(368)
(471)
(634)
(6)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 456 - كتاب البيع: 4- فصل في طلب الحلال وفصل في الورع
صباح الأربعاء 8 صفر الخير 1448هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل في طلب الحلال
"كان رسول الله ﷺ يقول: "طلب الحلال واجب على كل مسلم"، وكان ﷺ يقول: "من أكل طعامًا حرامًا لم يستجب له دعاء"، وكان كثيرًا ما يذكر ويقول: "إن الرجل ليطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له"، وكان ﷺ يقول: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم من حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه"، وكان ﷺ يقول: "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها"، وكان ﷺ يقول: "لا يكتسب عبد مالًا حرامًا فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار"، وكان ﷺ يقول: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام فهناك لا تجاب له دعوة"، وكان ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت".
فصل في الورع
كان رسول الله ﷺ يقول: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع المستبان، والمعاصي حمى الله تعالى من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه"، وكان ﷺ يقول: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس"، وكان ﷺ يقول: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعامًا فليأكل من طعامه ولا يسأله، وإن سقاه شرابًا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه"، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه"، وكان عمر رضي الله تعالى عنه إذا سئل عن طعام أهل الربا يقول: "كلوا إذا دعوكم، ما لم تعلموا أن ذلك الطعام من الحرام".
وكان عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- يقدم إلى الضيف الكسرة واللقمة، ويقول: "إن الحلال في زماننا هذا لا يحتمل السرف". وقال ميمون بن مهران -رضي الله عنه-: زرت الحسن البصري -رضي الله عنه-، فلما دققت الباب خرجت إليّ جارية سداسية، فقالت: من تكون؟ قلت: ميمون بن مهران. قالت: كاتب عمر بن عبد العزيز قلت: نعم، قالت: وما حياتك يا شقي إلى هذا الزمان الخبيث؟ ثم أذنت لي فدخلت، فلما سلمت على الحسن قدم إلي نصف خيارة ونصف رغيف، وقال: "كل فإن الحلال لا يحتمل السرف في هذا الزمان، ولو وجدت درهمين من حلال لكنت أشتري بهما حبات من الحنطة وأطحنها وأمزجها بالماء ثم أدور بها على المرضى، فكل مريض شرب منها جرعة شُفي من ساعته -رضي الله عنهم- أجمعين."
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرمنا بشريعته الغراء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- ما أوجب الله وشرع من طلب الحلال، أي:
أن يطلب تحصيل ذلك من وجه حلال، ذلك من واجبات الشريعة في حق من وجبت عليه نفقته:
على اختلاف الأئمة فيمن تجب وتلزم نفقتهم؟ ومن لا تجب ويُستحب للقريب ذلك؟ ومن لم يجد من يعوله من قريب ونحوه فيكون حقه في بيت مال المسلمين؛ أي: المال العام الذي يُرصد للمصالح في هذا النظام البديع للشرع المصون الذي عطَّله المنتمون للإسلام وللدين في كثير من نواحي حياتهم وشؤونهم في مسارهم في هذه الحياة.
و(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور: 35]، وإلا فالنظام كامل أتم الكمال، فيما تقوم به شؤون الناس في مصالح معاشهم ومعادهم. فإن مُنزل المنهاج هو الخالق الذي خلق، وأحاط علمًا بكل شيء -جل جلاله-، ومبينه أعقل خلقه وأكرم خلقه عليه وأعرفهم به وأهداهم إلى طرق الهدى والصواب والحق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فجعل طلب الحلال واجبًا على كل مسلم كما سمعتم في هذا الحديث الذي عند الطبراني وبلفظه عند الديلمي، وكذلك جاء في رواية بسند حسن وبعدد من الطرق. وذلك معلوم مما فرض صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من النفقة على الوالد والوالدة وعلى الزوجة وعلى الأبناء والبنات. واختُلِف في الحاشية أواجب أم مستحب النفقة عليهم من الإخوان والأخوات؟.. وما إلى ذلك.
والمؤمنون بعد ذلك على مراتب في مروءتهم وفي سخائهم وفي ما يتحلُّون به من أوصاف الإكرام والمسارعة إلى الخيرات والسعي في مصالح القرابة خاصة والمسلمين عامة، (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [آل عمران: 163].
"طلب الحلال واجب على كل مسلم"؛ وذلك أنه لا يخلو من حاجته إلى النفقة، ويكون من ألزمِ أن يُنفق عليه.
بقي بعد ذلك من لم يتوجه عليه خطاب في النفقة على أحد، بأن:
فهذا الذي يجوز له في حق نفسه أن يتجرد؛ لكن إذا قامت عنده مقوِّمات التجرد من:
فذلك في حق نفسه طريق مستقيم لمن أُقيم فيه. ومع ذلك فيكون طلبه للحلال عندئذ بالأسباب الباطنة من التقوى وحسن الخلق وما إلى ذلك. فيكون أيضًا لا يقبل كل ما جاء من أي طريق، ولكن كما أشار في الفصل الثاني: يتورع عن كل ما فيه شبهة ولا يتناول إلا ما أُحلَّ وأُبيح في الشرع المصون ولم تكن عليه علامة من علامات الشبهة فضلًا عن علامات الحرام. فيكون في هذا الحال طلبه للحلال بهذا المعنى.
فالكل أيضًا يجب عليه طلب الحلال:
قال: "وكان ﷺ يقول: "من أكل طعامًا حرامًا لم يستجب له دعاء"، وفي الحديث يُخاطب ﷺ بعض الأصحاب يقول: "أطِبْ طَعْمَتِكَ تُسْتَجَبْ دَعْوَتُكَ"؛ أي: ما تطعمه طيباً حلالاً صرفاً تُستجب دعوتك. وذكر الحديث الآخر الذي جاء عندنا في رواية الإمام مسلم وغيره، يقول: "ثم ذكر الرجل "ليطيل السفر أشعث أغبر"، بعدما جاء في أول الحديث:
"إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ؛ كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ". وذكر في الحديث: " "إن الرجل ليطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام.." "يأتي الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، مطعمه حرام وملبسه حرام.." ذكر العلامات التي أهلها يغلب استجابة دعائهم، من مثل:
قالوا: وهذا اجتمعت فيه أسباب لإجابة الدعاء، ولكن منع إجابة دعائه أكل الحرام -والعياذ بالله تبارك وتعالى-! قال: "فأنّى يستجاب له"، بعيد أن يستجاب له. مطعمه حرام وملبسه حرام وغُذِّى بالحرام.
اجتمعت فيه من أسباب الاستجابة للدعاء:
قالوا كلها هذه مع كونه يأكل الحرام ويلبس الحرام ويُغذى بالحرام بعيد أن يستجيب الله له دعوة، "فأنى يستجاب له"، كيف يستجيب الله له وهو المُغَذَّى بالحرام؟! "ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام" -والعياذ بالله تبارك وتعالى-!
إذًا فالبعد عن المحرمات بل عن المشتبهات والمكروهات أساس في تحقيق الإيمان وفي السير إلى الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-؛ لذا جاء التحذير كما سمعتم في الحديث الذي بعده، وهو عند الإمام أحمد في المسند وعند البيهقي في الشعب، يقول: "وكان ﷺ يقول: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم من حرام -يعني: تسعة دراهم حلال، بس واحد درهم من العشرة من حرام- لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه" ذلك الثوب.
لا إله إلا الله.
وقال الإمام أحمد: انظر هذا في ثوب يلبسه ويمكن يخرجه في أي وقت ويمكن يتخلص منه، وكيف بالذي تناول الحرام فنبت له لحم منه؟ هذا الثوب! ما دام معه هذا الثوب ما يقبل الله له صلاة، وكيف الذي نبت لحمه من حرام ويصلي؟ الثوب بيخرِّجه، واللحم اللي بيصلي به كيف يخرِّجه؟ بينزعه منه؟! ما يستطيع نزعه منه؛ فحاله مشكل! ولهذا كان الورع أساس هذا الدين كما تقرأ في الفصل بعده.
وكان الطلب بعد ذلك والكسب للرزق بكل ما شرع الله -تبارك وتعالى- من تجارة أو زراعة أو صناعة وما تعلق بذلك، إن كان من أجل تلك النفقة الواجبة فهو في واجب، وإن كان مما زاد على مقدار النفقة فما لم يدخل تحت المُكاثرة والمفاخرة فهو في المباح، فإذا كان الطلب للرزق من أجل المكاثرة والمفاخرة فذلك ما عبَّر عنه الحنفية بالمكروه، وما عبر عنه الحنابلة بالحرام.
وكما يدل عليه الحديث أنه ﷺ رأى مع بعض الصحابة رجلًا خرج من الشباب يسعى في طلب الحلال مرَّ عليهم، فقالوا: لو كانت قوته هذا في سبيل الله. فقال ﷺ:على رسلكم، أما إنه كان خرج يسعى ليعف نفسه فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على ولد له وأهلين فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى لأرملة أو مسكين فهو في سبيل الله، وإن خرج مكاثراً مفاخراً فهو في سبيل الشيطان، فهو في سبيل الشيطان!
توزعت مراتب الطلب للرزق بحسب النيات وبحسب أمرين مهمين:
قال: "وكان ﷺ يقول: "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها"؛ كما جاء عند الحاكم في المستدرك وإسحاق بن راهويه كذلك في مسنده وغيرهما. يعرف ثم يقول: أنا اشتريته بفلوسي! اشتريته وأنت تعلم أنه مأخوذ بغير حق مغصوب ولا مسروق. وأنا إيش عليّ منه مغصوب! أنت تعلم هذا وتدخله إلى بيتك وتقول إيش عليك منه؟ أنت مشارك له في عاره وإثمه وسرقته في الدنيا وفي الآخرة. وبعدين.. أنت مجنون أنت؟! تعلم شيئًا أنه ما يحل له؛ وذي الفلوس حقك تحلل الحرام ولا كيف؟ خذ فلوسك لك؛ فلوسك ما تحرّم حلال ولا تحِل حرام. قال: "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها".
جاءت أيام النظرية الاشتراكية على قولهم الحزب الاشتراكي؛ ويأمّمون أموال الناس ويأخذونها، ثم بعضهم يقول: أنا اشتريت بفلوسي! اشتريت بفلوسك من عند من؟ من عند من لا يملك؟! من عند الغاصب، من عند الظالم.. أنت واحد من الظلمة!
وقد سمعت ما سئل بعض العارفين في القرن الثاني، يقول السائل: أخيط ثيابًا لبعض الظلمة، فهل أنا من أعوان الظلمة؟ قال: أنت تخيط ثيابهم؟ قال: نعم. قال: أنت منهم! أنت منهم؛ أعوانهم اللي يبيع لك الإبرة واللي يبيع لك الثوب، فهذا من أعوانهم؛ أمّا أنت فقدَّك منهم؛ إيش عاد باقي وأنت تُباشر خدمتهم؟ قال: الأعوان اللي يبيع لك الإبرة واللي يبيع لك هو من أعوان الظلمة عاده ما هو داري أنك تخيَّط للظلمة هذا من أعوان الظلمة. أم أنت؟ أنت واحد منهم، إيش عاد باقي؟! لا إله إلا الله، وهكذا. يقول: "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها".
"وكان ﷺ يقول: "لا يكتسب عبد مالًا حرامًا فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار"؛ فهذه أحوال اكتساب المال الحرام:
في مصيبة، فخير له أن يموت من الجوع ويعرى من الثياب ولا يعرِّض نفسه؛ إن تصدق به لم يقبل منه، وإن أنفقه لم يُبارك له فيه، وإن خلفه كان زاده إلى النار. وإيش فائدة من هذه المصائب كلها؟! لمن عقل من المؤمنين، فيكونون أحرص على البعد عن الحرام.
قال: "وكان ﷺ يقول: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام فهناك لا تجاب له دعوة". والمعنى: أن هذا شيء بعيد في حياة الصحابة وفي عقولهم بعدما آمنوا بالله ورسوله. لكن قال بايجي زمان. قد يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء فيه.. كيف؟! مسلم، مؤمن وما يبالي! ورب العرش اللي شرَع الحلال والحرام، ولا عاد شيء مُبالى، كيف يُعقل هذا؟! قال: بايجي ناس من بعدكم يكونوا هكذا، لا يبالون أخذ من الحرام أم من الحلال. فهناك لا تجاب له دعوة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. "وكان ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت"؛ أي من حرام. "كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ". أجارنا الله.
ثم يقول في الورع: وهو التحرز من الشبهات والمكروهات ومن الوقوع في الحرام:
وذكر الحديث: "الحلال بين -أي واضح صريح جلي- والحرام بين -كذلك- وبينهما أمور مشتبهة" وفي رواية: لا يعلمهن كثير من الناس "فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك" وما دام ترك المشتبه فما تبين أنه حرام فهو أبعد عنه " ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع المستبان" يعني: قرُب، وفي اللفظ الآخر: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه" أي: طلب البراءة والنقاء والطهارة لدينه وعرضه، "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"، "ومن اجترأ على ما يشك فيه أوشك" أي: قرُبَ "أن يواقع ما استبان" أنه حرام، ولا عاد يبالي! "والمعاصي حمى الله تعالى"، أي: الأماكن التي نهى أن يدخل الناس إليها كما أن لكل ملك من ملوك الأرض حمى وأماكن مخصوصة ممنوع أحد يدخل فيها، كذلك حمى الله محارمه، "والمعاصي حمى الله تعالى من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه"، أصله في الصحيحين بألفاظ متقاربة.
وكان ﷺ يقول: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس"، كما جاء في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه والحاكم في المستدرك، "حتى يدع ما لا بأس به حذرًا -خشيةً- مما به بأس".
وكان ﷺ يقول: "إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعامًا فليأكل من طعامه ولا يسأله، وإن سقاه شرابًا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه"، يشير إلى مجموع المهمات في الشرع، من ذلك أن من كان لا شبهة عليه وكان مستور الحال من المسلمين فأطعمك شيئاً أو سقاك شيئاً فلا ينبغي في مثل هذا الحال أن يكون عندك السؤال ما لم تكن هناك علامة وشبهة ظاهرة، فإن أيضاً السؤال فيه إيذاء، وأيضاً الإيذاء حرام.
وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "إذا دخلت على مسلم لا يتهم -ما عليه تهمة- فكل من طعامه واشرب من شرابه"، وكان عمر -رضي الله تعالى عنه- إذا سئل عن طعام أهل الربا يقول: "كلوا إذا دعوكم، ما لم تعلموا أن ذلك الطعام من الحرام".
وهو القاعدة التي يقولون فيها: من اختلط ماله حرام بحلال فهل يجوز التعامل معه؟
وكان عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- يقدم إلى الضيف الكسرة واللقمة، ويقول: "إن الحلال في زماننا هذا لا يحتمل السرف"، وهو أمير المؤمنين -عليه رضوان الله تعالى-.
فكان يتورع عن الأخذ من بيت المال إلى حدود عجيبة في الورع! بل أنه إذا وُزن أمامه المسك -المسك لبيت المال- يضع يده على أنفه لا يشمه، ويقول: إنما يُنتفع بشمه وريحه، وهذا حق المسلمين عامة، ما لي حق أشمه قبلهم، فكان يكفُّ أنفه عن أن يشم ريح المسك الذي يوزن بين يديه من بيت المال -عليه رحمة الله تعالى-.
وكان في الشام وهي شديدة البرد، كان ليلة في ذات برد شديد أنه لم يغتسل بعد توليه الإمارة من الجنابة إلا مرتين في خلال سنتين ونصف، ولما خرج ويريد يغتسل قال له الخادم: هذا الماء أدفأناه وحميناه للناس، قال: هذا تدفئونه بحطب بيت المال؟ لا حاجة لي به، قال: اسمع يا أمير المؤمنين، إن لم تغتسل بهذا الماء أصبح الناس بلا خليفة، ستموت بالماء البارد! قال له: ما أصنع، أنتم من أين أدفأتموه؟ أليس بحطب بيت المال؟ قالوا له: أنت واحد من المسلمين، قال: لا أريد، قال: أعطيك حل، فنحسب كم مقدار الحطب الذي يدفئ الماء الذي تأخذه، المقدار كم وتسلمه في بيت المال؟ قال: ذاك لا بأس، إذا كان هكذا فلا بأس، فأعطاه الماء وحسب المقدار الذي يحمي هذا من مجموع الحطب كذا كذا ودخلوه في بيت المال! -رحمة الله تعالى ورضوانه عليه-.
وهكذا ما أشبهه بسيدنا عمر بن الخطاب والخلفاء الراشدين من قبله -عليهم رضوان الله.- وإذا جاء له ضيف يقدم له الكسرة واللقمة، ويقول: "إن الحلال في زماننا هذا لا يحتمل السرف".
أين زمان عمر بن عبد العزيز؟ القرن الماضي؟ أم اللي قبله واللي قبل قبله؟ قرون طويلة سبحان الله! قال: "إن الحلال في زماننا هذا لا يحتمل السرف"، إذا وجدنا القليل منه كفاف من الحلال -رضي الله تعالى عنه-.
"وقال ميمون بن مهران -رضي الله عنه-: زرت الحسن البصري -رضي الله عنه-، فلما دققت الباب خرجت إليّ جارية سداسية، فقالت: من تكون؟ قلت: ميمون بن مهران. قالت: كاتب عمر بن عبد العزيز قلت: نعم، قالت: وما حياتك يا شقي إلى هذا الزمان الخبيث؟"، قالت: بعدك حي ليه؟ ما لحقت بعمر بن عبد العزيز أحسن لك قبل انتشار الشبهات وقبل الزمان، "ثم أذنت لي فدخلت، فلما سلمت على الحسن قدم إلي نصف خيارة ونصف رغيف، -خيارة ما هي كاملة نصف- وقال: "كل فإن الحلال لا يحتمل السرف في هذا الزمان، ولو وجدت درهمين من حلال لكنت أشتري بهما حبات من الحنطة وأطحنها وأمزجها بالماء ثم أدور بها على المرضى،-لأن الحلال الصرف شفاء ونشفى من العلل والأمراض- قال: "لكنت أشتري بهما حبات من الحنطة وأطحنها وأمزجها بالماء ثم أدور بها على المرضى فكل مريض شرب منها جرعة شُفي من ساعته -رضي الله عنهم- أجمعين".
ولما شكى بعضهم إلى الإمام أحمد، علة فيه وتعب في علاجه، قال: اذهب إلى آل فلان فكل من طعامهم فإنه حلال، وإن الحلال دواء. ذهب إليهم وطلب الطعام وذكرهم القصة، قالوا: من قالك كذا؟، قال: يرحم الله الحسن البصري، كان يعهدنا من أهل الورع، الآن قد تغير،ايش الذي حصل؟، قالوا: إن الدابة حقنا -أو البقرة اللي معهم- كانوا يحرثون عليها، كانت مبللة الأرجل فدخلت في أرض الغير جارنا، فحملت في أرجلها التراب وأدخلته إلى ترابنا، وما عاد قدرنا أن نفصله، جئنا طلبنا المسامحة من أهل الأرض الثانية، ولكن التراب اختلط بالتراب! قال: شيء غير هذا؟ قال: هاتوا من أكلكم؛ فأكل منه فشفاه الله -سبحانه وتعالى-.
وجاءت إلى عند الإمام أحمد امرأة تسأله، تقول له: إنا نخيط ونغزل، فقد يمر بعض أهل الظلم بالشموع، فنستضيء بهذا عند مرورهم نخيط بعض الغزل، فهل يجوز لنا ذلك؟ قال: بنت من هذه؟ قالوا له: أخت بشر الحافي. قال: آه! من بيتكم خرج الورع، أنتِ ما يصلح لكِ هذا، إذا جاءت شموعهم، فحق الورع أن تُمسكي عن الغزل خليهم يمرون وبعدين اغزلي إن كان على ضوء القمر وإن كان معك شمعة اغزلي عليها، ما حق هذا، أنتم بيتكم بيت ورع ما يصلح لك تنزلين عن هذا المستوى! (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)[مريم:28]، -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-.
وهكذا كما سمعتم، السيد محمد عبد المولى بن طاهر -عليه رحمة الله- اشترى طعامًا من السوق عند واحد، ولما جاء إلى البيت حصله قاصر، قال: كيف هذا إنسان خير ما بيطفف الكيل والميزان! لما حصله بعدين، قال له: يا فلان، كأني أنا اللي اشتريت منك طعام كذا كذا وكِلته ووجدته ناقصاً في البيت؟ قال: أبدًا ما هو ناقص، لكن اسمع، أنت ولد عبد القادر بن أحمد بن طاهر بن حسين، قال: بيتكم بيت ورع، بأي مكيال كِلْت؟ شوف أهلك عندهم مكيالين، كيل مثل حقنا هذا، هذا الذي يأخذون به فيه مكيال واحد أو يوسعونه بالعمد أكثر، هذا يعطونه للناس، قال: هاه! قال: نبهنا! قال: رجعت حصلت، صَدَق! قال: المكيال وافي، ما هو على المكيال العادي، زايد هذا. قال: جزاك الله خير، العفو منك، وهذا الرجال اللي في السوق عُرِف، قال: أنت من أسرةٍ، الكيل ما نقصت عليك شيء، لكن شوف أهلك عندهم مكيالين كانوا ورعين؛ يصلحون المكيال وافي زايد على المكيال العادي، من شان إذا بيخرجون من عندهم ليبيعون يكيلون به، وإما إذا بيأخذون من عند الناس فبالمكيال العادي حق الناس، بَعُدُوا عن التطفيف كما كان يقول بعض التابعين: إذا أخذ من أحد شيئاً ينقص حبة يردها له، وإن أعطى أحداً يزيد حبة تطفيفاً يقول له: ما لك ذلك! قال: ما أشتري الويل بحبة، خلني أعتق نفسي من الويل! (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ)[المطففين:1] خلها بحبة واحدة أعتق نفسي من الويل وأتخلص من الشدة هذه. (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ)[ المطفيين:1-4]، قال: لأنهم قد نسوا الحساب والموازين يوم نضعها قدام أمامهم!، (أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[المطففين:4-5]
رزقنا الله الإيمان واليقين والإخلاص والصدق، ونصيباً من الورع إن شاء الله، والاجتناب للشبهات والمكروهات في الأموال والأقوال والأفعال والمعاملات والحركات والسكنات، اللهم ثبتنا على الاستقامة فإنها أعظم كرامة، واسلك بنا مسالك محبوبيك والمقربين إليك من أهل اليقين وأهل التمكين في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
14 صفَر 1448