(628)
(443)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة - 404- كتاب الصيد والذبائح (06) فصل في تكملة كيفية الذبح وما يجب فيه وما يستحب
صباح الأربعاء 13 شوال1447هـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان ﷺ يقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته ويوارها عن البهائم، وليجهز ويرح ذبيحته" ومعنى يجهز يسرع ذبحها ويتمه.
وكان عمر -رضي الله -عنه ينهى عن نخع الذبيحة وهو أن يكسر قفاها من موضع الذبح قبل أن يبرد تعجيلًا لزهوق الروح، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها قال: أفلا قبل هذا أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها".
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: بعث رسول الله ﷺ بدیل بن ورقاء يصيح في فجاج منى " ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال"، وكان ﷺ ينهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج ثم تترك حتى تموت، وكانت أسماء -رضي الله عنها- تقول: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه، وفيه دليل على استحباب نحر كل ما كان طويل العنق.
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة، فقال رسول الله ﷺ: "لو طعنت في فخذها لأجزاك"، قال العلماء: وهذا فيما لم يقدر على ذبحه في الحلق واللبة كبعير أو ثور ندّ وتوحش، وقد كان رافع بن خديج -رضي الله عنه- يقول: "ندّ بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خیل فرماه رجل بسهم فقال رسول الله ﷺ: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هكذا فافعلوا به هكذا". وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: إذا طرفت عينا الموقوذة أو المنخنقة أو المتردية أو النطيحة أو ما أكل السبع فلا بأس بها، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: إذا أدرَكْتَها يعني الموقودة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلًا فكلها، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ للهِ مُكرِمِنَا بشريعتِه الغرَّاء وبيانِهَا على لسَانِ سيِّدنا خيرِ الوَرَى محمدِّ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه وسلَّم، ومَن سارَ في مسارِه سرًا وجهرًا، وعلى آبائِهِ وإخوَانِهِ مِن الأنبيَاءِ والمُرسَلين الرَّاقين في الفضلِ والشَّرفِ أعلى الذُّرى، وعلى آلهِم وصحبِهِم وتابعيهِم، وعلى المَلائِكة المُقرَّبين، وجميعِ عبادِ الله الصَّالحِين، وعلينا معهُم وفيهِم إِنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يُكمِل الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ما يتعلَّق بشأن الذبح وآدابه، فيقول: "وكان ﷺ يقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحِدَّ أحدكم شفرته ويوارها عن البهائم، وليجهز ويرح ذبيحته"، ومعنى يجهز يسرع ذبحها ويتمه"، هذا أحد الأحاديث التي وردت في إحسان الذبح.
وقوله: القِتْلة والذِّبْحة: أي إذا شُرِع قتل شيءٍ؛ سواء كان من محاربٍ، أو كان مِن مُرتَدٍّ يُقام عليه الحدّ، أو كان مِن قاتلٍ يُقام عليه الحدّ والقصاص إلى غير ذلك مما شُرِع فيه القتل؛ فهيئة القتل يجب أن تُحسَن.
"فأحسنوا القتلة" والقِتْلة بالكسر: الهيئة والطريقة للقتل، فلا يجوز التعذيبُ بغير ما رُتِّبَ في الشَّرع، ومِن مثل رجم الزَّاني المُحصَن وغيره، فيكون القتل على أحسن الطرق وأخفّها.
وكذلك الهيئة في الذبح؛ "فأحسنوا الذبحة". فذكر مما يتعلَّق بإحسان الذِّبْحة:
قال: "ويوارها عن البهائم"؛ ومن المكروهات الشديدة:
وهكذا جاءت الرحمة، مع أنه شُرِّع هذا رفقًا من الله -تعالى- بالإنسان وإكرامًا له بهذه البهائم التي أحلَّها، لِما جعل في تركيبة الإنسان من حاجة جسمه وجسده إلى أنواع من هذه البروتينات وأكل هذه اللحوم. فأباح لهم ما يجوز ذبحه؛ مُعَيَّنًا من الحيوانات ما لا يضرهم ولا يعود بالسوء عليهم:
كلّه رفقًا ورحمةً بهذا الإنسان؛ إكرامًا له من الله -تبارك وتعالى-.
ولهذا تقدَّم معنا في الحديث أنه من قتل طائرًا لغير أكل -من غير أكل-، جاء يوم القيامة يُحاجّه عند الله، يقول له: هذا لِمَ قتلني؟ لماذا قتلني؟ إنما أباحه لأجل مصلحة الإنسان في الأكل وغير ذلك ما يجوز تؤذي الحيوان، ولا يجوز تقتله.
حتى قال الفقهاء:
ولا تتسبب أنت في القتل إلا لمصلحة الأكل فقط؛ أباح الله ذلك لذلك.
ويقول: "وليحد أحدكم شفرته ويوارها عن البهائم، وليجهز ويرح ذبيحته" ومعنى يجهز يسرع ذبحها ويتمه".
"وليجهز" يعني: يسرع بالذبح، ما يبطئ -على قليل قليل-، بسرعة يوالي إمرار السكين على الرقبة حتى يقطع الحُلقوم والمريء والأوداج معًا في وقتٍ كلّه قريب.
وليجهز: يسرع في الذبيحة ولا يؤَخِّرها.
وقال: "ويرح ذبيحته":
ومن راحتها أنه إذا قطع الحلقوم والمريء والأوداج يتركها، فلا يواصل الذبح حتى يُفصِل الرأس، ولا ينخعها حتى إذا قطع الحلقوم والمريء منها والأوداج تركها؛ لا يَمسها ولا يُحرِّكها حتى تُكمِل ما بقي عندها من الإحساس وتخرج روحها تمامًا. ويتركها تتحرك كما شاءت حتى تنتهي من حركتها وتخرج تمامًا عن الحس؛ بإبتعاد روحها عن جسدها. ثم بعد ذلك يأتي ويُكمل الذبح.
وهي لا تزال فيها أثر الحركة بل يتركها تتحرَّك من نفسها حتى تسكُن تمامًا، فإذا سكنت تمامًا يبدأ الآن عمله وشغله فيها.
ولهذا قال: "ويرح ذبيحته"؛ وفي الرواية الأخرى: "وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ". قال: "ومعنى يجهز يسرع ذبحها ويتمه".
"وكان عمر -رضي الله -عنه ينهى عن نخع الذبيحة وهو أن يكسر قفاها من موضع الذبح قبل أن يبرد تعجيلًا لزهوق الروح"؛ بل يتركها إذا قد قطع الحلقوم والمريء واللّبتين.
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها قال: أفلا قبل هذا أتريد أن تميتها موتتين؟".
أتريد أن تميتها موتات؟ تُسنّ الشفرة قدامها!
قبل أن تأتي بها، وقبل ما ترى حدّ الشفرة ثم أُحضرها، هكذا توجيهاته وتعليماته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وهكذا لاحظ بعضهم أنه واحد من غلاظ القلوب، عنده غنم وقاعد يجيبها واحدة بعد الثانية ويذبِّح منها. فجاءت له حاجة، فوضع السكين على الأرض وراح، فشاهد غنمة جاءت وحملت السكين بفمها، وكان هناك بئر فرمت السكين في البئر. جاء يبحث عن الشفرة يريدها، فلم يجدها، ما حصلها.
جاء له هذا قال: اتَّقِ الله، ما فيك رحمة! أنا رأيت الغنمة بنفسها جاءت ورمتها، أنت مجنون تذبِّح أمام الأخريات! لا إله إلا الله.
قال: "هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها"؛ يقول له ﷺ.
وهكذا لمَّا أراد أن يذبح ﷺ قال: ياعائشة حدّي الشفرة بالحجر، ففعلت، فقال: هاتوا، فجاؤوا بالغنمة ووضعها على جنبها الأيسر، واستقبل القبلة، ووضع رجله ليس على عنقها -يُكره وضع الرجل على العُنق- وضع رجله على يدها. قال: وهكذا يترك لها أيضًا يدًا أو رجلًا تُحرِّكها، ما يقمِّط الكل؛ فإذا ربط منها الرجلين أو اليدين، فيترك واحدة حتى تتحرك بها.
يقول: "وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها قال: أفلا قبل هذا أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها".
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: بعث رسول الله ﷺ بدیل بن ورقاء يصيح في فجاج منى "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة".
ويقول: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق"؛ بل اتركها على طبيعتها. مباشرةً اقطع الحلقوم والمريء فيما تذبح، وكذلك من خلال اللَّبة تعود إلى الحلقوم والمريء، وتتركها حتى تزهق من نفسها؛ وتتحرك كما شاءت، وتنتهي حركتها.
"وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال"؛ أيام العيد يُحرَم الصيام فيها.
"وكان ﷺ ينهى عن شريطة الشيطان - والعياذٌ بالله تعالى- وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الأوداج"؛ والأوداج تشخب منها الدم؛ ودجين في هذا الجانب وودجين في هذا الجانب من رقبةِ الغنمة؛ ثم تُترك حتى تموت. ولكنْ يقطعها تمامًا، ويقطع الحلقوم والمريء؛ وإلا صارت مَيْتَة.
"وكانت أسماء -رضي الله عنها- تقول: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه". وهو دليل الشافعية ومن وافقهم في جواز أكل لحم الخيل. "وفيه دليل على استحباب نحر كل ما كان طويل العنق" يُنحر مثل الإبل والخيل.
"وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة"؛ وذلك بالنسبة لما ندَّ. وكما تقدَّم معنا في الصيد؛ ومثله ما ندَّ من الإبل ونحوها من الثور وغيره إذا ندَّ وتوحش صار حكمه حكم الوحش؛ حكم حمار الوحش وحكم الصيد.
فحينئذٍ إذا ندَّ وما عاد يمكن الاستيلاء عليه وذبحه، فيُرمى في أي مكان فيصير مثل الصيد، فإذا رُمىَ بمُحدَّد في أي مكان صحَّ وجاز أكله. فلهذا "قال رسول الله ﷺ: "لو طعنت في فخذها لأجزاك"؛ لأنها ندَّت.
"قال العلماء: وهذا فيما لم يقدر على ذبحه في الحلق واللبة كبعير أو ثور ندّ وتوحش"؛ فحكمه حكم الوحش.
كما جاء في الرواية الأخرى، يقول "رافع بن خديج -رضي الله عنه-: ندّ بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خیل -يعني: يلحقونه أو يمسكونه- فرماه رجل بسهم فقال رسول الله ﷺ: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هكذا فافعلوا به هكذا". حكمه حكم الحمار الوحشي والبقر الوحشي؛ ترميه في أي مكان بمُحدَّد فيصير حلال تأكله.
"وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: إذا طرفت عينا الموقوذة أو المنخنقة أو المتردية أو النطيحة أو ما أكل السبع فلا بأس بها" يعني:
وكان علي -رضي الله عنه- يقول: إذا أدركتها يعني الموقودة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلًا"؛ يعني: لها حركة اختيارية، ما زالت حياتها مستقرة "فكلها" فاذبحها وكُلها؛ فإذًا تذبحها وتأكلها؛ فتصير حلالًا لك "والله أعلم".
رزقنا الله الاِستقامة واتِّباع إمامة أهل الإِمامة، والإقتداء به في جميع الشؤون، في الظهور والبطون، ودفع الآفات والفتون عنَّا وعن الأمة أجمعين، ويختِم لنَا بأكمل الحُسنَى وهو راضٍ عنَّا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
14 شوّال 1447