كشف الغمة - 470 -  كتاب البيع: 18- باب الربا

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 470 -  كتاب البيع: 18- باب الربا

صباح الثلاثاء  28 صفر الخير 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  تحريم الربا في الشرائع
  •  خمس عقوبات خمس لأكلة الربا في القرآن
  •  تعريف الربا عند المذاهب الأربعة وأسباب تحريمه
  •  من نتائج الربا
  •  لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه
  •  عاقبة الربا إلى قلة
  •  أصناف الربا في البيوع
  •  علة الربا: لماذا حرم التفاضل في الذهب والفضة والطعام؟
  •  شرح أنواع الربا: الفضل واليد والنسيئة والقرض الذي يجر منفعة
  •  شروط صحة المعاوضة في الأجناس الربوية
  •  قصة ورع أبي بكر الصديق في وزن الخلخال
  •  حكم الصرف وبيع الذهب بالفضة أو البر بالشعير
  •  قصة تمر خيبر: كيف أرشد النبي لاستبدال التمر الرديء بالجيد دون ربا؟
  •  الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الصُّبرة

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

باب الربا

 

"كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: كان رسول الله ﷺ يشدد في أمر الربا ويقول: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، ولدرهمِ ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام".

وكان ﷺ يقول: "ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة"، وكان ﷺ يقول: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مِثلًا بمثل"، وفي رواية: "وزنًا بوزن ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربي الآخذ والمعطي فيه سواء، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: احتجنا مرة فأخذت خلخال امرأتي في السنة التي استخلف فيها أبو بكر -رضي الله عنه- فلقيني أبو بكر -رضي الله عنه- فقال: ما هذا؟ فقلت: احتاج -الحي- إلى نفقة، فقال: إن معي ورِقًا أريد بها فضة فدعا بالميزان فوضع الخلخالين في كفة فشفَّ الخلخالان نحوًا من دانق فقرضه، فقلت: يا خليفة رسول الله هو لك حلال، فقال: يا أبا رافع إنك إن أحللته فإن الله تعالى لا يحله سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن الزائد والمزيد في النار"، وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ.

 

وكان ﷺ يرخص لهم في بيع الذهب بالفضة وبالعكس كيف شاءوا، وكان يقول في البيع: "البر بالشعير والشعير بالبر إذا كان ذلك كله يدًا بيد كيف شاؤوا"، وكان ﷺ يقول: "ما وزن مثلًا بمثل إذا كانا نوعًا واحدًا وما كيل فمثل ذلك وإذا اختلف النوعان فلا بأس"، وكان البراء بن عازب وزيد بن أرقم -رضي الله عنهما- يقولان: "سألنا رسول الله ﷺ عن الصرف وكنا تاجرين فقال ﷺ: إن كان يدًا بيد فلا بأس ولا يصلح نسيئة".

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "استعمل رسول الله ﷺ رجلًا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا وقال في الموزون مثل ذلك"، وكان ﷺ يرى الجهل بالتساوي في المبيع كالعلم بالتفاضل، وكان يقول: "لا يبع أحدكم الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة والأحكام وبيانها على لسان عبده خير الأنام سيدنا محمد الذي جعله للنبوة والرسالة الختم والإتمام. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدكَ المجتبى المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعهم، وعلى جميع الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

أما بعد،، 

فيتحدث الشيخ -رضي الله عنه- عن باب عظيم من أبواب الشرع المصون، ومما تحتاجه الأمة، ومما يكون الإهمال في شؤونه سببًا لهلاكها ووقوع الآفات عليها، وذلكم باب الربا الذي حُرِّم بالكتاب والسنة والإجماع، بل لم يَحِلَّ في شريعة قط، كما قال الماوردي وغيره أن جميع الشرائع حَرَّمت على المؤمنين والمسلمين الربا، 

  • قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة:275 ].
  • وقال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276 ].
  • وقال جل جلاله وتعالى في علاه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة:275].

 

وهكذا وفي هذه الآية: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:275 ].

 

حملت عقوبات خمس لآكل الربا:
 

  • أولها: التخبط، (لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة:275 ].
  • وثانيها: المحق (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276].
  • وثالثها: الحرب، يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [ البقرة:278-279]  والعياذ بالله تبارك وتعالى.
  • والرابعة: الكفر، يقول: (ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)  -بمعنى: لا يتمادى في الربا ويقره إلا الكفار- (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة:276 ] يقول جل جلاله.
  • والخامسة: الخلود في النار، لقوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:275].

 

وفي الحديث أن: "الرِّبَا -فِي أُمَّتِي- بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أدناها -يعني: أقلها في الإثم- مثل أن ينكح الرجل أمه"؛ إثمها والعياذ بالله تعالى، "وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ فِي عِرْضِ أَخِيهِ المُسْلِمِ".

 

وتعريف الربا:

  • قال الحنفية: الربا فضل خالٍ عن عِوَض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة، هكذا يعرِّفون الربا.
  • ويقول الشافعية: إن الربا عقد على عِوَض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار شرعي حال العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما.
  • ويعرِّفه الحنابلة يقولون: تفاضلٌ في أشياء؛ ونُسْءٌ في أشياء، مختصٌّ بأشياء؛ ورد الشرع بتحريمها نصًّا في البعض وقياسًا في الباقي.

هذه تعريفاتهم عن الربا ترجع إلى تعليل كل واحد منهم للربا وإلى الأبواب التي حكم أن فيها الربا.  

  • والمالكية يعرِّفون كل نوع من أنواعه على حدة، من أنواع الربا.

فهو إذًا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وفيه التهديد الكبير بقوله تعالى: 

  • (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)  [البقرة:279] والعياذ بالله تبارك وتعالى. 
  • وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [آل عمران:130-131]. 
  • يقول ﷺ: "اجتنِبوا السَّبعَ الموبقاتِ -معنى الموبقات: المهلكات- قيلَ: يا رسولَ اللهِ! وما هنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفسِ الَّتي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافِلاتِ المؤمِناتِ".
  • وروى الإمام مسلم في صحيحه يقول ﷺ عن جابر بن عبدالله: " لعن اللهُ آكلَ الرِّبا، ومُوكِلَهُ، وشاهِدَيْهِ، وكاتِبَهُ، هم فيه سواءٌ"، -والعياذ بالله تعالى- كلهم في اللعنة حتى الذي يشهد والذي يكتب كلهم واقعين في اللعنة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ وهي الطرد من رحمة الله. 

 فهكذا وجب التنزه عن ذلك، والتطهر عن ذلك، وهو السبب الذي ذهب بأهل الجشع والطمع من أهل الرأسمالية إلى خسائر وإلى مَحْق لا يُعرف ما سببه؛ وهو هذا سببه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. وكان ما كان من نتائج الربا ونشره في أنظمتهم الساقطة، وجاءت قبل سنوات الأزمة عندهم بسبب الربا، وأصبح الناس في حالات غريبة، وقامت لها مظاهرات، ونشرت لها صحف، ومن الناس من جُنَّ، ومنهم من رمى نفسه وانتحر، ومنهم من.. لما كان من فقد الأموال الكثيرة في ليلة واحدة! وما تفسيرها إلا: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276]، فذهبت بالمليارات في ليلة واحدة، لا إله إلا الله.

فيقتضي الربا أخذ مال الإنسان من غير عِوَض، ويمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، ويفضي إلى انقطاع المعروف، وإلى غير ذلك من الآفات والمصائب.

 

يقول: "كان رسول الله ﷺ يشدد في أمر الربا ويقول: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، ولدرهمِ ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام"، والعياذ بالله تبارك وتعالى، قال: أصله حديثان، وقد ذكرنا رواية مسلم: "لعن اللهُ آكلَ الرِّبا، ومُوكِلَهُ، وشاهِدَيْهِ، وكاتِبَهُ"، وفي حديث أيضًا عند الترمذي: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه"، وهو كذلك عند أبي داود وفي مسند الإمام أحمد: "ولدرهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم -أنه ربا- أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام".

"وكان ﷺ يقول: "ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة":

  • (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276].
  • (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم:39 ]. 

ولذا كان كثير من أخيار الأمة وخواصهم إذا قلَّ عليهم المال وجاءتهم أزمة يداونها بالصدقة، حتى أن أحدهم إذا قلَّ عليه المال تديَّن فتصدق فأنفق، فيفتح الله له أبوابًا ليقضي الدين ويزيد الزائد عنده، (وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم:39].

وهكذا لا يجوز فيها الإشفاف وهو الزيادة، يقول: "وكان ﷺ يقول: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بمثل ولا تشِفُّوا بعضها على بعض -تزيدوا بعضها وتنقصوا بعضها- ولا تبيعوا  -يعني: الفضة- بِالْوَرِقِ إلا مِثلًا بمثل"، وفي رواية: "وزنًا بوزن ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز، -فلا بد من أن يكون العقد فيه النقود حاضرًا غير مؤجل- والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثلًا بمثل يدًا بيد"؛ فهذه نص عليها الشارع من أنواع الطعام.

 

ومن هنا جاء استنباط الأئمة لعلة الربا، ما علة الربا؟ ولماذا حُرِّم؟ ومن هنا جاء الاختلاف في بعض الأجناس من غير المنصوص عليها أيدخل فيها الربا أم لا؟ 

 

  • فقالت الحنفية: العلة الجنس والقدْر. 
    • عرَّفوا الجنس: الذهب بالذهب والحنطة بالحنطة وغير ذلك.
    • والقدْر بقوله: "مِثلًا بمثل"، الكيل فيما يُكال، والوزن فيما يوزن. 
  • ويقول المالكية: علة الربا في النقود مختلَف فيها؛ فقيل: غلبة الثمَنية، وقيل: مطلق الثمَنية؛ وإنما كانت علة الربا في النقود ما ذُكِر؛ لأنه لو لم يُمنع الربا فيها لأدى ذلك إلى قلتها فيتضرر الناس. وعلة ربا الفضل في الطعام الاقتيات والادخار، وعلة ربا النِّسَاء مجرد الطعم على وجه التداوي إلى غير ذلك.
  • وقال وذهب الشافعية: أن العلة في تحريم الربا النقدية بالنسبة للذهب والفضة، والطعمية بالنسبة لبقية أنواع الطعام فكل مطعوم فهو ربا. 

فالذي جعل المقدار فيها الكيل والوزن؛ فدخل فيها كل مكيل وموزون ولو كان من غير الطعام ومن غير النقد.

 

يقول -عليه رحمة الله-: "فمن زاد أو استزاد فقد أربي الآخذ والمعطي فيه سواء"، أي: كلهم يستحقون اللعنة والطرد "فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".

فبيع الجنس بالجنس وإن كان الجنس أنواع؛ لا يجوز أن يُباع إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، "هاء وهاء" كما جاء في الروايات.

وإن اختلف الجنس جاز التفاضل؛ ولكن وجب أن يتقابضوا في المجلس وأن لا يكون فيه نسيئة؛ أي: دَين وتأخير. 

 

إذًا بذلك جعل الشافعية أنواع الربا:

  1. ربا الفضل: الزيادة، الذي يزيد به في الجنس الواحد.
  2. وربا اليد: وهو أن لا يتقابضوا في المجلس.
  3. وربا النسيئة: وهو أن يبيعوا طعامًا بطعام أو نقدًا بنقد على أجل.
  4. وربا القرض: الرابع: ربا القرض، وهو أن يُقرضه ويأخذ أي نفعٍ يأخذه المُقرِض زيادة على أخذ حقه، "كلُّ قرضٍ جَرَّ مَنفعةً فَهوَ ربًا".

 

فربا الفضل والذي عبَّر عنه الحنفية بقولهم: فضل خالٍ عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقديْن في المعاوضة؛ هذا ربا الفضل؛ بأن يبيعوا بُرًّا بِبُرٍّ أحدهما أكثر من الآخر، وذرة بذرة كذلك، شعير بشعير كذلك، ذهب بذهب كذلك، فضة بفضة كذلك، ما يجوز التفاضل وأن يزيد أحدهما على الآخر قط.

والثاني ربا النسيئة: وهو أن يبيعوا نقدًا بنقد نسيئة؛ أي: بلا أجل.
وربا اليد: يبيع ولكن أحدهم ما يقبض العوض في المجلس، يتفرقان قبل أخذ العوض، فالبيع مع تأخير: ربا اليد، تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر أجل، فإذا ذكروا أجل فهو ربا النَّسَاء أو ربا النسيئة.
وبعد ذلك يأتي ربا القرض.

وربا النسيئة أيضًا الزيادة في الدَّين نظير الأجل، أَنْسَأَهُ بمعنى أخَّرَه؛ لأن الزيادة فيه مقابل الأجل، يقول له: إذا وقت كذا فإن أخَّرته عليك زيادة كذا، وإن أخَّرته عليك زيادة كذا، كما يفعلونه أصحاب هذه المصارف الربوية.

 

الشروط التي يُخرج بها عن علة الربا:

فإذا اتحدَّ الجنس في النقد أو في الطعام، فلا بد من التماثل والحلول والتقابض.

التماثل: يكون مِثلًا بمثل.

والحلول: أن لا يُباع بأجل.

والتقابض: أن يقبض كل منهما عوضه في نفس المجلس، قبل أن يتفرقا. 

وكذلك إذا كان طعامًا بطعام:

  • إن كان من نفس الجنس من مثله، فلا بد من التماثل والحلول والتقابض.
  • فإن باع جنسًا بجنس آخر، كأن باع ذهبًا بفضة أو باع بُرًّا بشعير أو شعيرًا بتمر، فيجوز أحدهما أن يكون أكثر من الآخر ولكن لا بد من الحلول والتقابض؛ لا يكون مؤجلًا، وأن يتقابضا في المجلس، يقبض كل منهما عوضه في المجلس، وهذه الشروط التي يُخرج بها عن علة الربا.

 

أما القرض: فـ "كلُّ قرضٍ جَرَّ مَنفعةً فَهوَ ربًا" فإذا اشترط المُقرض على القارض خدمة أو تقديم شيء أو أي نوع من أنواع المنافع فهذا ربا. فإنك لا تستحق عليه شيئًا لأنك أقرضته، ولا تستحق عليه إلا أن يرُدَّ لك ما أقرضته رأسًا مثل سواء بسواء. فإن استفدت منه شيئًا آخر مقابل القرض الذي أقرضته فقد وقعت في الربا، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

فكانوا يحترزون إذا أعطوا أحدًا دَينًا أن يستخدموه، أو يُقدِّم إليهم شيئًا معروفًا غير المعتاد من دون الدَّين، ويخافون أن يكون ذلك من جملة الربا. ولو أن يحمل له حاجة؛ يعطيه القرض ويقول له أوصل هذه الحاجة إلى البيت، فمعناه يرد لك حقك وزيادة -عاده يروح يشيل حاجتك- فهذا ربا. لا يجوز تنتفع به؛ لأنك أقرضته، وما لك إلا ما أقرضته، والذي أقرضته يرده لك.

 

وهكذا.. قال: "وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: احتجنا مرة فأخذت خلخال امرأتي في السنة التي استخلف فيها أبو بكر -رضي الله عنه- فلقيني أبو بكر -رضي الله عنه- فقال: ما هذا؟ فقلت: احتاج -الحي- إلى نفقة، فقال: إن معي ورِقًا أريد بها فضة فدعا بالميزان فوضع الخلخالين في كفة فشفَّ الخلخالان نحوًا من دانق فقرضه"، حتى يكون سواء، فقلت: دانقًا، "فقرضه" سيدنا أبو بكر، قال: "فقلت: يا خليفة رسول الله هو لك حلال، فقال: يا أبا رافع إنك إن أحللته فإن الله تعالى لا يحله سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن الزائد والمزيد في النار". هكذا أخرجه عبد بن حُميد في مسنده.

"وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ"، وهو بمعنى: أنه إن تم في ذلك القصد والإرادة منهم.

 "وكان ﷺ يرخص لهم في بيع الذهب بالفضة وبالعكس كيف شاءوا، وكان يقول في البيع: "البر بالشعير والشعير بالبر إذا كان ذلك كله يدًا بيد كيف شاءوا"، أي يزيدوا بعضه على بعض لا يضر؛ لأنه اختلف الجنس، لكن لا بد من الحلول والتقابض في المجلس.

"وكان ﷺ يقول: "ما وزن مثلًا بمثل إذا كانا نوعًا واحدًا وما كيل فمثل ذلك وإذا اختلف النوعان فلا بأس"، أي: بالزيادة. "وكان البراء بن عازب وزيد بن أرقم -رضي الله عنهما- يقولان: "سألنا رسول الله ﷺ عن الصرف وكنا تاجرين فقال ﷺ: إن كان يدًا بيد فلا بأس ولا يصلح نسيئة". يأخذ منه نقودًا يصرفها، يأخذ مقابل بعضها ويترك البعض أو يؤخر الاستلام إلى وقت آخر؛ فلا يصح ما دام نقد بنقد لا بد أن يتقابضوا في المجلس، "إن كان يدًا بيد فلا بأس ولا يصلح نسيئة".

ويقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "استعمل رسول الله ﷺ رجلًا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب"،وهو أفضل أجود أنواع التمر في خيبر، فتعجب ﷺ من حسنه وقلَّبه بيده، "فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟" قالوا: لا يا رسول الله، "إنا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل" هذا ربا، "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا وقال في الموزون مثل ذلك". فحرَّم عليه أن يبيع نوعًا من التمر جيدًا بنوع آخر أردأ بزيادة من الرديء، قال: ممنوع، ولكن بِع الجيد بدراهم أكثر، وبِع الرديء بدراهم أقل، تبايعوا بالدراهم، لا تبيعوا طعامًا بطعام مع الزيادة فيه..لا، ما دام كله تمر. 

"وكان ﷺ يرى الجهل بالتساوي في المبيع كالعلم بالتفاضل"، أي: يُحَرَّم ذلك. وكان يقول: "لا يبع أحدكم الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر"، حتى يتم التماثل؛ فإذا اتفق الجنس وجب التماثل والحلول والتقابض، وإذا اختلف الجنس جاز التفاضل ووجب الحلول والتقابض. والله أعلم.

 

رزقنا الله الإيمان واليقين والإخلاص والصدق، وجنَّبنا الربا وجميع الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها، وجعلنا في حصنه الحصين وحرزه المتين من الآثام ومن الأمراض والأسقام، ومن العلل والآفات في الظواهر والخفيات، ثبِّتنا أكمل ثبات، بحق حبيبه خير البريَّات محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

01 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

13 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام