(628)
(443)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة - 401- كتاب الصيد والذبائح (03) فصل فيما جاء فيما إذا أكل الكلب من الصيد ووجوب التسمية
صباح الأحد 10 شوال 1447هـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل فيما جاء فيما إذا أكل
الكلب من الصيد ووجوب التسمية
"قال عَدِيّ بن حاتم -رضي الله عنه- قال لي رسول الله ﷺ: "يا عَدِيُّ إذا أرسلتَ كلابك المُعَلَّمَة وذكرتَ اسم الله فكل مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب من الصيد فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه"، وفي رواية: "وإن أكل منه فكل مما ردت عليه يدك" يعني: قوسك، وفي رواية : "فكل مما أمسك عليك، قال عَدِيّ فقلت: يا رسول الله ذكي وغير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي، قلت: يا رسول الله فإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك ما لم يَصِلْ يعني يتغير وينتن أو تجد فيه أثراً غير سهمك، قلت: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيد قال: إذا رميت بالمعراض فخرق كُلْهُ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله"، وفي رواية: "فإن أصابه بحدِّه فكُل، وإن أصابه بعرضه فلا تأكل".
وكان ﷺ يحث على التسمية ويقول: "لعن الله من ذبح لغير الله"، وكان ﷺ يقول: "من نسي التسمية فلا بأس، ومن تعمد فلا يؤكل، فقيل لابن أبي مليكة فما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: 121] فقال: إنما ذبحتَ بدينك ولم تذبح على اسم الأوثان، وجاء قوم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا أنتم وكلوا"، وكان القوم حديثي عهد بالكفر؛ وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد.
وكان الزهري -رضي الله عنه- يقول: إذا سمعت النصراني يسمي لغير الله تعالى فلا تأكل، وإن لم تسمعه فكل فقد أحله الله وعلم كفرهم، وكان ﷺ ينهى عن أكل صيد المجوس".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته الغرّاء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار بمسيرهم وجرى بمجراهم خير مجرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف أعلى الذُّرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تعالى- ما تعلَّق بوجوب التسمية عند الذبح وفيما يُرسَل من الكلب ونحوه للاصطياد، وذكر عن "عَدِي بن حاتم -رضي الله عنه-: أنه قال لي رسول اللهﷺ : "يا عَدِيُّ إذا أرسلتَ كلابك المُعَلَّمَة" -شرط الكلب أن يكون معلَّمًا بحيث يسترسل بالإرسال، وينزجر بالزَّجر- "إذا أرسلتَ كلابك المُعَلَّمَة وذكرتَ اسم الله -أي: عند إرسالها- فكُلْ مما أمسكنَ عليك، إلا أن يأكل الكلب من الصيد فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه"، والله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4]، ليس على أنفسهم، ليس لأنفسهم إمساكه.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ فعلامة ذلك أنه لا يقرَبه حتى تأتي أنت:
قال: "وفي رواية: "وإن أكل منه فكل مما ردَّتْ عليه يدك" يعني: قوسك"؛ إذا رمى هو سواء..
قال: "فكل مما أمسك عليك، قال عَدِيّ فقلت: يا رسول الله ذكي وغير ذكي؟ قال: ذكي وغير ذكي، قلت: يا رسول الله فإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك ما لم يَصِلْ -أو يصلى- يعني يتغير وينتن، أو تجد فيه أثراً غير سهمك، قلت: إني أرمي بالمِعراض الصيد فأصيد قال: إذا رميت بالمعراض فخرَقَ كُلْهُ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله -لابد يكون بحاد- وفي رواية: "فإن أصابه بحدِّه فكُل، وإن أصابه بعرضه فلا تأكل".
ومن حَثِّهِ على التسمية:
أورد الحديث: "لعَنَ الله مَن ذَبحَ لغيرِ الله"؛ والمراد: أن يتقرب لغير الله -تبارك وتعالى- بالذبح كتَقرُّبِ عُبّاد الأصنام وغيرهم بالذبح لأصنامهم، فكلُّ من أراد التقرب والعبادة لغير الله بالذبح فذبيحته حرام على المؤمنين وهي ميْتة.
ويقول: "لعَنَ الله مَن ذَبحَ لغيرِ الله"؛ أي: تقربًا وعبادة لغير الله -سبحانه وتعالى-.
فبقي حكم التسمية عند الذبح:
ذِكرُ اسم الله -سبحانه وتعالى- سواء بهذا الأفضل: بسم الله، أو أي اسم من أسماء الحق يذكره، أو تهليل، أو تسبيح، أو تحميد يكفي.
فهذا بالنسبة للحكم العام المتعلق بالتسمية:
وجاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمِّي حين يذبح فليُسمِّ وليذكر اسم الله ثم ليأكل"، هذا في رواية الدارقطني..
وقال الشافعية:
ثم أنه أيضًا قال الإمام أحمد -أيضًا- في معنى الآية:
واستدلوا أيضًا الشافعية على سنية البسملة بما جاء في صحيح البخاري عن السيدة عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أنَّ قَومًا قالوا للنَّبيِّ ﷺ: إنَّ قَومًا يَأتوننا باللحمِ، لا نَدري: أذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه أم لا؟ فقال ﷺ: سَمُّوا عليه أنتُم وكُلوه"؛ فلو كان شرطًا لحِلْ الذبيحة؛ لما أفتاهم بالأكل، وما حلّت الذبيحة مع الشك.
وهكذا أيضًا جاء في سنن الدارقطني يقول: سأَل رجلٌ النبيَّ ﷺ: الرجلُ منا يَذبَحُ ثم يَنسى أن يُسميَ اللهَ قال: اسمُ اللهِ على كلِّ مسلمٍ"، وفي لفظ: "على فمِ كلِّ مسلمٍ"؛ يعني: يكفي أنه مسلم ليكون تقربه بالذبح لله تعالى لا لغيره.
والذين قالوا باشتراط البسملة:
وأما السّاهي عن التسمية:
ثم إن وقت التسمية:
وإذا ذُكر اسم الله بغير العربية فهو جائز، حتى عند المشترطين ذكر اسم الله عند الذبح يجوز؛ ولكن ينبغي لمن يعرف العربية أن ينطق باسم الله -سبحانه وتعالى- وهو سهل على مختلف المسلمين.
بعض أقوال الأئمة فيما يقوله الذابح عند الذبح:
"وكان ﷺ يقول: "من نسي التسمية فلا بأس، ومن تعمد فلا يؤكل" وهذا الذي عليه الحنفية والمالكية، وكذلك القول عند الحنابلة، "فقيل لابن أبي مليكة فما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: 121] فقال: إنما ذبحتَ بدينك" يعني: أنت ما تقربت بهذا الذبح لغير الله، ولم تذبح على اسم الأوثان.
وأورد الحديث الذي ذكرناه: "وجاء قوم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا أنتم وكلوا"، وكان القوم حديثي عهد بالكفر؛ وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تُحمَل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد".
"وكان الزهري -رضي الله عنه- يقول: إذا سمعت النصراني يسمي لغير الله تعالى" يتقرّب إلى الصّليب أو يسمي باسم سيدنا المسيح على وجه العبادة فلا يجوز أن تأكل ذبيحته "فلا تأكل، وإن لم تسمعه -ما ذكر شيئًا غير اسم الله- فكُلْ فقد أحله الله وعَلِمَ كفرهم".
ووقت التسمية بالنسبة للصيد:
والله أعلم..
رزقنا الله الإيمان واليقين والإخلاص والصدق، وثبّتنا على ما يحب، وجعلنا فيمن يحب، ورفعنا أعلى مراتب ذكره في عافية، وغفر مغفرة واسعة للمنتقل إلى رحمة الله السيد محمد بن صادق بن مصطفى بن شيخ العيدروس، وألحقه الله بسلفه الصالحين وبسيد المرسلين، وغفر له جميع الذنوب، وتحمّل عنه جميع التبعات وعنا، وأبدل كل سيئة من سيئاته إلى حسنات تامات موصلات، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأكرم وفادته عليه، وقدومه عليه، وبارك في قرابته وأهليه وذويهم، ورزقهم الصبر والسلوان والرّضا بقضاء الرحمن، وأصلح الله لنا ولكم ولهم كل شأن، ورفعنا إلى أعلى المكان، وغفر لموتانا وأحيانا بمغفرته الوسيعة، ورفعنا إلى مراتب قربه الرفيعة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
10 شوّال 1447