(444)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 391- كتاب الحج والعمرة (38) فرع في وقت الذبح
صباح الأربعاء 26 جمادى الثانية 1447هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: في وقت الذبح
"كان رسول الله ﷺ يقول: "كل أيام التشريق ذبح"، وكان ﷺ يذبح بعد الصلاة ويقول: "من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن يذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين"، وقال أنس -رضي الله عنه-: انصرف النبي ﷺ من الصلاة مرة فرأى لحماً في السوق عرف أنه ذُبِحَ قبل الصلاة، فقال ﷺ: "من ذبح قبل ذبحنا وصلاتنا فإنما ذبحَ لنفسه فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح حين صلينا فليذبح بسم الله تعالى".
وكان علي وابن عمر -رضي الله عنهما- يقولان: زمان الأضحية يومان بعد العيد، وفي رواية عن علي: ثلاثة أيام بعد العيد، وكان أبو إمامة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وقت الأضحية إلى رأس المُحَرَّم لمن أراد أن يتأنى في ذلك"، وكان سهل بن حنيف -رضي الله عنه- يقول: وقت الأضحية إلى آخر ذي الحجة، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ لله مُكرِمنَا بشريعته وبيانها على لسان خير بريّته، حبيبه وصفوته، سيدنا محمد صلى الله وسلّم وبارَك وكرَّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومُتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين خِيرَة الرحمن -تعالى- من خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين وجميع عبادِ الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فيتكلم الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفرع عن وقت ذبح الأضحية، ومتى يكون الذبح للأضحية؟ فذكر -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- ما قال ﷺ فيما أخرجه ابن حبان في صحيحه والطبراني في الكبير: "كل أيام التشريق ذبح" أي: يُذبح فيها الأضحية.
وعلى هذا أيضًا مذهب الشافعية: أنه من بعد صلاة العيد إلى آخر يوم من أيام التشريق؛ وكل ما كان أقرب إلى صلاة العيد في يوم نحر فهو أفضل.
والخلاف بعد ذلك في اليوم الرابع الذي هو الثالث من أيام التشريق أهو وقت أضحية أم لا؟
فلهذا يكون الذبح قبل ذلك أفضل، ويجوز أن يؤخره إلى اليوم الرابع -وهو اليوم الثالث من أيام التشريق- عند الشافعية وقول كذلك عند الحنابلة.
وفي الحديث الذي قرأناه -وهو أيضًا عند الإمام أحمد كما هو عند ابن حبان والطبراني-: "كل أيام التشريق ذبح"، ويناسب هذا ما جعل الحق -تعالى- من شعائر العيد في الحج، فجعلها ثلاثة أيام، وإن كان اليوم الثالث من أيام التشريق لا يلزم من تعجَّل في اليومين: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ)[البقرة: 203]. ولكنه أيضًا يوم نُسُك، ويوم رميٍ لمن تأخَّر وبات الليلة الثالثة عشر في منى، فعليه أن يرمي في ذاك اليوم. فاستأنسوا من هذا أنه أيضًا يوم ذبح مُتعلِّق بالمناسك، ما دام يُعتبر فيه المَبيت في منى ويعتبر فيه الرمي -في اليوم الثالث عشر بعد الزوال-، فهو من أيام النسك، "كل أيام التشريق ذبح".
وكذلك الذبح في الليل:
يقول: "وكان ﷺ يذبح بعد الصلاة"، من هنا:
والشافعية يقولون -كما هو أيضاً أحد أقوال الحنابلة-: يدخل وقت التضحية بعد طلوع الشمس يوم العيد بمقدار ما يسع ركعتين خفيفتين وخطبتين خفيفتين.
ولا تتوقف صحة التضحية على الفراغ من صلاة الإمام وخطبتيه بالفعل، لأن الأئمة يختلفون تطويلاً وتقصيراً، فاعتبر الزمان، العبرة بالزمان؛ يمضي وقت يسع ركعتين وخطبتين، فيكون أضبط للناس في الأمصار والقرى، مثل مواقيت الصلاة يرجع. وأما الخطبة واحد يطوّل وواحد ينقص، وأنت لا تدري بالفعل بعد كم يكمل.
وكان ﷺ يصلي صلاة عيد الأضحى عقب طلوع الشمس.
قالوا: فإذا فاتت صلاة العيد بالزوال في الأماكن التي تصلّى فيها العيد وما صلّوا حتى زالت الشمس؟
فيتداركون من حين الفوات يضحّون، هذا بداية وقت الأضحية.
وعلمنا أيضاً الخبر في نهايتها:
ويقول: "من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن يذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين"، وقال أنس -رضي الله عنه-: انصرف النبي ﷺ من الصلاة مرة فرأى لحماً في السوق عرف أنه ذُبِحَ قبل الصلاة، فقال ﷺ: "من ذبح قبل ذبحنا وصلاتنا فإنما ذبحَ لنفسه فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح حين صلينا فليذبح بسم الله تعالى".
وكان علي وابن عمر -رضي الله عنهما- يقولان: زمان الأضحية يومان بعد العيد، وفي رواية عن علي: ثلاثة أيام بعد العيد"، وهو مذهب الشافعية.
وكان أبو إمامة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وقت الأضحية إلى رأس المُحَرَّم -يعني يستمر بقية شهر ذي الحجة كله- لمن أراد أن يتأنى في ذلك"، "وكان سهل بن حنيف -رضي الله عنه- يقول: وقت الأضحية إلى آخر ذي الحجة".
وهذا غير المذاهب الأربعة، المذاهب الثلاثة يقولون: يومان بعد العيد، فالمجموع ثلاثة أيام. وقول عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية: ثلاثة أيام بعد العيد، فهي أربعة أيام أضحية فقط.
أما بعد ذلك، فهذا قول أيضاً خارج عن قول الجمهور؛ وإنما يكون لذي ضرورة أو ذي حاجة، لمن كان محبوساً ونحوه ولم يقدر، فعنده هذا القول إلى آخر شهر ذي الحجة.
وبالله التوفيق وهو المستعان.
تعقيب الحبيب عمر الجيلاني
بسم الله..
نسأل الله أن يفتح علينا فتحاً وبه ندرك مراده ومرادَ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سمعنا فيما قرره الحبيب عمر -حفظه الله تعالى- الوقت الذي حدده النبي ﷺ لذبح الأضحية ولذبح الهدي أيضاً في بعض صوره. وأن الأمور كلها يكون فيها اتباع لرسول الله ﷺ، ولما جاء عن الله في كلامه.
والله عز وجلّ يقول: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2]، فقدّم الصلاة وبعد ذلك عطف بالنحر وهو الذبح، فالإتباع يقتضي هذا. ومن خالف الإتباع فلا يُعتدّ بفعله، لأن الإتباع هو الشأن كله؛ أن تعمل عملاً تقصد به وتريد اتّباع النبي ﷺ.
وهكذا سار السابقون وسار الصالحون على هذا المنوال وعلى هذا الطريق؛ اتباع لسيدنا رسول الله في كل أحواله وفي كل أفعاله، ولو حالت هذه الأفعال على سبيل الجبلة الاعتيادية الفطرية التي جعلها الله -سبحانه وتعالى- أموراً مباحة ولم تكن من التشريع، لكن حبهم لرسول الله واتباعهم لسيدنا رسول الله جعلهم على هذا الحال.
فعبد الله بن عمر كان هذا حاله، كان يسكن المدينة المنورة، وعندما يسْوَدُّ يعتمر ويذهب إلى مكة المكرمة. وإذا جاء وارتاح في مكان، ثم انتقل إلى مكان يسير، فإذا مكان قريب من مكان مستراح فيجلس ويستظل تحت بعض الأشجار، فيسأله أصحابه، يقولون: يا عبد الله، أنت الآن كنا مستريحين معك فلماذا استرحت مرة أخرى؟ قال: لأني رأيت النبي ﷺ وهو ذاهب في هذا الطريق استظل تحت هذه الشجرة، فأنا أتبع رسول الله. بل كان من حاله -رضي الله تعالى عنه- أنه كان راكباً على راحلته، وكانت هذه الراحلة تمشي، فبينما شجر في الطريق أوقف راحلته، وجعل راحلته تدور حول هذه الشجرة وتأكل من هذه الشجرة. فلما سُئل عن ذلك؟ قال: رأيت النبي ﷺ على راحلته وهي تدور حول هذه الشجرة وتأكل منها، فقلت لعل خفاً من راحلتي يكون على خف راحلة رسول الله؛ غاية في الاتباع لسيدنا النبي ﷺ.
فالأقوال التي حُكِيت في أوقات الأضحية هي أوقات نُقلت إلى هؤلاء العلماء الذين حرروا النصوص التي جاءت عن رسول الله ﷺ، واختلفت أقوالهم بحسب ما وصل إليهم النقل. لكن المستفاد من هذا أننا يجب أن نلتزم بالأوقات، وأن نرتب أمورنا على الأوقات، فلا نتقدم على ما شُرِع ولا نتأخر عن وقت محدد بخروج وقت العبادة. وهذا يعطينا الدليل القاطع على أن أمور المسلمين كلها مرتبة، وأن لا يقَّدم مؤخر على مقدم، وأن يكون الناس ملاحظة لهذه الأمور في أمورهم الحياتية وفي أمورهم العبادية على سبيل الأولوية، وهذا في العبادات كلها.
الصلاة لا يجب أن تكون قبل دخول الوقت ولا يجوز تأخيرها عن الوقت. وكذلك الحج، وكذلك الصوم؛ الصوم الله سبحانه وتعالى يقول: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185]، معنى ذلك أن من كان قد بقي من شعبان ولم يثبت رمضان فإنه لا يصح له أن ينوي الصيام. وكذلك الحج (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) [البقرة:197] وكذلك الزكاة، وكذلك الأعمال كلها. فهذا يدلنا على أن الأمور كلها يجب أن تكون مرتبة، وأن تكون في أوقاتها، وأن ننظم وقتنا وأن ننظم حياتنا وفق ما أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى الله عليه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم نسأل الله اتباع النبي في الأقوال والأحوال والأعمال كلها، ظاهراً وباطناً. والحمد لله رب العالمين، وعلى هذه النية وكل النوايا الصالحة من خيرات الدنيا والآخرة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 رَجب 1447