كشف الغمة - 443 -  كتاب الذكر: 3- فصل في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 443 -  كتاب الذكر: 3- فصل في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى

صباح الثلاثاء 23  ذو الحجة 1447هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  بشارة لمن يدخل الجنة ضاحكاً وثمرات دوام الذكر
  •  ملائكة الله الطوافين يلتمسون حلق الذكر
  •  "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم"
  •  قصة مباهاة الله للملائكة بحلق الذكر
  •  من هم "أهل الكرم" يوم القيامة؟
  •  غنيمة مجالس الذكر (قصة مسكينة الصالحة)
  •  علامة منزلة الله عندك!
  •  مقام الذاكرين وغبطة الأنبياء والشهداء لهم
  •  التحذير من المجالس الخالية من ذكر الله
  •  توجيه الله للنبي: (ولا تعدُ عيناك عنهم)
  •  قصة مشاركة النبي للصحابة في ذكرهم
  •  سبب صفاء القلوب
  •  معنى الفناء والبقاء بالله وملازمة ذكر الله
  •  هدي النبي في الاستغفار والذكر في المجلس الواحد 100 مرة
  •  خصوصية مخاطبة النبي في الصلاة والوقوف في حضرة الحق تعالى
  • ض نماذج من يقين العوام الصالحين والأنس بذكر الله ورسوله
  • حلاوة الإيمان وعقد محبة الله ورسوله فوق كل شيء

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

 

فصل في حضور مجالس الذكر

 والاجتماع على ذكر الله تعالى

 

 "قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبركم بمن يدخل الجنة وهو يضحك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله تعالى"، وكان رسول الله ﷺ يقول: "إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء، ويقول الحق تبارك وتعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: يا رب فيهم فلان الخطاء وإنما مرّ فجلس معهم، قال: فيقول الله تبارك وتعالى: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

   وقال معاوية -رضي الله عنه-: "خرج رسول الله ﷺ على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: الله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة".

     وكان ﷺ يقول: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر"، وكان ﷺ يقول: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات". 

  وكان ﷺ يقول: "إن لله تبارك وتعالى سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم"، وكان ﷺ  يقول: "غنيمة مجالس الذكر الجنة"، وكان ﷺ يقول: "إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في رياض الجنة، قالوا: أين رياض الجنة، قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم من كان يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد من حيث أنزله من نفسه".

   وكان ﷺ يقول: "عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين، يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: هم جماع من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله تعالى فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه"، ومعنى جماع أخلاط من مواضع شتى والنوازع الغرباء؛ يعني أنهم لم يجتمعوا لقرابة بينهم ولا نسب ولا معرفة وإنما اجتمعوا لذكر الله لا غير. 

 

وكان ﷺ يقول: "رياض الجنة حلق الذكر فإذا مررتم بها فارتعوا"، يعني اجلسوا معهم فيها، وكان ﷺ يقول: "ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة"، وفي رواية: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم".

    وفي رواية: "من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعًا لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة"، والترة النقص والتبعة، والله سبحانه وتعالى أعلم". 

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

     الحمد لله مكرمنا بفضله العظيم ومَنِّه الجسيم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الفضل من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الكريم الرؤوف الرحيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على خاتم أنبيائك وسيد رسلك وخير خلقك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك سادات أهل معرفة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

     يذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفصل فضل حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تبارك وتعالى؛ فقد جاءت الفضائل في ذكر الله تعالى فردًا، وكذلك في الاجتماع على ذكر الله فوائد ومنافع وتجليات ربانية عبَّر عنها ﷺ في عدد من الأحاديث.
وابتدأ يذكر حديث أبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبركم بمن يدخل الجنة وهو يضحك؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله تعالى". 

  • وهؤلاء أيضًا يتصلون بوصف آخر وهو أنهم يطيعون الله تبارك وتعالى وهم يبكون، فيدخلون الجنة وهم يضحكون.
  • ومقابلهم قوم من الغافلين عند كلام عن طاعته يعصون الله -تعالى- وهم يضحكون، فهؤلاء يدخلون النار وهم يبكون (جَزَاءً وِفَاقًا) [النبأ:26].

هؤلاء يطيعون الله تعالى وهم يبكون شوقًا ومحبة، أو خوفًا وهيبة، أو معرفة، فلهم أن يدخلوا الجنة وهم يضحكون؛ وهؤلاء يعصون ويضحكون، فلهم أن يدخلوا النار وهم يبكون، (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، "وأنه تسيل منهم الدموع حتى لو كانت سفن لجرت في دموعهم" من كثرة ما يخرج من أعينهم من الدموع ولا يفيدهم ذلك شيئًا، (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) [التوبة:82]، وهكذا قال: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ) -وبرواية الدوري عن أبي عمرو: ( وَإِذَا اَ۪نقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمِ اِ۪نقَلَبُواْ فَٰكِهِينَ)- (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) [المطففين: 29-35] وفيما ذكرنا سابقًا في حديث يأتي، حديث: "إن المؤمن جمع طاعةً حسنةً وخوفًا، وإن المنافق جمع إساءةً وأمنًا"، يُسيء ويأمن مكر الله، وهذا يطيع ويخاف، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون:60]، فهذه فوارق بين القومين والفريقين؛ فريق الجنة وفريق السعير.

 

     يقول: "وكان رسول الله ﷺ يقول: "إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر".

وقد جاء الحديث في الصحيحين وغيرهما بروايات متعددة: "إن لله ملائكة سيارة يلتمسون حِلَق الذكر"، و"إن لله ملائكة طوَّافين يلتمسون حِلَق الذكر"؛ فهؤلاء صنف من الملائكة منهم ملايين بثهم الله تعالى في الأرض لخصوص مجالس الذكر. 

"فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم -هلموا إلى طلبتكم، هلموا إلى بغيتكم- فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء -الدنيا-". 

ويأتي الحوار هذا الذي ذكره ﷺ بين الملائكة وبين ربهم عن كل مجلس من مجالس الذكر يُعقد على ظهر الأرض بنية صالحة ومخلصين فيه لوجه الله، لهم قبول، ما الذي يحصل من الأثر والثمرة من مجلس الذكر؟! 

قال: "فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم -أي: حلقة فوق حلقة- إلى السماء"ويقول الحق تبارك وتعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: يا رب فيهم فلان الخطاء -أي: كثير الخطأ- وإنما مرّ فجلس معهم، -وفي لفظ: "فيهم فلان كثير الخطأ ليس منهم ولكن مر بحاجة فجلس إليهم"- قال: فيقول الله تبارك وتعالى: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم". وفي لفظ: "وله قد غفرتُ"، وجاء أيضًا: "أشهدكم أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأعذتهم مما استعاذوا"؛ لأنهم يقولون: يسألونك الجنة ويستعيذون بك من النار، "وأشهدكم أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأعذتهم مما استعاذوا".

 

     قال: "وقال معاوية -رضي الله عنه-: "خرج رسول الله ﷺ على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ -سَلَّمَ فردوا السلام وسكتوا لما قَدِم- قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا -جاء في روايةٍ: ومَنَّ علينا بك ﷺ، يقولوا نعمة الله عليهم في إرسال الحبيب ﷺ-، قال: الله ما أجلسكم إلا ذلك؟ -يعني استحلفكم بالله ما أجلسكم إلا لهذا- قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم -ما اتهمتكم بالحلف- ولكن أتاني جبريل -آنفًا- فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة"، عليهم رضوان الله، والحديث في صحيح مسلم وعند الإمام الترمذي وغيرهما.

 

     يقول: "وكان ﷺ يقول: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع -اليوم- من أهل الكرم -منادي ينادي من قِبَل الله في جمع القيامة وحشد المجتمعين- يقول: سيعلم أهل الجمع -اليوم- من أهل الكرم فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ -هؤلاء المميزين في القيامة- قال: أهل مجالس الذكر".

وفي لفظ جاء: "أهل حِلَق الذكر في المساجد". هم أهل الكرم على الله يوم القيامة.

"وكان ﷺ يقول: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات".

فكم في مجالس الذكر من خيرات، ولذا كان يقول بعض العارفين: لو أن ميتًا من الأموات تَأَذَّن الله له فعاد إلى الدنيا، لم يمضِ وقته وعمره إلا في مجالس الذكر والعلم؛ لما يرى من مكانتها عند الله تعالى، لو رجع من البرزخ إلى الدنيا وأُعطي فرصة، سيبقى عمره كله يدور مجالس الذكر والعلم، وهكذا.

وكانت امرأة من الصالحات حريصة على مجالس العلم والذكر، تأتي وتجلس من وراء الرجال وتستمع إليهم، وتسمى مسكينة، اسمها مسكينة، فلما توفيت رآها بعض صلحاء البلدة من أهلها، ورآها تمشي في حلة من حُلَل الجنة تتبختر، ومن ورائها عرفها، نادى: يا مسكينة، يا مسكينة! التفتت إليه قالت: هيهات! ذهبت المسكنة وجاء الغنى الأكبر؛ قال لها: كيف حالك؟ قالت: لا تسل عمن أُبيحت له الجنة بحذافيرها؛ قال لها: فبمَ بلغتِ ذلك؟ قالت: بمجالس الذكر والعلم، قال: فلماذا تتبخترين في المشي؟ قالت: هذه مشية الخُدَّام في دار السلام، مشية الخُدَّام في هذه الدار، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان: 20]، لا إله إلا الله.

قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات".

 

     "وكان ﷺ يقول: "إن لله تبارك وتعالى سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم"، وكان ﷺ -وقد سُئِل: ما غنيمة مجالس الذكر؟- يقول: "غنيمة مجالس الذكر الجنة".

أي: من أقوى الأسباب التي توصل إلى دخول الجنة.

"وكان ﷺ يقول: "إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في رياض الجنة، قالوا: أين رياض الجنة، قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم من كان يعلم -أي يريد أن يعلم- منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده".

قال: فهناك علامتان يستدل بها المؤمن على المنزلة عند الله تعالى: 

  • العلامة الأولى: منزلة الله عنده؛ ما منزلة الله عندك؟ في جلاله وإكباره وتعظيمه ومحبته وتنزيهه وتقديسه، ما منزلة الله عندك؟ فإذا عَظُمَتْ منزلة الله عندك فلك عنده منزلة. 
  • والثاني: انظر فيما استعملك؟ ومع من أجعلك؟ استعملك فيما يحب من الخيرات والطاعات وما بعث به نبيه ورَغَّب فيه، وجعلك عند الأخيار والأتقياء والأبرار، فهذه علامة أنه يحبك ويريدك ولك منزلة عنده؛ وإلا استعملك في الغفلة والمعاصي والذنوب، وأجلسك عند الغافلين والفاسقين، وجعلك معهم هذا عنوان واضح أنه أعرض عنك ولا يحبك وليست لك منزلة عنده؛ ولهذا يقولون كان بعض الأنبياء يقول: "إذا أردتَ أن تعرف منزلتك عند الله، فانظر في ماذا استعملك ومع من أجلسك". لا إله إلا الله. 

وهكذا يقول لنا أيضًا في هذا الحديث: "فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد من حيث أنزله من نفسه".

لا إله إلا الله. يقول: وأخرجه أبو يعلى في مسنده، والطبراني في الأوسط، والحاكم في المستدرك.

ما شاء الله! املأ اللهم قلوبنا بتعظيمك وتكبيرك وتقديسك وتحميدك ومحبتك وإجلالك وإكبارك يا الله، ومن كانت لله عنده منزلة عظَّم أمره وامتثل، واجتنب زجره ولم يقدِّم على أمر ربه هوى نفس ولا غيرها. 

 

     "وكان ﷺ يقول: "عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال -يعني: في القيامة- ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين -يعني: من شدة النور الذي عليهم يغشى النظر ما تقدر تحدق فيهم من نورهم-، يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل -لا إله إلا الله!-، قيل: يا رسول الله من هم؟ -من هؤلاء في القيامة يغبطهم الأنبياء والشهداء، ما هم أنبياء ولا هم شهداء- قال: هم جماع من نوازع القبائل -أي: مختلف القبائل- يجتمعون على ذكر الله تعالى فينتقون أطايب الكلام -من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وصيغ الدعاء والذكر- كما ينتقي آكل التمر أطايبه"، ومعنى جماع أخلاط من مواضع شتى والنوازع الغرباء -من نوازع القبائل-؛ يعني أنهم لم يجتمعوا لقرابة بينهم ولا نسب ولا معرفة -سابقة- وإنما اجتمعوا لذكر الله لا غير".

سمعتَ؟! وجاء في رواية: "ليبعثن الله أقوامًا على منابر من لؤلؤ على وجوههم النور، يغبطهم الأنبياء والشهداء ليسوا بأنبياء ولا شهداء، فجثا أعرابي على ركبتيه قال: يا رسول الله حلِّهم لنا نعرفهم، من هؤلاء؟ قال: "هم المتحابون في الله من بلاد شتى وقبائل شتى، يجتمعون على ذكر الله فيذكرونه"؛ ولذا رأيتَ أخيار الأمة على مدى العصور في مختلف جهات الأرض، يعقدون من المجالس شيء يومي وشيء أسبوعي وشيء شهري وشيء سنوي، ومجالس ذكر شيء يتجمعون من القرية نفسها، وشيء يجيئون من القرى الثانية وشيء من المدن الأخرى؛ ويتجمعون عملًا بهذا المسلك وتلبية لهذا النداء، فكم ينظر الله إليهم وكم يرحمهم وكم يدفع بهم من بلايا وآفات، فما أعظم مجالس الذكر!

 

     "وكان ﷺ يقول: "رياض الجنة حلق الذكر فإذا مررتم بها فارتعوا"، يعني اجلسوا معهم فيها".

وقيل في رواية: ما الرتع؟ قال: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" يعني: شاركوهم في الذكر، "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا؛ قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَق الذكر".

"وكان ﷺ يقول: "ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار،"  مثلهم مثل قوم اجتمعوا على جيفة حمار ميت يأكلون منها، ما أخبث ما هم فيه! قال: فالذين يجتمعون ولا يذكرون الله ويتفرقون ما ذكروا الله هم مثل هؤلاء، يعني في الخساسة والضعة والخباثة، مثل الذين اجتمعوا على جيفة حمار، هذا مثال مجالس كثير من الغافلين، يجلسون الساعة والساعتين ولا ذكر لله بينهم، ويتفرقون في كهكهة  وضحكات ولعب، مساكين ما هم دارين بأنفسهم أين. لا إله إلا الله. ويقول: "وكان عليهم حسرة يوم القيامة".

ويقول: "وفي رواية: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة -نقص وتبعة-، إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم"

    وفي رواية: "من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعًا لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة"، -(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) [آل عمران: 191]- والترة النقص والتبعة، والله سبحانه وتعالى أعلم". 

وهكذا يبين لنا عظمة مجالس الذكر، وحسبنا ما قال الله لعبده وحبيبه محمد: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) -لاتلتفت إلى غيرهم- (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28]، ضائعًا مهملًا، مغفول قلبه عن ذكر الله، ويتبع الهوى، فأيش الذي يخلصه من هواه وهو ما يذكر الله تبارك وتعالى؟ فهكذا، ولما نزلت الآية خرج يلتمسهم ﷺ، فوجد جماعة من فقراء الصحابة في ناحية المسجد يذكرون الله، فجاء وجلس معهم، ثم قال: "الحمد لله الذي أراني في أمتي مَن أمرني أن أصبر نفسي معهم"، وهو سيد الذاكرين ﷺ ولكن أمره الله أن يجلس مع هؤلاء وينظر إليهم، وكان هذا شأنه إلى الآن، ينظر إلى حلقات الذكر المجتمع عليها ﷺ، ولا يعدو عيناه عنهم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

وجاء أيضًا في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: كنا في عصابة نذكر الله، فمر بنا رسول الله ﷺ قال: فسلم علينا، وسكتنا هيبة له، فقال: "ما كنتم تقولون؟" قالوا: كنا نذكر الله، قال: "أما إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها"؛ قال: أنا رأيت الرحمة تنزل عليكم وجئت بينكم أريد أن أشارككم في هذه الرحمة النازلة -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
 فأين هذا ممن ينفر من ذكر الله ويهرب إذا سمع ذكر الله تبارك وتعالى ويتباعد عن مجالس الذكر؟

  • (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه: 124].
  • وقال: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 35].

وتوقف صفاء القلوب وتنقيتها وقطع المسافة في السير إلى الله على الذكر وكثرة الذكر، ولهذا يقولون: الذكر سلطان القُرَب، أي: سلطان الطاعات والعبادات.

 

واذكر إلهك ذكرًا لا تفارقه *** فإنما الذكر كالسلطان في القُرَبِ

 

(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152]، يقول الله لا إله إلا هو
 الله يوفر حظنا من ذكره وشكره وحسن عبادته، وإذا مكَّن من قلبك معنى ذكره عشقته ووَلِعْتَ به، صرتَ لا تصبر عن ذكره وكنتَ مذكورًا عنده في مختلف أحوالك، يذكرك في نفسه ويذكرك في الملأ الأعلى، ثم لا يزال يتسع بك نور الذكر في الوَلَع به تعالى وعشق قربه فينازلك ما ينازلك حتى تصل إلى الفناء في الله، ويرفعك في الدرجات حتى تصل إلى البقاء بالله لا بنفسك ولا بغيرك، لا إله إلا الله!

قالوا لسيدنا الجنيد بن محمد، حامل مسبحته وقده شايب، قالوا: مكانك مع المسبحة إلى الآن؟ قال: أمرٌ وصلنا به إلى الله تبارك وتعالى لا نتركه، لا إله إلا الله. 

وكان سيدهم جاء في وصفه ﷺ: يذكر الله على كل أحيانه، قال أصحابه: وإن كنا لنعد له في المجلس الواحد مئة مرة من قوله: "ربِّ اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم"، ويسمعونها منه في المجلس وثاني مرة وثالث مرة إلى مئة مرة في المجلس الواحد صلوات ربي وسلامه عليه، وهو الذي جمعهم على الله، وهو الذي هداهم إلى الله، وهو الذي أوصلهم إلى الله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

وكان يقول العارفون: على قدر ذكرك لله فالله ذاكر لك، وعلى قدر ذكرك لنبيه فالنبي ذاكر لك، وعلى قدر ذكرك للصالحين فالصالحون يذكرونك؛ ولذا أمرنا في كل صلاة نذكره ونذكر رسوله ونذكر الصالحين: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. 

شرع لنا ذكره وذكر رسوله وذكر الصالحين من عباده -جل جلاله- حتى في حضرته، لكن في حضرته ما يُخاطب أحد من عباده، يُذكَرون من دون لفظ الخطاب ولا كاف الخطاب إلا عبده محمد ﷺ، وأي مخلوق يكون مَلَكًا أو إنسانًا أو جانًّا أو غيرهم إذا خاطبته وأنت في الصلاة بطلت صلاتك، حتى إذا قلت: رحمك الله بطلت صلاتك؛ لأنك خاطبته بقولك رحمك، ولكن إذا قلت: اللهم ارحمه ما تبطل صلاتك، إلا النبي محمد تقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، إذا ما خاطبته تبطل صلاتك، بالعكس. في حضرة الحق ما تخاطب إلا حبيبه الأعظم ﷺ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فهو الوسيلة إليه وهو الباب للوصول إليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فلذلك يُخاطب في الصلاة، حتى جاء في صحيح الحديث: أن سيدنا أُبَيّ كان يصلي فناداه ﷺ، فخفف صلاته ثم جاء، وقال له ﷺ: "ناديتك قبل"، قال: كنتُ أصلي، قال: "فما منعك أن تجيبني؟ أما سمعتَ قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ)" [الأنفال: 24] يعني: حتى وأنت تصلي إذا أجبتني ما تبطل صلاتك! صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
 يا رب صلِّ عليه أفضل الصلوات واجعل لنا عنده منزلة ومحل. 

كان لمَّا امتلؤا من معاني الإيمان واليقين والمحبة لله ولرسوله، رأينا العوام حقهم عندنا كان العاميات من النساء اللاتي يخرجن إلى المزارع يحصدن أوقات الحصاد يرددن.. من جملة ما يرددن من أشعارهن:

يا ربي يا غفار كل زلة *** عسى لنا عند النبي محلَّة

يا ربي يا غفار كل زلة *** عسى لنا عند النبي محلَّة

هذا العوام حقهم، أكثرهن أُمِّيَّات ما يقرأن ولا يكتبن، ويعملن أعمال في المجتمع، عمل المرأة بحياء وحشمة ولا اختلاط ولا تبرج، وجاءوا قالوا: عمل المرأة!، ما عمل المرأة؟ تتمكيج لك وتتزين، هذا هو عمل المرأة! المرأة عندنا من أيامه ﷺ إلى وقتنا عاملات في أنحاء اليمن في غيرها عاملات بشرفهن وعزتهن ومكانتهن، يعملن أنواع من الأعمال، يعملن، قال: لا، عمل المرأة خَلِّها تتمكيج وتخرج، عمل المرأة! كذَّابين أفَّاكين يريدون السوء والفساد للأمة، وما جاء منهج النفع للكل إلا فيما أوحى الله، وفيما بعث به رسله، وفيما أكمله على يدي خاتمهم ﷺ.

 

     الله يملأ قلوبنا بمحبته ومحبة رسوله، حتى ما ينختم عامنا هذا إلا وحال قلوبنا أن الله ورسوله أحب إليها مما سواهما، ويحيينا على ذلك ويتوفانا على ذلك؛ حب الله ورسوله أحب إلينا من كل شيء، اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأموالنا ومن الماء البارد على الظمأ يا أكرم الأكرمين، وأن لا نحب أحدًا إلا فيك ولك ومن أجلك، "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله"، وأن نكره الكفر والفسوق والعصيان كما نكره أن نقذف في النار، فمن أُعطي ذلك أذاقه الله حلاوة رحمته ولذة مناجاته، "ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما -أي شيء سواهما-، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار".

نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك يا أرحم الراحمين، واقذف ذلك في قلوب المؤمنين والمؤمنات في جميع الجهات حتى يتخلصوا من الترهات والبطالات والغفلات وإغراءات أهل الفسوق والكفر والشر والضر يا حي يا قيوم يا بَرّ. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

23 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

09 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام