(631)
(368)
(454)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 444 - كتاب الذكر: 4- فصل في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، والأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
صباح الأربعاء 24 ذو الحجة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له
"كان رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل، وما قالها عبد قط مخلصًا بها روحه مصدقًا بها قلبه ناطقًا بها لسانه إلا فتق الله له في السماء فتقًا، حتى ينظر إلى قائلها من الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله". وفي رواية: "من قالها لم يسبقها عمل ولم يبق معها سيئة".
وكان ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحدًا صمدًا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، كتب الله له ألفي ألف حسنة"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحَمْدُ للهِ مُكْرِمِنَا بِرِسَالَةِ حَبِيبِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ عَنْهُ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَى الدَّالِّ عَلَيْهِ المُوصِلِ إِلَيْهِ، عَبْدِهِ المُخْتَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّتي كَانَتْ بَعْثَتُهُ أَعْظَمَ مِنَّةٍ عَلَيْنَا مِنْهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ فِي دَرْبِهِ، وَعَلَى آبَائِهِ وَإِخْوَانِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ سَادَاتِ أَهْلِ مَحَبَّةِ اللهِ وَقُرْبِهِ، وَعَلَى آلِهِمْ وَصَحْبِهِمْ وَتَابِعِيهِمْ، وَعَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَجَمِيعِ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ وَفِيهِمْ، إِنَّهُ أَكْرَمُ الأَكْرَمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وبعدُ،،
يذكر الشيخ علي -رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الفصل ما جاء في فضل "لا إله إلا الله وحده لا شريك له".
قال: "كان رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل، وما قالها عبد قط مخلصًا بها روحه مصدقًا بها قلبه ناطقًا بها لسانه إلا فتق الله له في السماء فتقًا -أي: فتح له فتحًا-، حتى ينظر إلى قائلها من الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله". وفي رواية: "من قالها لم يسبقها عمل -أي: لم يكن في مثل ثوابها عمل آخر- ولم يبق معها سيئة".
وقد تعددت الروايات في هذا الفضل العظيم لهذه الكلمة، وفي الإتيان بها عشر مرات بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب قبل أن يغير وضع رجليه عن وضع التشهد، قبل أن يثني رجليه، ولا يتكلم بكلام آخر. وأنه لا يزال في حرز من الله -تعالى-، حرز يقيه الشيطان والشرك من الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح إذا قرأها بعد صلاة الصبح أوبعد صلاة المغرب: لا إِلهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وفي رواية: يُحْيي وُيمِيتُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. كما جاء في قراءتها بأطول من هذا في السوق، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: "مَنْ دَخَل السُّوقَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ". وهكذا الحديث في ثواب عتق أربع رقاب، وعتق الرقبة يعتق الله بها مُعْتِقها من النار، كل عضو منه بعضو منه فيعتقه من النار. فكيف بأربع رقاب؟ وقال: "من ولد إسماعيل"؛ أي: لو أصاب الرق أحدًا من ذرية إسماعيل كان في عتقه ثواب أكبر من عتق غيره.
وأن الله -تعالى- يتجلى تجليًا خاصًا لمن قرأ هذه الكلمة عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، وعبّر عنه بالفتق والفتح؛ أي: يتجلَّى عليه فينظر إليه نظرًا خاصًا.
قال: "وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله." وفي رواية: "لم يسبقها عمل ولم يبق معها سيئة"؛ أي: تُكفَّر الذنوب والسيِّئات بواسطة هذه الكلمة العظيمة، رزقنا الله الإكثار منها.
"وكان ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحدًا صمدًا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، كتب الله له ألفي ألف حسنة".
ألفي ألف حسنة يعني مليونين.
ويقول كتب الله له ألفي ألف حسنة بهذه الكلمة العظيمة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحدًا صمدًا". معنى صمد تأتي لها معاني:
ويقول الله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص: 1-2].
"أحدًا صمدًا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد"؛ أي: مشابهًا أو مثيلًا أو مُناظِرًا أحد، فليس أحد يُماثِله ولا يُشبهه -جلَّ جلاله-، جل عن الشبيه والنظير والمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فصل في الأمر بالصلاة على النبي ﷺ والترغيب في حضور المجالس التي يصلى فيها عليه، وما جاء في التحذير من تركها وغير ذلك
"كان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "صلوا عليّ فإن الله عز وجل يصلي عليكم"، وفي رواية: "صلوا عليّ فإن صلاتكم عليّ زكاة لكم وإنها أضعاف مضاعفة"، وكان ﷺ يقول: "أكثروا الصلاة عليّ فإن أوّل ما تسألون في القبر عني"، وكان ﷺ يقول: "إن الله تعالى لينظرُ إلى من يصلي عليّ ومن نظر الله تعالى إليه لا يعذبه أبدًا".
وكان ﷺ يقول: "إذا صليتم عليّ فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ثم قال ﷺ: هكذا عدّهن في يدي جبريل، وقال: عدهن في يدي ميكائيل، وقال: عدهن في يدي إسرافيل، وقال: عدهن في يدي رب العزة جل جلاله، فمن صلى علي بهن شهدت له يوم القيامة بالشهادة وشفعت له".
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: قل: اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، فمن قال ذلك وجبت له شفاعتي"، وكان رسول الله ﷺ يقول: "زينوا مجالسكم بالصلاة على النبي ﷺ وبذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-".
وكان ﷺ يقول: "من قال: جزى الله عنا محمدًا ﷺ بما هو أهله أتعب سبعين ملكًا ألف صباح"، وكان ﷺ يقول: "من قال اللهم صل على روح محمد في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، وعلى قبره في القبور، رآني في منامه، ومن رآني في منامه رآني يوم القيامة، ومن رآني يوم القيامة شفعت له، ومن شفعت له شرب من حوضي وحرم الله جسده على النار".
وكان ﷺ يقول: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد"، وكان ﷺ يقول: "الصلاة عليَّ نور يوم القيامة عند ظلمة الصراط فأكثروا من الصلاة عليّ"، وكان ﷺ يقول: "لا تصلوا عليّ الصلاة البتراء قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟ تقولون: اللهم صل على محمد وتمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فقيل له: من أهلك يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين"، وجاء رجل مرة فدخل على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فقال: السلام عليكم يا أهل العز الشامخ والكرم الباذخ، فأجلسه النبي ﷺ بينه وبين أبي بكر -رضي الله عنه-، فعجب الحاضرون من تقديم رسول الله ﷺ له فقال رسول الله ﷺ: إن جبريل عليه السلام أخبرني أنه يصلي عليّ صلاة لم يصلها عليّ أحد قبله، فقال أبو بكر: كيف يصلي یا رسول الله؟ قال يقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في الأوّلين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين".
وكان ﷺ يقول: "من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء، وأعطه الوسيلة والمقام المحمود الذي وعدته، وجبت له شفاعتي"، وكان عبد الله بن مسعود يقول: "إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود يغبطه به الأولون والآخرون".
وكان ﷺ يقول: "إذا صليتم على المرسلين فصلوا عليّ معهم فإني رسول من المرسلين"، وفي رواية: "إذا صليتم عليّ فصلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني ﷺ وعليهم أجمعين".
هكذا يتحدَّث عن الصلاة على النبي ﷺ، وهي من أعظم الأذكار. فأعظم الأذكار:
ويذكر في الصلاة عليه قوله: "صلوا عليّ فإن الله عز وجل يصلي عليكم"، وهو ما جاء بالنص في روايات مشهورة: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"، "وفي رواية: "صلوا عليّ فإن صلاتكم عليّ زكاة لكم.."؛ أي: طهرة ونقاء ورفعة، "..وإنها أضعاف مضاعفة" أي: يُضاعَف لكم أجرها وخيرها، كما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وإسحاق بن راهويه في المسند رووا قوله: "صلوا عليّ فإن صلاتكم عليّ زكاة لكم"؛ أي: من أسباب التزكية.
بل قال أهل المعرفة واليقين: إنه من أقوى ما يُهذَّب نفس السائر إلى الله -تعالى- وينقِّي باطنه الصلاة على رسول الله ﷺ، وأنها إذا أكثر منها مع:
إذا صدرت بالمحبة والتعظيم والشوق إليه ﷺ، وأنَّها تقوم مقام الشيخ عند فقد الشيخ. كثرة الصلاة على زين الوجود محمد عليه الصلاة والسلام فهي:
عن أنواع الصفات الذميمة القلبية والجسدية.
ثم يقول: "وكان ﷺ يقول: "أكثروا الصلاة عليّ فإن أوّل ما تسألون في القبر عني". وهكذا جاء في الحديث أخبار السؤال عن الحق تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم في الصحيحين وغيرهما أننا نُسأل عن سيدنا رسول الله ﷺ.
والمعنى: أن الذي يُكثِر من الصلاة والسلام عليه يقوم بين روحه وبين الرسول ﷺ اتصال يكون سببًا لارتقائه مراتب عوالٍ، وورودِ مِنَنِ الله عليه في توالٍ، حتى يُثبَّت عند السؤال؛ إذا سئل فيحسن الجواب. ويقول: "وكان ﷺ يقول: "إن الله تعالى لينظر إلى من يصلي عليّ ومن نظر الله تعالى إليه لا يعذبه أبدًا".
اللهم وفقنا لكثرة الصلاة والسلام على رسولك المختار سيدنا محمد.
قالوا:
فنحن المستفيدون لا هو، نحن المُستفيدون من الصلاة عليه. وكيف والحق يصليِّ على من صلَّى عليه واحدةً عشر صلوات؛ فمن الذي استفاد؟ وماذا تفيده صلاتنا وقد صلى الله عليه قبل خلقنا وخلق السماوات والأرض، وملائكته يصلون عليه -وأيش بتصلح حقك الصلوات أنت-، فهو غير محتاج إليها، ولكنك تتشرف بها وأنت محتاج إليها وإلى فضلها، والخير راجع إليك.
وهكذا يقول: "وكان ﷺ يقول: "إذا صليتم عليّ فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد،.." -مُكرَّرة في الطبعة هذه، والصحيح مرة واحدة- "ثم قال ﷺ: هكذا عدّهن في يدي جبريل..".
اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.. وهكذا في هذه الرواية زيادة "النبي الأمي" في الصيغتين الأُوليين.
"..وقال: عدّهن في يدي جبريل، وقال: عدهن في يدي ميكائيل، وقال: عدهن في يدي إسرافيل، وقال: عدهن في يدي رب العزة جل جلاله، فمن صلى علي بهن شهدت له يوم القيامة بالشهادة وشفعت له".
وهكذا جاء في رواية البيهقي في شعب الإيمان هذه الصيغة من الصِّيغ، وهي من صيغ الصلوات الإبراهيمية. قال أهل العلم: وأفضل الصلوات عليه الصلاة الإبراهيمية لأنها وردت عنه عليه الصلاة والسلام، وهي الصلاة عليه وعلى آله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وهكذا. وقد وردت بأكثر من سبع عشرة صيغة في الحديث من الصلاة الإبراهيمية. ومن أجمعها هذه الصيغة التي جاءت أيضًا في صحيح مسلم وصحيح البخاري وهو قوله: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْت عَلَى سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". وجاءت بأكثر من سبعة عشر صيغة في الأحاديث هذه الصلاة الإبراهيمية التي فيها ذكر سيدنا الخليل إبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم.
وقال: "وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: قل: اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، فمن قال ذلك وجبت له شفاعتي".
فالفوائد كلها ترجع إلى المُصلِّي عليه، وأما المقعد المُقرب قدّه حُقَّه من قبل أن تُخلق أنت وقبل ما تتكلم، وماحد باينزل فيه غيره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أقرب المقربين إلى رب العالمين عليه الصلاة والسلام، ولكن أنت تحصِّل الشفاعة. وهكذا كما جاء في رواية البزار والطبراني في الكبير.
يقول: وكان رسول الله ﷺ يقول: "زينوا مجالسكم بالصلاة على النبي ﷺ وبذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-"،عليه رضوان الله تعالى، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد وأورده ابن عساكر في تاريخ دمشق، وفيه أن ذكر الصالحين زينة للمجالس. فإن رسول الله أصلح الصالحين، وعمر بن الخطاب من صالحي هذه الأمة وخواص صالحيها. وكذلك ذكر الصالحين كما دلَّت عليه الآيات الكريمة، وجعل الله تعالى ذكر أنبياءه ورسله من الذكر المأمور به بأمره في القرآن، يقول الله -تبارك وتعالى-:
فتتشرف وتتزين القلوب والصدور والدِّيار والمنازل والمجالس بذكر الله وذكر رسله والصالحين من عباده. وسمعت في هذه الرواية: "زينوا مجالسكم بالصلاة على النبي ﷺ وبذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-"؛ أي: ذكر مناقبه وأخلاقه وصفاته وما أثمره الإيمان في باطنه من المواقف التي ظهرت على يده ولسانه -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
"إيهٍ يا ابنَ الخَطَّابِ! والذي نَفسي بيَدِه ما لَقيَكَ الشَّيطانُ سالِكًا فجًّا قَطُّ إلَّا سَلَكَ فجًّا غيرَ فجِّكَ".
وبهذا قال العارفون: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وكان يقول الإمام الجنيد بن محمد -عليه رضوان الله تعالى-: إن حكايات الصالحين جند الله يرسلها إلى القلوب؛ أي: تقودها إليه وتوصلها إليه. قيل: هل لذلك من شاهد؟ قال: نعم، قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:120].
ويقول: "وكان ﷺ يقول: "من قال: جزى الله عنا محمدًا ﷺ بما هو أهله أتعب سبعين ملكًا ألف صباح"، يكتبون ثوابه، ألف يوم وما يكملون ثواب قوله، مستشعرًا مكانة النبي عند الله وأنه لا يقدر يجزيه إلا هو -سبحانه وتعالى-، يجزي عنَّا محمدًا ما هو أهله. وجاء في الروايات: "اجزِ عنَّا نبينا محمدًا ﷺ خيراً"، وفى رواية: "مَنْ قَالَ جَزَى اللَّهُ عَنَّا مُحَمَّدًا مَا هُوَ أَهْلُهُ أَتْعَبَ سَبْعِينَ مَلَكًا أَلْفَ صَبَاحٍ".
"وكان ﷺ يقول: "من قال اللهم صل على روح محمد في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، وعلى قبره في القبور، رآني في منامه، ومن رآني في منامه رآني يوم القيامة، ومن رآني يوم القيامة شفعت له، ومن شفعت له شرب من حوضي وحرم الله جسده على النار".
"وكان ﷺ يقول: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد"، وكان ﷺ يقول: "الصلاة عليَّ نور يوم القيامة عند ظلمة الصراط فأكثروا من الصلاة عليّ"، وهكذا، بل أورد أبو القاسم القشيري في تفسيره حديث: "إن من الأمة من يقف على الصراط فيخف ميزانه فيوقن بالهلاك، فيُمسك بيده رجل فيقول: لك عندي وديعة، فيخرج بطاقة يضعها في كِفة الحسنات فترجح. يقول: من أنت الذي فرج الله بك كربتي في هذا اليوم؟.." -ما أحد يعطي أحدا حسنات هذا اليوم- "..فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلواتك التي كنت تصلي بها عليَّ ادخرتها لك حتى سلمتك إياها أحوج ما تكون إليها" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يقول: "وكان ﷺ يقول: "لا تصلوا عليّ الصلاة البتراء.." -يعني المقطوعة، الأبتر يعني المقطوع- "..قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟ تقولون: اللهم صل على محمد وتمسكون.." -يعني ما تصلُّون على آله- "..بل قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فقيل له: من أهلك يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين"، يعني هؤلاء رؤوس أهل بيته، والمقصود بآله يعني آقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب أعظمهم.
ولا يكون من آل النبي إلا المؤمنون، وأمَّا مَن كان منهم على الكفر فليس من آل النبي ﷺ. وكذلك الأنبياء من قبل، آلهم من آمن من قرابتهم هم الآل، أما من كفر فليسوا من الآل مثل أبي لهب، ليس من آل النبي بالاعتبار الشرعي والعرفي، ليس من آل النبي.
كما قال الله لسيدنا نوح لمَّا طلب منه ولده: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ﴾ [هود: 46]. وكذلك زوجة نوح وزوجة لوط ليسوا من آل نوح ولا من آل لوط، قال الله تعالى: ۖ (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) [التحريم: 10]. كانتا تخونان الأمانة في الإسلام والإيمان فكذبتا بالأنبياء وساعدتا الكفار، فبذلك صارتا خائنتان وضُربتا مثلًا للكافرين.
ولهذا يسأل بعضهم يقول: من آل إبراهيم؟ قالوا: آل إبراهيم أقاربه المؤمنون مثل إسماعيل وإسحاق وهاجر وسارة. وقالوا: هاذولا ذريَّة إسحق من اليهود يدخلون فيهم؟ قلنا: لا، ما دخل أبو لهب وهو عمَّ النبي في الآل، ما يدخل اللي بدَّلوا ويغيَّروا من أولاد النبيين. ولو كان ولد نبيٍ لصلبه وكفر فليس من آله، ليس من آله!
﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 45-46]. فمن حرّف وبدّل من ذرية سيدنا إسحاق بن سيدنا يعقوب الذي هو إسرائيل، كمن كذَّب قبلهم وبعدهم من آل الأنبياء، فليسوا من آل الأنبياء، يخرجون بذلك عن آل النبوة من جهة الاعتبار الشرعي، فليسوا من آلهم، ليس منهم وليسوا من آلهم.
يقول: وجاء رجل مرة فدخل على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فقال: السلام عليكم يا أهل العز الشامخ والكرم الباذخ، فأجلسه النبي ﷺ بينه وبين أبي بكر -رضي الله عنه-، فعجب الحاضرون من تقديم رسول الله ﷺ له فقال رسول الله ﷺ: إن جبريل عليه السلام أخبرني أنه يصلي عليّ صلاة لم يصلها عليّ أحد قبله، فقال أبو بكر: كيف يصلي یا رسول الله؟.." -إيش يقول هذا الرجّال؟- "..قال يقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في الأوّلين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين".
يفيد أن تحسين الصلاة عليه الصلاة والسلام كما نسمع في الحديث الآتي في كلام ابن مسعود مطلوب من المؤمنين، وأن ذلك أيضًا يُعرض على الله ورسوله.
"وكان ﷺ يقول: "من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء، وأعطه الوسيلة والمقام المحمود الذي وعدته، وجبت له شفاعتي"، وجاء أيضًا في رواية قول هذا وإضافة بعض الألفاظ إليه يقول: "اللَّهُمَّ صل عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد صَلَاة تكون لَك رِضَاء ولحقه أَدَاء وأعطه الْوَسِيلَة وابعثه الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي وعدته واجزه عَنَّا مَا هُوَ أَهله واجزه أفضل مَا جزيت نَبيا عَن أمته وصل عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيع إخوانه من النَّبِيين وَالصَّالِحِينَ يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ إلى يوم الدين" وأنه من قالها سبع مرات بعد عصر الجمعة في سبع جُمَع، وجبت له الشفاعة.
"وكان عبد الله بن مسعود يقول: "إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه." - خطأ بالطبعه، والصحيح: عليه؛ أي: على النبي ﷺ- وكان من الصِّيغ التي قالها ابن مسعود: "..اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود يغبطه به الأولون والآخرون".
هذه من الصيغ عن ابن مسعود، وكذلك وردت صيغ عن الصحابة. وفي هذا أنه لا معنى لحصر الصلاة عليه في الصِّيغ الإبراهيمية ولا غيرها، وأن الصحابة كانوا يُحْدِثون أنواعًا من الصيغ في الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فمن بعدهم كذلك.
ويُروى عن السيدة فاطمة أنها كانت تقول فيما أُثِرَ عنها من صيغ السلام عليه "اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيدنَا مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ مَا ضَاقَت إلَّا وَفَرَجَهَا الله". وعن ابن مسعود هذه الصيغة وغيرها، وكذلك عن جماعة من الصحابة اختاروا صيغًا يصلون بها على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ثم إنه من السنة إذا صُلِّيَ عليه أن يُصَلَّى على آله معه -كما سمعتم-، ثم أيضًا من السنة الصلاة على الأنبياء والمرسلين وآلهم كذلك. ثم استحبَّ أهل السنة عند ذكر الصلاة عليه وعلى آله أن يُذكر الصحابة أيضًا معهم بالصلاة عليهم أو بالترضِّي عنهم، وأما الصِّيغ الواردة عنه فهي فيها ذكره وذكر آله ﷺ.
ثم سمعتم هذه الأحاديث في ذكر المرسلين، ففي لفظ: "إذا صليتم على المرسلين فصلوا عليّ معهم فإني رسول من المرسلين"، ولكن الرواية الثانية هي الأشهر التي عند البيهقي في شعب الإيمان: "إذا صليتم عليّ فصلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني ﷺ وعليهم أجمعين".
صلوات الله على سيدنا محمد وأنبيائه ورسله وملائكته والصالحين من عباده؛ والله أعلم.
ارْزُقْنَا الإِيمَانَ وَاليَقِينَ وَالإِخْلَاصَ وَالصِّدْقَ، وَوَفِّقْنَا لِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ مَعَ امْتِثَالِ الأَمْرِ وَالتَّعْظِيمِ وَالمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ، وَأَنَّ اللهَ يَرْفَعُنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِلَى فَوْق مَعَ خَوَاصِّ مَحْبُوبِيهِ وَالمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ، وَيَجْعَلَنَا مِنْ أَكْثَرِ أُمَّتِهِ صَلَاةً وَسَلَامًا عَلَيْهِ، وَمِنْ أَسْعَدِ أُمَّتِهِ بِقُرْبِهِ فِي القِيَامَةِ.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
24 ذو الحِجّة 1447