كشف الغمة - 441 -  كتاب الذكر: 1- فصل في قول لا إله إلا الله

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 441 -  كتاب الذكر: 1- فصل في قول لا إله إلا الله

صباح الأحد 21 ذو الحجة 1447هـ

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

 باب جامع لفضائل الذكر بجميع أنواعه مطلقاً ومقيداً

 وفضل الصلاة على رسول الله ﷺ

 و به يكون ختام ربع العبادات، وفيه فصول: 

 

فصل في فضل قول لا إله إلا الله

 

"كان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه أو نفسه"، وكان ﷺ يقول: "أفضل الحسنات لا إله إلا الله"، وكان ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ حرم الله عليه النار، فقال معاذ -رضي الله عنه-: أفلا أخبر بها الناس يا رسول الله فيستبشروا ؟ قال: إذًا يتَّكِلوا".

وكان ﷺ يقول: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر"، وفي رواية: "قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عما حرم الله عليه"، وكان ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله ومدها هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر"، وكانﷺ يقول: "قال موسى -عليه السلام-: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به، قال: قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون لا إله إلا الله، قال: قل لا إله إلا الله، قال: يارب إنما أريد شيئاً أن تخصني به، قال: يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله". 

وكان ﷺ يقول: "أفضل السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله"، وكان ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله"

وكان عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- يقول: "كنا عند رسول الله ﷺ فقال: هل فيكم غريب؟ يعني: أهل الكتاب، قلنا: لا يا رسول الله فأمرنا بغلق الباب وقال: ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة ثم قال: الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: ألا أبشروا فإن الله قد غفر لكم". 

وكان ﷺ يقول: "جددوا إيمانكم، فقال له رجل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها"، وكان ﷺ يقول: "ما من عبد قال لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طمَست ما في الصحيفة من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات. 

وكان ﷺ يقول: "ألا أخبرتكم بوصية نوح -عليه السلام- قالوا: بلى یا رسول الله قال: أوصى ابنه باثنتين، فقال لابنه: يا بني أوصيك بقول لا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجَحَ منهما، ولو أن السموات والأرض وما فيهما كانت حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما لقصتهما، وأوصيك بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء". 

وكان ﷺ يقول: "ثمن الجنة لا إله إلا الله"، وكان ﷺ يقول: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه"، وكان ﷺ يقول: "يستخلص الله تعالى رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مثل مدّ البصر، حتى إذا ظن أنه هالك أحضرت له بطاقة فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله فتوضع في كفة والسجلات في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء"، وكان ﷺ يقول: "لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبًا".

وكان كعب الأحبار -رضي الله عنه- يقول: إذا كان الذي يكفر بالله تعالى طول عمره إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله آخر عمره يكفر عنه جميع سيئاته، فكيف بالعبد المسلم الذي يقولها طول عمره؟ والله سبحانه وتعالى أعلم". 

 

 اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله الذي يذكرُ من ذَكره، ويشكر من شكره، لا إله إلا هو أذن لنا بذكره، ونشهد أنه أرسل إلينا عبده محمداً ابن عبد الله رسولاً بشيراً نذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فجعله القدوة لنا، فهو سيّد الذاكرين وسيّد الشاكرين وسيّد العابدين لرب العالمين؛ فصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك الأمين المصطفى سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل قرب الله وأحبابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

أما بعد،

فابتدأ الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يذكر بابًا في فضائل الذكر يختم به ربع العبادات من هذا الكتاب. وجعل الفصل الأول في فضل قول: "لا إله إلا الله"، حققنا الله بحقائقها وجعلنا من خواص أهلها عنده، وأحيانا عليها وتوفانا عليها وحشرنا في زمرة كُمَّل أهلها، اللهم آمين.

 

يقول: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه، أو قال من نفسه"؛ وفيه إشارة إلى أن الذي يقولها مخلصاً يكثر منها، ويتولّع بها، ويجعلها من أوراده، وهي أعظم الأذكار، وفيها ثبات الإيمان وزيادته.

 

قال ﷺ: "جَدِّدوا إيمانَكم، قيلَ: يا رسولَ اللهِ، وكيف نُجدِّدُ إيمانَنا؟ قال: أَكثِروا مِن قولِ لا إلهَ إلّا اللهُ".

  1. ويأتي ذكرها أولًا بالمعنى الأول وهو لعامة المؤمنين؛ أنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، فكلُّ ما عُبِدَ سواه فباطل، ولا يستحق العبادة إلا هو.
  2. ثم يتسع قلب المؤمن إذا أكثر منها بحضور قلب، ويفهم من معناها أنه لا مقصود إلا الله، ولا ينبغي له قط؛ قط؛ قط؛ أن يقصد غير الله بحال من الأحوال، ولا يكون له في جميع أقواله وأفعاله وأحواله قصد إلا الله، ويذكر لا إله إلا الله وفي شعوره ومعناه مع لا معبود لا مقصود إلا الله.
  3. فإذا أكثر من ذلك وواظب عليه والتصق بقلبه نور لا إله إلا الله ومعناها، اتسع المعنى عنده؛ فأصبح يستشهد فيها -مع لا معبود إلا الله ولا مقصود إلا الله- يستشعر فيها أن الوجود الحقّ له وحده، وأنه هو بنفسه وجميع الكائنات من حواليه، هذا الإنسان وجميع الكائنات من حواليه، خلْقه وإيجاده، لا وجود لها من أصلها قط؛ فأصلها عدم، فإنما أوجدها على الوجه الذي أراده، وبالصورة التي أرادها، وبالصفات التي أرادها، ويسيرها كما أراد؛ وينقلها في أطوارها كما أراد؛ فالوجود الحق له وحده، فيصير حاملاً معنى قوله: لا موجود إلا الله.
  4. فإذا واظب على ذلك وداوم عليه مقبلًا متوجهًا إلى الله تعالى انقدح في قلبه معنى رابع وهو معنى الشهود في معناهُ: لا مشهود إلا الله. 

فهكذا يقول بعض العارفين: أكثر من لا إله إلا الله حتى تصير كلّك لا إله إلا الله، وتصير لا إله إلا الله ممتزج نورها بلحمك ودمك وعظمك وشعرك وبشرك وما إلى ذلك؛ وإنما بكثرة الذكر يظهر سرّ ما في القلب. قال الله لأكرم خلقه عليه، عبده المصطفى محمد: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد:19].

 

وأورد لنا الحديث الآخر: "أفضل الحسنات لا إله إلا الله".  فهذا من أفضل الأذكار، والذكر يشمل أن يكون القلب ذاكرًا لله تعالى:

  • فعلى العموم بأي عبادة وبأي قُربة.
  • وعلى الخصوص أن يستشعر اطلاعه عليه، ويستشعر صفاته -سبحانه وتعالى- ومعاني أسمائه مسبحًا أو مهللًا أو مكبرًا أو حامدًا أو محوقلًا أو مُحَسْبِلًا إلى غير ذلك.

 

ونصّ الله في القرآن على الكثرة من الذكر؛ ولم يوصِ بالكثرة بشيء من الأعمال في صريح القرآن إلا بالذكر: 

  • فيقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:41-42]. 
  • وقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة:200]. 
  • وقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة:10]. 
  • وقال -سبحانه وتعالى-: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:35].

 

ويُؤمَر المريد السالك الذي يريد السير إلى الله ورسوله بالإكثار من لا إله إلا الله، في خلوته وجلوته. 

وقد اشتهر بين صلحاء أهل اليمن قراءتها مائة وعشرين ألفًا، سمّوه بالثقب الأهدلي.

ويقول الإمام علي بن عمر الأهدل -عليه رحمة الله تعالى-، يقول بعض من أخذ عنه وتلقى منه: إني كنت جوهرة غير مثقوبة فثقبني، وإذا ثقبت الجوهرة زادت قيمتها وعظمتها ورُغِبَ فيها وانتُفِعَ بها. قال: حتى ثقبني الأهدل؛ بماذا؟ قال: بإعطائه مائة وعشرين ألفًا من لا إله إلا الله، أو لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ مائة وعشرين ألفًا؛ فسمّي بالثقب الأهدلي.

وكان يذكرُ الإمام عبد الرحمن بن محمد المشهور رؤيا له مع النبي ﷺ قال: وأجازني فيها أن آتي كل يوم بثلاثمائة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ. 

 

وأتى لنا بأحاديث: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ حرم الله عليه النار، فقال معاذ -رضي الله عنه-: أفلا أخبر بها الناس يا رسول الله فيستبشروا؟ قال: إذاً يتَّكِلوا" أي: يقصروا في الأعمال الصالحة ويظنوا أنه يكفي أن يقول هذه الكلمة، ولا يستشعرون حقيقة أن معناها تطهير القلب وتنقيته، وزيادة الرغبة في الطاعة والعبادة والإكثار منها، فيفعل الذكر في أصحابه كذلك.

  • وقال ﷺ: "سبق المُفَرِّدُونَ، قالوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رسول الله؟ قال: الذاكرين الله كثيرًا. 
  • وفي رواية: "المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أوزارهم، فيأتون يوم القيامة خفافًا". 
  • وفي الحديث أيضًا: "قال: ألا أنبئكُم بخيرِ أعمالكُم، وأرجاها عند مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتكُم، وخيرٌ لكُم من إنفاقِ الذهبِ والورقِ، ومن أن تلقوا عدوكُم فتضربوا أعناقهُم، ويضربوا أعناقكُم؟ قالوا ما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ذِكْرُ اللهِ عز وجل، قال: وقال معاذُ بن جبلٍ رضي الله عنه: ماعملَ آدميّ عملا أنجى له من عذابِ اللهِ من ذكرِ اللهِ عز وجلَ". فيا ذاكر الله يا بُشراك، نلت الأمان.

 

يقول: "وكان ﷺ يقول: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر". إذا كان قائلها بعيداً عن كبائر الذنوب مجتنبًا لها، فقوله إياها بالإخلاص يفتح لها أبواب السماء حتى تصل إلى العرش. وفي خبر أنه يتحرك لها عمود تحت العرش، فيقول الله: اسكن، يقول: لا أسكن حتى تغفر لقائلها، يقول الله: قد غفرت له. 

والحديث عند الترمذي والنسائي: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر"وفي رواية: "قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عما حرم الله عليه".

 

وجاء أيضاً عن أبي هريرة أنه سأله ﷺ: "يا رَسولَ اللَّهِ، مَن أسْعَدُ النّاسِ بشَفاعَتِكَ يَومَ القِيامَةِ؟ فَقالَ: لقَدْ ظَنَنْتُ يا أبا هُرَيْرَةَ أنْ لا يَسْأَلَنِي عن هذا الحَديثِ أحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ، لِما رَأَيْتُ مِن حِرْصِكَ على الحَديثِ، أسْعَدُ النّاسِ بشَفاعَتي يَومَ القِيامَةِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، خالِصًا مِن قَلْبِهِ أو نَفْسِهِ". 

"قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عما حرم الله عليه"؛ أي: ما حرّم الله عليه. يعني: نورها في القلب والفؤاد يملأ القلب بهيبة الله وإجلاله؛ فيبتعد هذا القلب وصاحبه عن المعاصي صغيرها وكبيرها، فتحجزه عما حرّم الله عليه، يقول: رواه الطبراني في الأوسط.

"وكان ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله ومدَّها" أي: بالتعظيم، للتعظيم. ومدّها تعظيمًا وإكبارًا، ولا إله إلا الله إذا مدّها على وجه التعظيم والإجلال يقول ﷺ: "هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر"، هذا عزاه المتقي الهندي لابن النجار عن أنس -رضي الله عنه-؛ ورُوي موقوفاً على بعض الصحابة أنه كان يقول: "من قال لا إله إلا الله فمدّ بها صوته تعظيمًا، غفر الله له أربعة آلاف ذنب من الكبائر".

 

وكان ﷺ يقول: "قال موسى -عليه السلام-: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به، قال: قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون لا إله إلا الله، قال: قل لا إله إلا الله، قال: يارب إنما أريد شيئاً أن تخصني به، قال: يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله". فما أعظمها بها يبتدئ المبتدئون، وإليها ينتهي المنتهون، فتكون أهم أذكار المبتدئ حتى يتنقّى ويتصفّى بسرّها، وهو يستشعر معاني: لا معبود إلا الله، ولا مقصود إلا الله، ولا موجود إلا الله، ولا مشهود إلا الله، حتى يذوق من ذلك ذواقًا.

 

قال: وكان ﷺ يقول: "أفضل السبع في كفة" عندكم هكذا مكتوب؟ والمراد بالسبع: السماوات السبع والأَرَضون السبع كما في الحديث الذي قبله، في كفة ولا إله إلا الله في كفة. وفي لفظ: "لو وُضعت السماوات السبع في كفة، والأَرَضون السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله"، وقال هنا: "مالت بهن لا إله إلا الله".

 

وكان ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله"،

قال: فأين الدعاء في الحمد لله؟ قالوا: إن المستشعر للفضل الربّاني والنعم المتواترة والحامد لله على ذلك، متعرض للمزيد، فجعلها دعاءًا: "الحمد لله"؛ جعلها من الدعاء لأنها تستوجب استشعار قائلها بمنة الله عليه وفضله وتقديم شكره له، والشكر يقتضي المزيد. ففي معناها الدعاء، كما يسأل بعض السائلين الناس، فيجيء لعند الإنسان يمدحه والمعنى: أعطني. ويجيء يمدحه  من شان يعطيه، فيكون سأل بالمعنى. وكذلك من يحمد الله تعالى فقد سأله، "الحمد لله".

قال: "وكان عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- يقول: "كنا عند رسول الله ﷺ فقال: هل فيكم غريب؟ يعني: -أحد من- أهل الكتاب -من اليهود- قلنا: لا يا رسول الله فأمرنا بغلق الباب وقال: ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، -فلقّنهم إياها ﷺ- فرفعنا أيدينا ساعة ثم قال: الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: ألا أبشروا فإن الله قد غفر لكم". أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك، والطبراني في مسند الشاميين، بشّرهم بالمغفرة بعد أن لقّنهم لا إله إلا الله، وقالوها بقوله ﷺ، وبقوله نقول: لا إله إلا الله. اللهم أحينا عليها يا حي، وأمتنا عليها يا مميت، وابعثنا عليها يا باعث.

 

قال: فينبغي أن يكون للإنسان منها ورد في اليوم والليلة، ولا أقل من مائة، وذكر ﷺ في قوله من قال:  "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي وهو على كل شيء قدير، مائة مرة في صباح كان في حرز الله، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه غير الشرك بالله، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه"، والثلاثمائة من لا إله إلا الله مستحسنة.

 

ويرتّب بعض أهل السَّيْر إلى الله تعالى وبعض الواصلين بعد كل فريضة مائتين من لا إله إلا الله، فيجتمع له في خلال اليوم ألف مرة من لا إله إلا الله، فيصير في كل سبعين يوم عنده عتيقة من النار وهي سبعون ألفًا من لا إله إلا الله.

قال الحبيب سعد بن علوي العيدروس -عليه رحمة الله-: وإني في حضرة السقاف أُكرر لا إله إلا الله، ففي حضرتين أكمّل سبعين ألف، وإذا نقص منها شيء كمّلته في الحضرة الثالثة وهكذا، فخلال الأسبوع حضرتين يكمل فيها لا إله إلا الله.

 

وكان شيخنا الحبيب جعفر بن أحمد العيدروس -أعلى الله درجاته-، ورده كل يوم سبعين ألف من لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لا إله إلا الله؛ فيأتي كل يوم بسبعين ألف منها. 

وكان وِرد سيدنا الفقيه المقدم محمد بن علي كل يوم مائة ألف من لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

 

فتجد أكثر المؤمنين ضيّعوا على أنفسهم زيادة الإيمان والقرب من الرحمن بإهمال الذكر. لا إله إلا الله.

 

قال سيدنا داود في دعائه للرب: "إلهي، إذا وجدتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى غيرهم، فاكسر رجلي دونهم حتى لا أتجاوزهم". وقال ﷺ: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر". 

وفي هذا الحديث عند الإمام أحمد والحاكم في المستدرك والطبراني في مسند الشاميين، أنه أمرهم بإغلاق الباب ولقّنهم لا إله إلا الله وبشّرهم بالمغفرة ﷺ.

 

ثم ذكر حديث تجديد الإيمان: "وكان ﷺ يقول: "جددوا إيمانكم، فقال له رجل: يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها"، في إشارة أن من أهملها وعمل بالسيئات والذنوب، ولم يحسن الاستغفار والرجعة، أنه يُسلب منه الإيمان -والعياذ بالله- عند الموت. لا إله إلا الله.

وقال: هذا معنى قوله: "قبل أن يُحال بينكم وبينها" أي: بإهمالكم لها وقلة نطقكم بها، وتسبّبكم لإذهاب نورها بالذنوب والمعاصي، يُحال بينكم وبينها فلا تستطيعون أن تقولوها عند الموت.

 

وكان ﷺ يقول: "ما من عبد قال لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طمَست ما في الصحيفة من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات"، فإذا انطلقت لا إله إلا الله من الفم، جاءت إلى الصحيفة، فإذا وجدت سيئة محتها، محتها، محتها، حتى تجد حسنة تجلس جنبها. فهي مسّاحة للذنوب من الصحائف، لا إله إلا الله.

 

وكان ﷺ يقول: "ألا أخبرتكم بوصية نوح -عليه السلام- ؛ قالوا: بلى یا رسول الله قال: أوصى ابنه باثنتين، فقال لابنه: يا بني أوصيك بقول لا إله إلا الله فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجَحَ منهما، ولو أن السموات والأرض وما فيهما كانت حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما لقصتهما، وأوصيك بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء". أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد والنسائي في الكبرى.

 

وجاءنا أيضًا الحث منه ﷺ على: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله مائة مرة ما بين سنة الصبح وفريضة الصبح، وقال: "إنها صلاة الملائكة وبها يُرزق كل شيء"، وهي من أسباب سعة الرزق. "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله" مائة مرة قبل صلاة الفريضة في الفجر وبعد أداء السنة، أو قبل السنة، بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفريضة يقرأ: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله.

 

 

وكان ﷺ يقول: "ثمن الجنة لا إله إلا الله"، كما قال: "مفتاح الجنة لا إله إلا الله". 

وكان ﷺ يقول: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه،"والتسبيح: هو التقديس والتنزيه. وفي الحديث الآخر: "والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض". 

قال: "ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب تخلص إليه"، من كل مخلصاً. وقال: "لا تزالُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَدفعُ عَن -أهلها- مَن قالَها سَخطَ اللَّهِ ما لم يؤثِروا صَفقةَ دُنْياهم على آخرتِهِم. ثم قالوا لا إلهَ إلا اللهُ رُدَّت عليهم وقال اللهُ لستم بها بصادقين". لا إله إلا الله

 

وكان ﷺ يقول: "يستخلص الله تعالى رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مثل مدّ البصر -إيش فيه هذا؟ سيئاته وذنوبه. تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مثل مدّ البصر، -فيوقن أنه هلك- حتى إذا ظن أنه هالك" وُضعت في كفة السيئات هذه كلها، أيقن بالهلاك-. فينادي الله: إن لك عندنا وديعة، وإنك اليوم لا تُظلم. فيخرج له بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا رب وما تكون هذه البطاقة عند هذه السجلات؟ يقول: إنك لا تُظلم. فتوضع البطاقة في كفة الحسنات فترجح. قال: وليس يرجح على اسم الله شيء. فينجيه الله بها، وقد مات عليها وكان مكثرًا منها.

 

قال: "حتى إذا ظن أنه هالك أحضرت له بطاقة فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله فتوضع في كفة والسجلات في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء"، رواه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان. 

وكان ﷺ يقول: "لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنباً"، الله أكبر.

 

يقول: "وكان كعب الأحبار -رضي الله عنه- يقول: إذا كان الذي يكفر بالله تعالى طول عمره إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله آخر عمره يكفر عنه جميع سيئاته، فكيف بالعبد المسلم الذي يقولها طول عمره؟ والله سبحانه وتعالى أعلم". 

 

اللهم أحينا عليها، وأمتنا عليها، واجعلنا عندك من خواص أهلها، فعلى كل راغب في السير إلى الله والقرب من الله أن يكثر من لا إله إلا الله.

 

ولما قُتل أبو منصور الحلّاج انكتب دمه على ظهر الأرض: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. الله يجعلنا من خواص أهلها لديه. 

وهكذا تتوافر وتتكاثر فوائد الذكر بلا إله إلا الله وببقية الأذكار، فيكون صاحبها مذكورًا عند الله -تبارك وتعالى-، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152] -يقول تعالى-.

ثم بعد ذلك يستحضرها ومعانيها بقلبه، وهكذا تتوفر له الخيرات في فوائد وفضائل الذكر فيما يُدفع عنه من آفات وبلايا، وما يُعطاه من منح ومزايا.

 

رزقنا الله وإياكم ذكره وشكره وحسن عبادته، وألحقنا بأهل محبته ومودته، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين من خيار بريته.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

22 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

08 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام