كشف الغمة - 402- كتاب الصيد والذبائح (04) تكملة فصل وجوب التسمية، وفرع في النهي عن الرمي بالبندق وما في معناه

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة - 402-  كتاب الصيد والذبائح (04) تكملة فصل وجوب التسمية، وفرع في النهي عن الرمي بالبندق وما في معناه

صباح الإثنين 11 شوال1447هـ

 

يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:

  •  التسمية عند الذبح بين الوجوب والسنية
  • الفرق في الحكم بين الصيد بالمحدد والمثقل
  • حكم الصيد إذا وجده بعد مدة
  • أحكام إذا وجد الصيد في الماء أو جراحة بغير سهمه
  • النهي عن الرمي بالبندق (الحصى والخذف)
  • حرمة قتل عصفوراً عبثاً لغير الأكل
  • شروط حل الصيد بالمعراض والبندق

نص الدرس المكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"وكان ﷺ يقول: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله تعالى، فإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قَتَل فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره"، وفي رواية: "فإنك لا تدري أيهما قتله"، وهو دليل على أنه إذا أوجأهُ أحدهما وعلم بعينه فالحكم له؛ لأنه قد علم أنه قاتله، وفي رواية أخرى: "وإذا خالط كلبك كلاباً لم يُذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل".

وكان ﷺ يقول: "إذا رميتم بالقوس فذكرتم اسم الله عليه وخرقتم فكلوا منه"، وهو دليل على أن ما قتله السهم بثقله لا يحل، وكان ﷺ يقول: "إذا رميت سهمك وذكرت اسم الله فغاب ثلاثة أيام فأدركته فكله ما لم ينتن، وإذا رميت سهمك وذكرت اسم الله فوجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك"، وهو دليل على أن السهم إذا أوجأه أبيح؛ لأنه قد علم أن سهمه قتله . 

وفي رواية: "إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل فإن وقع في الماء فلا تأكل"، وفي رواية: "فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت فإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل"، وفي رواية: "إنا نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتاً وفيه سهمه قال: يأكل إن شاء"، وفي رواية: "إن أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه ليلة أو ليلتين فيجد فيه سهمه قال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله"، وفي رواية: "إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل"، والله أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته، عبده وحبيبه وصفوته سيدنا محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه في كل نفس ولمحة وحين عليه وعلى آله وصحابته وعلى أهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة أهل قرب الله ومحبته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

يواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر الأحاديث المتعلقة بالصيد، يقول: وكان ﷺ يقول: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله تعالى"

فهذا أيضاً راجع إلى وجوب أو سنية البسملة:

  • عند من يقول بسنيتها، كما علمنا من قول الشافعية وقول ابن رشد من المالكية ورواية عن الحنابلة أن التسمية سنة.
  • ومعتمد الحنابلة كما هو معتمد الحنفية أنه وجوب التسمية عند الذبح، أو عند إرسال الجارحة من الكلب ونحوه، أو عند رمي السهم لابد من التسمية. 

يقول: "فإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قَتَل فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تُسَمِّ على غيره"، ففيه التحري، وأن الأصل هو الحرمة؛ وإنما الإباحة بمعرفة حصول المبيح الشرعي من الذكاة أو شرط الجارحة السهم. 

فإذا لم يُعرف أن الحيوان كان موته بسبب هذه الجارحة أو السهم أو بذكاة صحيحة فلا يَحِل، لأنه يقول احتمال أن يكون كلبك الذي قتله أو الكلب الآخر الذي لا تدري من أرسله، أو هل هو اندفع من نفسه أو أرسله مرسل؟ والمرسل الذي أرسله أهو من المسلمين أو من أهل الكتاب أو من غيرهم؟ وهل سمى أو لم يسمِّ؟ فلهذا قال: "فلا تأكل"؛ فدل على أن الأصل في أكل الحيوان الحُرْمَة حتى:

  • تُعلم إباحته بطريقة شرعية من الذكاة ومن الصيد الصحيح.
  • فإذا لم يُعلَم ذلك فهو على حُرْمَته حرام لا يجوز الأكل منه.

 

وقال: وفي رواية: "فإنك لا تدري أيهما قتله" يعني: احتمال يكون كلبك الذي أرسلته والشروط متوفرة فيه هو الذي قتله، ولكن احتمال أن يكون الكلب الثاني هو الذي أثر عليه؛ فأمر بترك ذلك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم وغيره.

قال: "وهو دليل على أنه إذا أوجأه أحدهما وعلم بعينه فالحكم له؛ -أحد الكلبين- لأنه قد علم أنه قاتله، وفي رواية أخرى: "وإذا خالط كلبك كلاباً لم يُذكر اسم الله عليها فأمسكْن وقتَلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل" كما جاء في رواية النسائي والبيهقي وغيرهما.

"وكان ﷺ يقول: "إذا رميتم بالقوس فذكرتم اسم الله عليه وخرقتم فكلوا منه"، إذا كان يخرق أو يخزق بخلاف المُثقَّل، فإنه لابد من مُحَدَّدْ؛ إما حديدة مسنونة، أو حجارة مُذلقّة مرققة الطرف، أو خشبة كذلك إذا فيها ذِلق بحيث يجرح ويقطع الجلد ويجرح فيسيل الدم؛ فإذا كان بمُحَدَّدْ يجوز، ولا يجوز بمُثَقَّل كما يأتي في الباب الذي بعده.

قال: "إذا رميتم بالقوس فذكرتم اسم الله عليه وخرقتم فكلوا منه"، "وهو دليل على أن ما قتله السهم بثقله لا يحل". إنما يكون إذا قتله بحده؛ بالحد الذي يجرح ويسيل الدم نعم؛ وأما بالثِّقَل فلا.

 

قال: "وكان ﷺ يقول: "إذا رميت سهمك وذكرت اسم الله فغاب ثلاثة أيام فأدركته فكله ما لم ينتن".

وإذا لم يكن هناك سبب لموت الصيد هذا الذي يباح إلا ما رميت من سهم أو أرسلت عليه من جارحة ثم إنك وجدته بعد مدة:

  • اشترط الحنفية أن يكون لا ينقطع عن الطلب، فأما إذا انقطع عن الطلب وأهمله بعدين وجده فلا يحل عندهم.
  • ولم يحددوا أيضًا الأئمة وقتاً إلا المالكية قالوا: في خلال يوم، خلال يوم وليلة وجدته نعم، فزاد لا.
  • قال غيرهم من الجمهور: إنه ولو يومين أو ثلاث ما لم ينتن كما جاء في الروايات، فإذا تغير وأنتن حرام يُترك.
  • وإذا لم ينتن وكان سبب القتل ما أرسلت عليه من جارحة أو من سهم فوجدته بعد ذلك فتأكل:
    • وإن أعرضت عنه عند غير الحنفية.
    • عند الحنفية بشرط أن لا يُعرض عنه.
    • وإن كان بعد أكثر من يوم عند غير المالكية.
    • المالكية يكون وجدته في نفس اليوم بعد رميه أو إرسال الجارحة عليه.

 

قال: وكان ﷺ يقول: "إذا رميت سهمك وذكرت اسم الله فغاب ثلاثة أيام فأدركته فكله ما لم ينتن، وإذا رميت سهمك وذكرت اسم الله فوجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء" 

هنا يأتي أنه ﷺ حكم بأنه إذا احتُمِل غير ذلك غير المُحِلّ والمبيح للأكل فلا يحل؛ إذا احتُمِل معه غيره فيقول: فوجده في ماء، ولو كان الجرح الذي جرحه بسهمه مُوحِي -يعني: شديد مؤدي إلى القتل-، لكن وجده في الماء فاحتمال أنه بالجرح، واحتمال أنه غرق بالماء وأنه مات بالغرق، قال: لا تأكل. 

قال: "فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك"، فمعناه: إذا شك في الإباحة فلا يحل، والحديث في صحيح مسلم وعند الدارقطني وغيره.

"وهو دليل على أن السهم إذا أوجأه أبيح"

أوجأه: يعني جرحه فسال منه الدم فأبيح "لأنه قد علم أن سهمه قتله" فإذا وَجَد فيه جراحة من غير سهمه فلا، وإذا وجده ميت في ماء فلا، فكل ما داخله من الاحتمال أن القتل بغير الرمي فيحرم.

"إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل فإن وقع في الماء فلا تأكل"

يعني: إذا وقع في الماء، أو وجدت به سهماً غير أثر سهمك، يكون واحد ثاني رماه أو أصابه فلا تأكل.

 

وفي رواية: "فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت فإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل" وقوله يوماً هذا الذي أخذ به المالكية. 

 

وفي رواية: "إنا نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتاً وفيه سهمه قال يأكل إن شاء".

يعني: ما دام ما هناك سبب ظاهر لموته إلا السهم.

 

"وفي رواية: إن أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه ليلة أو ليلتين فيجد فيه سهمه قال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله"، أيضًأ هذا في رواية الإمام أحمد.

 

وفي رواية: "إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل" عند الترمذي والنسائي، وكذلك ما جاء أيضًا في الحديث أن لعله قتله هوام الأرض، فإذا جاء الاحتمال فقد حَرَمَ، فدل على أن الأصل الحرمة.

ثم يذكر في هذا الفرع أنه لابد أن يكون بمحدد لا بمثقل، والرصاص الذي يضربون به مثقل وليس بمحدد، فلا يُباح ما قتل إلا ما رمى به فأوقفه وأدركه حياً حياة مستقرة ثم ذبحه، فلا إشكال فيه. 

فإذا وجده ولو بعد ثلاثة أيام:

  • قال الحنفية: إن استمر في الطلب فيصح.
  • ومطلق عند الحنابلة وغيرهم طلبه أو لم يطلبه أو أعرض عنه، ما دام وجده وليس به أثر إلا أثر سهمه يجوز يأكله ما لم ينتن.
  • فإذا أنتن فلا باتفاق.

 

فرع: في النهي عن الرمي بالبندق وما في معناه 

 

"كان رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف ويقول: "إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكيء عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين"، وكان ﷺ يقول: "من قتل عصفوراً بغير حقه سأله الله عنه يوم القيامة، قيل: يا رسول الله وما حقه؟ فقال: يذبحه ولا يأخذ بعنقه فيقطعه"، وكان ﷺ يقول: "إذا رميت فسميت فخرقت فكل، وإن لم تخرق فلا تأكل ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندق إلا ما ذكيت"، والله سبحانه وتعالى أعلم". 

 

فمن المعلوم أنه:

  • إذا وجده في حياة مستقرة ثم ذبحه فهذا لا إشكال فيه بالاتفاق.
  • ولكن إذا ما وجده في حياة غير مستقرة وأقرب إلى الموت فلا يفيد ذبحه عندئذ.
  • وما دام الرمي ليس بمحدد يجرح ويسيل الدم بطريق الشق والخزق، لا بطريق المثقل. 

 

يقول: "كان رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف" قال في الخذف "إنها لا تصيد صيداً، يعني ما يحل بها الصيد، ولا تنكيء عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين".

 

وكان ﷺ يقول: "من قتل عصفوراً بغير حقه سأله الله عنه يوم القيامة"، يعني: لم يقتله لأجل أن يأكله.

  • أباح الله للإنسان أن يقتل هذه الحيوانات التي يحل أكلها لأجل أكلها.
  • أما لغير أكلها فلا، قاعد فقط يتسلى، يرميه ويتركه يروح، يقتله يروح يتركه ميت يتسلى فقط بالرمي! حرام لا يجوز، لأنه له حرمة. 

ويسألك يوم القيامة يقول: تعال، لماذا قتلتنا؟ إذا قصدك أكلي أباح الله لك، ما عاد لي اعتراض، لكن قصدك غير ذلك، لماذا بأي حق؟ مالك حق، فيأخذ حقه منه يوم القيامة. ولهذا يقول: "سأله الله عنه يوم القيامة، قيل: يا رسول الله وما حقه؟ فقال: يذبحه ولا يأخذ بعنقه فيقطعه".

 

وكان ﷺ يقول: "إذا رميت فسميت فخرقت فكُل، وإن لم تخرق فلا تأكل ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت -أي: وجدته حيًّا فذبحته- ولا تأكل من البندق إلا ما ذكيت"، والله سبحانه وتعالى أعلم".

أما الذين يتقنون الرمي بالبنادق وغيره، فيرمي رجليه ويديه فيمسكه بمكان لا يستطيع الحراك، فيأتي إليه وهو حي حياة مستقرة فيذبحه، فهذا صحيح والله أعلم.

 

اكتبنا في ديوان أهل الصلاح والفلاح والنجاح، مع الفوز والسعادة ودفع الآفات عنا وعن المؤمنين والمؤمنات، وأصلح أحوالنا الظواهر والخفيات في لطف وعافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

12 شوّال 1447

تاريخ النشر الميلادي

31 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام