كشف الغمة - 458 -  كتاب البيع: 6- حث التاجر وغيره على الصدق وعلى الصدقة وعدم الخلف وغيرها

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 458 -  كتاب البيع: 6- حث التاجر وغيره على الصدق وعلى الصدقة وعدم الخلف وغيرها 

صباح الأحد 12 صفر الخير 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  معالم التاجر الأمين الأمين ومرافقته للنبيين
  •  التجار فجار إلا من اتقى وبر وصدق
  •  تزيين السلعة بما ليس فيها
  •  النهي عن انشغال الأمراء بالتجارة
  •  قصة استغناء أبي بكر الصديق عن التجارة ونفقته من بيت المال
  •  قصة في ورع سيدنا عمر وزوجته ورفض هدايا زوجات الملوك
  •  قصة سعيد بن عامر: الأمير الذي بكى من عطاء بيت المال
  • الحث على تنويع سبل الرزق
  •  الرزق عشرون باباً
  •  فضل التجارة في مصر
  •  صدقة التاجر لتكفير لغو السوق وكذب البيوع
  •  الحلف عند البيع يمحق بركة الرزق
  •  بركة الصادق في البيع وعاقبة الخداع والكتمان
  • إقالة النادم في البيع: حكمها بين الندب والوجوب وصفتها
  •  لماذا المساجد أحب البقاع والأسواق أبغضها إلى الله؟
  •  لا بيع في السوق إلا من قد تفقّه في الدين ونظام الحسبة
  •  دعاء عمر بن الخطاب: اللهم لا تطع فينا تاجراً ولا مسافراً
  •  لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها
  •  هدي التسمية والدعاء بالبركة عند التبايع واقتناء الدواب
  •  تطفيف الكيل والميزان
  •  اعتماد كيل المدينة ووزن مكة
  •  توجيه النبي بكيل الطعام والنهي عن بيع الجزاف

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

فصل

في حث التاجر وغيره

على الصدق فيما يخبر به

وعلى الصدقة وعدم الحلف

وغيرها من الآداب

 

"قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء"، وكان ﷺ يقول: "إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى وبرّ وصدق"، وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إذا أراد أن يشتري شيئاً يقول: فبِكائن هو؟ يعني بكم هو؟ وكان أبو ذر -رضي الله عنه- يقول: فجور التاجر أن يزين سلعته بما ليس فيها، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: تجارة الأمير في إمارته خسارة، وكان -رضي الله عنه- يقول: من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يربح فيه فليتحول منه إلى غيره.

 

وكان ﷺ يقول: "يا معشر قريش لا يغلبنكم الموالي على التجارة، فإن الرزق عشرون باباً، تسعة عشر منها للتاجر، وباب واحد للصانع"، وكان ﷺ يقول: "ما أوحي إليَّ أن أكون تاجراً لكن أوحي إليَّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين"، وكان ﷺ يقول: "من أعيته المكاسب فعليه بمصر وعليه بالجانب الغربي"، وكان ﷺ يقول: "يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب فشوبوه بالصدقة، وكان ﷺ يقول: "الحلف عند البيع منفقة للسلعة ممحقة للبركة".

وكان ﷺ يقول: "إن صدق البيعان وبيًَنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحاً ما ويمحق بركة بيعهما"، وكان ﷺ يقول: "من أقال نادماً أقاله الله من عثرته"، وكان ﷺ يقول: "أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البقاع إلى الله الأسواق"، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لا يبيع في السوق إلا من قد تفقه في الدين.

وكان -رضي الله عنه- يتخذ على السوقة محتسبًا، واستعمل عبد الله بن عتبة على سوق المدينة، قال العلماء: وهو أصل في ولاية الحسبة، ويؤيده ما سيأتي في باب أحكام العيوب من أنه ﷺ مر على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: "من غشنا فليس منا"، وفيه دليل لجواز التجسس للمحتسب والله أعلم، وكان -رضي الله عنه- يقول في دعائه: اللهم لا تطع فينا تاجراً ولا مسافراً فإن التاجر يحب الغلاء والمسافر يكره المطر، وكان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- يقول: لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته، وسيأتي قوله ﷺ: "إذا اشترى أحدكم الجارية فليأخذ بناصيتها وليدعُ بالبركة، وإذا اشترى البعير فليأخذ بسنامه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم".

 

فرع في توفية الكيل والوزن: كان رسول الله ﷺ يحث على توفية المكيال والميزان، ويقول: "إن الكيل والوزن أهلكا من كان قبلكم فاتقوا الله فيهما"، وكان ﷺ يقول: "الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة"، وفي رواية بالعكس، وكان ﷺ يقول: "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه"، وكان ﷺ يقول: "إذا بعت فكِل وإذا ابتعت فاكتل"، وكان مده ﷺ مدين ونصفاً بمد هشام، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان صاحب الوجاهات الوسيعة، سيدنا محمّد صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

ويذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- في هذا الفصل والفرع آداب تتعلق بالتاجر وأعماله وما تعلق بذلك؛ ويقول: قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء"؛ وذلك لإقامته صدق أدبه مع الرّب، وتعظيمه لشرعه بالبعد عن الغش والغلّ والكذب والخداع، وهو بذلك ينفع المسلمين في جلب ما يحتاجونه، وتيسير ما تقوم به حياتهم، فيجدونه موفَّرًا في متناول أيديهم يشترونه ويسدون به حاجاتهم.

وهو بذلك: 

  • إذا قام على وجه الصدق والورع والاحتياط. 
  • ولم يتأخر عن نوافل مهمة فضلًا عن الفرائض.
  • ولم تلهه تجارته ولا بيعه عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

فإنه بذلك يتهيأ لمرافقة النبيّين والصدّيقين والشهداء، خيار عباد الله تعالى في يوم القيامة وفي دار الكرامة.

 

"التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء"، هكذا جاء عند الإمام الترمذي وابن أبي شيبة والديلمي، عن "التاجر الأمين" الذي يقوم بحق الأمانة، ويصدق ويبيّن ما كان من عيب في سلعته، ولا يمدحها بما ليس فيها، ولا يغش مسلمًا، ويتورّع فيما يأخذ وفيما يعطي، ثم لا يلهيه ذلك عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. 

"الصدوق": فيما يقول ويعامل، جزاؤه مرافقة النبيين والصديقين والشهداء، وما أعظم ذلك. ولكنّ ذلك لا يتم إلا لمن ضحّى بكثيرٍ من مرغوباته ومطلوباته، ولمن تحرّى في معاملاته، وذلك شديد إلا على من يسّره الله عليه.

 

ولذا قال في الحديث الآخر: يقول: "إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتَّقَى وبرّ وصدق"، هكذا جاء في روايات الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في المستدرك.  

"إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجاراً" أكثرهم وأغلبهم "إلا" هؤلاء: 

  • "من اتَّقَى" وتجنّب ما حرّم الله عليه في القول والعمل والأخذ والعطاء 
  • "وبَرَّ" في كلامه فلم يكذب. 
  • "وصَدَق" في القول والمعاملة، فهذا يخرج من دائرة الفجّار ويتهيأ لمرافقة النبيين والصديقين والشهداء الأبرار.

 

"وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إذا أراد أن يشتري شيئًا يقول: فبِكائن هو؟ يعني بكم هو؟ وكان أبو ذر -رضي الله عنه- يقول: فجور التاجر أن يُزَيِّن سلعته بما ليس فيها" هذا من مظاهر الفجور، "التُّجّارُ هُم الفُجّارُ"؛ يُزَيِّن سلعته بما ليس فيها، ويصفها ويمدحها بما لا يتحقق فيها؛ فهذا غش وفجور.

 

"وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: تجارة الأمير في إمارته خسارة"؛ هكذا كان يكتب -عليه رضوان الله تعالى- حتى لا يشتغل الأمراء بشيء من التجارة، فإن ذلك يعوقهم عن القيام بحق الإمارة، وتفقّد شأن الرعية وحسن التطبيق لأحكام الله وتنفيذها إذا اشتغلوا بالتجارة، وقد يكونوا أيضًا مسخّرين لإمارتهم فيما يسهل أمور التجارة، فيقصدون بالإمارة غير وجه الله ﷻ، إلى غير ذلك مما يعترضهم. فالأولى: 

  • إما أن يكون تاجرًا. 
  • وإما أن يكون أميرًا متفرغًا للإمارة والقيام بحقها، خائفًا من مغبّاتها والتقصير فيها، ولا يشتغل بالتجارة ونحوها. 

 

ولذا تجد أنه إذا اشتغل الأمراء بالتجارات ظهر أنواع من الكساد والفساد في حال الرعايا، وفي حال الشعب من ورائهم؛ وذلك أنهم اشتغلوا بكسب الحطام ويتسبّبون في ذلك أن يضيّعوا مهماتهم.

 

  • ولذا لم يقرّ ساداتنا الصحابة خليفة رسول الله ﷺ سيدنا أبا بكر من أول أيام خلافته، حينما خرج يريد أن يبيع أيضًا في السوق ويشتري، وقالوا له: أنت أمير! قال: ومن أين يأكل أهلي وأولادي!؟ وأنا مسؤول عن أهلي وأولادي ومن أين يأكلون؟ فاجتمع الصحابة وجعلوا له نفقة من بيت المال على أن يتفرّغ لشؤون الأمة وأحوالها، فقبل ذلك منهم، ثم وصّى عند موته أن يُحسَب جميع ما أنفقه من بيت المال على نفسه وأسرته في خلال السنتين والستة الأشهر التي عاشها في الخلافة، وأن يُؤخذ من مال له، ويُرَد إلى بيت المال، فحسبوها عند وفاته فكانت نحو ألف وخمسمائة، أو ستمائة درهم في خلال السنتين والستة أشهر، أو قريب من ستة آلاف حق السنتين والستة أشهر له ولأولاده وجميع ما أخذوه. فحمله أهله وجاءوا به إلى أمير المؤمنين سيدنا عمر، قال: ما هذا؟ قالوا: هذا وصية أبي بكر، كل ما دخل عليه من بيت المال هذا هو. بكى سيدنا عمر وقال: أتعبت من يأتي بعدك!

 

  • وتحرّز سيدنا عمر فيما يأخذ من بيت المال. حتى جمع كبار الصحابة ليُعَيِّنوا له قدرًا لا يتجاوزه، ورجع الأمر لسيدنا علي، قال له: يا أمير المؤمنين: غداء وعشاء لك ولأهل بيتك، غداء وعشاء وكسوة في السنة لكم، فكان على ذلك في طول عمره -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-. وأقام في الخلافة عشر سنين، حتى قالت له زوجته أنها تريد الحلوى، قال: إنما لنا غداء وعشاء، ما لنا حلوى من بيت المال. فاقتصدت في النفقة حتى جمعت بعض الدراهم، قالت: هذه يا أمير المؤمنين اشتري لنا بها، قال: من أين جئتِ بها؟ قالت: إني اقتصدت من النفقة، قال: نحن نأخذ من بيت المال فوق الحاجة! فقدرنا أن نعيش من دون هذا، هيا رُدِّيه إلى بيت المال، ومن الشهر الآتي ينقص هذا فيما نأخذه من بيت المال -عليه رضوان الله تعالى-.. وهكذا حتى يسّر الله له فيما بعد ذلك شيئًا من المال يشتري لأهله حلوى. 
  • ولمّا كتبت بعض زوجات الأمراء من الكفار في الخارج، أرسلت لها هدية ووصلت وقدّمتها لسيدنا عمر، قال: من أين لك هذه؟ قالت: هدية من امرأة الهرمزان أرسلتها إليّ. قال: من أين تعرفكِ؟ أهي قريبتكِ؟ أهي صديقتكِ؟ لأنك زوجة أمير المؤمنين!! هذا حق المؤمنين! من أين ترسل لك هدية!؟ لا بينك وبينها قرابة ولا صداقة ولا معرفة؟ لأنك زوجة أمير المؤمنين، هذا حق المؤمنين، ما هو حقك؛ فأخذه وحطّه في بيت المال -عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

 

وكان يكتب إلى الأمراء: "تجارة الأمير في إمارته خسارة"، أي: تعرضه لِأنْ يحابي، وأن يداهن، وأن يترك بعض المهمات التي عليه، وأن يؤخر بعض القضايا بسبب اشتغاله بالتجارة. قال: هذا خسارة عليه ما فيها فائدة ولا ربح، فيتفرغ لأداء ما عليه. 

 

وأرسل سيدنا سعيد بن عامر الجمحي أمير على بعض المواطن في الشام، فجاء من بلدته بعض الوافدين، فسألهم عنه وعن سيرته، فشكروه له، قال: اكتبوا لي أسماء الفقراء في بلدكم حتى نواسيهم بشيء نرسله معكم من بيت المال. فكتبوا الأسماء، ومنها سعيد بن عامر. قال لهم: مَن سعيد بن عامر؟ قالوا: الأمير. قال: هو فقير؟ قالوا: هو فقير عندنا من الفقراء. فجاء لهم بمواساة للفقراء وقال: فجاء بألف درهم، هذا لسعيد بن عامر أعطوه إياه يستعين بها. فلما وصلوا وقدّموها له، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سمعته زوجته وقالت له: ما لك؟ أجاءك خبر يهمك؟ قال: نعم، قالت له: ابتلي المؤمنون في وقعة؟ قال: لا، أكبر من ذلك، قالت: أصيب أمير المؤمنين؟ قال لها: أكبر من ذلك، قالت: ماذا عندك؟ قال: دخلت عليّ الدنيا لتفسد عليّ آخرتي، قالت: فاصرفها عنك، أنفقها. قال: أتعينيني عليها؟ قال لها: تعالي شوفي هذه أرسلها أمير المؤمنين، هاتي صرر نصرها فيها ونرسلها لمن نعرف من الفقراء في البلد؛ فصار كل عدد من الدراهم حطوه في صرر ووزعها، ولا عاد كمل اليوم إلا ولا عاد شيء منها -لا إله إلا الله- تربية سيدنا محمد ﷺ لهم.

 

ويقول أيضًا سيدنا عمر -رضي الله عنه-: "من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يربح فيه فليتحول منه إلى غيره"؛ ما كتب الله له رزق من هذه الناحية، يدوِّر له باب الله يرزقه منه، ما يظل بس محله فيه.. يخسر ويخسر ويخسر ويقعد! ليتحول، فإنّ الله تعالى قد يرزقه من هذا الباب ويرزقه من هذا الباب، ويرزقه من هذا الباب، ما هو من حيث تريد أنت، من حيث يريد هو -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

 

"وكان ﷺ يقول: "يا معشر قريش لا يغلبنكم الموالي على التجارة، فإن الرزق عشرون باباً، تسعة عشر منها للتاجر، وباب واحد للصانع" فأكثر ما يجعل الله من إدرار الأرزاق عبر التجارات. وفي لفظ آخر: "تسعة أعشار الرزق في التجارة وعُشر في المواشي". وكان يقول: "ما أوحي إلي أن أكون تاجرًا، ولكن أوحي إلي أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين". في لفظ: "ما أُوحي إليَّ أن اجمَعِ المالَ وكُنْ من التّاجرين، ولكن أُوحي إليَّ أن سبِّحْ بحمدِ ربِّك وكُنْ من السّاجدين، واعبُدْ ربَّك حتّى يأتيَك اليقينُ." اللهم صلّ عليه وعلى آله.

 

وكان ﷺ يقول: "من أعيته المكاسب فعليه بمصر وعليه بالجانب الغربي"، فيصير الرزق فيه أكثر، أعيته ولم يهتدِ لوجهة فعليه بمصر يلتزم سكانها ويتجر بها؛ وعليه بالجانب الغربي فإن المكاسب فيها ميسرة، وفي جانبها الغربي أيسر.

وجاء في رواية الخطيب في التاريخ أن الجاحظ كان يقول: الأمصار عشرة:

  1. الصناعة بالبصرة.
  2. والفصاحة بالكوفة.
  3. والخير ببغداد.
  4. والعزّ بالري.
  5. والحسد بهراة.
  6. والجفاء بنيسابور.
  7. والبخل بمرو.
  8. والطرمزة بسمرقند.
  9. والمروءة ببلخ.
  10. والتجارة بمصر.

فمصر من خزائن الأرض. وجاء فيها عدد من المرويات من الأحاديث والمذكور عن الكتب السابقة.

 

وكان ﷺ يقول: "يا معشر التجار إن البيع يحضُره -أي: لا يتنزه غالبًا ولا يغيب عنه ولا يخلو من شيء من- اللغو والحلف والكذب"، يقول: فخلصوا أنفسكم مما يطرأ عليكم من أمثال ذلك "فشوبوه بالصدقة"؛ ليكون كفارة لكم عما كان من "اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة".

 

وكان ﷺ يقول: "الحلف عند البيع منفقة للسلعة -ينفق السلعة لكن- ممحقة للبركة". تمحق البركة فلا يستفيد صاحبها منها شيء، ولو ربح لا يبارك له فيه إذا كان يبيع بالحلف: والله، والله يستحق كذا، والله نحسن كذا، والله أني اشتريته بكذا، والله أنه يساوي كذا. هذا مهما نفّق السلعة فإنه يمحق البركة. فينبغي أن يصون اسم الله والحلف به إلا عند الضرورة والحاجة، (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ)[البقرة:224].

 

وكان ﷺ يقول: "إن صدق البيعان وبيًَنا -كل منهم صدق وبيّن، هذا ما في نقوده وهذا ما في بضاعته- بورك لهما في بيعهما وإن كتما -كتم المشتري شيء من العيب والنقص في النقود، أو كتم البائع شيء من النقص والعيب في البضاعة- وكذبا -قال: هذا يساوي كذا وهذا أحسن من كذا ولم يكن كذلك، فمهما حصَّلوا من ربح فلا بركة- فعسى أن يربحا ربحاً ما ويمحق بركة بيعهما". وفي لفظ جاء في الحديث: "البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا -أوْ قالَ: حتّى يَتَفَرَّقا- فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَتَما وكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما"، فلا ذا يستفيد ولا ذا يستفيد بسبب الغش والخيانة والكتمان وعدم الصدق.

 

وكان ﷺ يقول: "من أقال نادماً أقاله الله من عثرته"، أي: سواءً كان البائع أو المشتري، إذا ندم البائع على بيعته فأقاله المشتري وردّها له، أو ندم المشتري على شرائه فأقاله البائع وردّ له ثمنه وأخذ البضاعة منه، فهذه الإقالة من سبب القرب من الله، وأن يقيله الله من عثراته، فلا يسقط بشيء منها ولا يفضح بشيء منها يوم القيامة. "من أقال نادمًا أقاله الله من عثرته"، كما جاء في صحيح ابن حبان وعند القضاعي في مسند الشهاب: "من أقال نادمًا".

 

والإقالة دائرة بين الندب والوجوب؛ في بعض الأحوال: 

  • يكون مندوب إليها إذا ندم أحد الطرفين، لأجل هذا الحديث. في رواية جاءت: "مَن أقالَ مُسلِمًا، أقالَ اللهُ عَثْرتَه"، فالإقالة مشروعة، ومندوب إليها لما وعدهم ﷺ بالثواب. 
  • وأحيانًا تكون واجبة إذا كانت بعد بيع فاسد؛ إذا وقع البيع فاسدًا وجب على كل المتعاقدين الرجوع إلى ما كان له من رأس المال حتى لا يقع في المحذور، فرفع المعصية واجب، فحينئذٍ تكون الإقالة واجبة إذا كان البيع فاسدًا.

 

فما حال الإقالة؟

أي: فسخ ينحل به العقد في حق العاقدين وغيرهما؛ هذا هو قول الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية. 

فالإقالة: عبارة عن الرفع، والداعي "اللهم أَقِل عثرتي" أي: ارفعها، ورفع العقد معناه: فسخه. فاختلف البيع والإقالة في الاسم فتخالفا في الحكم، فإذا كانت رفعًا لا تكون بيعًا؛ لأن البيع إثبات والرفع نفي وهذا متنافية. 

فكانت الإقالة:

  • فسخًا محضًا، فسخ البيع من أصله. 
  • وقول ثاني عند بعض أهل العلم يقول: إنها بيع في حق العاقدين وغيرهما، إلا إذا تعذر جعلها بيع فتكون فسخ، وهذا قول أبي يوسف والإمام مالك، مثل: أن تقع الإقالة في الطعام قبل قبضه، فمعنى البيع: مبادلة المال بالمال، وهو أخذ بدل ويعطى بدل وقد وجد، فكانت الإقالة عندهم بيعًا لوجود معنى البيع فيها. 
  • وقول أبي حنيفة: أن الإقالة تكون فسخ في حق المتعاقدين، ولكن في حق غيرهما بيع. فالإقالة تنبئ عن الفسخ والإزالة فلا تحتمل معنى آخر، والأصل العمل بحقيقة اللفظ، فجُعلت بيعًا في حق غير العاقدين محافظة على حقه من الإسقاط، فتكون فسخًا في حق العاقدين وبيعًا في حق غير العاقدين. هذا مذهب أبي حنيفة -عليه رحمة الله تعالى-.

 

يقول: وكان ﷺ يقول: "أحب البقاع إلى الله المساجد" -لأنها محل العبادة والخشوع والخضوع، والإنابة والذكر والتلاوة، والعلم واجتماع القلوب على الوجهة إلى الله تعالى، والدعاء والتضرع، فكانت أحبّ البقاع المساجد- وأبغض البقاع في الأرض إلى الله الأسواق"، لأن فيها الغش والخيانة، واليمين والكذب، والحلف لتنفيق السلعة، إلى غير ذلك من الغفلات والذنوب والمعاصي. فكانت أبغض البقاع إلى الله الأسواق، أي: بحكم العموم. وإلا فإذا وُجد سوق يُعمل فيه بشريعة الله ويُطبق فيه حكم الحق -سبحانه وتعالى- ويتنزّه أصحابه عن الغش والخيانة، يكون مكان خير ومكان هدى؛ ولكن هذا يكون نادرًا. إنما قالوا في الرعيل الأول، قال سيدنا علي: سوق المسلمين كمصلى المصلين، كأنهم مصلى، الذكر فيه، والعبادة فيه، والأدب فيه، وتطبيق الشريعة فيه، والنصح فيه، والأمانة فيه، فصار مثل المصلى. وأما غير ذلك من عموم الأسواق في الأرض فشرّ البقاع الأسواق.  

 

"وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لا بيْع في السوق إلا من قد تفقه في الدين" وفي لفظ: "لا يبعْ في سوقِنا إلا من تفقَّه في الدينِ"، كما جاء عند الترمذي وقال،: حسن. 

"وكان -رضي الله عنه- يتخذ على السوقة محتسبًا"؛ لنصحهم ولإرشادهم ولتنبيههم. "واستعمل عبد الله بن عتبة على سوق المدينة، قال العلماء: وهو أصل في ولاية الحسبة". يوَِّليه الحاكم حتى ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، ويرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم. قالوا أيضًا: "ويؤيده ما سيأتي في باب أحكام العيوب من أنه ﷺ مر على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: "من غشنا فليس منا"، وفيه دليل لجواز التجسس للمحتسب والله أعلم"، المراد: التأكد من أن الأمور ماشية على مقتضى الشرع.

 

"وكان -رضي الله عنه- يقول في دعائه: اللهم لا تطع فينا تاجراً ولا مسافراً" -لماذا؟ قال:- "فإن التاجر يحب الغلاء" من شأن يحصل له مدخول كثير، لما تغلى البضاعة يدخله مبلغ كبير. يقول هذه الأمنيات حق التجار لا تطعها يا رب، لا تمكنهم منها، لا يغلى علينا السعر. قال: "والمسافر يكره المطر" لأنها تعوقه في الطريق، فلا تعمل يا رب على قصدهم هؤلاء، فاسقنا الغيث والرحمة وخلهم يرتبوا نفسهم ويصبرون في الطريق إلى أن يمر السيل، ولا تقطع عن المسلمين الرحمة بسبب هؤلاء.

 

"وكان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- يقول: لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها" لكن كن أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج من المسجد، هذا خيار الناس، وشرار الناس أول من يدخل السوق وآخر من يخرج منها. يقول سيدنا سلمان: "لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته".

 

وسيأتي قوله ﷺ: "إذا اشترى أحدكم الجارية فليأخذ بناصيتها وليدعُ بالبركة، وإذا اشترى البعير فليأخذ بسنامه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم". فالتسمية والدعاء بالبركة مستحب في شراء وبيع وفي كل قليل وكثير.

 

وكانوا إلى ما مضى من وقت ليس ببعيد، أهل سوق زبيد وحواليها من أهل تهامة، كلّما تبايعوا على شيء دعوا وقرأوا الفاتحة، كل بيع يتم يقرؤون عليه الفاتحة والدعاء. وهكذا: (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾[النور:37].

 

وقال: كان رسول الله ﷺ يحث على توفية المكيال والميزان، ويقول: "إن الكيل والوزن أهلكا من كان قبلكم"، يعني: لما طفّفوا فيها فنزل عليهم العذاب، "فاتقوا الله فيهما". (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)[المطففين:1-3].

وكان ﷺ يقول: "الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة"،. فالعبرة من حيث الكيل بما كان في المدينة من المد والصاع بمد النبي ﷺ، وفي الوزن، الذهب والفضة وغيره يكون بوزن أهل مكة. قال: "الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة"، وفي رواية بالعكس".

 

وكان ﷺ يقول: "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه"؛ أي: لا تجعلوه جزاف في بيع ولا شراء. ومنه ما كانوا يجمعون في الغالب في الأسواق الطعام الذي يكفيهم شهر أو أيام في مستودعاتهم في البيت، ثم يكيلون لكل يوم يخرجون بالكيل يكيلون له. وكانوا يسمونه عندنا "يُطرّف" صاحب البيت أو ربّ البيت، يُطرّف في كل يوم، حق نفقة اليوم يخرجها من المخزن يكيل لهم ما يكفيهم في اليوم. وأخذوا منه: "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه"، ما هو يكيل للكل، ويأخذ الكيل الذي يحتاج صرفه فقط في اليوم. وكذلك عند البيع والشراء لا يبيع جزاف ولكن بالكيل.

"وكان ﷺ يقول: "إذا بعت فكِل"؛ فكِل: إذا بعت فكِل بنفسك؛ تولَّ الكيل بنفسك، وأنت تبيع لنفسك. "وإذا ابتعت اشتريت فاكتل"؛ خل البائع يكيل لك. 

"وكان مده ﷺ مدين ونصفاً بمد هشام، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز"؛ ولم يزل مقدار المد النبوي معروف إلى الآن، وعليه تقوم زكاة الفطرة أربعة أمداد بمد النبي ﷺ.

 

اللهم ارزقنا اتباعه وسر بنا في سبيله، واسقنا من سلسبيله، وارزقنا حسن الاقتداء به في نيته وقصده وفعله وقيله، وأعذنا به من الآفات والعاهات، وأصلح الظواهر والخفيات، وبلّغنا فوق الأمنيات من خيرات الدارين في عواف كاملات. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

14 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

28 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام