(637)
(486)
(369)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 471 - كتاب البيع: 19- باب الربا.. مسائل متفرقة في البيوع
صباح السبت 2 ربيع الأول 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع في أمور متفرقة
"كان رسول الله ﷺ ينهى عن بيع كل رطب من حب أو تمر بيابسهِ ويقول: "لا يبع أحدكم تمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام"، وكان ﷺ كثيرًا ما يسأل من حوله: أينقص الرطب مثـلًا إذا يبس؟ فإن قالوا: نعم نهى عنه، وكان يرخص في بيع العرايا أن يشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبًا إذا كانت وسقين أو ثلاثة أو أربعة ويقول: "بيعوا الرطب على النخل بتمر في الأرض وبيعوا العنب في الشجر بزبيب إذا كانت دون خمسة أوسق".
وكان ﷺ ينهى عن بيع اللحم بالحيوان وعن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وكان يرخص في التفاضل في غير المكيل والموزون".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته الغرّا، وبيانها على لسان رسوله وعبده خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله من حُبوا به طهرًا، وأصحابه من رُفعوا به قدرًا، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان سرًا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الفرع أمور متفرقة تتعلق بالبيع، فذكر ما يتعلق ببيع الرطب من التمر، أو العنب، أو الحب باليابس.
ويقول: "فلا يبيع أحدكم تمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام"، والحديث أيضًا في الصحيحين وغيرهما.
فيتعلق ببيع الرطب بالتمر:
لأنه لا تماثل فيه، فإن الرطب ينقص عندما يتحول تمرًا؛ وزنه وكيله، فحينئذٍ لا يمكن التماثل، وهو من جنسٍ من المطعوم يجب أن يكون البيع فيه على التماثل، فلا يجوز بيع الرطب بالتمر.
وقد جاء أن النبي ﷺ سُئل عن بيع الرطب بالتمر وقال: "فقالَ أينقُصُ الرُّطَبُ إذا جفَّ فَقالوا: نعَم، قالَ: فلا إذًا". وأنه "لا يُباعُ رطبٌ بيابسٍ" في رواية كما جاء النص عنه صلى الله عليه وصحبه وسلم.
وعلى هذا الجمهور منهم المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- قالوا: لا يجوز.
قال: عنب بزبيب ما يجوز؛ لبن بجبن كذلك؛ رطب بيابس؛ حنطة رطبة بيابسة ما يجوز؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وصحبه وسلم-.
وإنما المماثلة إنما تُعتبر عند الجفاف؛ وإلا فالنقص واضح من أنه بعد أن يتحول إلى يابس ينقص، هذا معلوم.
وإنما سأل عنه ﷺ مشيرًا إلى أنه إنما تكون المماثلة عند الجفاف، فلا تُعلم، فهي غير معلومة الآن.
وإلا ما يخفى عليه أنه ينقص إذا جفْ؛ إذا جف ينقص ما يحتاج إلى سؤال، ولكنه أثبت بهذا أن العبرة بالمماثلة عند الجفاف، وهذا ما يتأتى؛ لم يجف بعد؛ فكيف تكون المماثلة بينه وبين الجاف؟ فالنقص أوضح من أن يُسأل عنه، والمماثلة عند الجفاف مجهولة الآن.
ويقول: "لا يبع أحدكم تمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا وإن كان كرمًا -يعني: عنبًا، فالكرم هو: العنب- أن يبيعه بزبيب كيلًا وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام"" ما يجوز لأن هذا رطب ثم ييبس؛ "وكان ﷺ كثيرًا ما يسأل من حوله: أينقص الرطب مثـلًا إذا يبس؟ فإن قالوا: نعم نهى عنه".
قال: "وكان يرخص في بيع العرايا' وذلك بالخرص، بأن يسلم البائع ثمر النخلة ورطبها ويأخذ مقابلها من التمر بالخرص؛ أن يقدّر أنه سيأتي بكذا وكذا، في ما كان دون خمسة أوسق، لأنه إذا كان خمسة أوسق تتعلق به الزكاة.
قال: "في بيع العرايا أن يشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبًا إذا كانت وسقين أو ثلاثة أو أربعة -يعني: لم تبلغ خمسة أوسق- ويقول: "بيعوا الرطب على النخل بتمر في الأرض وبيعوا العنب في الشجر بزبيب إذا كانت دون خمسة أوسق".
فهنا عندنا أيضًا ما يسمى بالمزابنة: مأخوذة من الزَّبْن، وهو: الدفع؛ لأنها تؤدي إلى النزاع والمدافعة.
فلو لم يكن الثمن رطبًا فهو جائز بسبب اختلاف الجنس.
فاتفقوا على أنه بيع فاسد ولا يصح بيع المزابنة هذا.
نهى ﷺ عن المزابنة والمحاقلة كما جاء في الصحيحين، ولأجل شبهة الربا أنه بيع مكيل بمكيل من جنسه مع احتمال عدم المساواة.
فبيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب كما جاء في بعض الروايات: بيع العنب بالزبيب، وعن كل تمر بخرصه:
قال: "وكان يرخص في بيع العرايا" وذلك في ما دون الخمسة الأوسق بالخرص والتقدير.
العرايا: هذه جمع عَرِيَّة، عريات، من معناها ينطلق على النخلة يعريها صاحبها لرجل محتاج، فيجعل له ثمرها هذا العام.
ويعروها؛ يعني: النخلة، فعيلة بمعنى: مفعول يعروها مفعولة أي: يأتيها. قال: هي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة. كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا ثمر له، يقولوا: هذا النخل حقنا، أنت ما عندك نخل، شوف هذه اثنتين ثلاث أربع لك، خذ الخريف حقها وكله رطبًا؛ فكانوا يتبرعون بها.
فبيع العرايا عند الجمهور أيضًا يجوز عند الشافعي وعند الإمام أحمد. وقالوا: نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا.
فالرخصة فيها استباحة لما كان في الأصل محظورًا.
وجاء أيضًا في الحديث أنه رُخِّص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق كما جاء في الصحيحين.
فيكون للرجل النخلة والنخلتان في وسط النخل الكثير لرجل، وكانوا إذا كان وقت الثمار خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم، فيجيء صاحب النخلة والنخلتين فيضر ذلك بصاحب النخل الكثير، فرخص ﷺ لصاحب الكثير أن يعطيه خرص ما له من ذلك تمرًا لينصرف هو وأهله عنه، وهكذا.
فيُشترط لصحة بيع العرايا هذا شروط:
وخصصوه بذلك، ببيع التمر والعنب دون بقية الثمار وهكذا.ش
لكن في ما لا يلزم فيه الزكاة وهو الخمسة الأوسق، فلا بد من الحلول والقبض من الطرفين في المجلس، بأن يسلم هذا التمر ويُخلِّي هذا بينه وبين النخل الذي باع ما عليه من الرطب.
"وكان ﷺ ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، وعن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وكان يرخص في التفاضل في غير المكيل والموزون".
فكذلك ما يتعلق ببيع اللحم بالحيوان، فيه حديث النهي، وفي لفظ: "نهى عن بيع الحي بالميت".
وهل اللحم كله جنس واحد؟ اختلف الفقهاء؛ فيقول:
فبيع اللحم بحيوان من جنسه لا يجوز عند جمهور الفقهاء، كلحم شاة بشاة حية ونحو ذلك؛ لما ورد من النهي عن ذلك. وهو أيضًا مال ربوي يُباع بما فيه من جنسه مع جهالة المقدار. فكذلك هو:
فإذا كان بيع اللحم بحيوان غير مأكول:
واشترى عليه الصلاة والسلام...
نسأل الله أن يملأنا بالإيمان واليقين والإخلاص والصدق، ويجعلنا في خيار الخلق، ويثبتنا على الاستقامة، ويتحفنا بأنواع الكرامة، ويبارك لنا وللأمة في شهر ذكرى ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويجعله من أبرك الشهور علينا أجمعين، ويجعله شهر فرج المسلمين وغياث للأمة أجمعين، ويوفر حظنا من أيامه ولياليه وجوده على أهليه في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
02 ربيع الأول 1448