كشف الغمة - 406- كتاب الصيد والذبائح (07) فصل فيما جاء في السمك والجراد وحيوان البحر

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 406- كتاب الصيد والذبائح (07) فصل فيما جاء في السمك والجراد وحيوان البحر

صباح الأحد 17 شوال 1447هـ 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  حديث أكل الصحابة الجراد
  • قصة الصحابة وأكل الحوت بعد جوعهم
  • حديث أُحل صيد البحر والجراد
  • أكل السمك مملوحاً بعد مدة
  • حكم أكل الجراد أو طبخه حياً
  • أقوال الفقهاء في حل جميع حيوانات البحر
  • تأملات في صبر الصحابة وجوعهم في الغزوات (قصة التمرة)
  • توضيح حكم أكل البرمائيات (التمساح والسلحفاة والضفدع)
  • أدلة أكل صيد البحر
  • قصة سيدتنا زينب مع تقديم الجراد
  • معنى نثرة الحوت

 

نص الدرس المكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

فصل فيما جاء في السمك والجراد وحيوان البحر 

 

"تقدم في كتاب الطهارة قوله ﷺ في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه"، وكان عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- يقول: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل معه الجراد"، وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: بعثنا رسول الله ﷺ وكنا ثلاثمائة نرصد عيرًا لقريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبَط، فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادَّهَنَّا من ودكها حتى ثابت أجسامنا، وكان أميرنا في تلك الغزوة أبا عبيدة -رضي الله عنه- فأخذ ضلعًا من أضلاع ذلك الحوت فنصبه ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه فمرَّ راكباً على البعير من تحت الضلع، وكان يجلس في نقرة عينه ثلاثة عشر رجلًا، قال جابر -رضي الله عنه-: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: كلوا رزقًا أخرجه الله -عز وجل- لكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتوه بشيء منه، فأكله ﷺ.

وكان ﷺ كثيراً ما يقول: "أُحلَّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال"، وكان ﷺ يقول: "إن الله عز وجل ذبح ما في البحر لبني آدم"، وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: الطافي يعني الميت حلال، وكان عمر -رضي الله عنه- يقول في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ)[المائدة: 96] إن صيده: ما اصطيد، وطعامه: ما رمی به، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: صيده: ما اصطيد طريًّا، وطعامه: ميتته إلا ما قذِرتَ منه، وقال ابن المسيب -رضي الله عنه-: طعامه: ما تزودتم مملوحاً في سفركم. 

وكان أبو مجلز -رضي الله عنه- يقول: ما كان يعيش من الصيد في البر والبحر فلا تصده، وما كان حياته في الماء فذاك، وما كان يعيش في البحر أكثر أو عكسه فالحكم للأكثر حيث يفرخ فيه. وكان -رضي الله عنه- يقول: كُلْ من صيد البحر صيد نصراني أو يهودي أو مجوسي لأن الله قد ذبحه، وكان الحسن -رضي الله عنه- يركب على سرج من جلود كلاب الماء، وسئل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- مرة عما لفظه البحر، فنهى السائل عن أكله، فتلا عليه أبو هريرة -رضي الله عنه- (أحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)، فرجع ابن عمر -رضي الله عنهما- وقال: لا بأس بأكله. وسئل -رضي الله عنه- أيضاً عن الحيتان يقتل بعضها بعضاً أو يموت صردًا، فقال: ليس بها بأس. وكان ﷺ يقول: "ما ألقاه البحر أو جَزَرَ عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه"، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم- لا یرون بما لفظه البحر بأساً، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: كل دابة من دواب البر والبحر ليس لها دم ينعقد فليست لها ذكاة".

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة والدين، وبيانها على لسان عبده وحبيبه الأمين سيدنا محمد صلى الله وسلَّم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،،

فيذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- في هذا الفصل ما جاء وورد "في السمك والجراد وحيوان البحر"، وأشار إلى ما "تقدم في كتاب الطهارة قوله ﷺ في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه"، وكان عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- يقول: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل معه الجراد" كما جاء في الصحيحين وغيرهما، وثبت أكل الصحابة له بين يديه ولم يثبت أكله هو له، وجاء في بعض الروايات أنه ما أكله. 

"وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: بعثنا رسول الله ﷺ وكنا ثلاثمائة نرصد عيرًا لقريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخَبَط" وهو: ورق الشجر، يُخبَط أغصان الشجر ويخرج الورق؛ فصاروا يأكلون ذلك، "فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر" من أكبر الدواب في البحر، قال: "فأكلنا منها نصف شهر وادَّهَنَّا من ودكها حتى ثابت أجسامنا" رجعت إليهم شيء من انتفاش الجسد، "وكان أميرنا في تلك الغزوة أبا عبيدة -رضي الله عنه- فأخذ ضلعًا من أضلاع ذلك الحوت فنصبه ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل" قال: قم اركب على هذا الجمل، وسِر تحت الضلع، فركب وسار تحت الضلع فلم يصل رأسه إلى مستوى الضلع؛ من كِبَر الضلع.. كبير جدًا -لا إله إلا الله- قال: "وكان يجلس في نُقرة -نُقرة عين الحوت هذا- عينه ثلاثة عشر رجلًا" يدخلون، ألا كأنه منزل كبير ذا! مكان العين حقه، "قال جابر -رضي الله عنه-: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: كلوا رزقًا أخرجه الله -عز وجل- لكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتوه بشيء منه، فأكله ﷺ".

هذه الغزوة التي لما أخرجهم إليها زوَّدهم بما عنده؛ كان جِراب تمر عنده أعطاهم إياه، فكان سيدنا أبو عبيدة يقسِّم عليهم في اليوم ثلاث تمرات، ثلاث تمرات هي هذه حق قوت اليوم، بعدين نقص قال: خلاص تمرة واحدة، فصار يقسّم عليهم تمرة تمرة.. انتهى، قالوا لبعضهم من الذين حضروا الغزوة: ماذا تكون لكم التمرة؟ قالوا: وجدناها عند فقدها، وجدنا الأثر يوم فقدناها؛ تمنيناها تمرة.. فبعد ذلك بقوا جائعين، فأرسل الله لهم هذا الحوت الكبير ألقاه البحر، فأخذوا منه وأكلوا حتى سمن بعضهم؛ لأن أجسامهم كانت صحيحة وقليلة الأكل فتتأثر بسرعة إذا وجدت طعام طيب.

 

قال: "وكان ﷺ كثيراً ما يقول: "أُحلَّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال"، وكان ﷺ يقول: "إن الله عز وجل ذبح ما في البحر لبني آدم" يعني: أحلَّه لهم، ولذا لا فرق بأن يصطاده مشرك أو احد من غير المسلمين يصطاده؛ قد أباحه الله. 

"وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: الطافي يعني الميت حلال، وكان عمر -رضي الله عنه- يقول في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ)[المائدة: 96] إن صيده: ما اصطيد، وطعامه: ما رمی به، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: صيده: ما اصطيد طريًّا، وطعامه: ميتته إلا ما قذِرتَ منه" فما تقذَر ما يجوز، المستقذرات هي محرمة "ما قذِرتَ منه". 

"وقال ابن المسيب -رضي الله عنه-: طعامه: ما تزودتم مملوحاً في سفركم" وهذا قعدوا يأكلون منه نصف شهر، وبعدين وصَّلوه إلى المدينة معهم، والنبي قال: عندكم شيء هاتوه.. فأعطوه منه ﷺ، معناه مدة له.. ويملحونه، ومنه هذا النوع من الصيد منه اللخم يملحونه ويبقى مدة طويلة.

 

"وكان أبو مجلز -رضي الله عنه- يقول: ما كان يعيش من الصيد في البر والبحر فلا تصده، وما كان حياته في الماء فذاك".

  • وهذا الذي عليه الشافعية، فيقولون: أن حكم الجراد هو حلال بالاتفاق.
  • ولكن قال المالكية: إنه يحل بأن يُفعل به ما يعجِّل موته مع التسمية؛ يسمي الله -تبارك وتعالى- يسمي وينوي استحلاله، يعني: أن يستحلّه.
  • لكن الجمهور قالوا: ما يحتاج شيء، الجراد جراد. 

 

وهكذا كما تقدمت الإشارة معنا، وأخذوا بحديث: "أُحلَّ لنا ميتتان ودمان" 

  • بل كره الشافعية: ذبح الجراد أو قطعه حي:
    • وإذا مات يجوز قليُه من دون إخراج ما في جوفه.
    • وأما وضعه وهو حي في الزيت وقليه، أو في النار مباشرة شيّه فلا يجوز؛ لأنه فيه تعذيب.
  • وتقدم معنا قول الحنابلة: أن ذلك يجوز عندهم.
  • وفي الرواية الأخرى عن أحمد مثل الشافعية ما يجوز، ما يجوز وضعه في النار مباشرة، ولا قليه وهو حي، ينتظر حتى يموت أو يضربه حتى يموت.

 

كذلك الحيوان الذي لا يعيش إلا في الماء فقط:

فهو من جملة ما يدخل في قوله: "هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه"، الذي لا يعيش إلا في الماء إذا مات يحل. 

  • فقال الجمهور: كل حيوانات البحر تحل بلا تذكية.
  • وما تطول حياته عند خروجه مثل السمكة الكبيرة ونحوها، يسن ذبحها عند الشافعية بأن يُمَر السكين من جهة ذيلها، قد يخرج شيء منها دم نادر قطرة من الدم، فيكون الذبح بالنسبة للسمك من جهة الذيل إذا كانت كبيرة، كله على سبيل الاستحباب.
  • وأما ما لا يعيش إلا في الماء فهو الحلال عندهم بأصنافه.
  • وفي قول مثل قول الحنفية: يحل السمك فقط.
  • وفي قول: أن ما يؤكل نظيره في البر يحل من البحر، ما كان على مثل: صورة الغنم والبقر ونحو ذلك.
  • وما لا يؤكل مثل: ما يكون على صورة الكلب أو على صورة الخنزير أو الحمار فما يحل.
  • والجمهور أحلوا كل ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلا فيه.
    • وأخذوا من قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) [فاطر:12]، من هذا ومن هذا من البحر المالح والبحر العذب.
    • وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)[المائدة:96]. 

 

وما يسمونه الناس باسم آخر مثل خنزير الماء أو إنسان الماء؟ 

قال: هذه التسمية ما تغير من حقيقته شيء؛ لا يتحول خنزير ولا يتحول إنسان ولا صورته، وفي الغالب إنه ما في البر من حيوان إلا وله نظير في البحر، وفي البحر حيوانات ليس لها نظير في البر.

وأيضًا هذا الحديث الذي قرأناه، حديث العنبر هذا الذي خرج وأكلوا منه من أدلة الجمهور، وكما جاء هذا الحديث عند الإمام مسلم وغيره في حديث سيدنا جابر -رضي الله عنه- يقول: "بَعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ نَتَلَقّى عيرًا لقُرَيشٍ، وزَوَّدَنا جِرابًا مِن تَمرٍ لَم يَجِدْ لَنا غَيرَه -ما كان عنده شيء ﷺ-  فكان أبو عُبَيدةَ يُعطينا تَمرةً تَمرةً، -بعدما أول أعطاهم ثلاث لما نقص قال: فقط من تمرة واحدة، لا إله إلا الله- وقالوا لسيدنا جابر: كيفَ كُنتُم تَصنَعونَ بها؟ قال: نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبيُّ، ثُمَّ نَشرَبُ عليها مِنَ الماءِ"؛ هذه هي أكلهم في اليوم.

انظر صدق الصحابة في إيمانهم بالله ورسوله وقيامهم بخدمة هذا الدين، ولولا جهدهم وجهادهم ما وصل الدين إلينا، الله يجزيهم عنا خير الجزاء وأفضله وأكمله.. جئنا من بعدهم حصَّلنا الأمور سهلة وهينة ونأكل ونشرب، ولا حسَّينا كيف قام هذا الدين؟ وكيف وصل إلينا؟ تمرة قوت اليوم والليلة وبعدين كمّلت ما عاد شيء، وهم في جهاد -عليهم رضوان الله تعالى-.

وفي رواية عند مسلم عن سيدنا جابر يقول: "فأقَمنا عليه شَهرًا ونَحنُ ثَلاثُ مِائةٍ حتّى سَمِنّا -يأكلون من الحوت هذا-  قال: ولقد رَأيتُنا نَغتَرِفُ مِن وَقبِ عَينِه بالقِلالِ -القلة يعني: جرة يغرفون من دهن العين حقه- الدهن ونَقتَطِعُ منه الفِدَرَ -يعني قطعة بعد قطعة ونخرج قطعة من وسط العين حقه مثل الثور- قال: كالثَّورِ أو كَقَدرِ الثَّورِ -كبير، لا إله إلا الله- قال: أخَذَ مِنّا أبو عُبَيدةَ ثَلاثةَ عَشَرَ رَجُلًا، فأقعَدَهُم في وقبِ عَينِه" وأخذ الضلع هذا وأنصبه، وأطول جمل وأطول رجل ما وصل إلى رأس الضلع، ﷺ.

وهكذا تأكدوا منه ومن حلِّه لما رجعوا، وإلا اختلفوا وقالوا حينها: أنأكل منه أو لا؟ وقال بعضهم: أنتم جائعون وفي ضرورة كلوا، بعدين لما سألوا النبي قال لهم: حلال، عندكم شيء تطعمونا هاتوه، اللهم صلِّ عليه وعلى آله.

 

بخلاف الحيوان البرمائي الذي يعيش في البر والبحر:

كما قال: "وكان أبو مجلز -رضي الله عنه- يقول: "ما كان يعيش من الصيد في البر والبحر فلا تصده، وما كان حياته في الماء فذاك، وما كان يعيش في البحر أكثر أو عكسه فالحكم للأكثر حيث يفرخ فيه". 

 

  • ولكن المذهب عند الشافعية: أنه ما يمكن عيشه في البر والبحر حرام. فهذا البرمائي كما قال الإمام النووي في الروضة وأصلها، وكذلك هو عند الرافعي وأصله؛ وأشار بعدين في المجموع الإمام النووي إلى قول الشافعية:
    • أنه ما يكون ساكنًا في البحر فعلًا يحِل، ولو كان مما يمكن عيشه في البر؛ وهذا قول غير معتمد.
    • إلا الضفدع ما يجوز أكله، وهذا القول اعتمده الخطيب.
    • فمثل هذا سرطان الماء، أو حية الماء، أو النسناس، أو التمساح، أوالسلحفاة إن كانت ساكنة في البحر على هذا القول تحل، وإلا فإن المعتمد أنها حرام.
  • وقال الحنابلة في البرمائي هذا: إنما يحل بالتذكية،إذا ذُكِّي.
    • وقالوا: إلا الضفدع؛ إذًا يستثنى الضفدع
    • وكذلك حية البحر والتمساح فقالوا: لا يجوز، فعندهم هذه الثلاث الأشياء لا تجوز لاستخباثها.

 

يقول: "وكان -رضي الله عنه- يقول -يعني أبو مجلز-: كُلْ من صيد البحر صيد نصراني أو يهودي أو مجوسي لأن الله قد ذبحه، وكان الحسن -رضي الله عنه- يركب على سرج من جلود كلاب الماء" يعني: أن هذا دليل على طهارتها. 

"وسئل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- مرة عما لفظه البحر، فنهى السائل عن أكله، فتلا عليه أبو هريرة -رضي الله عنه- (أحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)، فرجع ابن عمر -رضي الله عنهما- وقال: لا بأس بأكله، وسئل -رضي الله عنه- يعني: ابن عمر أيضاً عن الحيتان يقتل بعضها بعضاً أو يموت صردًا، فقال: ليس بها بأس. وكان ﷺ يقول: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه"، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم- لا یرون بما لفظه البحر بأساً، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: كل دابة من دواب البر والبحر ليس لها دم ينعقد فليست لها ذكاة".

 

ثم ختم الكتاب بكلام سيدنا سلمان.

وقال رضي الله عنه وعنكم:

خاتمة

"كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجراد أكبر جنود الله لا آكُلُه ولا أحرمه ثم دعا عليه وقال: اللهم أهلك الجراد اقتل كباره وأهلك صغاره واقطع دابره، وخذ بأفواهها عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء، فقال رجل: يا رسول الله كيف تدعو على الجراد وهو جند من جنود الله أن يقطع دابره؟ فقال: إنه نثرة حوت في البحر"، قال كعب -رضي الله عنه-: في كل عام مرتين، والنثرة هي العطسة. 

وقال عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: دخلت أنا وأبو عبد الله المغافري على زينب بنت رسول الله ﷺ فقرَّبت إلينا جراداً مقلوًّا بسمن فقالت: كل يا مصري من هذا لعل الصِّير أحب إليك منه قال: قلت: إنا لنحب الصِّير، فقالت: كل يا مصري إن نبيًّا من الأنبياء سأل الله تعالى لحم طير لا ذكاة له فرزقه الله الحيتان والجراد، وقال كعب -رضي الله عنه-: سألت مريم ابنة عمران ربها يطعمها لحماً فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير أشياع، يعني: صوت. والله سبحانه وتعالى أعلم". 

 

وكأنه يشير إلى نوع من السمك المملوح اسمه صِير، "لعل الصِّير أحب إليك". فهذا هو الذي جاء به، تقول سيدتنا زينب لأبي عبد الله المغافري المصري. 

جاء في بعض الروايات؛ دخل هو وعبد الله بن عمر على زينب زوج رسول الله ﷺ وهو الأقرب، وأورد الشعراني أنها بنت رسول الله، وقيل في بعض الروايات أنها ربيبة رسول الله ﷺ زينب بنت أبي سلمة. "فقرَّبت إلينا جراداً مقلوًّا بسمن فقالت: كل يا مصري من هذا لعل الصِّير أحب إليك منه" -يعني: السمك المملوح؛ السمكات المملوحة-. "قال: قلت: إنا لنحب الصِّير، فقالت: كل يا مصري إن نبيًّا من الأنبياء سأل الله تعالى لحم طير لا ذكاة له فرزقه الله الحيتان والجراد".

وأيضًا جاء في الخبر أنه "سألت مريم ابنة عمران ربها يطعمها لحماً -لا دم له- فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير أشياع، يعني: صوت" فهو من جملة جنود الله، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر:31] فسبحانه وتعالى. 

ومعنى "نثرة الحوت": عطسته، فيخرج منه أثر هذا الذي يُكوِّن الله منه الجراد -جل جلاله وتعالى في علاه- خالق كل شي. 

 

خلَّقَنا الله بأخلاق حبيبه محمد، وسار بنا في دربه في خير ولطف وعافية، وأصلح لنا وللأمة الشؤون الظاهرة والخافية، وحوّل أحوالنا والمسلمين إلى خير حال، ورزقنا ارتقاء مراتب أهل الصدق معه في جميع الأحوال، وبلغنا فوق الآمال في الدنيا والمآل، ونقانا عن الشوائب ورفع لنا الدرجات في خير ولطف وعافية. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

17 شوّال 1447

تاريخ النشر الميلادي

05 أبريل 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام