(628)
(443)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 419- فصل في ما جاء في الخليطين واتخاذ الخمر خلا
صباح الأربعاء 5 ذو القعدة 1447هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل فيما جاء في الخليطين واتخاذ الخمر خلًا
"كان جابر -رضي الله عنه- يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن ينتبذ التمر والزبيب جميعًا، وأن ينتبذ الرطب والبسر جميعًا، وأن ينتبذ البسر والزبيب جميعًا، وأن ينتبذ الرُّطب والزبيب جميعًا، ويقول: انتبذوا كل واحد على حدته، ومن شرب ذلك منكم فليشربه زبيبًا فردًا أو تمرًا فردًا أو بسرًا فردًا"، وفي رواية: "كان ﷺ نهى أن يخلط البلح بالزهو وأن يجمع بين شيئين فينبذا".
وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "سألت رسول الله ﷺ عن الفضيخ فنهاني عنه"، قال: وكنا نكره المذنَّب من البسر مخافة أن يكون شيئين فكنا نقطعه، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكأ أعلاه وله عزالان، فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبیب فنطرحهما فيه ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية وننبذه عشية فيشربه غدوة".
وكان ﷺ إذا سئل عن الخمر تتخذ خلًا يقول: لا، وكان أبو طلحة -رضي الله عنه- يقول: كان في حجري يتيم فاشتريت له خمرًا فلما حرّمت الخمر، قلت: يا رسول الله أنتخذها خلًّا، قال: لا، وسيأتي في باب البيع حديث الأيتام الذين ورثوا خمرًا فسألوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: اهرِقوها، قالوا: أفلا نجعلها خلًا يا رسول الله؟ قال لا، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ لله مُكرِمنَا بشريعتِه الغرَّاء، وبيَانِهَا على لسَانِ حَبيبِهِ خيرِ الوَرَى سيِّدنَا محمَّد صلَّى الله وسلَّم وبارَك وكرَّم عليهِ وعلى آلِه الذين نالوا بهِ طُهرًا، وأصحَابِه الذين رفَعَ اللهُ لهم بهِ قدرًا، وعلى مَنْ والاهم واتَّبعهم بإحسانٍ سرًّا وجهرًا، وعلى آبائِهِ وإخوانِهِ مِن الأنبياءِ والمُرسَلينَ الرَّاقِينَ في الفَضلِ والشَّرف والكرَامَةِ أعلَى الذُّرَى، وعلى آلهِم وصحبِهِم وتابعيهِم، وعلى الملائِكةِ المُقرَّبين وجميعِ عبادِ اللهِ الصَّالحِين، وعلينَا معَهُم وفيهِم برحمتِك يا أرحمَ الرَّاحمين ويا أكرَمَ الأكرَمين.
وبعدُ،،
فيتحدَّث الشيخ -أيضًا- عن أنواع الأشربة وما حَذِر بعضُ الأئمة من حيث ما جاء في النصوص من الخليطين: وهو أن يتَّخِذَ نبيذًا من نوعين من الأنواع كالتمر والرُّطَب؛ فيَخلِطَ الماء بشيئين مختلفين.
وبهذا تأتي أيضًا إشكالية الإسراع في التخمير، فإنه يتخمَّر بسرعة، فلذلك جاء النهي عنه. وإن كان الحكم إنما يترتب على وجود الإسكار:
وإنما اختلفوا في كراهته إذا لم يعلم أنه أفضى للإسكار؛ لأنه إذا خلط بشيئين معًا في الماء يُسرِع تخمُّره، فقد يؤدي إلى حدِّ التَّخمير أو الإسكار قبل أن يَغلَى، فيظن صاحبه أنه لم يُسكِر بَعْد، فيتناوله فيقع في المحذور؛ لهذا جاء النهي.
" كان جابر -رضي الله عنه- يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن ينتبذ التمر والزبيب جميعًا، وأن ينتبذ الرطب والبسر جميعًا، وأن ينتبذ البسر والزبيب جميعًا، وأن ينتبذ الرطب والزبيب جميعًا".
"أن ينتبذ" يعني: يُوضَع في الماء لتخرج حلاوته إلى الماء، فيكون في ذلك استحلال شربه مع وجود فوائد له في صحة الإنسان.
"ويقول: انتبذوا كل واحد على حدته، ومن شرب ذلك منكم فليشربه زبيبًا فردًا أو تمرًا فردًا أو بسرًا فردًا"؛ لا يخلِطه بغيره؛ فمن هنا جاء النهي عن خلط شيئينِ في إناءٍ واحدٍ.
ينتبذون: أي يطرحون عليه الماء حتى يتأثر ويتغير وتسري حلاوته إلى الماء.
"وفي رواية: "كان ﷺ نهى أن يخلط البلح بالزهو وأن يجمع بين شيئين فينبذا"."
فجاء بعد ذلك حكم الخليطين:
فعلمنا بذلك قول الأئمة: هل مُطلَق الخلط يُحرِّم أو وصولُه إلى حدِّ السُّكر؟
إذًا يقول: "وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "سألت رسول الله ﷺ عن الفضيخ فنهاني عنه". وقد تقدَّم معنا -الفضيخ: وهو الذي يُتخذ من البُسر-.
"قال: وكنا نكره المذنب من البسر"؛ والمُذَنَّب الذي فيه ذُنُب. الذنب موجود. "مخافة أن يكون شيئين فكنا نقطعه"، البسرة والذَّنَب التابعُ لها فيها، فصار هذا مادة ثانية.
"وكنا نكره المذنب من البسر مخافة أن يكون شيئين فكنا نقطعه"؛ نُبعده حتى لا تكون مادة أخرى موجودة في الماء الذي انتُبِذَ في ذلك البِسر.
" وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكأ أعلاه وله عزالان، فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبیب فنطرحهما فيه ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية -خلال اليوم والليلة- وننبذه عشية فيشربه غدوة". هذا الذي جاء في بعض الروايات، النهي عن شربه بعد يومين؛ إذا قد مضى عليه يومان ما يشربه؛ وهكذا جاءت فيه أحاديث.
يقول: "وكان ﷺ إذا سئل عن الخمر تتخذ خلًا يقول: لا". يعني: إذا عُصِرت بقصد الخمريَّة فينبغي أن تُهرق وأن يُرمى بها ولا تتخذ خلًا.
"وكان أبو طلحة -رضي الله عنه- يقول: كان في حجري يتيم فاشتريت له خمرًا فلما حرّمت الخمر، قلت: يا رسول الله أنتخذها خلًا، قال: لا، وسيأتي في باب البيع حديث الأيتام الذين ورثوا خمرًا فسألوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: اهرقوها، قالوا: أفلا نجعلها خلًا يا رسول الله؟ قال لا".
فيُعرف التَّخلُّل بالتَّغيُّر من المرارة إلى الحموضة، حيث لا يبقى فيه أثرًا أصلًا إلا الحموضة. فتخليل الخمر يحوِّلها من نجسة إلى طاهرة، وإلى إدام للطعام. فيه -أيضًا- فوائد منها ما يتعلق بهذه الحُرقة في المعدة. فوضع الخل في الطعام قبل ذلك يُذهِب أثر الحموضة التي تكون في الإنسان المُصاب بالحموضة؛ مع كون الخل حامضًا، ولكن يُذهب أثر الحموضة إذا وُضِع على الطعام.
"نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ" يقول ﷺ.
ولكن الشافعية والحنابلة، وفي رواية أيضًا عن المالكية:
وكيف نعالجها ونحن مأمورون باجتنابها؟
فيكون التخليل اقتراب من الخمر على وجه التمَوُّل وهو مخالف للأمر بالاجتناب. وأمر ﷺ بإراقة الخمر بعد نزول آية المائدة، وما قال لهم خلوها ترجع خل واشربوها خلًا. وهكذا في قصة أبي طلحة لأنه كان عنده أيتام ورثوا خمرًا، فسأل النبي فقال له: "أهرقها". قال: أفلا أُخللها؟ قال: "لا". رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارمي وغيرهم. وهكذا جاء الأمر بإِراقتها.
ويقول ابْنُ عَبَّاسٍ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لاَ، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ: بِمَ سَارَرْتَهُ، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا"؛ -فلا يجوز بيعها ولو من كافر- فلما سمع الرجل فتح الْمَزَادَتَيْنِ فكبَّها -كبَّ ما فيها- أمام النبي ﷺ، فأراق ما في الْمَزَادَتَيْنِ بحضرته ﷺ ولم ينكر عليه، ولو كان تخليلها جائزًا لأرشدَه وقال له رجّعها إلى خلّ.
إذًا:
إذًا إذا نُقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس فتخلَّلت، هل يحل الخل؟
الخل الحاصل نعم، إن كان نُقِلت من دون وضع شيء فيها ولا طرح أي شيء.
لأنه إذا وُضع شيء فيها تنجست بها، فإذا تخللت طهرت هي، فتنجَّست بالذي وُضع فيها فصارت نجسةً.
هل يجوز إمساك الخمر بقصد تخليلها؟
فإذا تخللت طهرت، وطهر الإناء تبعها، لأنها تُغلي فيرتفع مائعها إلى أعلى الإناء ثم ينخفض، علوه في وقت كانت خمرًا فتنجَّس أعلى الإناء، ولما سكنت وتخللت صارت تحت. والآن من أين نصبَّها؟! كيف نخرجها؟ الذي فوق تنجَّس وهي تحت! كيف نصلّح فيها، هذا يعفى عنه -معذورًا عنه- للضرورة، فيتبعها في الحِلِّ والطُّهريَّة لأنها ضرورة من الضرورات -وإلَّا بعدها يقولون يَخرِقها من تحت ويخرجها، ويغسل الذي فوق-.
نسألُ الله أَنْ يَملأنَا بالإيمانِ واليَقينِ والِإخلَاصِ والصِّدقِ والمُتابَعةِ لِحبيبِهِ الأَمِين في كُلِّ شأنٍ مِنَ الشُّؤونِ في الظُّهورِ وفي البُطونِ، ويُفرِّجَ كروب أمَّتهِ، ويَدفَعَ البَلاءَ عنهُم، ويَجمَعَ شملَهم ويَنشُرَ الخَيرَ والهُدَى بينَهم، ويُعينَهم على القِيامِ بالأَمرِ على مَا هو أحبّ إِليه، ويَدفَعَ عنهُم شرَّ النُّفوسِ وشياطِينِ الإِنسِ والجنِّ والكائِدينَ والمُفسِدينَ والضَّالينَ والمُعتَدينَ والظَّالمِينَ، ويَجعلنَا في الحُصونِ الحَصِينةِ وحفظِه المَتين، ويَختِمَ لنَا بأكملِ الحُسنَى وهوَ راضٍ عنَّا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
05 ذو القِعدة 1447