(368)
(471)
(634)
(6)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 457 - كتاب البيع: 5- فصل في السماحة في البيع والشراء وتحريم الغش وفصل في الدين وثقله
صباح السبت 11 صفر الخير 1448هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل
في السماحة في البيع والشراء
"كان رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبركم بمن يحرم على النار وتحرم عليه النار؟ كل قريب هين سهل إذا باع سهل إذا اشترى سهل إذا اقتضى يقول الله تعالى يوم القيامة له: أنا أحق بذلك منك سامحوا عبدي وتجاوزوا عنه كما كان يسامح في دار الدنيا"، وكان معاوية -رضي الله عنه- يقول: ليس من المروءة الربح على الإخوان والأصحاب، وكان رسول الله ﷺ يقول: "عليك بأول السوم فإن الربح مع السماح".
فصل
في تحريم الغش
كان رسول الله ﷺ يقول: "من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار"، وفي رواية: "من غشنا فليس مثلنا"، وكان ﷺ يقول: "من باع شيئاً فيه عيب ولم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه".
فصل
في الدين وثقله
كان رسول الله ﷺ يحث على الصبر على جفاء صاحب الدين ويقول: "إن لصاحب الحق مقالاً"، وكان ﷺ يستعيذ بالله منه ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والدين"، فقال له رجل: أتعدل الكفر بالدين يا رسول الله؟ قال: نعم، وهو راية الله في الأرض، فإذا أراد الله أن يذل عبداً وضعه في عنقه"، وكان ﷺ يقول: "شهيد البحر يغفر له كل ذنب حتى الدين والأمانة"، فقيل لابن مسعود: وما الأمانة؟ قال: الصلاة والصيام والوضوء والغسل والوديعة، وفي رواية: "شهيد الغرق وشهيد البر يغفر له إلا الدَّيْن".
وكان ﷺ يقول: "من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات اقتص الله تعالى لغريمه يوم القيامة فيأخذ من حسناته فيجعل في حسنات الآخر، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات الآخر فتجعل عليه".
وكان ﷺ يقول: "أتدرون من السابق إلى ظل الله -عزّ وجلّ-؟ الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم"، وكان ﷺ يقول: "من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ومن كان عليه دين همه قضاؤه لم يزل معه من الله حارس"، ولذلك كانت عائشة -رضي الله عنها- لا تقضي ديناً إلا استدانت شيئاً آخر لهذا الحديث، وسيأتي في باب الضمان مزيد أحاديث، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته الغرّاء، وبيانها على لسان عبده المحبوب خير الورى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الذين حازوا به طهرًا، وعلى صحابته الذين رفع الله لهم به قدرًا، وعلى من والاهم بإحسان واتبعهم سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب من الله الراقين في الفضل والشرف أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،،
فيبين الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- بعض ما ورد فيما يتعلق بالبيع والشراء والسماحة فيهما، وتحريم الغش، وتجنب الدَّيْن لغير ضرورة أو لمصلحة عامة.
يقول -عليه رحمة الله-: "كان رسول الله ﷺ يقول: "ألا أخبركم بمن يحرُمُ على النار" أو يُحرَّم على النار "وتحرم عليه النار؟" فلا يقربها ولا يدخلها ولا يُصلَى بعذابها، "كل قرُيب هين سهل" أي: كل ذي قرب من الناس من جهة أخلاقه ومن جهة حسن معاملته، "كل قريب هين" ليِّنٍ "هين" يعني: صاحب سكينة ووقار، لا فوضى ولا ظغبرة -يعني: فتنة وبلبلة- ولا قوة حركة بما لا يليق ولا ينفع. "قريب هين" لين، كذلك بعيد عن التشديد في معاملته وأموره.
"هين" لين "سهل إذا باع سهل إذا اشترى" في أخذه وفي بيعه، إذا باع شيئًا فهو سهل في البيع، لا يغش ولا يغل ولا يخدع ولا يغالط، ولا يكثر مدحًا لسلعته.
و"سهل إذا اشترى سهل إذا اقتضى"، أي: طلب قضاء ما له من الدين والحق عند الآخر.
"وسهل إذا قضى" أي: أعطى ما وجب عليه للآخر من دين وغيره، يعطيه بسهولة ويسر بلا كثرة مواعيد ولا تأخير ولا مماطلة. هؤلاء يحرمون على النار وتُحرَّم النار عليهم.
يقول: "يقول الله تعالى يوم القيامة له: أنا أحق بذلك منك سامحوا عبدي وتجاوزوا عنه كما كان يسامح في دار الدنيا"، هكذا جاء في الروايات عنه ﷺ، فإن الجزاء من جنس العمل.
وأخبرنا عن حالة رجل أيضًا من بني إسرائيل، كان مقصرًا وكان تاجرًا، ولكن كان يقول لعماله: أنظِرُوا الموسر، وتجاوزوا عن المعسر، لعل الله يتجاوز عنا.
الموسر: الذي يستطيع الوفاء أنظروه ولا تزعجوه حتى يؤدي ما عليه بيسر.
والمعسر: الذي لا يجد شيئًا سامحوه، فتجاوزوا عنه وأبرؤوه عن الدين الذي عليه لعل الله يتجاوز عنا.
قال: فلما مات وقف بين يدي الله، فسأله عن عمله ولم يكن من أهل أعمال الخير إلا في هذه الخصلة، فيُلقِّنه الله حجته ويقول: يا رب أنت تعلم أني كنت أقول لغلماني ووكلاي: أنظروا الموسر وتجاوزوا عن المعسر. يقول الله: صدقت، أنا أولى بالكرم منك، تجاوزوا عن عبدي، فسامحه.
وهكذا يكون الأمر عام، فيقول الله عن أهل هذا الخُلُق الجميل وحسن المعاملة والسهولة في الأخذ والعطاء والبيع والشراء، يقول: تجاوزوا عن عبدي، سامحوا عبدي وتجاوزوا عنه كما كان يسامح في دار الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، فما تريد أن تستقبله في الآخرة اعمله في هذه الحياة.
وهكذا، حتى لما فرض بعض السلاطين الظلمة على بعض كبار العلماء أن يهيئ كل يوم طعامًا لخيله، فكان يأتي بالطعام والحب وينقيه ويصفيه ويهيئه له. فلما لاحظوا ذلك عليه قالوا: أنت تنقيه وتصفيه له وهو يأخذه منك قهرًا! قال: من؟ قالوا: ليش عادك تصفيه؟ أعطه أي طعام! قال: أنا أريد أستلم طعامي نقي في القيامة، ما أريد في القيامة أستلم طعام مغشوش، خلنا ننقيه يأخذه مني من شان الرد بعدين يقع؛ ولأن الجزاء من جنس العمل. لا إله إلا الله.
وهكذا يقول: "وكان معاوية -رضي الله عنه- يقول: ليس من المروءة الربح على الإخوان والأصحاب" ولكن إذا اشترى منك أخوك وصاحبك فتبيعه بنفس السعر الذي اشتريته به، ولا تربح عليه، فليس من المروءة أن تربح على الإخوان والأصحاب.
"وكان رسول الله ﷺ يقول: "عليك بأول السوم فإن الربح مع السماح".
"أول السوم": متى تيسر بيع البضاعة وكذلك شراؤها فلا تتراخى ما دام الأمر ليس فيه علامة غبن ولا ضرّ؛ فإن الذي يسامح ويبيع بيسر وسهولة يفتح الله له باب الربح من هنا ومن هناك ويفتح له البركة. والذي يؤخر ويماطل ويعرَض عليه أول المشتري ويرفضه والثاني والثالث والرابع، هذا غالبًا ما يربح ولا يبارك له فيما يأخذه ويربحه؛ بخلاف الذي يبيع بما تيسر ويأخذ أيضًا بما تيسر، فإنه تصحبه البركة، وييسر الله له أسباب الربح.
وقال: "في تحريم الغش"، "من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار" أي: صاحبهما يدخل النار بسببهما، المكر والخداع يعني: صاحب المكر وصاحب الخداع يكون في النار، فهما من الأسباب التي تورد الإنسان النار أن يستعمل المكر والخداع في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه ومعاملته للناس.
فإذا رجّح ذلك وصار دأبًا له وخلقًا مستمرًا عنده، تعرض لدخول النار، -والعياذ بالله تعالى- "والمكر والخداع في النار"، أي: صاحبهما يكون في النار، -أعاذنا الله من ذلك-.
وذكر "رواية: "من غشنا فليس مثلنا"" وجاء هذا مع الذي قبله تحذيرًا من الغش، وأن صاحبه ليس على طريقتنا وعلى معاملتنا فيما أمرنا الله وشرع لنا، وليس مثلنا أي: خرج عن قدم الاستجابة لأمر الله -تعالى- وتنفيذ حكمه.
"وكان ﷺ يقول: "من باع شيئاً فيه عيب ولم يبينه لم يزل في مقت الله" يعني: غضب الله وسخط الله "لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه" -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ وهو يدري بالعيب في تلك البضاعة ولفّق على صاحبه وسكت ولم يبين له العيب الذي فيها، فيتعرض لهذا الشر كله وهذا الضر -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
وفي الأحاديث نهي عن:
التدليس وهو: المخادعة والخديعة، يقول: دَلَّسَ بمعنى: خادعَ، والدُّلسة تأتي بمعنى: الظلام.
والتدليس في البيع: كتمان العيب في السلعة عن المشتري. فإذا كتم عيب السلعة عن المشتري يقال: دلّس. مثل التغرير، أو تعريض المرء نفسه أوماله للهلكة، والغرر: ما يكون مجهول العاقبة لا يُدرى أيكون أم لا.
والتغرير: هذا توصيف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقية.
بيع الغرر: البيع الذي فيه خطر انفساخه بهلاك المبيع ونحوه، وهذا من أنواع المحرمات.
وكذلك ما يقال عن الخلابة؛ والخلابة أيضًا بمعنى: المخادعة.
وكان رجل يُخدع في البيوع، فقال للنبي ﷺ، فقال: "إذا بايعت فقل لا خلابة"، كما جاء في صحيح البخاري، يعني: لي الخيار، وأرشده إلى أن يشترط لنفسه الخيار، فإذا رأى وعلم وتبين له أن المصلحة له في البيع أمضاه وإلا فله الخيار في خلال الثلاثة الأيام، "قل لا خلابة".
وتقدم أيضًا معنا أنه ﷺ مرّ في السوق فوجد صاحب طعام يبيعه، فأدخل يده ﷺ في الطعام فإذا ببلل فيه؛ قال: ما هذا؟ قال: أصابته السماء يعني: المطر، قال: فهلا جعلته في أعلاه؟ من غشنا فليس منا. توهم الذي ينظر له أنه يابس وتكيل له منه، وبعدين يطلع مبلل مُغطّى من هذا الطعام.
فيجب النصح في المعاملة:
والغش حرام وتَرْكَ النصح للمسلمين، بل قال أكثر الفقهاء: إن الغش من الكبائر، كبيرة من كبائر الذنوب.
ومنه ما نهى عنه ﷺ من التصرية:
والتصرية: أن يترك حلب الشاة ونحوها حتى تأتي وهي حافلة، فيظن أن هذا ما يُحلب منها كل يوم، وإنما هو ما تركه من اللبن في ضرعها في يومين أو ثلاث، يُصَرِّيها، وقد يعقد طرف ثديها حتى لا يرضع الرضيع منه، ثم يعرضها للبيع حافلة فيظن أنها كثيرة اللبن.
كل ذلك مما نهى عنه نبينا صلى الله عليه وصحبه وسلم.
ويقول في الحث على الصبر على جفاء صاحب الدين:
يقول: "إن لصاحب الحق مقالاً". فله أن يقتضي دينه، ومع ذلك لو كان لينًا وسهلًا كان ذلك أفضل له وأجمل. "وكان ﷺ يستعيذ بالله منه" من الدين مع استعاذته من الكفر، يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والدين"، وعندنا أيضًا في الروايات الأخرى ما جاء في الورد نقرأه: "أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال". وقيل: "أتعدل الكفر بالدين يارسول الله؟ قال: "نعم، وهو راية الله في الأرض، فإذا أراد الله أن يذل عبدًا وضعه في عنقه". فالدين ذل؛ فلا ينبغي أن نستدين إلا لضرورة وشدة حاجة أو لمصلحة عامة، إذا كان له ثقة بالله وتوكل عليه، وإلا فالدَّين شَيْنُ الدِّين كما جاء في الخبر.
وكان يقول: "شهيد البحر يُغفر له كل ذنب حتى الدين والأمانة". فقيل لابن مسعود: ما الأمانة؟ قال: "الصلاة والصيام والوضوء"، وعُرض عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عدد من أمته يركبون البحر يجاهدون في سبيل الله قال: "كالملوك على الأسِرّة". وكان ﷺ نائمًا عند أم حرام فعُرض عليه، فاستيقظ فسألته، قال: عُرض علي جماعة من أمتي يركبون ثَبَج هذا البحر ملوكاً على الأسرة يجاهدون في سبيل الله، قالت: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: اللهم اجعلها منهم؛ ثم عُرض عليه فئات أخرى من أمته أيضًا يركبون البحر ويجاهدون في سبيل الله فاستيقظ، وقالت له: ماذا يا رسول الله؟ قال: عُرض علي أناس من أمتي، قالت: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: أنتِ من الأولين؛ الفرقة الأولى اللي رأيتهم، لستِ من هؤلاء. وذهبت معهم في الخروج في سبيل الله إلى قبرص وماتت هناك، فكانت في الفوج الذين رآهم عليه الصلاة والسلام فشهداء البحر.
قال: "ما الأمانة؟ قال: الصلاة والصيام والوضوء والغسل والوديعة". في رواية: "شهيد الغرق وشهيد البر يغفر له إلا الدَّيْن". وقد جاءه رجل وقال: يا رسول الله، أرأيت إذا قُتلتُ في سبيل الله، فقُتلت مُقْبِلًا غير مُدْبِر، أيغفر لي كل ذنب؟ قال: "نعم". وقام يمشي، قال: ردوا علي الرجل، "إلا الدَّيْن؛ فإن جبريل جاء وقال لي: إلا الدَّيْن". حقوق الخلق لابد أن تؤديها.
ثم ذكر في المتدينين:
يقول: "من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات اقتص الله تعالى لغريمه يوم القيامة؛ فيأخذ من حسناته فيجعل في حسنات الآخر، فإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات الآخر فتُجعل عليه".
وكان ﷺ يقول: "أتدرون من السابق إلى ظل الله -عزّ وجلّ-؟ الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم"، فكيف بحال الذين يحكمون للناس بأحسن من حكمهم لأنفسهم؟ وأولئك أهل الدرجات عند رب الأرض والسماوات.
وكان ﷺ يقول: "من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله"، ويعيش في تعب في حياته وتذهب عليه الأموال في غير طائل، بل وربما لازمته الهموم والديون وهو لا يبالي.
"ومن كان عليه دينٌ همُّه قضاؤه لم يزل معه من الله حارس"، الشطر الأول من الحديث جاء في البخاري، وآخره جاء في سنن ابن ماجه: "ومن كان عليه دينٌ همُّه قضاؤه لم يزل معه من الله حارس". يُعان ويوفق حتى يقضي الدين.
وكان بعض الشعراء يحثُّ المؤمنين أن يهتموا بقضاء ديونهم حتى يعينهم الله، ويقول بلهجتهم الدارجة:
مَن هَمَّ دَينًا قُضِي لَه *** وإن سجله مَا قضى
يعني: إن لم يبالِ به، ما يتيسر له قضاؤه، لأنه ما عنده نية صالحة ولا هَمّ لأمر الدين وقضاؤه وأداؤه للناس.
وكان ﷺ في أول الأمر إذا جيء له بميتٍ ليصلي عليه يقول: "أعليه دين؟" فإن قالوا: نعم، يقول: "صلوا على صاحبكم" وما يصلي عليه. وكان ذلك شديد على الصحابة، حتى صاروا إذا على صاحبهم دين يتحملون أداءه عنه قبل أن يأتوا به حتى لا يمتنع من الصلاة عليه. فلما بدأت تأتي له الجبايات، تأتي له الزكوات وتأتيه الجزية قال: "من مات وله مال فماله لورثته، ومن مات وعليه دين فإليّ وعليّ". فكان يقضي من عنده ديون من يموت وعليه دين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهكذا جاء عن سيدنا أبي قتادة أنه لما أحضروا ميتًا وسألوه ﷺ قال: "أعليه دين؟" قالوا: ديناران يا رسول الله. قال: "صلوا على صاحبكم". وقال سيدنا أبو قتادة: عليّ الدين يا رسول الله. قال: "تقضيهما عنه؟" قال: نعم. فصلى عليه. قال: فجعل لا يلقاني إلا ويقول: "أقضيت الدينارين؟" حتى توارينا منه، حتى يسر الله علي فقضيت الدينارين، فجئت إليه أتعرض له فرآني فقال: "أقضيت الدينارين؟" قال: الآن قضيتهما يا رسول الله. قال: "الآن برد جلده". الآن الرجل سكن خاطره في البرزخ لما قضيت الدين الذي عليه، الآن يعني: بقي مشغول. ومن مات وعليه دين حُبِس في البرزخ فلا يزور ولا يزار من قِبل أهل البرزخ حتى يُقضى عنه دينه.
ولهذا لما أراد سيدنا سلمان الفارسي أن يشتري من جار له سعتر بقليل من الدوانق سعتر لضيف عنده، جاء بالمطهرة ليتوضأ فيها وقال: خذ هذا رهن. قال: لصاحب رسول الله؟ عليك أخذ رهن، وعلى شيء يسير آخذه؟ قال: أنا ما آخذ دين إلا تأخذ الرهن، أرأيت إن مِتُّ الليلة أموت وذمتي مرهونة، هل تقبل ولا؟ أخذ منه المطهرة وأعطاه السعتر من شأن يعطيه ضيفه، فما رضي يأخذ دين إلا برهن. وفيه أن الذي ترك رهنًا مقابل الدين ما يُحبس هذا في الآخرة؛ لأن يُقضى دينه من الرهن الذي تركه، لا إله إلا الله.
ومن أبعد الناس أيضًا عن سواء السبيل: الذي يأخذ الديون للمفاخرة والمكاثرة من دون حاجة ومن دون ضرورة ولا يصدق في إرادة الوفاء، فهذا من أبعد الناس عن سواء السبيل. -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
رزقنا الله الصدق معه والإقبال عليه والأدب بأدب نبيه ﷺ، وخلقنا بأخلاقه، وأصلح شؤوننا في الدارين بما أصلح به شؤون الصالحين، وقضى عنا كل دين، وكفانا كل هم في الدنيا والآخرة، وكان همَّنا هو وحده إنه أكرم الأكرمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
14 صفَر 1448