كشف الغمة -437- كتاب الطب (9) فصل: في ما جاء في الاستغسال من العين وأنها حق وبيان النشرة

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة -437- كتاب الطب: فصل: في ما جاء في الاستغسال من العين وإنها حق وبيان النشرة 

صباح الإثنين 8 ذو الحجة 1447هـ

فوائد مكتوبة من الدرس

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  أدلة الاسترقاء من العين
  •  تفسير الآية: "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم"
  •  معنى "العين" وتأثير نظرة استكثار واستعظام النعمة
  • خطورة إصابة المرء لنفسه أو ولده بالعين
  • متى يجب على العائن الاغتسال للعين؟
  • من أعظم ما يدفع العين "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"
  • خطورة العين: "العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر"
  • تعويذ الأولاد: هدي النبي في تعويذ الحسن والحسين
  • مواقف للصحابة في الاغتسال للعين
  • طريقة الاغتسال من العين والتبخر
  •  مفهوم "النُّشْرَة" والفرق بين رقية الحق ورقى الجاهلية
  •  الإصابة من عين الجن والوقاية بالعجوة
  • أمر العين راجع للاستكثار والاستعجاب
  • أسرار النظر للقرآن ورؤية الصالحين والكعبة المشرفة
  • تأثير نظرة الرأفة والرحمة
  • عجائب النظر في بعض الحيوانات والحيات
  • هل تصيب العين من الأعمى؟
  • الفرق بين الحاسد والعائن

 

نص الدرس مكتوب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

فصل فيما جاء في الاستغسال

 من العين وأنها حق وبيان النشرة

 

"كانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين"، وقالت أسماء بنت عميس -رضي الله عنها-: "قلت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا فإن العين حق"، وكان ﷺ يقول: "نصف ما يحفر لأمتي من القبور من العين"، قالت عائشة -رضي الله عنها-: وكان العائن يؤمر فيتوضأ ثم يغسل منه المعين جسده.

قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "ولما خرج رسول الله ﷺ نحو مكة خرج معه سهل بن حنيف وكان رجلاً أبيض حسن الجسم والجلد، فنزل بشعب  الجرار من الجحفة يغتسل فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة عذراء في خدرها، فوعك سهل من ساعته فأخبر رسول الله ﷺ  بذلك فقيل له: يا رسول الله ﷺ: هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه: قال هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامراً فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت يعني: قلت تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قال ﷺ لعامر: اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفئ القدح وراءه ففعل ذلك به فراح سهل مع الناس ليس به بأس". 

وكان ﷺ إذا سئل عن النشرة يقول: هي من عمل الشيطان. قال العلماء: والنشرة هي الرقية والتعويذ لمن مسته الجن أو طال به المرض، سميت بذلك؛ لأنها ينشر بها على المريض أي تحل عنه ما خامره من الداء، والله أعلم". 

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان عبده الذي جمع فيه الحسن جميعه؛ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه الذين ترقوا به إلى المراتب الرفيعة، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان فأحسن الصنيعة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين ذوي الوجاهات الوسيعة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الباب ما يتعلق بالغسل من العين، وذلك باغتسال العائن بغسل أطرافه ثم صب مائه على المعيون، وما جاء في العين وأنها حق

يقول: "كانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين" أي: أطلب الرقية، وهو ما يُقرأ على المعيون وعلى أي مريض من الآيات والأسماء الحسنى والدعوات الصالحة، والحديث عند النسائي والحاكم في المستدرك "يأمرني أن أسترقي من العين".

"وقالت أسماء بنت عميس -رضي الله عنها-: "قلت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين -بني جعفر هم محمد بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، وعون بن جعفر- أفأسترقي لهم؟ قال: نعم ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا فإن العين حق"، وقد أشار الحق تعالى في القرآن إليها بقوله: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ). وقد اجتمع منهم عدد من الذين اشتهروا وعُرفوا بالإصابة بالعين، وأخذوا يتكلمون عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رجاء أن يصيبوه، فعصمه الله تعالى منهم. وقالوا: ما رأينا أقوى منه ولا من حججه، ولا أحسن منه ولا من حجه، فحماه الله تعالى وحرسه منهم ولهذا قال: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) [القلم:51-52] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

والمراد بالعين هنا ومعنى العين في اللغة يأتي فوق أربعين معنى- والمراد هنا ما يحصل من نظرة مستكثر الشيء ومستعظمه؛ فيحصل من نظره إلى ذلك بعين الاستكثار والاستعظام والاستحسان شرٌّ يُصاب به المعيون الذي استُكثِرَ له شيء من الخير؛ ولهذا أُمرنا إذا استحسنت نفسنا أي شيء واستطابته أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

"وكلكم عيانون إلا من بَرَّكَ" يقول  فإنه قد يصيب المرء بالعين نفسه أو ولده أو ماله، ينظر إليه بعين الاستحسان والاستكثار والاستعظام فيصيبه الضرر بسبب ذلك. 

وكما سمعت في الحديث قوله: "ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين"، لكن ما شيء يسبق قدر الله؛ فلا عين ولا غيرها إلا بقضاء الله وقدره، وكان الإمام الحداد -عليه رحمة الله- يقول: لا نخاف على من انتمى إلينا واتصل بنا من صغير ولا من كبير، إنسي ولا جني إلا العين، ما نخاف إلا العين.

وهذه شكت إليه إن بني جعفر -الذي استشهد بمؤتة فبقي أولاده عند أسماء بنت عميس أمهم، فتزوجها بعد ذلك أبو بكر الصديق وولدت له محمد بن أبي بكر، ثم بعد وفاة سيدنا أبي بكر تزوجها سيدنا علي بن أبي طالب- أسماء بنت عميس شكت إليه أنه يصيب أولادها العين، أفأسترقي لهم؟ قال: نعم -أمرها أن تسترقي- ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين وإذا اُستغسلتم فاغسلوا فإن العين حق" إذا طلب منكم أحد أن تغتسلوا لا تقول لا عِين حد، لا أصيب أحد بالعين، لا تقولها هكذا ربما تصيب نفسك بنفسك حتى بالعين. فإذا أحد منك قال: أريدك تغتسل، اغتسل له وأعطه، خله يغتسل به، ولا يضرك ذلك شيء، وهكذا فالأمر: "وإذا اُستغسلتم فاغسلوا". 

يقول الجماعة من قريش هؤلاء العيانين لما يواجهوا إنسان ما رأينا مثله ولا مثل حججه بقصد إصابته بالعين فعصمه الله تعالى صلوات ربي وسلامه عليه. ومن أعظم ما يدفع العين الذكر: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وإليه أشارت الآية، يقول المؤمن الذي يحاوره صاحبه الكافر: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) -فأحيط بثمره ولا عاد بقي في شجر له- (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) [الكهف:39-42]  لا إله إلا الله.

  • جاء أيضًا عنه  يقول في رواية البخاري عن أبو هريرة عن النبي  قال: "العين حق"، أي: أنها ثابتة يحصل بها الإصابة.
  • وجاء أيضًا في الرواية عند الخطيب في تاريخ بغداد عن النبي  قال: "العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر"، أي: يصاب بها الجمل فيذبحونه أهله، ويصاب بها الرجل فيموت ويدخل القبر، تدخل الجمل القدر والرجل القبر، لا إله إلا الله، وكل ذلك بإرادة الله تعالى ومشيئته.

 

ومما يدفع العين وشرها الصلاة على النبي محمد  وكان في تعويذه لسيدنا الحسن والحسين يذكر تعويذًا كان يعوذ بها سيدنا الخليل إبراهيم بنيه إسماعيل وإسحاق يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، أي: تلم وتصيب صاحبه.

 

"قالت عائشة -رضي الله عنها-: وكان العائن يؤمر فيتوضأ ثم يغسل منه المعين -أي: الذي وقعت عليه العين يُغسل جسده- جسده".

"قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "ولما خرج رسول الله ﷺ نحو مكة خرج معه سهل بن حنيف وكان رجلاً أبيض حسن الجسم والجلد، فنزل بشعب  الجرار من الجحفة يغتسل فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة عذراء في خدرها، فوُعِك سهل من ساعته -أصابته الحمى وسقط على الأرض- فأخبر رسول الله ﷺ  بذلك فقيل له: يا رسول الله ﷺ: هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه -ما قدر أن يرفع رأسه-:قال هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة -وقال عليه كذا- فدعا رسول الله ﷺ عامراً فتغيظ عليه ﷺ وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت يعني قلت تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قال ﷺ لعامر: اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صُب ذلك الماء عليه يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفئ القدح وراءه ففعل ذلك به فراح سهل مع الناس ليس به بأس". قام وتنشط ومشى مع الجيش ما به شيء، لا إله إلا الله، الحديث أيضًا عند الإمام أحمد في مسنده وعند ابن حبان، الله أكبر.

وكذلك فيه عند الإمام مالك في الموطأ روى حديث وعِك سهل واشتد وعكه فصُرع، فأُخبر النبي  وأنه ما يقدر يروح معك يا رسول الله، فجاءه النبي وقال له سهل: يا رسول الله كان عامر بن ربيعة مر علي وأنا أغتسل وقال كذا وكذا، وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برَّكت!" مخاطباً بذلك عامر بن ربيعة متغيظاً عليه ومُنكراً. فإذا قلت بارك الله فيك، وما شاء الله ، لا قوة إلا بالله فهذا يُبطل العين: ما شاء الله، وتبارك الله، اللهم بارك فيه، ومن خير ما يُذكر لدفع العين: "ما شاء الله، اللهم بارك فيه ولا تضره". وقال: "إن العين حق، توضأ له"، فتوضأ له عامر فراح سهل مع الرسول  ليس به بأس. 

وفي الحديث أيضًا يقول: من رأى شيئاً فأعجبه فقال: 

  • ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، 
  • "تبارك الله اللهم بارك فيه ولا تضره".
  • "تبارك الله أحسن الخالقين"، هذا مجموع ما ورد.

 

وقال جماعة من أهل العلم في قوله: "وإذا استغسلتم فاغسلوا"، أنه يجب على العائن إذا دعاه المعين الذي أُصيب بالعين للاغتسال أن يغتسل له، والحديث أيضًا في صحيح مسلم: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا". إذا طُلب منكم غسل أعضائكم ليغتسل به المصاب، فيؤمر الرجل العائن بقدح، يدخل كفه فيه، يتمضمض ثم يمج في القدح، يغسل وجهه في القدح، يدخل يده اليسرى يصب على ركبته اليمنى في القدح، ثم بيده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه صبة واحدة فيحصل له الشفاء بإذن الله تعالى، لا إله إلا الله

ومما أيضًا يجربونه أنه يؤخذ شيء من شعره أو من ظفره أو من ثوبه فيتبخر به المعيون فيندفع عنه.

 

"وكان ﷺ إذا سئل عن النشرة -والمراد بها ما كان في الجاهلية- يقول: هي من عمل الشيطان. قال العلماء: والنشرة هي الرقية والتعويذ لمن مسته الجن أو طال به المرض، سميت بذلك؛ لأنها يُنشر بها على المريض" -كما تقدم معنا في الرقية فإنه قد جاء إقراره ﷺ لرقية الحق ونهيه عن رقية الجاهلية والباطل.

وكذلك جاء الأمر بالرقية في عدد من الأحاديث، تقدم معنا حديث السيدة عائشة في البخاري، وكذلك عند البخاري أيضًا عن أم سلمة -رضي الله عنها- زوج النبي ﷺ أنه رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعَة فقال ﷺ: "استرقوا لها فإن بها النظرة"، أصابتها عين فأمرهم أن يطلبوا الرقية ﷺ.

 

وقد يُصاب الإنسان بعين إنس، وقد يُصاب بعين جن يرونه ويصيبونه، ولهذا كان التعوذ والتحصن مطلوبًا من الإنسان، وفي الحديث: "من تصبّحَ بسبع تمرات عجوة لم يصبه عين ولا سحر، ولا سم" وما يضره شيء من ذلك.

 

قال وهكذا الأمر فيه راجع إلى الاستكثار واستعظام الأمر واستكباره، سواء كان من ذي حسد أو من غير ذي حسد، يرى أنه أمر نادر وغريب وعجيب، فينظر إليه النظر فيصيبه بذلك العين -والعياذ بالله تعالى- ومما جعل الله تعالى فيه أسرار العين وأسرار النظر، وبذلك صار لقراءة القرآن بها وقراءة السنة وقراءة كلام الصالحين نفع كثير على قلب الإنسان، ورؤية وجوه المؤمنين بعين الرحمة، ورؤية وجوه الصالحين بعين المودة والتعظيم، ورؤية الكعبة المشرفة، فإن النظر بعين التعظيم إلى الكعبة عبادة سنَة، وكان بعض الذين يصلون إلى مكة للحج إذا جاء أمام الكعبة يغمض يفتح يغمض يفتح، يقولون: ما لك؟ يقول: كل نظرة بعبادة سنَة، وأنه ينزل على البيت كل يوم مئة وعشرون رحمة: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين. فمن كان يطوف ويصلي وينظر شارك في المئة كلها، لا إله إلا الله.

 

وكذلك مقابل هذه نظرة الاستكثار، وقد يصحبها حسد وحقد، يقابلها نظرة أخرى؛ نظرة رأفة ورحمة من عارف أو مُقرب عند الله تعالى تؤثر على صاحبها، فكما أن هذه تضره وهذه تنفعه، هذه تخفض وهذه ترفع -لا إله إلا الله- 

وَنَظْرَةٌ مِنْهُمُ إِنْ صَحَّتْ عَلَى أَحَدٍ *** بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى عَيْنُ وُدٍّ تُحْيِيْهِ 

وبهم ينظر الله تعالى إلى من شاء من عباده.

 

أيضًا وفي عجائب ما جعل الله في النظر أن نوعاً من الحيوان مثل السلحفاة، طريقة تربيتها لأولادها بالنظر، حتى فقس البيض، إذا باضت وأرادت أن يتكون منها سلحفاة تسلط عينها على البيض، ويخرج من عينها أشعة خفية فتصيب البيضة فتفقس، فإذا خرج منها الحيوان صارت تنظر إليه تعلمه كيف يتحرك؟ كيف يشرب؟ كيف يأكل؟ بالنظر، فيقولوا إن السلحفاة تربي أولادها بالنظر، فإذا هذا بنظر السلحفاة، فكيف بنظر المقربين ونظر العارفين؟ لا إله إلا الله. وقالوا عن بعضهم يربون أولادهم بالنظر.

 

وكذلك في بعض الحيوانات ضرٌّ في نظر أعينهم، من نوع من الحيات يقال لها "ذو الطفيتين" من الحيات، فإنهما يلمسان البصر ويسقطان الحَبَل إذا وقع نظرهم على إنسان قد يعمى بصره من عيونهم، ويضرون بنظرهم الحُبلى فتسقط الحمل. وهذا نوع من الحيات أفعى لها سم قوي كامن فيها بالقوة، إذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية، فتشتد وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين وفي طمس البصر بنظرها، كما سماها ﷺ الأبتر وذا الطفيتين من الحيات قال: "إنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحَبَل"، لا إله إلا الله.

 

وقال: وإنه قد يحصل أيضاً التأثير بالنظر بالاستكثار ولو من أعمى، ولو من نفسه بنفسه، نفس الأعمى يستكثر الشيء ويتصوره ويكبر في نظره وإن كان أعمى يُصاب المنظور بالعين، لا إله إلا الله. 

وداخل في شر (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) [الفلق:5] العائن. وليس كل حاسد عائن، ولا كل عائن حاسد، لا إله إلا الله. فراجعه إلى إعجاب العائن بشيء واستكثاره واستكباره فيحصل الأثر بسبب ذلك.

 

حمانا الله من عين كل عين، وسحر كل ساحر، وأذى كل مؤذٍ، ومن شر كل ذي شر من الإنس والجن والخلائق أجمعين، وجعلنا في حصونه الحصينة وحروزه المتينة، ووقانا الأسواء والأدواء في السر والنجوى، وغمرنا بفائضات الإحسان وواسع الامتنان في كل شأن، وحفظ حجاج بيته وزائري نبيه، وأشركنا فيما يتجلى به عليهم ويتفضل به، وفيما يوفقهم له من دعاء وطاعة وعبادة، وأصلح لنا الغيب والشهادة، ووفر حظنا من كل منِة، ودفع عنا وعن الأمة كل فتنة، وعجل بتفريج كروبهم، ودفع الآفات عنهم. 

 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

08 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

25 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام