(637)
(486)
(369)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 472 - كتاب البيع: 20- باب الربا.. مسائل متفرقة في البيوع -2-
صباح الأحد 2 ربيع الأول 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"واشترى -عليه الصلاة والسلام- مرة عبدًا بعبدين، واشترى صفية -رضي الله عنها- من دحية الكلبي بسبعة أرؤس، وكان كثيرًا ما يرخص في بيع البعير ببعيرين وثلاثة، واشترى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مرة جملًا بعشرين بعيرًا إلى أجل، واشترت امرأة غلامًا من زيد بن أرقم بستمائة درهم نقدًا وكانت باعته له بثمانمائة درهم نسيئة إلى عطائه فقالت لها عائشة -رضي الله عنها-: بئسما اشتريتِ وبئسما شريتِ وأبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده، مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، قالت: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 265]، وتقدم حديث النهي عن بيع العِينة بتفسيره في باب ما لا يجوز فعله في البيع فراجعه.
وكان ﷺ ينهى عن بيع القلادة التي فيها خرز وذهب حتى يُفصَل الخرز من الذهب. وقال فضالة بن عبيد: "اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: لا تباع حتى تُميَّز فقلت: إنما أردت، فقال النبي ﷺ: لا حتى تميز، قال: فردني حتى مَيَّزتُ بينهما فلما فصلتها وجدتُ فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمدُ للهِ مُكرمنا بالشريعة، وبيانها على لسانِ عبده المُصطفى محمَّد الذي جمع فيه الحُسن جميعه، صلّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار في طريقته القويمة الوَسيعة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أهلِ المراتب العُلى والدَّرجات الرَّفيعة، وعلى آلهِم وصحبِهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهُم وفيهِم برحمتِه إنَّه أرحمُ الرَّاحمينَ وأكرمُ الأكرمينَ.
يقول: "واشترى -عليه الصلاة والسلام- مرة عبدًا بعبدين، واشترى صفية -رضي الله عنها- من دحية الكلبي بسبعة أرؤس، وكان كثيرًا ما يرخص في بيع البعير ببعيرين وثلاثة، واشترى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وكرَّم وجهه- مرة جملًا بعشرين بعيرًا إلى أجل"؛ فكان في هذا جواز التبايع والشراء، فإنه ليس من الربويَّات التي جاء الأمر فيها بالتَّماثُل؛ وقد سبق معنا ملاحظة العلّة في الربويات:
ثم إن المسألة أيضًا تتعلّق -كما أشار المؤلف بعد ذلك- ببيع العِينة، وقال: "واشترت امرأة غلامًا من زيد بن أرقم بستمائة درهم نقدًا وكانت باعته له بثمانمائة درهم نسيئة إلى عطائه، فقالت لها عائشة -رضي الله عنها-: بئسما اشتريتِ وبئسما شريتِ -أي: بِعتِ- وأبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، قالت: أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 265]".
وبذلك تحدّثوا عن 'بيع العِينَة"، وأنَّه يرجع في بضاعته بعَيْنِها، أو أنَّه ليعين المُحتاج في الوقت بتوفير مال في الحاضر يُحتاج إليه وما إلى ذلك.
فقد يقال لها أيضًا: بيع السلف؛ إذا اشترى شيء بشيء نسيئة، أو اشترى بنسيئة، ومُشترِي هذه السلعة إلى أجل يأخذ بدلها -أي: من البائع- عينًا، أي: نقدًا حاضرًا؛ بذلك سُمِّيت "بيع العينة".
وفي هذا قال الفقهاء:
فلها إذًا صورة فيما نُهي عنه "بيع العينة" المحرم أوالمنهي عنه أن يبيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم، ثم يشتريها نفسها نقدًا بثمن أقل، وفي نهاية الأجل يدفع المُشترِي الثمن الأول؛ فيكون الفرق بين الثمنين فضل رِبَا، للبائع الأول يعطيها، فتؤول العملية إلى كأنه أقرض عشرة بخمسة عشر؛ لأنَّه باعه إياها بخمسة عشر ثم اشتراها منه بعشرة، وبقيت عليه خمسة عشر، فيجي بعدين بالخمسة عشر يردّها إليه؛ فكأنه أقرضه عشرة واستلم منه خمسة عشر مقابل ذلك.
وهكذا ورد في ذلك النهي:
إذًا ينبغي الاحتراز من مثل ذلك والبُعد عن التحيُّل في دين الله تعالى.
لَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْحِيَلِ *** فَانْتَبِهْ يَا رَاقِدَ الْمُقَلِ
يَا جَهُولَ الْقَلْبِ غَافِلَهُ *** أَنْتَ بَعْدَ الْيَوْمِ فِي شُغْلِ
يقول: "وتقدَّم حديث النهي عن بيع العينة بتفسيره في باب ما لا يجوز فعله في البيع فراجعه".
"وكان ﷺ ينهى عن بيع القلادة التي فيها خرز وذهب"؛ لأنه كيف نعرف مقدار الذهب الذي فيها وهو مخلوط بالخرز؟
فإذا باعها بنقد فلابد أن يكون النقد مقابل النقد، والذهب مُقابل الذهب مثلًا بمثل. "حتى يُفصَل الخرز من الذهب"، ويُعرف مقدار الذهب فيكون مُقابله من الذهب بمقداره سواءً بسواء مِثلًا بمِثل.
يقول: "قال فضالة بن عبيد: "اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز -واشتراها بذهب- فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ: لا تباع حتى تميز فقلت: إنما أردتُ -أنا راضي بها!-، فقال النبي ﷺ: لا حتى تميز، قال: فردني حتى ميَّزت بينهما فلما فصلتها وجدتُ فيها أكثر من اثني عشر دينارًا". فصارت فيها مُجازفة بالبيع وصار أخذ من الذهب أكثر من اثني عشر دينارًا في القلادة هذه؛ فيُفصَل ذهبها عن بقيَّتها.
وهذا يأتي فيما يسمونه أيضًا بمسألة مُدٍّ وعجوة:
إذا جمع في البيع ربوي من الجانبين واختلف جنس المَبيع منهما..
إذا كان البيع على صورة من هذه الصُّور:
فيقول الشافعية والحنابلة: لا يجوز بيع نقدٍ بجنسه ومع أحديهما أو كليهما شيءٌ آخر، فلا يجوز بيع مُدّ ودرهم بدرهمين، أو بيع درهم ثوب..لا يجوز ليش؟ لأنَّه دخل فيها الربوي وغير الربوي، ووين نفصل هذا عن هذا؟ درهم بدرهم، وبِع ثوب بما شئت، صحيح! وأمَّا مرة درهم وثوب بكذا كذا درهم، وين وجه المُمَاثلة؟!
فلهذا قال: ما رضيَه منه ﷺ وقال له: خرِّج الذهب وحده والخرز وحده، وبِع بعدين ما شئت! بِع ذهب إن شئت بذهب مِثلًا بمِثل، وبِع الخرز بما شئت.
وهكذا فيقول: لا يجوز بيع نقد بجنسه ومع أحدهما أو كليهما شيءٌ آخر، فلا يجوز بيع مُدَّ ودرهم بدرهمين، أو بيع درهم وثوب، كما لا يجوز بيع شيء مُحلَّى بذهب أو فضة بجنس حِليَته؛ فعُرِفت المسألة في الفقه بمسألة مُدّ وعجوة.
وجاء في صحيح مسلم: "أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ تُبَاعُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ"، وَفِي رِوَايَةٍ قال: "لاَ تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَل".
فينبغي تجنّب الشبهات، و"إنّ الحلَال بيِّن وإنَّ الحَرَام بَيِّنٌ، وبينهما -أمورٌ- مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَمَنِ اتقَى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأ لِدِيِنهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يِرْتَعَ فِيهِ"، ابتعد عما اختُلِف في حلّه وفي جوازه.
رزقنا الله الاستقامة والاتِّباع لحبيبِنَا محمَّد ﷺ في كلِ أقوالنا وأفعالنا ونيَّاتنا ومقاصِدنا، وحمَانا من شرور الأنفس وسيِّئات الأعمال، وكل سوءٍ أحاطَ به علمه في الدنيا والمآل، وأصلح الشوؤن كلَّها لنا وللأُمَّة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأصَحْابِهِ
الْفَاتِحَة
03 ربيع الأول 1448