تفسير سورة الحديد -4- من قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ..)، الآية: 5

تفسير سورة الحديد، من قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}، الآية: 5
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}، الآية: 5، إلى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، الآية: 9

﷽

(لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • حقيقة الملك: بين الـمُلك الحقيقي و الـمُلك المجازي:
    • الملك الحقيقي لله وحده: خلقاً وتصريفاً وإيجاداً وإعداماً وتمليكاً وتبديلاً يوم القيامة.
    • ملك الإنسان في الدنيا مجازي وزائل: هو مجرد عارية واستخلاف مؤقت.
  • مفهوم الاستخلاف وحقيقة المال:
    • المال مال الله وحقيقة ما يملكه ابن آدم.
    • الدعوة إلى المبادرة بالإنفاق وبذل المال في سبيله قبل فوات الأوان.
  • أسبقية الإيمان والإنفاق قبل الفتح:
    • مقارنة بمن أنفق وآمن بعد التمكين والفتح.
    • التنبيه على علو قدر السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم.
  • شرف العبودية ولطائف إيمانية:
    • مقام العبودية.
    • العاقبة الحقيقية.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بأنوار البيان، وإيضاح الحُجَّة وإقامة المحجَّة على لسان سيدَّ الأكوان، عبده الذي أنزل عليه القرآن في رمضان، هُدىً للناس وبينات من الهُدى والفرقان، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه في كل حين وفي كل شأن، على مدى الأحيان، وعلى آله المطهرين عن الأدران، وأصحابه الغرُّ الأعيان، الذين شرِبوا كؤوس الإيمان، فامتلأوا بمحبة الرحمن، وحبيبه المُصطفى من عدنان، فكانت لهم في ذلك أقوى المباني، وأسمى المعاني في كل شأن، وعلى مَن تبعهم واقتدى بهم ووالاهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مراكز النور، ومعادِن الفضل والعِرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أمَّا بعد،،،

فإنَّنا في نِعْمة تفضُّل الله علينا بتأمُّل معاني كلامه وخطابه، الذي أنزله على قلب عبده وحبيبه محمد -صلى الله عليه وصحبه وسلم- في ساعات هذا الشهر الميمون المبارك، قد مررنا على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)). 

وعلمنا أنها المعيَّة العظيمة اللائقة بجوده، وأن مما نستجلي مِن معناها، وتصل إليه أذهاننا: 

  • أنه بالإحاطة، وبالعِلم وبالقُدرة والسمع والبصر مع كل كائن؛ ولا يقدر كائن من مكوناته أن يخرج عن ذلك أصلًا، لا يمكن. 
    • لايمكن انفكاكه عن ذلك، ولا خروجه عن ذلك، ولا قفزه من ذلك، ولا تنصُّله من شيء من ذلك. 
  • فكل الكائنات تحت قُدرته وإحاطة عِلمه وترتيبه وتسييره وتصويره وتقديره -سبحانه وتعالى-. 
  • وأنها بالنُصرة والتأييد، وإفاضة المعارف، واللطائف للمحبوبين والمُحسنين من المُتَّقين: 
    • (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة:194]. 
    • (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي) [المائدة:12]، إلى غير ذلك. 

وكل ما نُسب إلى الرحمن مِن معيَّة وغيرها: 

  • فهي لا تناسب شيئًا مِن معيّات الخلائق بينهم البين. 
  • والمعيَّة لائقة بجوده وعظمته وجلالته وكبريائه وأُلوهيته وربوبيته وقدسيته -سبحانه وتعالى-. 

لا مجال للعقول إلى الإحاطة بها، يقول -سبحانه وتعالى-: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، فنسأله أن يوفِّقنا من الأعمال ما يُسعدنا به في الحياة والمصير.

(لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)).

قال: 

  • (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) على الحقيقة خلقًا وإيجادًا وإنشاءً وتسييرًا وتصويرًا وتقديرًا وتأقيتًا.
  • حتى (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [ابراهيم:48]:
    • وتغييرها وتبديلها أيضًا كلٌّه مُلكه، ولا يمكن أن يشاركه في ذلك أحد. 

فمن الغرابة، الاغترار بأي شيء يصل إليه الإنسان من فكر وصناعة وهو أمامهم، لم يخلُق؛ ولا قطعة من الأرض ولا جزءًا من السماء، ولا مَن قبله ولا مَن بعده، ولا الشعوب ولا الدول، ولا يتحكمون في تسييرها، ولا تصويرها ولا تقديرها حتى يُبَدِّلَها الله تعالى: 

  • (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) [الانشقاق:1-4].
  • (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) [الإنفطار:2-3]. 

وهو وحده المُتصرِّف في كل ذلك، من بداية تكوينها وتسييرها إلى الوقت الذي حدده هو، إلى وقت التغيير الذي يغيِّرها هو، وفيه لا يقوم بذلك إنسيٌّ، ولا جنيٌّ، ولا مَلكٌ، ولا أحد من الخلائق قط، فلله ملك السماوات والأرض.

  • يجب أن تمتلئ قلوبنا بعظمة مُلكِ المَلكِ على الحقيقة، الذي هو مَلك -سبحانه وتعالى-. 

وقلنا: 

  • أنَّ ما يُنسب إلى الإنسان من المُلك: فهو مجازي، وصوري، ووقتي، وآنِيٌّ، ومنقضٍ ومنتهٍ. 
  • وأعلى وأشرف ما يمكن أن يُحصِّله الإنسان مما يُطلق عليه المُلك؛ الجنة (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]. 

لهذا أعلى المُلك في عالم الدنيا: 

  • أن تملك؛ نفسك وهواك وشهواتك وأعضاءك السبعة، فلا تصرفها إلاَّ في مرضاة الله. 
  • وهذا هو طريق الجنة، وهذا هو مُلك الجنة فهذا أعلى مُلك.

كل مَن يظن أن مَن حكم قطعة من الأرض، أو الكرة الأرضية كلها، ومَن يحكم الكرة الأرضية كلها؟! 

  • كم من دولة عليها سبعين نِزاع، ويجتمعون فيما يُسمُّونه أمم متحدة، وكل يوم يتنازعون، لو اتحدوا ما تنازعوا. 

إذا هم أُمم متحدة، لماذا الحروب هذه؟! أليس مُتحدَّة إذًا، الاسم يحتاج تصليح أو كيف؟! يحتاج تصحيح الإسم.

  • لو كانت متحدة كانوا لا يتقاتلون، لا يتحاربون! ولا كل واحد يعِد أسلحة الدمار لأجل الثاني، فهي ليست متحدة. 
  • هذه الاسم ليس صحيحًا، يحتاج إلى تصحيح! -لا إله إلاَّ الله-.

صاحب المُلك هو الله (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فلا ينبغي أن تغتر بشيء من هذا المُلك، ولا تظن أنَّه الغاية، كُل مَن مَلك قطعة من الأراضي، أو مَلك حُكم في قطعة من هذه الأرض: 

  • ظنَّ أنَّه شيء كبير؛ هذا يُعطى للفاجر وللكافر وللمؤمن وللصالح.
  • أُعطِيَ المُلك لسيدنا سليمان، وأُعطِيَ للنمرود، وأُعطِيَ لفرعون، وأُعطي..ما تحته شيء، ليس بشيء. 

أحسن مُلك في الدنيا: 

  • أن يُمِدَّك الله من نور الوعي والعقل والفَهم والتوفيق؛ أن تملك أعضاءك وشهوتك وغضبك، فلا تُصرفُها إلاَّ في طاعته؛ هذا هو المُلك، هذا هو المُلك. 
  • ووراءهُ نتائج ذلك؛ من تقريب المَلِك لك وعنايتهِ بك وتمكينه إيَّاك وحفظه لك، وحراسته لك، ولِآثارك، وامداده إياك من أسرار علمه ومعرفته الخاصة؛ هذا هو المُلك؛ هذا هو المُلك.

 وما يساويه، لو واحد يملك الأرض من طرفها إلى طرفها، وهو لا يملك المعرفة، لا يملك الشهوة، لا يملك الغضب! كم  ستستمر في مُلكك؟ وما رأيت الذي قبلك، كم؟ 

  • ولو بقي لِمَنْ قبلك، ما كان وصل إليك، فلن يبقَ لك، لا تغتر؛ هذا ليس مجالا للغرور. 
  • لكن مخادعة الناس لأنفسهم، بقبولهم مخادعة عدوهم لهم من شياطين الإنس والجن. 

وللِإغراء بذلك المُلكِ، كم سفكوا من دماء؟ وكم!

والملائكة قد قالوا لربنا لمَّا أراد أن يستخلف آدم في الأرض: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [البقرة:30]، أعطنا نحن الخلافة هذه. قال: اجعل فيهم مَن يفُوقكم، وأبرِزْ بينهم من يعلُوكم: 

  • وابتدأ بآدم وقال: هيا علِّمهم يا آدم، قل: ما هذه الأسماء؟ قالوا: لا علم لنا، قال: يا آدم علِّم، اجلس على كرسي المشْيخة وتَمَشْيَخَ على الملائكة بأمر الحق -جلَّ جلاله-، و(اسْجُدُوا لِآدَمَ)، قال: قلنا لهم (اسْجُدُوا لِآدَمَ) [البقرة:34]، فأمرهم بتعظيم آدم والسجود له. 
  • وبرز الأنبياء، وبرز الصديقون، وبرز المقربون، فلهذا هم جوهر الإنسانية وشرفها وكرامتها، ولولا هذا الجوهر والشرف ما قامت الخلافة، ولا  قُدِّمَ استخلاف هذا الجنسِ من المخلوقين على الملائكة الكرام. 
  • عرضوا أنفسهم؛ قالوا: (نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، لماذا تأتي بخلق ثاني؟! و (نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، نحن سنقوم لك بالخلافة في الأرض: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) [البقرة:30-31]. 

حتى أبرز من بينهم دُرّة الحقائق: 

  • خير الخلائق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
  • والملائكة يقرأون اسمه على قوائم العرش. 
  • ويعرفون قدره عند ربِّ العرش صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
  • ومَن حضر معهم للصلاة معه، ومع الأنبياء: 
    • كان في المأمومين مع الأنبياء. 
    • وكان الإمام الحبيب الأمين.

إذًا فإن كنت راغب في مُلك، فإنما أُنزل من الوحي وبُعث به إليك رسول، يقول لك: ارفع مستوى رغبتك وارغب في مُلكٍ شريف عزيز.. 

  • هذا المُلك الشريف العزيز يرتبط بمُلكٍ أبدي، وهو مجاورة الحق في دار الكرامة، في مرافقة النبيين والصديقين، حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. 
  • وإنَّما حذروك من أن تُؤسَر بتدني وسقوط الهمة إلى المُلك الحقير القصير هذا؛ ومن أجله تُضيِّع العمر الغالي النفيس، ويذهب عنك المُلك الكبير.

فبُعث الأنبياء إلينا وأُنزلت الكتب؛ لنرتفع بمستوى إراداتنا ومقاصدنا ورغباتنا، حتى لا نرغب إلاَّ في الأكبر والأنور والأطهر و الأدوم والأبقى والأجمل والأشرف والأعلى.

يقول: (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)): 

  • وكل ما يختلف فيه الناس، وكل ما يظنون، وكل ما يفكرون فيه، وكل ما يصنعون يرجع إليه، فأحظاهم بالشرف والكرامة والرفعةِ؛ أعرفُهم به في هذه الحياة. 
  • مَن كان أعرف بالله، هو الذي عند العاقبة، عندما ترجع الأمور إلى مَن عرفه؛ يظهر شرفه، وتظهر مكانته وأنَّه الأعلى. 
  • وكل شيء يرجع إليه؛ صغير أو كبير، إنسي جني، جسم روح، حِس معنى، أرض سماء، مرجعها إليه (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). 

وما حكَم بِإبقائه، وإِدامته من؛ عرشٍ أو كرسيٍ أو قلمٍ أو لوحٍ أو جنةٍ أو نار، ومنعَّمين في الجنة ومعذبين في النار؛ فمرجعهم إليه، هو الذي يرتبه، هو الذي يدبره، هو الذي يبقيه، ولا يبقى من ذلك شيء إلاَّ بإبقائه؛ لا نار تبقى إلاَّ بإبقائه، ولا جنة تبقى إلاَّ بإبقائه، ولا أرواح تبقى إلاَّ بإبقائه -جلَّ جلاله وتعالى-.

إذًا (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، فانظر الذي مرجع الأمور إليه، وخُذ لك سبيل إليه، وحال معه، وصلة به، ومكانة عنده؛ لأن مرجع الأمور، كل شيء سيرجع إليه. 

فأين سيضعك؟ وأين ستكون بعد ذلك؟ 

عندما تنتهي مدة الخيالات والأوهام، أن شيئًا يرجع إلى غير الرب، هذا كله وَهم، ليس فيه حقيقة، ينتهي هذا الوهم، وينتهي الوقت، ويرجع الناس، وهناك يوم الفصل؛ يحصل القضاء، ولا مُعقِّب لحكمه، ولا حاكم معه غيره،.

  • يعذب من يشاء، (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) [الأنعام:16]؛ من يُصْرَفْ عَنْهُ العذاب، الله أكبر!
  • (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) [غافر:9]. 

وإذا بكل المدة التي قضَّاها الناس -من عهد آدم إلى وقت النفخ في الصور- متاع الغرور، ما فيها شيء يُذكر ويبقى؛ إلاَّ معرفة الله وطاعته بحسب ما قُبل من ذلك.

من دون إيمان وطاعة ومعرفة بالله -كلها لاتنفع- قصورهم، حضاراتُهم، زراعاتُهم، صناعاتهم، تجاراتُهم، صورهم، أرواحهم، أجسادهم، لا شيء! وانتهى كل ما في هذه الدنيا، وقيل: 

  • (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟  (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ [غافر:16]. 
  • (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]. 
  • (قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن:7]. 

صاحب القدرة الذي كوَّن هذه الكائنات: 

  • ما الذي يُعجزه؟ يُردَّك؛ ثاني مرة، وثالث ورابع وخامس، يردك متى ما شاء. 
    • أمَا قد جاء بك أول مرة؟ 
  • كيف لا يقدر أن يردك ثاني وثالث؟ وأنت أول مرة من أين جئت؟ 
    • أما جاء بك أول مرة؟ جلَّ جلاله- 
    • أما يكفيك هذا دليل وحجة؟ لا إله إلاَّ الله.

 

 تفسير قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))

يقول سبحانه وتعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(6)) تكوينها وخلقها وحقيقتها، فضلًا عما يطرأ فيها وما يكون فيها، (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه:7]، (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

نادانا الحق: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ادخلوا في دائرة الإيمان لتُدركوا إدراكًا للحقيقة:

  •  لتنالوا المصير إلى الجنان. 
  • و تفوزوا برضا الخالق الرحمن -جلً جلاله وتعالى-.

(آمِنُوا بِاللَّهِ) وكل شيء يدعوكم إلى الإيمان به، وبعده كذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165].

يقول: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) -محمد- فإنكم بالإيمان بهذا الرسول: 

  • تؤمنون بجميع المرسلين؛ لأنه مُصدقٌّ لهم. 
  • و تُؤمنون بجميع الكتب؛ لأنه مُصدقٌّ لها. 
  • و تُؤمنون بالملائكة، وتُؤمنون باليوم الآخر؛ لأنه جاءكم بهذا.

(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، كل ما تملكون من الأموال وسواها، استخلافٌ استُخلِفتُم، ولم تكونوا أنتم، ولم تكن الأموال. 

إذًا فمن أين جاءت؟ 

  • مالُكم ورّثكم إياه، فأنتم مستخلفون فيه. 
  • أعطاكم إياه عارية في وقت محدد.

(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، كان قبلكم من كان يملك مثل هذا وذهب، أمَّا الأرض فكل بقعة قد ملكوها غيرك، أنت ستملك أي قطعة؟ 

كم مرَّ عليها مُلكًا، أظهر الله تعالى كرامة على غير العادة لبعض الناس يتنازعون على قطعة من الأرض، فسمعوا صوت في الأرض يصيح قال: 

  • اتقوا الله قد ملكني من الذي اسمهم أحمد فقط من هذه الأمة سبعين، والأسماء الثانية مئات قد ملكوني وكلهم راحوا، وأنتم على ماذا تتجادلون؟ 
  • انظروا الى هذه القطعة، أنا قد ملكوني من الذي اسمهم أحمد فقط سبعين واحد، أمَّا الأسماء الأخرى مئات ملكوني وذهبوا، وأنتم الآن مازلتم تتنازعون عليها ستذهبون بعد قليل!  -لا إله إلاَّ الله-، الله، الله.

(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم)، وبعد قليل يخلفك غيرُك عليها، اذهب، ولهذا جاءنا في الحديث عنه ﷺ قال: "قرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) [التكاثر:1]، قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وما لابن آدم من مال إلاَّ ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدَّق فأمضى"، وجاء في الرواية عند الإمام مسلم يقول: "وما سوى ذلك فذاهبٌ وتاركه للناس"، غير هذا الذي يأكله ويلبسه، هو سيذهب ويتركه لغيره؛ لأنَّه استخلاف، هذا يَخلُف هذا، وهذا يخلف هذا، والمالِك الحقيقي فوق الكل، سيرجعون إليه كلهم.

(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ): 

  • يقول الحق: فرصة أعطيتكم إياها، أوجدتكم من عدمٍ على ظهر الأرض، ومهَّدتها لكم تمهيدا (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) [الذاريات:47-48]، هل أحد غيرُه مهّدها لك؟! -الله لا إله إلاَّ هو-، 
  • بعد ذلك يقول: أعطيتكم فرصة، وسط أيامكم على ظهر هذه الأرض، أُمَلِّككم أشياء وأقول لكم: أنفقوا في سبيلي، وإلاَّ هو كله مني ومرجعكم إليّ؛ لكن إذا أنفقتم في هذه الفترة تملكون أمور عظيمة من خزائن جودي أعطيكم إياها -الله- كيف؟!.

(فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) الكبير يسميه كبير، ولهذا: 

  • ما يمكن -(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ) [السجدة:17]-، ما يمكن لأحدٍ أن يحيط به. 
  • لأنه كبير ليس بميزاني وميزانك، بميزان الكبيرِ نفسِه، كبير.

 (أَجْرٌ كَبِيرٌ)، كبير كِبَر لائق بعظمة الكبير ليس بميزاني أنا! -الله، الله، الله، الله، الله-، وأنت عندك في عُرف الصبيان -الأطفال الصغار- يمكن شىء مُلك كبير عزيز، ماذا عنده؟ لعبة!! كبيرة عنده، على مستواه، على مستوى فهمِه هذا كبير، لو أحد أخذها يبكي يصيح، ما تساوي شيء مثل هذا نعنعة -حلاوة- شوكوليت -مثل هذا- قليل، هذا كبير عنده؛ لأنه على مستواه، لمَّا يكبر قليل؛ يصبح عنده هذا أمر حقير، الكبير شيء ثانٍ عنده، وهو هكذا.

لكن ذاك كبير ليس بميزان الخلق، عند الله الكبير كبير أجر -الله- لهذا قال: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].

يقول -جلَّ جلاله-: (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) فالفرصة الكبيرة في الحياة:

قوة إيمان وحسن إنفاق في سبيل الرحمن فقط؛ 

  • إيمان. 
  • وعمل صالح. 
  • وإنفاقٌ من أجل الله. 

ربح الحياة، خير الحياة، فرصة الحياة، نعمة هذه الحياة، لا شيء خير غير هذا، إنْ شيء خير في الدنيا فهو هذا: إيمان وعمل صالح، وإنفاق في سبيل الله، يا رب وفقنا.

(فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أجر كبير، مع كبْره الذي لا يتناهى وصفه، دائم أبدي باقي -الله-، وهذا غير ممكن في الدنيا أصلًا، أجحد الجاحدين وألحد الملحدين يعرف أنه سيموت؟ أو سيبقى؟!

قل له: أنت متحدي للأُلوهية والربوبية! الألوهيةُ والربوبيةُ حكمت بموت بني آدم، أخرج عن هذا الحكم كله من هذا إِلهك! أنت الحر، ما عندك إله، إبقَ في الدنيا -إبقَ في الدنيا- لاتخرجْ، قل: لا أريد؛ لأنك حُر، بتصورك هذا الأخبل الذي عندك أنت حر، قل: لا يمكن أن أخرج من الدنيا أنا حر، لا أحد فوقي إله، ولا شيء! أنا سأتصرف ما يمكن أمرض، ما يمكن أموت، ممكن؟!

 إن كان ملحد وإن كان كافر وإنَّه...، إذن من الذي قهركم على هذا؟! من الذي حكم عليكم بهذا؟! عِلمُكم؟ صناعتُكم؟ ما الذي حكم عليكم أنكم لا بد أن تموتوا، كلهم يقولون: لا بد من الموت، ما سبب الموت؟ ما عندك علاج؟ ما عندك طب؟ ماعندك.. ؟!اعمل، لا تجعل لك سبب للموت، ولا تعرض نفسك.

كلهم يوقنون بالموت؛ هذا مظهر من مظاهر قهرِ الخالقِ، قهر عبادِه بالموت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [ال عمران:185]، (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)) يا رب اجعلنا منهم.

تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8))

والحق بعد ذلك يقول: وبعد هذه الدلائل، والرسائل، وختم الرسائل، وظهور الأمور واضحة بيّنةً:

  • (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)؟ ما الذي تحصِّلونه من هذا العناد والإصرار على التكذيب والجحود والكفر؟ ماذا تحصلون من وراء هذا؟ ما لكم؟! ما الذي لكم؟
  • (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)؟ والحال أيضًا بعد مرور القرون والرسالات والأمم، وكل مَن عادى رسلي؛ أهلكته وأخذته، (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)؟ [الرعد:32].

انظروا عاقبة الذين من قبلكم، كل الذي كذبوا رسلي أهلكتهم، وبعثتُ لكم خاتَمَهم الآن: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ).

(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) قال: هذا الآية الكبرى، أبرزتها إلى عالم الحس والوجود وأوجدتهُ.

(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)، وفي قراءةِ أبي عمرو: (وَقَدۡ أُخِذَ مِيثَٰاقُكُمۡ) وعامة القرَّاء: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ): 

  • (أُخِذَ) الميثاقَ من قِبل الذي أخذه. 
  • و(أَخَذَ) ميثاقَكم الرحمن -جلَّ جلاله- بما أخذ علينا من عهود ومواثيق في عالم الأرواح. 

فإنَّ أجسادنا التي نعيش بها على الأرض: 

  • إنمَّا حركتْها وحياتها معلقة بوجود الأرواح فيها، حينما نُفخت ونحن في بطون أمهاتنا. 
  • وهذه الأرواح هي المدرِكة وهي العاقلة قد (أُخِذَ) عليها العهد والميثاق أن تؤمن بالله تبارك وتعالى: 
    • (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ) [المائدة:7]، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 
    • (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس:60-61]. 
    • (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172].

 (قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)، وبالنسبة أيضًا للمؤمنين من الصحابة، يقول: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) محمدٌ جدد العهد عليكم، بايعتموه، (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ).

يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ)، اللهم لك الحمد، 

  • جعلت داعينا إليك وإلى الإيمان بك: أكرم خلقك عليك، لك الحمد. 
  • نعمة الإيمان ما تفوقها نعمة، ومع ذلك كانت دعوتك إليها على يد: الأكرم الأعظم الأشرف الأنظف الأرقى الأتقى، الله أكبر! 
    • (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ). 
    • (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) [ال عمران:193]، فحققنا بحقائق متابعته، يا ربنا.

(يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8)) فهذه هي الفرصة الكبيرة للإيمان بي، وهذا وقته، فإلَّا بعد أن تفوت الفرصة الكل سيؤمن:

أنت، ألا تظن إنه بعد ذلك ماعندنا أحد في البرزخ ولا في يوم القيامة؟! مازلتَ مكذب؟ 

يرى أمامه كل شيء، كلهم يؤمنون؛ لكن لا ينفع الإيمان: 

  • حتى فرعون عند الغرق آمن؛ لكن لا ينفع: (حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90]. 
  • وهذا الاستعراض والضجيج كله الطويل العريض، قوَّمتَ عليه مملكةَ كذبِ وكفرِ، لا أثر له!  (لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، وكله كذب هذا. 
  • (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51]، لا يوجد شيء منه هذا! 
  • (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24]، مافي شيء! كذب، لا حقيقة له. 
  • (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38] تلاشى! لم يعد شيئًا، كله انتهى؟! 
  • فسد، مات! ظهر أنَّه كذب في كذب؛ هذا هو الكفر.

هذا الكفر بأنواعه، نهايتُه هكذا، ظهر كذب، ولا شيء، زمجرةٌ فقط، وكلام طويل عريض، وبعد ذلك، ولا شيء! (لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90]، ربُّ موسى وقومه هو الرَّب هو هو فقط لا أحد غيره؛ (آلْآنَ)؟! ويقول: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، قال له الله: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:91]، فهذه نهاية الكفر، يا رب ثبتنا على الإيمان.

وأين هذه نهاية فرعون، من نهايةُ بلالٍ بن أبي رباح؟

  • فماذا نفع فرعون مُلكه وقصْرَه؟ 
  • وماذا ضرَّ بلال تعذيبه في مكة؟ 

إنَّه سهل وبسيط، استُعبِدَ وأُوذِيَ وعُذِّبَ، فماذا ضرَّه؟ 

  • نهاية فرعون هكذا.
  • نهاية بلال: تأتي سكرات الموت:
    • تقول زوجته: واكرباه! يفتح عينيه: لا، بل واطرباه! واطرباه! غدًا ألقى الأَحِبَّةَ محمدًا وحِزبَه.

يعني فرق! انظر الفرق بين الاثنين، فمن هو صاحبُ المُلك في الحقيقة؟ ومَن صاحب الشر بلالٌ أم فرعون؟

  • وبلال من يوم توفى إلى الآن وعينه قريرة بما يأذن الله له به من مشاهدة حبيبه، وما يأذن الله له به من البشائر، وما يشاهد من الجنة في الصباح والعشيّ كل يوم.
  • وفرعون من يوم غرق إلى الآن هو وقومه (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) [غافر:46]. 

هيا قل لي: مَن المَلِك منهم الآن؟ ومَن الشريف؟ ومَن الرفيع؟ ومَن المستفيد؟ ومَن الرابح؟ ومَن الفائز؟ الله، -لا إله إلا الله-.

يقول سبحانه وتعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فهذا هو وقت الإيمان، بعده لا ينفع، كل الناس يؤمنون، ومن قبلُ في عالم الأرواح كل الناس سجدوا مؤمنين: 

  • فقط في الفترة هذه التي اختبر الله العباد فيها:
    • (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:2]. 
    • (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد:31].
    • (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) [العنكبوت:11]. 
    • (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت:3].

 مدة الفترة هذه فقط، أمَّا قبلها كانوا كل الناس مؤمنين، وبعدها كلهم مؤمنين، لا أحد كافر، لكنَّهم لمَّا كانوا في هذه المدة كفار سُمُّوا بكفار، والتصق بهم وصف الكفر إلى الأبد، وهم آمنوا بعد ذلك، لكن الإيمان ما عاد ينفع. 

من في النار يجحد وجود الله؟! أولن يصدِّقَ الرسول؟ 

  • لا أحد، كلهم يصدقون أنَّ هذا هو الحق. 
  • كلهم يؤمنون بالرسل، وبالأنبياء، وبالملائكة؛ كلام واضحٌ للكل. 

لكن هذا الإيمان بعد أن فاتت الفرصة كفار، سُمُّوا كفار، لم يعد ينفعهم الإيمان: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر:85]، بعدما رأوا قوةَ الحقِّ وقهرَهُ إياهم؛ لم يعد ينفعهم الإيمان، هكذا شأن الطوائف والأمم.

يقول الله سبحانه وتعالى عنهم في ذكر هذه الحقيقة التي أرسل بها رُسله صلوات الله وسلامه عليهم يقول: 

  • (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [غافر:82]. 
  • ماذا أفادهم الذي كسبوا؟ وهم أكثر منهم قوة، وأشد آثارا في الأرض، فيهم الذين نحتوا الجبال، وفيهم الذين قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15] وفيهم، وفيهم راحوا! 

يقول الله تبارك وتعالى: 

  • (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) -هذا المهزوز القليل اليسير- (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، (وَحْدَهُ) إذًا والأشياء التي كنتم؟! (وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ). 
  • الذي سميناه علمٌ، والذي سميناه مُلك، والذي سميناه قوةٌ، والذي سميناه حضارةٌ، كفرنا به، لا شيء، لا شيء، لا شيء، لا شيء، لا شيء، لا شيء! لم يعد شيء! كيف لم يعد شيء؟ لماذا من أول لم! الآن تقولون؟! 
  • قال سبحانه وتعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر:83-85] اللهم ثبتنا على الإيمان.

 

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (9))

يقول سبحانه وتعالى: (وَاَلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أُخِذَ مِيثَٰقُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، يقول: 

  • هذا رسولي الذي أرسلته إليكم، لا يختار شيء من عنده، ولا يأتي لكم بشيء من فكر بشري، ولا إنساني. 
  • هذا مرسل من قِبلي، أنا اخترته، واجتبيته، وانتخبته، واصطفيته، وانتقيته، وأمددته بوحيي، وتعليمي: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113] -لا إله إلَّا الله-.

يقول: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ):

  • هذا الإله الذي يجب أن تؤمنوا به (هُوَ اَ۬لَّذِي يُنزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِ). 
  • وفي قراءة: (يُنَزِلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) واضحات دلائل، وحُجج، وبراهينُ واضحة ظاهرة.

(لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ) في معتقداتكم، في أفكاركم، في سلوكياتكم من الظلمات يخرجكم، من أنواع الكفر، ومن أنواع الفساد، من أنواع الغي، من أنواع الضلال.

(إِلَى النُّورِ) إلى المعرفة، إلى اليقين، إلى الصدق، إلى الحق، إلى الهدى، إلى القرب من الرحمن، إلى الذكر، إلى نيل الرضوان الرباني؛ يُخرِجُكم من الظلمات ببركة هذه الآيات التي أنزلها عليه.

لك الحمد يا رب خصصتنا بهذا النبي، وبهذا الكتاب المُنزل عليه، فلك الحمد شكرًا؛ ولكن فأخرجنا من الظلمات إلى النور كلها، من الظلمات كلها إلى النور -يا أرحم الراحمين-، وزدنا نورا، واجعل من بين أيدينا نورا ومن خلفنا نورا وعن أيماننا نورا وعن شمائلنا نورا، ومن فوقنا نورا، ومن تحتنا نورا، واجعل لنا نورا، واجعلنا نورًا، وزدنا نورا برحمتك، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8].

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ) عبده، عبده، عبده، عبده؛ ما أحد بلغ في العبدية والعبودية مبْلغ محمد، في التحقق فهو العبد المحضِ الخالص بكل المعاني من كل الوجوه، ولم يدركه في ذلك سابق ولا لاحق؛ هو العبد، (عَبْدِهِ)

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ) عبده وحده خالص له، ما فيه شائبة لغيره أبدًا، كله لله، (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) شابهني في ذلك، استلم وجهه، وسلِّمه لله (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [ال عمران:20].

يقول جلَّ جلاله: 

  • (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم)، الرحمنُ بتوفيقه وقدرته، وعبده محمد ﷺ بتعليمه وهدايته ومكانته عند الرَّب؛ (لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ) بأصنافها؛ فكرًا، واعتقادًا، ومسلكًا، ومسارًا.
  • (لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (9))، كوّن الأكوان، وأنزل القرآن، وبعث خير إنسان رحمةً بكم؛ من جودهِ عليكم، (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

 

تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10))

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)! قال: ما الذي يؤخركم ويمنعكم من الإيمان بي والإنفاق من أجلي؟ أنتم تؤمنون بغيري، وتنفقون لأجل شهواتكم لغيري! وأنا الذي خلقتكم ومرجعكم إليّ وحُكمُكم لي!

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فهذا أنتم، والأرض التي عليها، والسماء التي فوقكم كلها ترجع إليه، (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، [مريم:40]، لا إله إلَّا الله.

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ثم يذكر الحق شأنًا عظيمًا: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)، إمَّا فتح مكة، أو صلح الحديبية؛ لأنه فتحٌ بالنص في الحديث، فالذين أسلموا قبل صلح الحديبية، ما يلحقهم الذين جاءوا من بعد، فكيف بمن بعدهم؟ حتى الصحابة أنفسُهم الذين نالوا شرف الصحبة، ما يلحقون الأوائل.

حتى جاءنا في الحديث: إنَّ سيدنا خالد بن الوليد تخاصم مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنَّه في سرية كانوا خرجوا، وبعد ذلك دعاوهم للإسلام، فقالوا: صبأنا صبأنا، ما أحسنوا القول، ماعرفوا يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فأمر سيدنا خالد بقتلهم، فنازعه سيدنا عبد الرحمن بن عوف ومعه بعض الصحابة المتقدمين، طال النزاع بينهم فرجع يقول سيدنا خالد يقول: تستطيلون علينا بسبقكم لنا بمدة للإسلام؛ فأنزل الله. 

وبلغ الخبر النبي قال: "دعوا لي أصحابي"، هؤلاء الذي كانوا معي وقت الشدة، من قَبل صلح الحديبية، وأيام المقاساة التي لا يؤمن فيها إلاَّ مخلص صادق. قال: "دعوهم لي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه"، فإذا كان هؤلاء حال السابقين حتى مع الذين لحقوا، فكيف بمن جاء بعدهم؟

فهؤلاء خيارُ الأمة عليهم رضوان الله -تبارك وتعالى- والحقنا الله بمرافقتهم، والحضور معهم في دار الكرامة في زمرة سيدهم وإمامهم، لا نالوا شرف الهجرة، ولا شرف السبق، ولا شرف الإنفاق إلاَّ بحبيب الخلّاق -صلى الله عليه وصحبه وسلم- فهنيئًا لهم بالمصطفى، وهنيئًا لنا من بعدهم، به وبما جاء به عن عالم السرٍّ وأخفى، رزقنا الله حسن المتابعة، ورفعنا إلى المراتب الرافعة، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

فذي العشِر كان النبي الكريم *** إذا دخلت أبدًا لا ينام

نوى الاعتكاف إلى يوم عيد *** وأيقظ نساؤه عليه السلام

وزاد اجتهادًا وهو في مزيد *** وشمَّر وأحيا الليالي العظام

فهذا نبيك ولا ذنب له *** كثير الدعاء والبكاء في الظلام 

ﷺ

الله يرزقنا متابعته ويجعلها من أبرك الأيام علينا وعلى أمته ظاهرًا وباطنًا، افتح بها أبواب الفَرَج يا حي يا قيوم، واكشف الضيق والحَرَج، وفرج عن الأمة في المشارق والمغارب، وادفع عنهم المصائب والنوائب، واجعلنا في الهداة المهتدين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

اللهم اجعلنا مِمَّن بآياتك ونبيك تخرجهم من الظلمات إلى النور، وتديم لهم هذه العطايا والمنح والخيور في البطون والظهور، زدنا منك نورا في الدنيا والبرزخ ويوم النشور، وكُن لنا بما أنت أهله يا كريم يا غفور والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر الهجري

22 رَمضان 1442

تاريخ النشر الميلادي

04 مايو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام