(368)
(471)
(634)
(6)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 460 - كتاب البيع: 8- بيان ما لا يجوز بيعه وتحريم الحيلة
صباح الثلاثاء 14 صفر الخير 1448هـ
باب بيان ما لا يجوز بيعه وتحريم الحيلة:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"فرع: وكان ينهى ﷺ عن بيع فضل الماء ويقول: "لا يمنع نفع البئر"، وفي رواية: "المسلمون شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار"، وكان ﷺ ينهى عن بيع الملح والتحجير عليه في معدنه ويقول: هو الشيء الذي لا يحل منعه، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: قال لي رسول الله ﷺ: "يا حميراء من أعطى نارًا فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار ومن أعطى ملحًا فكأنما تصدق بجميع ما طيب ذلك الملح"، والله أعلم".
باب بيان ما لا يجوز بيعه
وتحريم الحيلة من غير ضرورة شديدة
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما- كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير وإن جاء أحد يطلب ثمن الكلب فاملئوا كفه ترابًا"، وكان ﷺ ينهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد وكذلك كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: كان رسول الله ﷺ ينهى عن بيع السنوار والأصنام، وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: "هو حرام، قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم الشحوم أجملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه، وإن الله -عز وجل- إذا حرَّم على قوم أكل شيء حرم عليهم أكل ثمنه".
وسأله رجل عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال ﷺ: "أهرقها واكسر الدنان" قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: "لا"، وكان ﷺ ينهى عن بيع المضطر، وكان يرخص ﷺ في بيع أمهات الأولاد ثم منع من بيعها، وقال: "أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها ويستمتع بها ما عاش فإذا مات فهي حرة"، كما سيأتي بسطه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته عبده وصفوته سيدنا محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته وأهل متابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل قرب الله ومحبته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ولا يزال الشيخ يذكر ما يتعلق بشؤون البيع والشراء ويَذكُر ويقول: "فرعٌ: وكان ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء ويقول: "لا يُمنَع نفع البئر"، وفي رواية: "المسلمون شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار"؛ فهذه من الأشياء التي تعم الحاجة إليها وتعظم فائدتها للناس، وقد يسر الله تعالى الحصول عليها، فيشتد الأمر في النهي والإثم على من منعها وعلى من احتكرها، ويَسمح لذوي الحاجات أن يأخذ منها.
فشؤون هذه المياه تنقسم إلى أنواع:
وفي الحديث أن رجلاً أمره ﷺ بالاحتطاب ليستغني به عن السؤال، كما جاء في الصحيحين ولما رأى ﷺ رجلاً يسأله وهو شاب يستطيع العمل، قال له: اذهب فأتني بفأس وهراوة؛ ذهب وجاء بفأس وهراوة وعود، فوضع النبي ﷺ الفأس في الهراوة وشدَّ عليه وقال: خذها "اذهب فاحتطِب وبع ولا أرينَّكَ -جمعتين- خمسةَ عشرَ يومًا"، ما أشوفك اذهب وجمع الحطب وبِعْ، فذهب وجمع الحطب فباعه فقضى دينه وباعه فأغنى أهله في النفقة، وباعه فصار يتصدق، وجاء إلى النبي بعد الأسبوعين فسأله عن عمله فأخبره بما كان، قال: فهذا خير لك من أن تسأل الناس أعطوك أو منعوك. وعلمه كيف يكتسب، فجاء أيضا الاكتساب بالحطب وهو يؤتى به من الأشياء العامة المباحة، ثم يكون في ملكه وحرازته، وحينئذ يبيعه.
فما زاد على الحاجة من الماء فهو الذي قال عنه: "لا تَمنعُوا فَضلَ المَاءِ، لِتَمنعُوا بِه الكَلأَ".
يقول: "وكان ﷺ ينهى عن بيع الملح والتحجير عليه في معدنه"؛ -لأنه في أماكن عامة إما جبل أو في البحر- ويقول: هو الشيء الذي لا يحل منعه، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: قال لي رسول الله ﷺ: "يا حميراء من أعطى نارًا فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار"، ومنه الآن ما يستعملون من الغاز وغيره، وإنما كان شعلة النار يأخذونها من بيت إلى بيت ومن مكان إلى مكان، فإذا أخذوها، قال: كل ما أنضجوا به هذه النار فكأنما تصدق به الذي أعطاهم النار، "من أعطى نارًا فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار؛ ومن أعطى ملحًا فكأنما تصدق بجميع ما طيب ذلك الملح"، من الطعام، ما وضعوه فيه من الطعام فكأنه تصدَّق به، لأنه هيَّأ لهم طعمه وذوقه الطيب، فله ثواب كأنه تصدَّق بهذه الأطعمة التي طيبوها بهذا الملح الذي تصدَّق به، نعم.
وهكذا جاء أيضًا في رواية أنه سُئل ﷺ: "ما الشَّيءُ الَّذي لا يحلُّ منعُهُ؟ ! قالَ: الماءَ"، وفي روايةٍ قالَ: "المَلحُ"، وجاء في رواية لما سُئل نبينا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: "ما الشَّيءُ الَّذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: أنْ تَفعلَ الخيرَ خيرٌ لكَ"؛ يعني: من أن تمنعه، يعني: من المكارم الجميلة، مكارم الأخلاق.
ثم ذكر "ما لا يجوز بيعه".
يقول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما- كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم بيع الخمر"؛ فهو نجس وحرام تناوله، ولا يجوز بيعه، ولو كان بقصد التخليل -أن يُخَلَّل، يُخَلَّل ويرجع خلًّا- ما دام مُخَمَّرًا؛ وقت يُسْكِر ما يجوز بيعه حتى يصير خلًّا.
"والميتة": لأنها نجسة ولا يجوز أكلها، وهو كل حيوان زالت حياته بغير ذكاة شرعية.
"والخنزير"؛ فهو رجس كما ذكر الله -تعالى- في القرآن، لا يجوز بيعه ولا يصح امتلاكه، وهو غاية في تتبع القاذورات، ومن أفقدِ الحيوانات للغَيرة على إناثه، ولذا أيضًا حتى أكل لحمه يُذهب الغَيرة من آكلهِ من الناس، فما ترى أَكَلَةَ الخنازير هؤلاء من النصارى وغيرهم الذين لا يبالون، فتجدهم قليلي الغيرة؛ لا يغارون على بناتهم ولا على زوجاتهم ولا على نسائهم، يُشبِهون الخنازير في عدم الغَيرة وقلة الغَيرة، ومن جملة ما يؤثر على الإنسان؛ ومَن فقد الغيرة تعرَّض لغضب الله -تعالى- وللنار، وممن لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم يوم القيامة، الذي لا يغار على أهله، ولا يبالي من دخل عليهم؟ ولا من كَلَّموا؟ ولا ماذا ظهر من محاسنهم، فهذا ممن قال عنهم (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:77]. سمَّاه الديُّوث، قالوا: وما الديُّوث؟ قال الديُّوث: الذي لا يغار على أهله.
قال: "وإن جاء أحد يطلب ثمن الكلب فاملئوا كفه ترابًا"، وإن كان الكلب كلب صيد أو حراسة هو كذلك عند الشافعية، إنما يُؤخذ مقابل رفع اليد عنه إذا كان كلبًا مُعلَّمًا يصلح للصيد أو كان للحراسة؛ وجاء فيه خبر ثانٍ: "وكان ﷺ ينهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد.
"وكذلك كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: كان رسول الله ﷺ ينهى عن بيع السنور -السِّنُّور: الهِّرَّة، القطة- والأصنام، وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ -يعني: يوقدون بها مصابيحهم-؟ فقال: "هو حرام، قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم الشحوم أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه. وإن الله عز وجل إذا حرَّم على قوم أكل شيء حرم عليهم أكل ثمنه". كما جاء في الصحيحين وغيرهما.
قال: "وسأله رجل عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال ﷺ: "أهرقها واكسر الدنان" قال: أفلا اجعلها خلًّا؟ قال: "لا"؛ لأنها عُصِرَت بقصد الخمرية، فهي تُسمى عند الفقهاء: خمر غير محترمة.
الخمر المحترمة: ما عُصِر بقصد الخَلِّية، يعني ليتحول إلى خَلٍّ لا لِيُشرب خمرًا، وأما ما عُصِرَ لِتُشرب خمرًا فهو خمر غير محترمة، أي: يجب على من قدر إراقتها.
"وكان ﷺ ينهى عن بيع المضطر"، فيرضى بأبخس الأثمان اضطرارًا، فراعي كأنك أنت البائع وتُعطيه ثمن المثل، وإلا فلا.
"وكان يرخص ﷺ في بيع أمهات الأولاد ثم منع من بيعها، وقال: "أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها ويستمتع بها ما عاش فإذا مات فهي حرة" هذا المستولدة، ويقال لها أم الولد، مَن حملت من سيدها، فإذا حملت من سيدها وولدت له فهي أم الولد، بمجرد أن يموت تصير حرة، فلا تُورَث ولا تكون في التركة، ولا يجوز له أن يتصرف فيها ببيع ولا هبة ولا نذر ولا وقف ولا شيء حتى يتوفى فتصير حرة.
رزقنا الله الاتباع لنبيه محمد ﷺ والاقتداء به والعمل بشريعته والاحتكام إليها، ويجعلنا من الذين جعل أهواءهم تبعًا لما جاء به نبيه ﷺ عنه اللهم آمين، اجعل هوانا تبعًا لما جاء به نبيك محمد ﷺ، وارزقنا الاستقامة على منهاجه وطريقته، واحشرنا في زمرته، وأصلح به شؤون أهالينا وأولادنا وذوينا والمسلمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
18 صفَر 1448