الأصابع، أنه إذا مسَّ عورته بطل بذلك وضوؤه.

"وتلاقي بدن لرجل وامرأة"؛ 

  • وهذا عند الشافعية مطلقًا. 
  • وعند المالكية والحنابلة: إن كان بشهوة. 
  • وعند الحنفية: ولو كان بشهوة لا يَنتَقِض إلا في صور، صوّروها كبيرة من تلاقي الرجل بالمرأة. 

وما عدا ذلك: فلا ينقض الوضوء. فإذا مسّ الرجل الأجنبي المرأة الأجنبية -وكلاهما كبيران أي: بلغا حدًّا تكون فيه الشهوة- فحينئذٍ يجب عليهما أن يُعيدا الوضوء مطلقًا عند الشافعية، وإن كان بشهوة عند الجمهور فعليهما أن يُعيدا الوضوء.

"وتلاقي بدن لرجل وامرأة إلا المَحْرَم"، المحارم اللاتي حرَّم الله النكاح بهنّ في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم) [النساء:23]؛ فالخلاصة: سَبْعٌ من النَّسَب، وسبع من الرضاع، وأربع بالمصاهرة: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الإبن.. فهؤلاء المحارم، وغير المحارم يكونوا أجنبين.

"والصغير" الذي لا يُشتهى. "والشعر" المَسُّ في الشعر ما ينقض الوضوء، "والسن" المجرد " والظفر" المجرد، وإنما يكون بـ: إذا التقت البشرة.

 

قال: "ويُسنُّ الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف،"، وهو واجب عند بعض الأئمة، فعند الحنفية: ينتقض الوضوء بالفصد والحجامة، كذلك الرعاف. وعند بعض الأئمة: لا ينتقض، ولكن يُسن الوضوء إذا فَصَدَ أو احتجم. وهو: إخراج الدم من بعض العروق يُقال له: فصد. والحجامة المعروفة، وكذلك الرّعاف إذا رَعَفَ فينتقض الوضوء عند الحنفية، فيُسنّ عند غيرهم الوضوء من الرعاف. وكذلك من "النوم ممكّناً،" خروجاً من الخِلاف، "ومن أكل لحم الجزور." وهو الجمل، فمن أكل لحم جمل يُسن له الوضوء، وهو في قول عند الحنابلة: ينقض الوضوء.

وكذلك "ومن انتقض وضوؤه .. حرم عليه الصلاة،" سواء كانت فرضًا أو نفلاً أو نحو صلاة. نحو صلاة: سجدة تلاوة، سجدة شكر، لا يجوز شيء من ذلك بغير وضوء، فلا يجوز لغير المتوضئ إذا جاء سجدة التلاوة أن يسجد، ولا سجدة الشكر أن يسجد، فلا يفعل نحو الصلاة من سجدة التلاوة أو شكر ونحوهما. ومثله خطبة الجمعة لا تجوز إلا بالوضوء، وأنواع الصلاة يحرم الدخول فيها بغير وضوء، وهو من الكبائر: أن يتعمَّد الدخول في الصلاة بغير وضوء، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ..) [المائدة:6] إلى آخر الآية الشريفة. ولما رؤيَ بعض الناس وسُئل عن حاله بعد موته؟ فقال: وجدت أعمالي بحمد الله صالحة وأن الله غفر لي، إلا سيئة واحدة، تساهلت يوما وصليت بغير وضوء فأُمِرَ بي فضُرِبَت في القبر ضربة اشتعل بها عليّ القبر نارًا، ثم انطفأت لأنني دخلت الصلاة متعمدا بغير وضوء.

قال:  "والطواف،" بالبيت الشريف؛ لأنه بمنزلة الصلاة، فلا يصحّ إلا بالوضوء، "وحمل المصحف ومسّه،" كذلك؛ لقوله ﷺ: "وَلَا تَمَسَّ الْقُرْآنِ إِلَّا وَأَنتَ طَاهِرٌ" وكتب في بعض الكتب لبعض أصحابه: "وَلَا يَمَسّ الْقُرْآنِ إِلَّا طَاهِرٌ" أي: من الحدث الأصغر والأكبر. "ويزيد على الجنب اللبث في المسجد،" يحرم عليه، "وقراءة القرآن،" ولو من دون مسّ المصحف، وحمله على الجنب حرام، وللمُحدِث الحدث الأصغر: جائز؛ يقرأ من دون مسّ المصحف ولا حمله. "ويزيد على الحائض الصوم،" ويحرم "استمتاع الزوج بما بين سرتها وركبتها." وذلك لقوله ﷺ لزوجته الحائض: "شُدّي عليك إزارك".

وبعد ذلك يتعرّض بعض الحُيّض وغيرها.. لأنها تحفظ القرآن، وتخشى إذا هجرته في خلال أيام الحيض، وقد يكون سبع أيام وقد يزيد إلى عشر أيام ونحو ذلك؛ أنه يضعف عليها حفظ القرآن، فالطريق في ذلك: أن تسمعه من شريط و نحوه، أو تقرأه بقلبها دون أن تنطق بلسانها. كما أنه اختلف العلماء إذا كانت تُعَلِّم.. فهل يجوز لها أن تنطق بالقرآن بنية التعليم من دون نية التلاوة؟ وفيه خلاف بين فقهاء الشريعة المطهرة.

قال رضي الله تعالى عنه وعنكم: 

"ووقت إمكانه بعد تسع سنين، وأقله يوم وليلة، وغالبه ستٌّ أو سبعٌ، وأكثره خمسة عشر يومًا، وأقل طهرٍ بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.

وأقل النفاس لحظة، وغالبه أربعون يومًا، وأكثره ستون، ويحرم به ما يحرم بالحيض، فإن طرأ وقد مضى من وقت الصلاة ما يسعها .. وجَبَ قضاؤها، وإن زال وقد بقي من وقت الصلاة ولو قدر تكبيرة .. وجبت تلك وكذا ما قبلها إن كانت ظهرًا أو مغربًا.

وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عنه بغير عذرٍ من الكبائر.

و وقت الظهر إذا زالت الشمس إلى مصير ظل كل شيءٍ مثله غير ظل الاستواء، ثم بعده العصر إلى مغيب الشمس، ثم بعده المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، ثم بعده العشاء إلى طلوع الفجر الصادق المنتشر عرضًا، ثم بعده الصبح إلى طلوع الشمس.

وأفضل الأعمال المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ويجب استقبال القبلة،

وستر ما بين السرة والركبة من أعلى والجوانب للذكر والأمة، وجميع بدن الحرّة إلّا الوجه والكفين.

ويجب تجنّب مبطلاتها؛ وهي الكلام ولو حرفين أو حرفًا مفهمًا، والفعل الكثير كثلاث حركات وِلاءً، وزيادة ركنٍ فعلي عمدًا، وأكل ما ما يفطِّر الصائم، والأكل الكثير مطلقًا، ونية قطعها والتردّد فيه، ولا تبطل بالكلام القليل سهوًا أو غلبة.

وأركانها ثلاثة عشر: الأول: نيته بقلبه فعل الصلاة، فإن كانت ذات وقتٍ أو سببٍ.. عيّنها، وإن كانت فرضًا، نواه.

وسُنَّ التلفظ بها، والإضافة الله تعالى، وعدد الركعات، والأداء والقضاء، والأذان والإقامة، والسواك قبل ذلك.

الثاني: تكبيرة الإحرام والنية حاضرة معها، وسُنَّ رفع اليدين حذاء شحمة الأذنين مع التكبيرة.

الثالث: القيام في الفرض إن قدر، وإلا .. فيقعد، وإلا .. فعلى جنبه، وإلّا . .. فعلى قفاه ورجلاه إلى القبلة، ويرفع رأسه بشيءٍ إن أمكن ليستقبل به، ويتمّ الركوع والسجود إن قدر، وإلا .. فيومئ بهما برأسه، وإلا ..فبطرفه ، وإلا . . فبِقلبه."

 

الطهارة وما يحرم بهما 

هكذا يقول الشيخ -عليه رحمة الله-: "ووقت إمكانه.." -يعني: الحيض- "..بعد تسع سنين،" من حيث الاستقراء، فلا تحيض المرأة قبل ذلك، "وأقله يوم وليلة،" -عند جماهير الفقهاء- "وغالبه ستٌّ أو سبعٌ،" من حيث عادة النساء، "وأكثره خسمة عشر يومًا،" عند عددٍ من العلماء. وقال الحنفية: أكثره عشرة أيام، "وأقل طهرٍ بين الحيضتين خسمة عشر يوماً." فأقل الطهر بين الحيضتين: خمسة عشر. قالوا بين الحيضتين بخلاف بين النفاس والحيض، فإنه إذا أكملت المرأة أقصى النفاس.. وهو ستين يوم، ثم انقطع الدم ولو ساعاتٍ معينة فما يأتي بعد هذا الانقطاع فهو حيض، فليس يُشترط أن يكون الطهر خمسة عشر يوم بين أكثر النفاس وبين الحيض، ولكن بين الحيضتين؛ الحَيْضَة والحَيْضَة لابد من طُهْرٍ فيها خمسة عشر يوم فأكثر، ولا يكون الطهر أقل من خمسة عشر يوم.

وهنا يحتاج السؤال من أجل الصلاة، ومن أجل جواز قرب زوجها منها في الأحوال المختلفة، فيحتاجون المتعرّضين لِمَا زاد ونقص إلى السؤال عند الفقهاء الموثوق بهم. ثم بعد ذلك ما بين أكثر النفاس والحيض يمكن أن يكون الطهر ولو ساعاتٍ معينة، إذا جاء الطهر فالدم الذي يأتي بعد ذلك فهو حيض؛ لأنه قد انتهى وقت النفاس. أمَّا في أثناء الستين يومًا: فإن لم يكمل الطهر خمسة عشر فنعود إلى الحكم بالنفاس نفسه، وأن النفاس باقٍ حتى تأتي مدة أكثر النفاس.

"وأقل النفاس لحظة، وغالبه أربعون يومًا، وأكثره ستون،" ولا يزيد عليها، "ويحرم به ما يحرم بالحيض، فإن طرأ" -طرأ الحيض أو النفاس بالولادة- "وقد مضى من وقت الصلاة ما يسعها .." ظهرًا عصرًا مغربًا عشاءً فجرًا، في أثناء الوقت طرأ الحيض أو النفاس: "وجَبَ قضاؤها"، وجب قضاء هذه الصلاة، فإذا طرأ عليها الحيض وقت الظهر: يجب عليها عندما تطهر أن تقضي هذه الظهر؛ لأنه قد مرَّ وقت يسعها أن تصلي فلم تصلي فجاءها الحيض، فلا يمكنها الصلاة حتى تطهر، فإذا طهرت لا تقضي أيام الحيض، ولا يجوز لها قضاء الصلاة أيام الحيض، ولكن تقضي الصلاة التي دخل وقتها وهي طاهر فلم تصلي، ثم طرأ عليها الحيض، فعليها إذًا أن تقضي تلك الصلاة.

فإن كانت تلك الصلاة التي يجب عليها قضاؤها -أيّ صلاة كانت لا فرق بين ظهر وعصر ومغرب وعشاء- إذا طرأ الحيض أو النفاس في أثناء الوقت عند انقطاع الحيض يجب القضاء، لكن إن انقطع الحيض أو النفاس -ومثله إذا أفاق مجنون أو بلغ صبي- في أثناء وقت صلاة؛ 

  • فإن كان بقي من وقت الصلاة ما يسع الصلاة: فهذه الصلاة واجبة.
  •  ثم إن كانت هذه الصلاة يُجمع معها ما قبلها: فيجب عليه أن يصلي صلاة الوقت والصلاة التي قبلها.

وكذلك المرأة: 

  • إذا طهرت وقت العصر فإنها تصلي صلاة العصر وتقضي معها الظهر؛ لأن الظهر يُجمع مع العصر، 
  • كذلك إذا طهرت في وقت العشاء فإنها تصلي العشاء وتقضي معها المغرب؛ لأن المغرب تُجمع مع العشاء. 
  • أمَّا إن طهرت في وقت صلاة الصبح فلا تقضي العشاء، 
  • وإن طهرت وقت صلاة الظهر ما تقضي الصبح، 
  • وإن طهرت وقت صلاة المغرب ما تقضي العصر؛ لأنه لا يُجمع العصر مع المغرب، ولا يُجمع العشاء مع الفجر، ولا يُجمع الفجر مع الظهر، 

ولكن إذا طهرت في وقت صلاة تُجمع مع ما قبلها فعليها أن تُصلي هذه الصلاة وتقضيَ ما قبلها أيضًا؛ لأنها يمكن الجمع بينها. وهذه المسألة يسمّيها الفقهاء: زوال المانع من الصلاة؛ إذا زال في وقت صلاة وجب قضاؤها، وإن كان ما قبلها يُجمع قضاء.وهذا الذي قال عنه: "إن كانت ظهرًا أو مغربًا." لأن الظهر تجمع مع العصر، والمغرب تجمع مع العشاء، وليس شيء غير ذلك.

فالمسألة في هذا: أنه إذا طُهرت المرأة في وقت العصر: وجب عليها أن تصلي العصر وتقضي معها الظهر. والناس يغفلون عن ذلك نعم، ووجب تنبيههم على ذلك، كلٌّ ينبّه زوجته وبنته، وكل أم تنبّه بنتها، وخصوصًا في أوائل حيضهنّ، فمهمة الأم أن تُعلِّم البنت أحكام الحيض وما يتعلق بها، ومنها إذا طهرت وقت العصر وجب قضاء الظهر، أو طهرت وقت العشاء وجب قضاء المغرب، وبالله التوفيق.

 

الصلاة وما يترتب على تأخيرها

أمَّا الإهمال في الصلوات وعدم المبالاة بتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عن وقتها فهي معصية من كبائر الذنوب! قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء:103]، وجاء في تفسير قوله سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون:4-5]، يقول ﷺ: "يؤخّرونها عن وقتها" لهم الويل؛ التهديد باللذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، ومن معاني الويل أيضًا: اسم لوادٍ في جهنم لو سُيّرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حرّه! مسكن المتهاونين بالصلاة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. فالصلاة شأنها عظيم عند الله تعالى، فإذا كان الذي يؤخِّر الصلاة عن وقتها يتعرَّض لهذا الويل ودخول النار.. فكيف بالذي يتركها من أصلها ولا يبالي!

وبذا تعلَم أن ممَّا ابتلي به المسلمون ترك كثيرٍ منهم لهذه الفرائض وإهمالهم لذلك.. رجال ونساء! وعدم اهتمام الآباء والأمهات بتعليم أولادهم، الذين قال عنهم ﷺ: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر"؛ وسبب ذلك تتسبب فتن وآفات للمسلمين كثير بسبب تُرَّاك الصلاة وقاطعيّ الصلاة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وبذنب الفاسق تحترق المدينة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- إذا أخذهم الله بشيء من ذلك، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) [فاطر:45].

فيجب الأمر بإيقام الصلاة في أوقاتها. ومن العجب أنَّ بعض الشركات من المسلمين -سواءً كانت شركات طيران أو شركات نقل برّي- يجعلون السَّفر في وقت قرب الصلاة بحيث يتعرَّض لفواتها الكثير، فلا أقلَّ للمؤمن عند ذلك من أن يُصلي مهما أمكنه وبأيِّ شيءٍ أمكنه. ولكن هنا من الفقهاء مَن يقول: 

  • إذا كان يستطيع القيام في الطائرة ويستقبل القبلة فيُصلي صلاةً كاملةً، فكأنه صلَّاها على ظهر الأرض. 
  • وكما يكون في السفينة في البحر فيحضر وقت الصلاة فيُصلي. 

وعلى كل الأحوال مَن أمكنه ذلك فذلك هو الواجب. والقضاء بعد ذلك مطروحٌ إليه؛ لأنه إذا قد أدَّاها من قيامٍ وركوعٍ صحيحٍ مستقبلٍ للقبلة فقد انتهت المسألة في سقوطها عند كثيرٍ من فقهاء الشرع المصون. وأمَّا إن كان صلَّاها على الكرسي لأنه لا يستطيع القيام لأي عذرٍ؛ فعليه أن يقضيها عند الوصول. ولكن تُشاهد التساهل عند المسلمين وكأنهم غير مسلمين! والتساهل لبعضهم يجعل توقيت الطائرة حقّه الإقلاع قبل طلوع الفجر بخمس دقائق بعشر دقائق! حتى تشرق الشمس وأنت محلّك في الطائرة وما تصل البلد فيقع فيه إشكال كبير وتساهل من هؤلاء! وما ينبغي لمسلمين في شركات طيران أو غيره إلا أن يضبطوها بضوابط الوقت، ويؤخروا ربع ساعة ويُقدّموا ربع ساعة أو نصف ساعة! وهم من أجل لاعب أو ممثلة أو أمير يؤخرونها أو يقدّمونها ومن أجل فرض الله لا تأخير ولا تقديم! ما هذا التلاعب بأمر الدين والتعظيم لغير الدين؟! -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء:103].

 

مواقيت الصلاة

وذكر لنا المواقيت: "إذا زالت الشمس" -دخل وقت الظهر- "إلى مصير ظل كل شيء مثله"؛عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية: أن يصير ظل الشيء مثليه؛ مثله مرتين، فيؤخرون صلاة العصر.

 فصلاة الظهر من بعد زوال الشمس بالاتفاق، إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، ويستمر إلى أن يصير ظلّ كل شيء مثله، "غير ظلّ الاستواء"، يعني: إذا كان وقت الاستواء موجود ظل فهذا لا يُحسب من مصير الظل مثله، ففرضنا أربع أصابع لهذا الذراع موجودة وقت الاستواء، فهذه الأربع أصابع من الظل ما تُحسب، فإذا صار ظل الذراع هذا مثله وأربع أصابع: دخل وقت العصر، فهذاك الأربع أصابع هو ظل الاستواء، يعني: وقت الاستواء ما يُحسب الظلّ الموجود من مصير ظلّ الشيء مثله، فإذا صار ظل الشيء مثله: خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر. قال الحنفية: إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، أي: مثله مرتين، فإذا صار مثله مرتين: خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.

ويستمر إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس يستمر وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق الأحمر. 

  • وفي قولٍ عند الشافعية: أنه إذا مضى بعد غروب الشمس وقت يسع الطهارة وصلاة خمس ركعات خرج وقت المغرب. 
  • والذي اعتمدوه: أنه يستمر وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر. 
  • ويقول الحنفية: إنما يدخل العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر والأصفر والأبيض.

 فإنّ الأشفاق ثلاثة تُرى: قبل طلوع الشمس أو عند غروبها، وكذلك بعد أن تغرب ترى أشفاقًا موجودة فوق.. أحمر ثم أصفر ثم أبيض، فما دام هذا الأحمر موجود: فوقت المغرب موجود، فإذا غاب الشفق الأحمر: خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وقال الحنفية: بعد أن يغيب أيضًا الشفق الأصفر والأبيض، وإنما يكون ذلك في دقائق.. في خلال نحو العشر دقائق والربع ساعة تغيب الأشفاق كلها.

قال: "ثم بعده العشاء إلى طلوع الفجر الصادق المنتشر عرضًا" في الأفق، فإنه يأتي نور مستطيل، وهو الفجر الكاذب، ثم يضمحل ويبدأ الفجر الصادق، فالعبرة بالفجر الصادق، قال تعالى: (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..) [البقرة:187]. ويستمر إلى طلوع الشمس،  ثم يكون ما بعد هذه الأوقات قضاء.

 

وقال: "وأفضل الأعمال المبادرة بالصلاة في أول وقتها"؛ فإن في ذلك تلبية للنداء، وإنّ المواظبين على الحضور في أول الأوقات إلى الصلوات يكونوا من السابقين يوم القيامة؛ لسبقهم إلى أماكن الصلاة.

 

كيفية استقبال القبلة

قال: "ويجب استقبال القبلة"؛ لقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة:144]، فهي قبلة النبي إبراهيم وقبلة المصطفى محمد ﷺ، وكان الله سبحانه شرع لعدد من النبيين استقبال بيت المقدس، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم حُوِّلت القبلة إلى الكعبة، بعد هجرة النبي ﷺ  بسنة وأربعة أشهر، فحُوِّلت القبلة إلى الكعبة المشرفة، (..فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).

وجاء أنه ﷺ كان يترقّب نزول الوحي ليتحوّل إلى الكعبة لِمَا جَبَلَه الله من حُبِّ الكعبة المشرفة، فقال مرة لسيدنا جبريل: اسأل ربّك لو حوّلني في القبلة إلى الكعبة. وهابَ جبريل الأمر، وقال: يا محمد أنت أقرب إلى الله مني وأنت أحب إليه مني، فلو سألته. واستحيا النبي أن يسأل ربه، ولكن أحسّ بقلبه أن الله سيحوّله، فصار يُقَلِّب وجهه نحو السماء.. يترقّب نزول الوحي، فأنزل الحق: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة:144]،  أي: جهته.

"ويجب استقبال القبلة"، فإن لم يعرفها.. وقد يسّر الله الآن هذه الأدوات والأجهزة في ضبط اتجاه القبلة، فلا يغفل عنها المؤمن في سفره، ومن عجز عن إدراك القبلة أين هي، فيجتهد، فأيُّ جهة أداه اجتهاده إليها يُصلّي إليها، فإن لم يستطع الاجتهاد أو تحيَّر: فيُصلي إلى أي جهة، ثم يقضي بعد ذلك.

 

الستر للصلاة وما يبطل الصلاة من الكلام والحركات

قال: "وستر ما بين السرة والركبة من أعلى والجوانب للذكر والأمَة، وجميع بدن الحرّة إلّا الوجه والكفين"؛ يجب أن تستره للصلاة، فلا يظهر شيءٌ من قدمها، ولا يظهر شيءٌ من بدنها وهي تصلي. "ويجب تجنّب مبطلاتها؛ وهي الكلام ولو حرفين أو حرفاً مفهماً"، الكلام: التعمّد ولو بحرفين أو حرف له معنى، فإنّ في اللغة العربية بعض الحروف تستقلّ بمعنى وذلك في فعل الأمر، يأتي حروف تكون فعل أمر، كلمة كاملة وهي حرف واحد، مكوّنة من حرف واحد، وذلك في فعل الأمر أن يقول: (قِ) الأمر بالوقاية، أو يقول: (لِ) لام تحته كسرة.. حرفٌ واحد، لكن أمر بالولاية.. كلمة كاملة هذه، أو (شِ) أمر بالوشاية، فأمثال هذا يكون تصريفه في اللغة: أنه لمخاطبة المُذَكّر الواحد تقول: (قِ) فإذا خاطبت الاثنين تقول: قِيا، وإذا خاطبت الثلاثة تقول: قُوا (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم:6]، وإذا خاطبت النساء تقول: قِينا. وهكذا.. وفي: (شِ) بمعنى الوشاية، وفي (لِ) تولى الأمر، للأمر: (لِ) لِيَاه، لِيِ، لِ، لِينا. إن كان مرة واحدة تقول: (لِ) وإن كان جماعة تقول: (لِينا) وكذلك (شينا) وكذلك (قينا) فهذا تصريف الكلمة، فيمكن حرف واحد يكون كلمة.

 فهذا إذا نطق به مصلٍّ بطلت صلاته، أو نطق بأي حرفين -ولو بلا معنى- متعمد بطلت صلاته، بخلاف الناسي، ومن غلبه الكلام ومن دون عمد: فيُعذر إلى أربع كلمات ما تبطل صلاته؛ لأنه ﷺ لمَّا ظنّ أنه خرج من الصلاة وسلَّم الظهر من ركعتين قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن؟ قال: بلى بعض ذلك قد كان. التفت إلى الصحابة: أحق ما يقول ذو اليدين؟ يعني: ما صلينا إلا ركعتين؟، فأشاروا أن نعم، فاستوى وكمَّل الركعتين ﷺ، فقالوا هذه الكلمات اليسيرة لا تبطل الصلاة؛ لأنه يظن أنه خارج الصلاة، فمن نَسِيَ أو غلبه الكلام فيُعذر إلى أربع كلمات. فإذا زاد على ذلك.. فهذه نشرة أخبار! بطلت صلاته.. كلمات كثيرة يقول أنا ناسي! ناسي وكم تتكلم وأنت ناسي؟ كلمة كلمتين معذور فيها، وإذا زادت على ذلك فقد بطلت الصلاة، فليُعِدها من أولها.

 قال: "والفعل الكثير":

  • يقول الحنفية: كل هيئة يحسب الناظر فيها أنه في غير صلاة تبطل بها الصلاة.
  • ويقول الشافعية وغيرهم من الأئمة: إذا تحرَّك -من غير حركات الصلاة المطلوبة- ثلاث حركات متوالية بطلت صلاته. فهذا هو الفعل الكثير.

"والفعل الكثير كثلاث حركات وِلاءً، وزيادة ركن فعلي عمداً، وأكل ما ما يفطِّر الصائم،"، ما الذي يُفطر الصائم؟ أي شيء أكله، وإنما الناسي في الصلاة يُعذَرُ في مقدار حبة السمسمة فقط، ما زاد على ذلك لا. بخلاف الصوم: مَن أكل ناسي، فأكثر أهل الفقه يقولون أنه يتم صومه؛ فإنما سقاه الله تعالى وأطعمه، بخلاف الصلاة؛ لأن للصلاة هيئة تُذَكِّر، وليس للصوم هيئة تُذَكِّرُه.

 "والأكل الكثير مطلقًا، ونية قطعها والتردّد فيه" مطلقًا: أي ناسيًا أو ذاكرًا، نيّة قطع الصلاة يُبطِل الصلاة، إذا نوى يخرج من الصلاة بطلت صلاته، والتردُّد في قطع الصلاة: إذا مضى مقدار ركن وهو متردد يخرج أو لا يخرج من الصلاة: بطلت صلاته، "ولا تبطل بالكلام القليل سهوًا أو غلبة".

 

 

النية وكيفية التلفظ بها

ولها أركان: منها النية "إنما الأعمال بالنيات"، "فإن كانت ذات وقت أو سبب.. عيّنها"، وإن كانت فرضاً، نواه." نوى الفرضية؛ 

  • فتكون النية في الفرض: أن يُعيّن الصلاة وأن يقصدها، وأن يذكر الفرضية، 
  • وإن كانت نافلة لها وقت أو سبب يُعيّنها ويقصدها، 
  • وإن كانت نافلة مطلقة أراد يصلي لله تعالى مُتقَرِّبًا إلى الله من دون أن يكون لها سبب؛ فهذه النافلة المطلقة: يقصد الفعل فقط ويكفي في النية قصد الفعل؛ بأن يقصد "أصلي" فإذا قال "أصلي" فقد قصد الصلاة، فيكفيه.

 ولكن من السنن في النية أن يستحضر "لله تعالى"، "الإضافة الله تعالى"، وأن يستحضر استقبال القبلة، وأن يستحضر عدد الركعات؛ كل ذلك من السنن.

قال: "وسُنَّ التلفظ بها،" كما هو عند الشافعية؛ ليُساعد القلب اللسان، وقياسًا على تلفظ النبي ﷺ بالنيّة في الحج، وقول جبريل له: "قل حجةً في عمرة". قالوا: والقول هو اللفظ، فقاسوا عليه بقية العبادات. وعلى كُلٍّ: 

  • فمن نوى بقلبه صحَّت النية بالاتفاق، 
  • ومن تلفَّظ كان ذلك أدعى لاستحضار معنى النيَّة، 
  • ومَن تلفَّظ ولم ينوِ بقلبه لم تصح نيتّه أيضًا بالاتفاق.

 

تكبيرة الإحرام

وبعد ذلك ذكر تكبيرة الإحرام التي يدخل بها الإنسان في الصلاة، قال ﷺ: "تحريمها التكبير" "والنية حاضرة معها،" مع التكبير،  "وسُنَّ رفع اليدين" ؛ لأن النية إذا تلفَّظ بها ستتقدم على التكبير، لكن يجب تكون حاضرة في قلبه أثناء النية وهو يكبر "الله أكبر" داخلًا في الصلاة ناويًا صلاة صبح أو صلاة جمعة أو صلاة ظهر أو صلاة عصر فرضًا واجبًا لله -تبارك وتعالى-، كذلك نية الإمامة تلزم في الجمعة وتلزم في المُعادة، وتلزم في المنذورة جماعة، وتُسنّ نية الإمامة ونية المأموميّة كذلك؛ لأجل إدراك فضيلة الجماعة.

قال: "وسُنَّ رفع اليدين حذاء شحمة الأذنين مع التكبيرة الأولى" واختلفوا في كيفية الرَّفْع، وقال الشافعية: يُسنّ أن يرفعها حتى يُحاذي بالكفّين المنكبين، وبالإبهام شحمة الأذنين.. يُحاذي بها من أمام لا يوصلها إلى عنده، ورؤوس الأصابع منحنية تساوي رؤوس الأذنين، ومتوجِّه بباطنها إلى القبلة وتكون مكشوفة؛ فهذه السنن في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. وقد جاء في الحديث رفعه ﷺ عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، ولم يرَ رفع اليدين الحنفية لا عند الركوع ولا عند الرفع منه ولا عند القيام من التشّهد الأول. وقد قال به غيرهم من الفقهاء، وجاء أيضَا عنه ﷺ.

 

الصلاة وكيفيتها للجالس والقائم  وحين الحرب

ثم أنه يجب القيام لأجل الفرض، ومَن عجز عن القيام صلّى قاعدا، ومن عجز عن القعود فليصل مضطجعًا على الجانب الأيمن -وهو الأفضل- أو الأيسر، فإن عجز عن الاضطجاع فمستلقيًا على قفاه، ولكنه يوجِّهُ قدميه إلى الكعبة المشرفة.. "ورجلاه إلى القبلة، ويُرفع رأسه بشيءٍ إن أمكن ليستقبل به،" برأسه، فإن أمكنه إتمام الركوع والسجود وَجَبَ، وإلا فالإيماء يكفي بالركوع والسجود، وإلا فبالعينين يومئ كذلك إذا عجَز عن الإيماء برأسه، فيومئ "بطرفه"، أي: بإغماض عينه قليلًا للركوع، وأشد منه للسجود؛ استحضارًا لمعنى الركوع والسجود، ولا عذر له في ترك الصلاة ما دام عقله فيه.

ولا يجوز تركها لمن عقل؛ تعظيمًا لشأن هذه الصلاة التي لا تسقط وقت الجهاد، حتى وقت التحام الحرب، بل تسنّ لهم الجماعة ويُعذرون في الكرِّ والفرّ وفي الضرب، ويُعذرون في أن يتقدَّم الإمام أو يتأخّر، ويُعذرون في استقبال قبلة أو لا يستقبلونها، فإن ذلك من المواطن التي يُعذَر فيه عن استقبال القبلة: التحام الحرب. 

ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، حتى وهم في أثناء الحرب، ولكن الجمع يجوز، فإذا لم يكن الجمع فيصلون وهم في أثناء الحرب، حتى يجوز له أن يضرب وأن يكرّ وأن يفرّ وأن يقفز وهو في الصلاة؛ لحاجة القتال.. لا يضرّه ذلك. ولا يُعذر في الصياح.. يُقاتِل ويصيّح! لم تصيّح؟! اقرأ الذكر.. الصياح هذا حيلة الفزّاع الخوّاف، كُنْ ساكن في أثناء الصلاة، ولك الكرّ ولك الفرّ،

وفي التحامِ الحرب صلّوا مهما *** أمكنهم ركبانًا أو بالإيماءِ

 

قال ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى: (..فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة:239]، قال مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)؛ فالشاهد: أنه حتى في هذه الحالة ما تسقط الصلاة على المؤمنين، ولا بد من إقامة الصلاة. 

رزقنا الله إقامتها على وجهها، ونوّر بالصلاة قلوبنا وقبورنا، ونوَّر بالصلاة أهالينا وأولادنا، وجعلنا من المحافظين عليها، والمقيمين لها، المرتقين بها الدرجات العُلى، ويجعلها لنا عهداً عنده. 

وقد قالوا في قوله تعالى: (لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا) [مريم:87]. عهدًا هو: الصلوات الخمس، وشاهده في الحديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة" وقوله: فمن أدّاهن لمواقيتهنّ كانت له حرزًا ونجاةً وأَمْناً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له نور ولا برهان، ولا نجاة يوم القيامة، مَن حافظ عليها كانت عهدٌ بينه وبين الله. رزقنا الله المحافظة عليها وإقامتها، والتحقق بحقائقها.

 اللهم زدنا من إفضالك، ومُنّ علينا بنوالك، وأصلح الشأن كله يا رب العالمين.

 

بسِرَ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد 

اللهم صلِّ وسلم وبارك علي وعلى آله وأصحابه.. 

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

13 جمادى الأول 1445

تاريخ النشر الميلادي

24 نوفمبر 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام