كشف الغمة - 439- كتاب الطب: فرع: في ما جاء في الطاعون وباب ما جاء في النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والسحرة
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 439- كتاب الطب: فرع: في ما جاء في الطاعون وباب ما جاء في النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والسحرة
صباح الأربعاء 17 ذو الحجة 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- تعريف مرض الطاعون
- رعاية الأسباب في الشريعة: حديث "لا يورد ممرض على مصح"
- كيف يلحق الميت بالطاعون والمبطون والغريق بمرتبة الشهداء؟
- قصة لأحد الصالحين مع الجن في الطاعون وأثر الصدقة
- أجر المقيم في أرض الوباء صابراً محتسباً
- قصة خروج عمر بن الخطاب: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"
- الحكمة من وراء النهي عن الفرار من أرض الطاعون
- حكم صلاة القنوت والنوازل لرفع الأوبئة والطواعين
- قراءة: باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والسحرة
- تفصيل السبع الموبقات (المهلكات) وأثر السحر في إحباط العمل
- حقيقة التوكل وخطورة التعلق بغير الله
- توجيه حديث النبي داوود في أوقات استجابة الدعاء وموانعها
- حظر التطير والكهانة وحكم تصديق العرافين
- كيف بطلت الكهانة ببعثة المصطفى ﷺ؟
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب في الطيرة والفأل والشؤم والعدوى والطاعون
"وكان ﷺ يقول: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه"، وفي رواية: "لا يورد ممرض على مصحّ، وليحلل الصحيح حيث شاء"، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الوباء رجز أهلك الله به الأمم قبلكم وقد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانًا ويذهب أحيانًا"، وكان ﷺ يقول: "يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء فيقول انظروا فإن كانت جراحتهم كجراح الدماء تفوح مسكًا فهم شهداء فيجدونهم كذلك"، وكان ﷺ يقول: "الطاعون شهادة لكل مسلم"، وفي رواية أخرى: "الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين"، وكانﷺ يقول: "اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون، فقالوا: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم الجن وفي كلّ شهادة، وفي رواية أخرى: "قالوا: فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في الآباط والمراق من مات منها مات شهيدًا"، وكان ﷺ يقول: "المقيم بأرض الطاعون كالشهيد والفارّ منها كالفار من الزحف"، وفي رواية: "ما من عبد يكون في بلد الطاعون فيمكث فيها لا يخرج صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب له إلا كان له مثل أجر شهيد"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: خرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الشام وكان بها وباء وتلقاه أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأوّلين فدعوتهم فاستشارهم فقال بعضهم: ارجع ولا تقدم بأصحاب رسول الله ﷺ فيهلكوا، وقال بعضهم: اقدم يا أمير المؤمنين وتوكل على الله، قال ابن عباس: فهوى عمر ما قال البعض الأوّل ونادى في الناس ارجعوا فرجعوا قافلين قبل المدينة فقال له: رجل أتفر يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم أفرّ من قدر الله إلى قدر الله تعالى، وكان عمرو بن العاص يقول الطاعون رجز فتفرقوا عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ للهِ مُكْرِمنَا بِشريعَتِهِ وبَيانِهَا على لِسانِ عبْدِهِ وحَبيبِهِ وصَفوَتِهِ خَيرِ بَرِيَّتِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ وسلَّمَ وبَارَكَ وكَرَّمَ عليْهِ، وعلى آلِهِ وصَحَابَتِهِ وأهلِ وَلَائِهِ ومُتَابَعَتِهِ، وعلَى آبَائِهِ وإِخوَانِهِ مِنَ الأنبيَاءِ والمُرْسَلينَ سَادَاتِ أهلِ حَضْرَةِ الله -تَبَاركَ وتَعَالَى- وقُربِهِ ومَعرِفَتِهِ، وعلى آلِهِم وصَحْبِهِم وتَابِعِيهِم، وعلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِين وجَمِيعِ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِين، وعَلَيْنَا مَعَهُم وفِيهِم إِنَّهُ أكرَمُ الأكرَمِينَ وأَرحَمُ الرَّاحِمينَ.
أمَّا بَعدُ؛
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- التوجيه النبوي فيما يتعلق بانتشار مرض الطاعون في أي قُطر وفي أي بلد؛ وألا يُفر منه، وألا يُقصد الدخول للأرض وهو فيها من غير ضرورة. " وكان ﷺ يقول: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه".
- فلا يكون الخروج إلا لغرضٍ آخر صحيح.
- أمَّا لغرض الفرار من المرض فهو حرام ولا يُنجي صاحبه، ويأتيه المرض في أي مكان أراده الله -تبارك وتعالى-.
- والطاعون:
- يقول الإمام النووي في تعريفه: إنه قروح تخرج في الجسد تكون في الآباط، أو المرافق، أو الأيدي، أو الأصابع، أو سائر البدن؛ ويكون معه ورم وألم شديد، وتخرج تلك القروح مع لهيب، ويسوَدُّ ما حواليه أو يخضَرُّ؛ هذه الطواعين المعروفة والمشتهرة عندهم.
- وجاء أيضًا في الحديث أنها من وخز الجن، وهو نوع من الابتلاء في وقت مخصوص وعملٍ مخصوص.
وقد كتب الله به هلاك أمم من قبلنا، ولكن لا تهلك هذه الأمة بالطاعون. وإنما يكون في أوقات وفي أماكن دون أماكن، وفي أحيان دون أحيان. ولا تُستأصل الأمة بطاعون ونحوه؛ إكرامًا من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: "وفي رواية: "لا يورد ممرض على مصحّ، وليحلل الصحيح حيث شاء". وفيه إقامة الأسباب في تجنب أسباب الإصابة بالعدوى من دون اعتقاد أن لها استقلالًا. فمن أعدى الأول؟ كما تقدَّم معنا.
"وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الوباء رجز أهلك الله به الأمم قبلكم وقد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانًا ويذهب أحيانًا"؛ كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه والطبراني في الكبير.
"وكان ﷺ يقول: "يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون -يعني: يوم القيامة- فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء فيقول انظروا فإن كانت جراحتهم كجراح الدماء تفوح مسكًا فهم شهداء فيجدونهم كذلك"، أي: أن الله يلحقهم بالشهداء؛ فالميت بالطاعون شهيد كما جاء في الحديث.
"وكان ﷺ يقول: "الطاعون شهادة لكل مسلم"، -والحديث في البخاري وفي صحيح مسلم كذلك- وفي رواية أخرى: "الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين"، وكانﷺ يقول: "اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون، فقالوا: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم الجن وفي كلّ شهادة"
ثم ذكر أيضًا في الأحاديث الأخرى:
- أن الغريق شهيد.
- وأن المبطون شهيد.
- وأن المرأة تموت على الولادة شهيد.
وهكذا عدَّد الشهداء لمَّا سأل الصحابة: "مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ؟ قالوا: يَا رَسولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: إنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَليلٌ!.."، فذكر هؤلاء كلهم أنهم ينالون رتبة الشهادة عند الله -تبارك وتعالى-.
- ومنهم الميت بالطاعون.
وقد ذكر عن بعض المشايخ الصالحين أنه كان عنده أيضًا جماعة من الجن يقرؤون ويحضرون دروسه ويأخذون عنه. ثم قالوا: إننا سنغيب عنك مدة كذا، لماذا؟ قالوا: إننا أُمرنا بوخز الناس؛ وأنه ينتشر الطاعون، وأنه يموت بهذا الطاعون نحو ستة آلاف. قال: وأنا فيمن يبقون أم فيمن يموتون؟ قالوا: وأنت واحد ممن يُصيبهم ويموتون. فأخرج الشيخ صدقات كثيرة واستعد. فجاء الوخز كما قالوا وفي اليوم الذي ذكروه له؛ انتشر الطاعون ولكن امتد أيامًا أكثر، والعدد الذي ذكروه له تضاعف، قالوا له ستة آلاف بينما مات نحو اثني عشر ألفا، وهو لم يمت. ثُمَّ عادوا إليه، فقال: بعض ما ذكرتم من الكلام صح وبعضه لم يصح. قالوا: لا، الأمر كما ذكرنا لك، أما المدة فهي المدة التي ذكرناها وإنما آثاره بقيت بعد ذلك، ولم يكن فيها وخز بعد المدة المحددة لنا. وأما زيادة العدد، فالذين ماتوا من وخزنا معشر الجن هم ستة آلاف، أما البقية ماتوا من الفزع. قالوا: أما أنت فبما قدَّمت من الصدقات أطال الله عمرك، وأُمِرنا ألَّا نقربك.
وهكذا سنة الله -تعالى- في الخلق وابتلاء بعضهم ببعض بطعن أو طاعون أو ما إلى غير ذلك من أنواع الابتلاءات والاختبارات.
(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155-156].
"وفي رواية أخرى: "قالوا: فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في الآباط والمراق من مات منها مات شهيدًا"، وكان ﷺ يقول: "المقيم بأرض الطاعون كالشهيد.."؛ وإن لم يُصبّ بالطاعون. إذا أقام محتسبًا موقنًا أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ولم يصبه شيء فهو شهيد. متى ما مات يحشر مع الشهداء؛ بسبب امتثاله للأمر النبوي وعدم فراره من هذا الطاعون محتسبًا، كما يأتي في الرواية الآتية معنا: "المقيم بأرض الطاعون كالشهيد والفارّ منها كالفار من الزحف"؛ وهو من الكبائر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]. لذا قالوا أنّ الذي يشوف الطاعون فيروح يشل نفسه بسرعة، هذا مثل الفار من الزحف.
"وفي رواية: "ما من عبد يكون في بلد الطاعون فيمكث فيها لا يخرج صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب له إلا كان له مثل أجر شهيد"، والحديث في البخاري والنسائي. "..إلا كان له مثل أجر شهيد.."، وإن لم يصبه شيء، حتى ما أصابه طاعون، وقد جاء الطاعون وراح! لكنه أقام في البلد ولم يخرج؛ لأنه ما هناك غرض يُخرِجه؛ إلا خوف الطاعون؛ فلم يبالِ بذلك. فصبر واحتسب فله أجر شهيد.
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: خرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الشام وكان بها وباء وتلقاه أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأوّلين فدعوتهم فاستشارهم فقال بعضهم: ارجع ولا تقدم بأصحاب رسول الله ﷺ فيهلكوا، -تَقدُم بأصحاب رسول الله ﷺ تُوْقعهُم في الهلكة من دون مقتضٍ لذلك!- وقال بعضهم: اقدم يا أمير المؤمنين وتوكل على الله، قال ابن عباس: فهوى عمر ما قال البعض الأوّل -أنه لا يُعرِّض من معه من الصحابة- ونادى في الناس ارجعوا فرجعوا قافلين قبل المدينة فقال له: رجل أتفر يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم أفرّ من قدر الله إلى قدر الله تعالى"، لم يكن بأرض نحن فيها حتى نبقى، ولن نُعرِّض الصحابة للوفَادة على أرض هو فيها.
بعد ذلك أيضًا في تمام الحديث، جاء بعض الصحابة فذكر الحديث لسيدنا عمر، فكبَّر وحمد الله أنه وافق الأمر النبوي، قوله ﷺ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". ففرح لمَّا سمع الحديث موافقًا للرأي الذي رآهُ -عليه رضوان الله تعالى-.
"وكان عمرو بن العاص يقول الطاعون رجز فتفرقوا عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم". بيده الأمر كله، وبيده المرض والصحة، وبيده الحياة والموت، لا يتصرَّف غيره في شيء من ذلك. وعلى الخلق في عبوديتهم أن:
- يطيعوا أمره.
- ويأخذوا إرشاد نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولن يقدم ويؤخر في شيء من هذا أحد سواه -سبحانه وتعالى-؛ إنما جاءت السنة:
- بتجنُّب الأسباب المؤذية والبعد عنها.
- وكذلك الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد.
- ولا يُجاوروا المرضى الذين قد مَرِضوا بذلك فيحصل لهم.
- وكذلك حماية النفوس عن الطيرة والعدوى.
- وكذلك التفويض والتسليم لأمر الله -تبارك وتعالى-.
ولمَّا رجع سيدنا عمر، "فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُوعُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ.."
- قال له: نعم! نحن في أي مكان يصيبنا مرض أو ينزل بنا الموت ماشي أرض تحمينا من ذلك. ولكننا أمام هذا الأمر الظاهر ما نقدِم بالمهاجرين والأنصار على هذا الوباء.-
".. يقول له سيدنا عمر: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وهو ممن يحفظ الحديث- وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ." فكبَّر سيدنا عمر وفرح أن وافق رأيه كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
- وقالوا:
- أن الطاعون يكون في الغالب عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا فلا يليق بالعاقل أولًا.
- ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور ضائع المصلحة ما أحد يتفقده وما أحد يقوم به. فإذا أُذِن للناس يخرجون لبقى المرضى وحدهم! من يتفقدهم؟ من يُعالجهم؟ من يقوم بشأنهم؟ فيكونون ضائعين المصلحة لفقدهم من يتعهدهم حيًّا وميتًا.
- وأيضًا: فلو شرع الخروج. خرج الأقوياء ولكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء. وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخذلانه.
- وكذلك اقتضت السنة على: حمل النُّفوس على الثِّقة باللَّه، والتَّوكل عليه، والصبر على أقضيته والرِّضا بها.
فَوَرَد:
- النَّهي عن القدوم عليه والفرار منه. وفي مثل ما قال ﷺ حتى في قتال العدو قال: "أَيهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسألوا الله العافِيَةَ فَإِذا لَقِيتمُوهُمْ فاصْبِرُوا.."، ما تفروا.
- أمَّا إذا عرض شغل آخر يخرج له، لا لغرض الفرار؛ فذلك يجوز له أن يخرج لأي غرض غير ممنوع. لكن الخروج فراراً منه هو الممنوع؛ الخروج لأجل الفرار من الطاعون ممنوع وحرام. أما لغرض آخر صحيح لو لم يكن طاعون لخرج من أجله، فلا يضر ذلك.
- ذَكر لنا أجر الصابر على الطاعون، بل من ثبت في أرضه ولم يفر احتساباً وصبراً وثقة بالله تعالى، فإن له أجر الشهيد وإن لم يُصَب. نعم.
- إذًا أفاد أن يمكُث صابراً غير منزعج من المكان الذي يقع به الطاعون فلا يخرج فراراً منه، ويعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا) [التوبة:51].
- أما من مكث وهو قلق أو نادم على عدم الخروج، أو يظن أنه لو خرج لما وقع به، فهذا لا يحصل أجر الشهيد ولا ترتفع درجته عند الله، ويبقى هو ووسوسته، حظه وسوسته، ما له مقام عند الله تعالى؛ ولكن المكان والثواب لمن وثق بأمر الله واتبع وامتثل الأمر، هذا الذي ترتفع درجته ويعلو قدره عند الله سبحانه وتعالى.
إذا وقع الطاعون:
- يقول الحنفية والشافعية: إذا وقع الطاعون فيسن القنوت في الصلاة لصرف الطاعون باعتباره من النوازل الشديدة.
- ويقول الحنابلة وبعض الشافعية: لا مشروعية للقنوت لرفع الطاعون، لأنه وقع في زمن سيدنا عمر وما ورد أنهم قنتوا.
- وقال المالكية: تستحب الصلاة لدفع الطاعون لأنه عقوبة.
- وفي الصلوات التي يقنت فيها للنوازل وفي الإسرار أو الجهر به تفصيل عند المذاهب والأئمة.
باب ما جاء في النهي عن إتيان الكهان والمنجمين والسحرة
"قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وكان ﷺ يقول: "من عقد عقده ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وُكِل إليه". ومعنى تعلق يعني علق على نفسه العُوذ والحرز.
وكان ﷺ يقول: "كان لداود نبي الله عليه السلام ساعة يوقظ فيها أهله يقول: يا آل داود قوموا فصلوا، فإن هذه ساعة يستجيب فيها الله تعالى الدعاء إلا لساحر أو عاشر".
وكان ﷺ يقول: "ليس منا من تطير أو تطير له، أو تَكَهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له. ومن أتى كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ. ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
قال العلماء: والكاهن هو الذي يخبر عن بعض الضمرات فيصيب بعضها ويخطئ بعضها أو أكثرها، ويزعم أن الجن تخبره بذلك. وفي رواية: "من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال فقد كفر"".
والعياذ بالله تعالى.
هكذا يحذر ﷺ من الإتيان إلى الكهان والسحرة، وحذرنا من السبع الموبقات أي المهلكات، فهي من كبائر الذنوب:
- الشرك بالله تعالى.
- والسحر واستعمال السحر والرضا باستعمال السحر وطلب عمل السحر من الساحر، من الموبقات المهلكات المؤديات لصاحبها: إما أن ينزع عنه الإيمان أصلاً فيموت كافراً والعياذ بالله. أو أن يتعرض لعذاب الله الشديد وأن ترد عليه أعماله الصالحة والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ فالسحر من أكبر الكبائر.
- وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
- وأكل الربا.
- وأكل مال اليتيم.
- والتولي يوم الزحف.
- وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات اللاتي لا يخطر على بالهن الفحش ولا المعصية، ويأتي فيقذفهن -والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فهذه أمهات الكبائر وهي موبقات أي مهلكات مرديات لأصحابها.
قال ﷺ: "من عقد عقده ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وُكل إليه"، أي: من شابه السحرة وتعاطى شيئاً من أعمالهم فهو منهم.
"ومن تعلق" يعني: علّق على نفسه العُوذ والحرز كما تقدم معنا، إذا كان معتمداً عليها أو معتقداً الاستقلال له بشيء، فقد وقع -والعياذ بالله تعالى- في السوء والمحذور.
يقول: "وُكِلَ إليه" أي: تخلى الله عنه سبحانه وتعالى، وتخلى عن حفظه وعن كلاءته وعن شفائه وعن عافيته، ووكله إلى الذي اعتمد عليه دونه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. فإن ربنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من أشرك معه غيره جعله كله لغيره وهو الغني عن ذلك. فمن تعلق بشيء غير الله يظن عنده الاستقلال يُوكل إليه، ومن وُكِلَ إلى غير الله فقد خسر، فقد خسر وهلك والعياذ بالله تعالى.
وكان في دعائه يقول: "لا تكلني إلى نفسي طرفة عين". يقول: "إنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعجز ونقص وعورة" وكذلك إذا وكلك إلى أي مخلوق؛ وكَلَك إلى ضعف أو إلى عجز أو إلى نقص، فإيش بيعمل لك؟ ولكن إذا أحبك جعل اعتمادك عليه واستنادك إليه، ولم يكلك إلى نفسك ولا إلى أحد من الخلق.
وكان ﷺ يقول: "كان لداود نبي الله عليه السلام ساعة يوقظ فيها أهله يقول: يا آل داود قوموا فصلوا، فإن هذه ساعة يستجيب فيها الله تعالى الدعاء إلا لساحر أو عاشر".
الساحر: من يستعمل السحر ومن يرضى به.
والعاشر: الذي يعشر الناس ويأخذ عليهم الأموال بغير حق، يقطع الطريق ويقول هات لي، أي مال تدخره؛ يأخذ المال بغير حق، فهؤلاء لا يغفر لهم ولا يستجاب دعاؤهم، حتى في أوقات استجابة الدعاء لا يستجاب لهم والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وكان ﷺ يقول: "ليس منا من تَطير أو تُطير له". فالتطير: استخدم الطير في المضي في الأمر وعدمه، فإن مالت الطير إلى جهة اليمين فإنه يقدم على الأمر -فرت-، إن مالت لجهة اليسار يمتنع.
فمن تطير بنفسه أو خلى واحداً يتطير له، يشوف له، قال له شف لي، أيه شف لي؟! شيء أمر بيد الطيور تقدم وتأخر؟! يا مغرور ما بيد الطيور أمر الله.
"أو تكهن"، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ادعاء علمه بالغيب وأن الجن تخبره بأمور ستكون في الناس، هذه الكهانة.
كهن يكهن كهانة، يعنى: قضى له بالغيب. الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة الغيب، لا إله إلا الله.
ويطلق العرب على الذي يقوم بأمر رجل ويسعى في حاجته كاهناً، كما يسمون من يتعاطى علماً دقيقاً كاهناً.
ويقول: "تكهن أو تُكهن له"، ذهب إلى عند الكاهن بنفسه أو أمر غيره يذهب يسأل الكاهن عنه.
"أو سحر" والعياذ بالله تعالى، تعاطى السحر، "أو سُحر له"، راح لعند الساحر قال: اسحر لي فلاناً، اعمل لي كذا، اعمل لي كذا فأعطيك كذا.
"ومن أتى كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ومن أتاه غير مصدق له"، فبمجيئه إليه واستماعه إليه "لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"، ترد عليه أعماله الصالحة أربعين يوماً، ما يقبل الله منه لأنه أتى إلى الكاهن.
"الكاهن هو الذي يخبر عن بعض المضمرات -يعني: الغيوب- فيصيب بعضها ويخطئ بعضها أو أكثرها، ويزعم أن الجن تخبره بذلك"، والكهانة بطلت ببعثته صلى الله عليه وسلم أنه منع الشياطين من استراق السمع، وكانوا يقعدون ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ فيسمعون ما يقضي الله تعالى ويذكره الملائكة، فيأتون إلى الكاهن حقهم فيقولون له: يكون كذا ويكون كذا بما سمعوه من الملائكة، فيزيد فوقها مئة كذبة ويقول للناس كذا وكذا. ولما يحصل الجزء الذي سمعوه هؤلاء من الملائكة يقولون: أهو شوف قد قال فلان، يصدقونه، ويصدقونه في الكل وأكثره كذب. ولكن مُنعت الشياطين من ليلة بعثته وقيل من ليلة مولده ﷺ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن:9] فما عاد تمكنوا من السمع من الملائكة، فبطلت الكهانة؛ إلا من يدعيها على غرة كلها باطلة. ومن يدعيها وهي غير موجودة أصلاً، كذب فوق الكذب.
ولا يحيط بعلم الغيب إلا الله، ويُطلع الله من يشاء من ملائكته وأنبيائه أو عباده الصالحين على شيء من الغيب ولا يحيطون بالغيب؛ ولا يحيط بالغيب غير الله سبحانه وتعالى.
إذًا فمن المحرمات الشنيعة في الشريعة المطهرة إتيان الكهنة والسحرة والرضا بما يعملون، فذلك يردي الإنسان ويذهب إيمانه ويغضب الرحمن عليه -والعياذ بالله تبارك وتعالى.
"من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال فقد كفر" بما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
رزقنا الله الأدب معه، واليقين والإخلاص والصدق والتوكل عليه، والاعتماد عليه والاستناد إليه، ووقانا جميع الأسواء والشرور، ودفع عنا كل محذور، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
21 ذو الحِجّة 1447