(637)
(369)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}، الآية: 5، إلى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، الآية: 9
﷽
(لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10))
الحمد لله مُكرمنا بأنوار البيان، وإيضاح الحُجَّة وإقامة المحجَّة على لسان سيدَّ الأكوان، عبده الذي أنزل عليه القرآن في رمضان، هُدىً للناس وبينات من الهُدى والفرقان، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه في كل حين وفي كل شأن، على مدى الأحيان، وعلى آله المطهرين عن الأدران، وأصحابه الغرُّ الأعيان، الذين شرِبوا كؤوس الإيمان، فامتلأوا بمحبة الرحمن، وحبيبه المُصطفى من عدنان، فكانت لهم في ذلك أقوى المباني، وأسمى المعاني في كل شأن، وعلى مَن تبعهم واقتدى بهم ووالاهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مراكز النور، ومعادِن الفضل والعِرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد،،،
فإنَّنا في نِعْمة تفضُّل الله علينا بتأمُّل معاني كلامه وخطابه، الذي أنزله على قلب عبده وحبيبه محمد -صلى الله عليه وصحبه وسلم- في ساعات هذا الشهر الميمون المبارك، قد مررنا على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)).
وعلمنا أنها المعيَّة العظيمة اللائقة بجوده، وأن مما نستجلي مِن معناها، وتصل إليه أذهاننا:
وكل ما نُسب إلى الرحمن مِن معيَّة وغيرها:
لا مجال للعقول إلى الإحاطة بها، يقول -سبحانه وتعالى-: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، فنسأله أن يوفِّقنا من الأعمال ما يُسعدنا به في الحياة والمصير.
(لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)).
قال:
فمن الغرابة، الاغترار بأي شيء يصل إليه الإنسان من فكر وصناعة وهو أمامهم، لم يخلُق؛ ولا قطعة من الأرض ولا جزءًا من السماء، ولا مَن قبله ولا مَن بعده، ولا الشعوب ولا الدول، ولا يتحكمون في تسييرها، ولا تصويرها ولا تقديرها حتى يُبَدِّلَها الله تعالى:
وهو وحده المُتصرِّف في كل ذلك، من بداية تكوينها وتسييرها إلى الوقت الذي حدده هو، إلى وقت التغيير الذي يغيِّرها هو، وفيه لا يقوم بذلك إنسيٌّ، ولا جنيٌّ، ولا مَلكٌ، ولا أحد من الخلائق قط، فلله ملك السماوات والأرض.
وقلنا:
لهذا أعلى المُلك في عالم الدنيا:
كل مَن يظن أن مَن حكم قطعة من الأرض، أو الكرة الأرضية كلها، ومَن يحكم الكرة الأرضية كلها؟!
إذا هم أُمم متحدة، لماذا الحروب هذه؟! أليس مُتحدَّة إذًا، الاسم يحتاج تصليح أو كيف؟! يحتاج تصحيح الإسم.
صاحب المُلك هو الله (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فلا ينبغي أن تغتر بشيء من هذا المُلك، ولا تظن أنَّه الغاية، كُل مَن مَلك قطعة من الأراضي، أو مَلك حُكم في قطعة من هذه الأرض:
أحسن مُلك في الدنيا:
وما يساويه، لو واحد يملك الأرض من طرفها إلى طرفها، وهو لا يملك المعرفة، لا يملك الشهوة، لا يملك الغضب! كم ستستمر في مُلكك؟ وما رأيت الذي قبلك، كم؟
وللِإغراء بذلك المُلكِ، كم سفكوا من دماء؟ وكم!
والملائكة قد قالوا لربنا لمَّا أراد أن يستخلف آدم في الأرض: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [البقرة:30]، أعطنا نحن الخلافة هذه. قال: اجعل فيهم مَن يفُوقكم، وأبرِزْ بينهم من يعلُوكم:
حتى أبرز من بينهم دُرّة الحقائق:
إذًا فإن كنت راغب في مُلك، فإنما أُنزل من الوحي وبُعث به إليك رسول، يقول لك: ارفع مستوى رغبتك وارغب في مُلكٍ شريف عزيز..
فبُعث الأنبياء إلينا وأُنزلت الكتب؛ لنرتفع بمستوى إراداتنا ومقاصدنا ورغباتنا، حتى لا نرغب إلاَّ في الأكبر والأنور والأطهر و الأدوم والأبقى والأجمل والأشرف والأعلى.
يقول: (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)):
وما حكَم بِإبقائه، وإِدامته من؛ عرشٍ أو كرسيٍ أو قلمٍ أو لوحٍ أو جنةٍ أو نار، ومنعَّمين في الجنة ومعذبين في النار؛ فمرجعهم إليه، هو الذي يرتبه، هو الذي يدبره، هو الذي يبقيه، ولا يبقى من ذلك شيء إلاَّ بإبقائه؛ لا نار تبقى إلاَّ بإبقائه، ولا جنة تبقى إلاَّ بإبقائه، ولا أرواح تبقى إلاَّ بإبقائه -جلَّ جلاله وتعالى-.
إذًا (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، فانظر الذي مرجع الأمور إليه، وخُذ لك سبيل إليه، وحال معه، وصلة به، ومكانة عنده؛ لأن مرجع الأمور، كل شيء سيرجع إليه.
فأين سيضعك؟ وأين ستكون بعد ذلك؟
عندما تنتهي مدة الخيالات والأوهام، أن شيئًا يرجع إلى غير الرب، هذا كله وَهم، ليس فيه حقيقة، ينتهي هذا الوهم، وينتهي الوقت، ويرجع الناس، وهناك يوم الفصل؛ يحصل القضاء، ولا مُعقِّب لحكمه، ولا حاكم معه غيره،.
وإذا بكل المدة التي قضَّاها الناس -من عهد آدم إلى وقت النفخ في الصور- متاع الغرور، ما فيها شيء يُذكر ويبقى؛ إلاَّ معرفة الله وطاعته بحسب ما قُبل من ذلك.
من دون إيمان وطاعة ومعرفة بالله -كلها لاتنفع- قصورهم، حضاراتُهم، زراعاتُهم، صناعاتهم، تجاراتُهم، صورهم، أرواحهم، أجسادهم، لا شيء! وانتهى كل ما في هذه الدنيا، وقيل:
صاحب القدرة الذي كوَّن هذه الكائنات:
تفسير قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))
يقول سبحانه وتعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(6)) تكوينها وخلقها وحقيقتها، فضلًا عما يطرأ فيها وما يكون فيها، (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه:7]، (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
نادانا الحق: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ادخلوا في دائرة الإيمان لتُدركوا إدراكًا للحقيقة:
(آمِنُوا بِاللَّهِ) وكل شيء يدعوكم إلى الإيمان به، وبعده كذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165].
يقول: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) -محمد- فإنكم بالإيمان بهذا الرسول:
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، كل ما تملكون من الأموال وسواها، استخلافٌ استُخلِفتُم، ولم تكونوا أنتم، ولم تكن الأموال.
إذًا فمن أين جاءت؟
(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، كان قبلكم من كان يملك مثل هذا وذهب، أمَّا الأرض فكل بقعة قد ملكوها غيرك، أنت ستملك أي قطعة؟
كم مرَّ عليها مُلكًا، أظهر الله تعالى كرامة على غير العادة لبعض الناس يتنازعون على قطعة من الأرض، فسمعوا صوت في الأرض يصيح قال:
(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم)، وبعد قليل يخلفك غيرُك عليها، اذهب، ولهذا جاءنا في الحديث عنه ﷺ قال: "قرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) [التكاثر:1]، قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وما لابن آدم من مال إلاَّ ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدَّق فأمضى"، وجاء في الرواية عند الإمام مسلم يقول: "وما سوى ذلك فذاهبٌ وتاركه للناس"، غير هذا الذي يأكله ويلبسه، هو سيذهب ويتركه لغيره؛ لأنَّه استخلاف، هذا يَخلُف هذا، وهذا يخلف هذا، والمالِك الحقيقي فوق الكل، سيرجعون إليه كلهم.
(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ):
(فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) الكبير يسميه كبير، ولهذا:
(أَجْرٌ كَبِيرٌ)، كبير كِبَر لائق بعظمة الكبير ليس بميزاني أنا! -الله، الله، الله، الله، الله-، وأنت عندك في عُرف الصبيان -الأطفال الصغار- يمكن شىء مُلك كبير عزيز، ماذا عنده؟ لعبة!! كبيرة عنده، على مستواه، على مستوى فهمِه هذا كبير، لو أحد أخذها يبكي يصيح، ما تساوي شيء مثل هذا نعنعة -حلاوة- شوكوليت -مثل هذا- قليل، هذا كبير عنده؛ لأنه على مستواه، لمَّا يكبر قليل؛ يصبح عنده هذا أمر حقير، الكبير شيء ثانٍ عنده، وهو هكذا.
لكن ذاك كبير ليس بميزان الخلق، عند الله الكبير كبير أجر -الله- لهذا قال: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].
يقول -جلَّ جلاله-: (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) فالفرصة الكبيرة في الحياة:
قوة إيمان وحسن إنفاق في سبيل الرحمن فقط؛
ربح الحياة، خير الحياة، فرصة الحياة، نعمة هذه الحياة، لا شيء خير غير هذا، إنْ شيء خير في الدنيا فهو هذا: إيمان وعمل صالح، وإنفاق في سبيل الله، يا رب وفقنا.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أجر كبير، مع كبْره الذي لا يتناهى وصفه، دائم أبدي باقي -الله-، وهذا غير ممكن في الدنيا أصلًا، أجحد الجاحدين وألحد الملحدين يعرف أنه سيموت؟ أو سيبقى؟!
قل له: أنت متحدي للأُلوهية والربوبية! الألوهيةُ والربوبيةُ حكمت بموت بني آدم، أخرج عن هذا الحكم كله من هذا إِلهك! أنت الحر، ما عندك إله، إبقَ في الدنيا -إبقَ في الدنيا- لاتخرجْ، قل: لا أريد؛ لأنك حُر، بتصورك هذا الأخبل الذي عندك أنت حر، قل: لا يمكن أن أخرج من الدنيا أنا حر، لا أحد فوقي إله، ولا شيء! أنا سأتصرف ما يمكن أمرض، ما يمكن أموت، ممكن؟!
إن كان ملحد وإن كان كافر وإنَّه...، إذن من الذي قهركم على هذا؟! من الذي حكم عليكم بهذا؟! عِلمُكم؟ صناعتُكم؟ ما الذي حكم عليكم أنكم لا بد أن تموتوا، كلهم يقولون: لا بد من الموت، ما سبب الموت؟ ما عندك علاج؟ ما عندك طب؟ ماعندك.. ؟!اعمل، لا تجعل لك سبب للموت، ولا تعرض نفسك.
كلهم يوقنون بالموت؛ هذا مظهر من مظاهر قهرِ الخالقِ، قهر عبادِه بالموت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [ال عمران:185]، (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)) يا رب اجعلنا منهم.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8))
والحق بعد ذلك يقول: وبعد هذه الدلائل، والرسائل، وختم الرسائل، وظهور الأمور واضحة بيّنةً:
انظروا عاقبة الذين من قبلكم، كل الذي كذبوا رسلي أهلكتهم، وبعثتُ لكم خاتَمَهم الآن: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ).
(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) قال: هذا الآية الكبرى، أبرزتها إلى عالم الحس والوجود وأوجدتهُ.
(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)، وفي قراءةِ أبي عمرو: (وَقَدۡ أُخِذَ مِيثَٰاقُكُمۡ) وعامة القرَّاء: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ):
فإنَّ أجسادنا التي نعيش بها على الأرض:
(قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)، وبالنسبة أيضًا للمؤمنين من الصحابة، يقول: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) محمدٌ جدد العهد عليكم، بايعتموه، (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ).
يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ)، اللهم لك الحمد،
(يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8)) فهذه هي الفرصة الكبيرة للإيمان بي، وهذا وقته، فإلَّا بعد أن تفوت الفرصة الكل سيؤمن:
أنت، ألا تظن إنه بعد ذلك ماعندنا أحد في البرزخ ولا في يوم القيامة؟! مازلتَ مكذب؟
يرى أمامه كل شيء، كلهم يؤمنون؛ لكن لا ينفع الإيمان:
هذا الكفر بأنواعه، نهايتُه هكذا، ظهر كذب، ولا شيء، زمجرةٌ فقط، وكلام طويل عريض، وبعد ذلك، ولا شيء! (لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90]، ربُّ موسى وقومه هو الرَّب هو هو فقط لا أحد غيره؛ (آلْآنَ)؟! ويقول: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، قال له الله: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:91]، فهذه نهاية الكفر، يا رب ثبتنا على الإيمان.
وأين هذه نهاية فرعون، من نهايةُ بلالٍ بن أبي رباح؟
إنَّه سهل وبسيط، استُعبِدَ وأُوذِيَ وعُذِّبَ، فماذا ضرَّه؟
يعني فرق! انظر الفرق بين الاثنين، فمن هو صاحبُ المُلك في الحقيقة؟ ومَن صاحب الشر بلالٌ أم فرعون؟
هيا قل لي: مَن المَلِك منهم الآن؟ ومَن الشريف؟ ومَن الرفيع؟ ومَن المستفيد؟ ومَن الرابح؟ ومَن الفائز؟ الله، -لا إله إلا الله-.
يقول سبحانه وتعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فهذا هو وقت الإيمان، بعده لا ينفع، كل الناس يؤمنون، ومن قبلُ في عالم الأرواح كل الناس سجدوا مؤمنين:
مدة الفترة هذه فقط، أمَّا قبلها كانوا كل الناس مؤمنين، وبعدها كلهم مؤمنين، لا أحد كافر، لكنَّهم لمَّا كانوا في هذه المدة كفار سُمُّوا بكفار، والتصق بهم وصف الكفر إلى الأبد، وهم آمنوا بعد ذلك، لكن الإيمان ما عاد ينفع.
من في النار يجحد وجود الله؟! أولن يصدِّقَ الرسول؟
لكن هذا الإيمان بعد أن فاتت الفرصة كفار، سُمُّوا كفار، لم يعد ينفعهم الإيمان: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر:85]، بعدما رأوا قوةَ الحقِّ وقهرَهُ إياهم؛ لم يعد ينفعهم الإيمان، هكذا شأن الطوائف والأمم.
يقول الله سبحانه وتعالى عنهم في ذكر هذه الحقيقة التي أرسل بها رُسله صلوات الله وسلامه عليهم يقول:
يقول الله تبارك وتعالى:
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (9))
يقول سبحانه وتعالى: (وَاَلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أُخِذَ مِيثَٰقُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، يقول:
يقول: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ):
(لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ) في معتقداتكم، في أفكاركم، في سلوكياتكم من الظلمات يخرجكم، من أنواع الكفر، ومن أنواع الفساد، من أنواع الغي، من أنواع الضلال.
(إِلَى النُّورِ) إلى المعرفة، إلى اليقين، إلى الصدق، إلى الحق، إلى الهدى، إلى القرب من الرحمن، إلى الذكر، إلى نيل الرضوان الرباني؛ يُخرِجُكم من الظلمات ببركة هذه الآيات التي أنزلها عليه.
لك الحمد يا رب خصصتنا بهذا النبي، وبهذا الكتاب المُنزل عليه، فلك الحمد شكرًا؛ ولكن فأخرجنا من الظلمات إلى النور كلها، من الظلمات كلها إلى النور -يا أرحم الراحمين-، وزدنا نورا، واجعل من بين أيدينا نورا ومن خلفنا نورا وعن أيماننا نورا وعن شمائلنا نورا، ومن فوقنا نورا، ومن تحتنا نورا، واجعل لنا نورا، واجعلنا نورًا، وزدنا نورا برحمتك، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8].
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ) عبده، عبده، عبده، عبده؛ ما أحد بلغ في العبدية والعبودية مبْلغ محمد، في التحقق فهو العبد المحضِ الخالص بكل المعاني من كل الوجوه، ولم يدركه في ذلك سابق ولا لاحق؛ هو العبد، (عَبْدِهِ)
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ) عبده وحده خالص له، ما فيه شائبة لغيره أبدًا، كله لله، (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) شابهني في ذلك، استلم وجهه، وسلِّمه لله (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [ال عمران:20].
يقول جلَّ جلاله:
تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10))
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)! قال: ما الذي يؤخركم ويمنعكم من الإيمان بي والإنفاق من أجلي؟ أنتم تؤمنون بغيري، وتنفقون لأجل شهواتكم لغيري! وأنا الذي خلقتكم ومرجعكم إليّ وحُكمُكم لي!
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فهذا أنتم، والأرض التي عليها، والسماء التي فوقكم كلها ترجع إليه، (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، [مريم:40]، لا إله إلَّا الله.
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ثم يذكر الحق شأنًا عظيمًا: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)، إمَّا فتح مكة، أو صلح الحديبية؛ لأنه فتحٌ بالنص في الحديث، فالذين أسلموا قبل صلح الحديبية، ما يلحقهم الذين جاءوا من بعد، فكيف بمن بعدهم؟ حتى الصحابة أنفسُهم الذين نالوا شرف الصحبة، ما يلحقون الأوائل.
حتى جاءنا في الحديث: إنَّ سيدنا خالد بن الوليد تخاصم مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنَّه في سرية كانوا خرجوا، وبعد ذلك دعاوهم للإسلام، فقالوا: صبأنا صبأنا، ما أحسنوا القول، ماعرفوا يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فأمر سيدنا خالد بقتلهم، فنازعه سيدنا عبد الرحمن بن عوف ومعه بعض الصحابة المتقدمين، طال النزاع بينهم فرجع يقول سيدنا خالد يقول: تستطيلون علينا بسبقكم لنا بمدة للإسلام؛ فأنزل الله.
وبلغ الخبر النبي قال: "دعوا لي أصحابي"، هؤلاء الذي كانوا معي وقت الشدة، من قَبل صلح الحديبية، وأيام المقاساة التي لا يؤمن فيها إلاَّ مخلص صادق. قال: "دعوهم لي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه"، فإذا كان هؤلاء حال السابقين حتى مع الذين لحقوا، فكيف بمن جاء بعدهم؟
فهؤلاء خيارُ الأمة عليهم رضوان الله -تبارك وتعالى- والحقنا الله بمرافقتهم، والحضور معهم في دار الكرامة في زمرة سيدهم وإمامهم، لا نالوا شرف الهجرة، ولا شرف السبق، ولا شرف الإنفاق إلاَّ بحبيب الخلّاق -صلى الله عليه وصحبه وسلم- فهنيئًا لهم بالمصطفى، وهنيئًا لنا من بعدهم، به وبما جاء به عن عالم السرٍّ وأخفى، رزقنا الله حسن المتابعة، ورفعنا إلى المراتب الرافعة، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
فذي العشِر كان النبي الكريم *** إذا دخلت أبدًا لا ينام
نوى الاعتكاف إلى يوم عيد *** وأيقظ نساؤه عليه السلام
وزاد اجتهادًا وهو في مزيد *** وشمَّر وأحيا الليالي العظام
فهذا نبيك ولا ذنب له *** كثير الدعاء والبكاء في الظلام
ﷺ
الله يرزقنا متابعته ويجعلها من أبرك الأيام علينا وعلى أمته ظاهرًا وباطنًا، افتح بها أبواب الفَرَج يا حي يا قيوم، واكشف الضيق والحَرَج، وفرج عن الأمة في المشارق والمغارب، وادفع عنهم المصائب والنوائب، واجعلنا في الهداة المهتدين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
اللهم اجعلنا مِمَّن بآياتك ونبيك تخرجهم من الظلمات إلى النور، وتديم لهم هذه العطايا والمنح والخيور في البطون والظهور، زدنا منك نورا في الدنيا والبرزخ ويوم النشور، وكُن لنا بما أنت أهله يا كريم يا غفور والحمد لله رب العالمين.
22 رَمضان 1442