(637)
(486)
(369)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 469 - كتاب البيع: 17- باب الخيار في البيع
صباح الإثنين 27 صفر الخير 1448هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب الخِيار في البيع
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ إذا باع رجلاً في الجاهلية خَيَّرَهُ بعد البيع فقال له أعرابي مرة: عَمَّرَكَ الله من أنت؟ قال: "امرؤ من قريش"، تعجباً من حسن بيعه ﷺ. وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول لمن يبيع وفي عقله خبل وضعف فيغبن في البيع: "إذا بايعت فقل: لا خلابة. يعني: لا خديعة. ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخِيار ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها"، وكان ﷺ كثيراً ما ينهى مثل هذا عن البيع ويقول: "فإن أبيت إلا أن تبيع فبايع وقل لا خلابة".
وكان ﷺ يرى جواز خِيار المجلس ويقول: "البيعان بالخِيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، وفي رواية: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخِيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخيِّر أحدهما الآخر فإن خيَّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك وجب البيع"، وفي رواية: "كل بَيِّعَيْنِ لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخِيار"، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع، وكان ﷺ يرخص في عدم رؤية المبيع حالة العقد اكتفاء بالصفة أو الرؤية المتقدمة، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: بعت مالاً بالوادي من أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادنّي البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخِيار حتى يتفرقا، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرِمنا بشريعته وبيانها على لسان خيرِ بريته، عبده وصفوته سيدنا محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانهم من الأنبياء والمرسلين خيرة الرحمن -تعالى- في خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرمُ الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فيتكلم الشيخ -عليه رحمة الله- عما ورد في الخِيار في البيع. وما يتعلق بالبيع من الخِيارات يرجع إلى:
فصارت بهذا الاعتبار ثلاثة خِيارات.
خِيار المجلس: ما دام في المجلس، وهو الذي جاء فيه الحديث: "البيعان بالخِيار ما لم يتفرقا".
والخِيار الذي يكون بشرط: فيجوز لكل من العاقدين أن يشترط لنفسه الخِيار لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة أيام -على ما هو عند الجمهور- يتأمل ويراجع نفسه وحسابه، ففي خلال هذه المدة يمكنه أن يعيد البضاعة، فإن اشترِط لأحدهما فالخِيار له، وإن اشترط للاثنين فالخِيار لاثنين؛ البائع والمشتري، حتى تنقضي المدة المعلومة.
يقول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ إذا باع رجلاً في الجاهلية خَيَّرَهُ بعد البيع"، إذا عرض عليه البضاعة فاشتراها فيقول له: انظر أمرك، أنت راضٍ بها وفرح، أو تردَّها علينا ونرد لك ثمنك. وما كان هذا من عادة الناس إنماعندما يَعُدّون البيع وسيلة وفرصة لكسب المال وتكثيره على أي وجه، ولكنه كان هكذا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من قبل نزول الوحي عليه وفي أيام الجاهلية.
حتى ذَكر قصة الأعرابي الذي بايعه، فأحسن البيع ثم جعل له الخِيار، فقال له: "عَمَّرَكَ الله من أنت؟ قال: "امرؤ من قريش"، أنا رجل من قريش صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ إنما قال ذلك تعجبًا من حسن بيعه وكريم خلقه وحسن بيانه وصفائه، وإعطائه الفرصة الكاملة للمشتري منه أن يتأمل وأن ينظر؛ وتخييره له بعد البيع إن أراد أن يُمضي البيع وإن أراد أن يردَّهُ عليه ردَّهُ عليه، فتعجب من هذه الأخلاق الكريمة. وقال له: "عَمَّرَكَ الله من أنت؟" أي: أطال عمرك، فمن أنت الذي تعامل هذه المعاملة وتقوم هذا المقام في المبايعة؟ قال ﷺ: "امرؤ من قريش" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وهكذا جاءنا في هذا المعنى حديث: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سَمْحًا إذا قضى، سَمْحًا إذا اقْتَضى".
فمن الخِيار ما يثبت بأصل الشرع؛ الخِيار الحكمِ وهو خِيار المجلس، ثم خِيار الشرط إن اشترطوا، ومنه خِيار النقيصة وهو وجود عيبٍ في السلعة غير حادثٍ عند المشتري بل من قبل أن يبيعَه.
فالمرادُ بالخِياراتِ تلافي النقص الحاصل بعد تخلف شريطة لزوم العقد، وهكذا.
فيأتي خِيار الشرط هذا وهو: أن يشترط أحد البائعين إما المشتري أو البائع الخِيار.
فذهب الجمهور إلى الأخذ بخِيار الشرط، وأنه مشروعٌ لا ينافي العقد، واستدلوا بالسنة وبالإجماع.
"قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول لمن يبيع وفي عقله خَبَلٌ وضعف فيُغبَن في البيع" كان واحد كثيرًا ما يبيع و يُغبَن ويضحكون عليه، فإنه غير مستجمع قواه في النظر في المسائل؛ فعلّمه النبي ﷺ الاشتراط بأن يفكر بعد ذلك ويستشير إلى الأجل وهو الثلاثة الأيام، يقول: "إذا بايعت فقل لا خِلابة" يعني: لا خديعة، "ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخِيار ثلاثة ليالٍ، إن رضيتَ فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها" فهذا المراد بقوله: "لا خلابة"، اشتراط الخِيار لمدة ثلاثة أيام.
قال: "وكان ﷺ كثيراً ما ينهى مثل هذا عن البيع ويقول: "فإن أبيت إلا أن تبيع فبايع وقل لا خلابة"".وفيه إرشاده إلى أنه ينبغي أن يتولى الأمور من يتقنها ويحسنها، وإذا تطلع لها وقام بها من لا يُحسِن ذلك فله في مثل البيع والشراء اشتراط الخِيار، كما أشار ﷺ جبرًا لما يكون من تسرعه وعدم حسن تصرفه ونظره في عواقب الأمور.
علمنا ما جاء أيضًا من هذا الحديث وتعدد رواياته:
وخِيار الشرط هذا في البيع للبائع أو للمشتري أو لهما معًا:
وهكذا يرى المالكية: أن الخِيار يتبع الحاجة في تقدير الشأن فيما يتعلق بالسلعة التي اشتراها.
فإذا لم يحدد وقت:
فالمراد بالخلابة: الخديعة كما ذكر والمخادعة.
وذكر خِيار المجلس
وكان ﷺ يرى جواز خِيار المجلس ويقول: "البيعان -أي: البائع والمشتري- بالخِيار ما لم يتفرقا"، ثم من غير التفرق إذا اختار لزوم البيع، "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر" فمن اختار منهما لزوم البيع سقط حقه في خِيار المجلس، فإن اختاراه معاً سقط عن الجميع.
وذكر هنا في الحديث: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"هكذا جاء عند الترمذي وغيره.
يقول: لا يتحيل عليه لكي يفوّت عليه فرصة التروي في بضاعته، ويقول: أنا الآن بكلمه وبسمعه، لكن خلني أشتريه، وإذا اشتريت أخرج أول بروح أفارقه وبرجع بتكلم معه، لأنه إذا رجع وأنا قد فارقته ما له حق الخِيار، قد فات حق الخِيار! فأرشد ﷺ أنه لا ينبغي التحيُّل بمثل ذلك، ويدع الفرصة لكل بائع ومشتري مدة المجلس لعل أن يكون في ذلك نظر أحدهم إلى ما هو أصلح له.
يقول: "وفي رواية: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخِيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخيِّر أحدهما الآخر فإن خيَّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك وجب البيع"، ويسقط خِيار المجلس باختيار اللزوم من أحدهما أو من كليهما.
"وفي رواية: "كل بَيِّعَيْنِ -يعني: كل بائع ومشتري- لا بيع بينهما -أي: لازم وثابت- حتى يتفرقا إلا بيع الخِيار"، وقد سمعت ما ذكرنا في مدته.
"وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع، وكان ﷺ يرخص في عدم رؤية المبيع حالة العقد اكتفاء بالصفة أو الرؤية المتقدمة"،
ثم إن الشافعية جعلوا بيع الموصوف في الذمة بلفظ السَّلَم أو السَّلَف فيه مندوحة عن الربا، وإلا فيُشترط للبَيِّعَيْنِ أن يكونا رأيا البضاعة.
"وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: بعت مالاً بالوادي من أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادنّي البيع، -وقال:- وكانت السنة أن المتبايعين بالخِيار حتى يتفرقا"، فإذا تفرقا انقطع حق الخِيار لكل منهما. فإن كانا في دكان أو غرفة أو مكان، حتى يخرج أحدهما من الدكان ويولي. وإن كان في مثل شارع تبايعا، بأن يولِّي كل منهما صاحبه ظهره ويمشي خطوات، حينئذ يكون انتهى خِيار المجلس.
ويبقى بعد ذلك الكلام على خِيار الغبن أو خِيار النقيصة -خِيار العيب- وللأئمة في ذلك أيضًا اجتهادات.
فإذا مشيا معاً أو جلسا في مجلس واحد ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، فكله يبقى مجلس خِيار حتى يحصل التفرق. فقال معظم الفقهاء بخِيار المجلس.
وكان مذهب أبي حنيفة ومالك وبعض الفقهاء مثل الفقهاء السبعة بالمدينة أنهم لا يرون الخِيار للمجلس، بل يرون لزوم البيع.
ولكن في الجمهور جاءت عدة من الأحاديث والأدلة كما سمعنا مثل هذه الروايات، يقول ابن عمر قال ﷺ: "المُتَبايِعانِ كُلُّ واحِدٍ منهما بالخيارِ على صاحِبِه ما لم يَتَفَرَّقا، إلَّا بَيعَ الخيارِ". فما لم يتفرقا، أو يكون البيع خِياراً، يعني يختار اللزوم أو يخير أحدهما الآخر.
أصلح الله أمور المسلمين، وأقام بينهم أحكام الدين، ورزقهم متابعة نبيه الأمين، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. وأصلح شؤوننا وشؤون الأمة بما هو أهله وكما هو أهله في ألطافٍ وعوافي وظواهر وخوافي.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
01 ربيع الأول 1448