(167)
(368)
(472)
(6)
(634)
الدرس الثاني- للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في : شرح نظم مسائل علمية ، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
ظهر الثلاثاء 29 محرم 1448هـ.
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
من كتاب الفوائد الثمينة للعلامة شهيد الدعوة إلى الله، محمد بن سالم بن حفيظ بن عبد الله بن الشيخ أبي بكر بن سالم رحمه الله تعالى ونفعنا به في الدارين، آمين، إلى أن قال:
أَوْ قَوِيَ ٱلْخِلَافُ فِي ٱلْوَجْهَينِ وَآلْ *** أَوْجُهِ بِ "الأَصَحِ" تَعْبِيرٌ حَصَلٌ
أَوْ لَمْ يَكُنْ يَقْوَىٰ.. فَبِ "الصَّحِيح" *** فَافْهَمْ وَلَا تَمِلْ إِلَى ٱلْمَرْجُوحِ
وَإِنْ يَكُنْ ثَمَّ طَرِيقَانٍ.. أَتَىٰ *** بِقَوْلِهِ: "الْمَذْهَبُ" فِيهَا مُثْبِتَا
وَحَيْثُ قَالَ: "النَّصُّ" هَٰذَاكَ.. فَثَمْ *** قَوْلٌ مُخَرَّجٌ خِلَافَ مَا حَكَمْ
وَإِنْ يَقُلْ: كَذَا "ٱلْجُدِيدُ".. فَـ"الْقَدِيمْ" *** خِلَافُهُ، وَٱلْعَكْسُ يَأْتِيٍ مُسْتَقِيمْ
وَإِنْ يَقُلْ: "قِيلَ" كَذَا.. فَهْوَ ضَعِيفْ *** خِلَافُهُ ٱلْأَصَحُ، فَأَحْذَرْ أَنْ تَحِيفْ
وَإِنْ يَكُنْ عَبَّرَ "في قَوْلٍ" كَذَا *** فَٱلرَّاجِحُ ٱلْحَقُّ خِلَافُ مَا احْتَذَىٰ
هَٰذَا اصْطِلَاحُ قَطُّ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيه *** لِلنَّوَوِيِّ رَحْمَةُ ٱللهِ عَلَيه
مَوْلِدُهُ فِي عَامِ سِتِّمِائةٍ *** بَعْدَ ٱلثَّلَائِينَ مَعَ ٱلْوَاحِدَةِ
عَامُ ٱلْوَفَاةِ حَبَّذَا أَنْ أَرْوِيَه *** سِتُّ وَسَبْعُونَ مَعَ ٱلسِّتِّمِائة
الحمد لله الذي نشر من أسرار ما أوحى إلى حبيبه المصطفى، وما بيّن عبده المختار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سيد أهل الصفاء، من معاني وحي الله وما تلقّاه عنه الصحابة أهل الوفاء وآله الأطهار الشرفاء، نشر من كل ذلك تفريعات للمجتهدين في تلك النصوص بما يرتقون به في حُسن الاعتناء لشرع الله والفقه في دينه مع الخصوص، فصلِ اللهم وسلم على عبدك المجتبى المختار سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن على منهجه سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وكان من نتائج صدق الإقبال على الله والتوجّه إليه، وحِفظ حق العلم وحُرمته بأخذه عن أهله وبالتفرُّغ له بالوجهات الصادقة من المخلصين الصادقين في الأمة من عهد الصحابة فالتابعين، وتابعيهم بإحسان؛ كان من نتائج هذا: ما قام بين المسلمين من المذاهب الصحيحة المعتمدة القائمة على الاجتهاد الصحيح والاستنباط القويم من كلام الله وكلام رسوله؛ فقامت هذه المذاهب واشتهرت وحُفِظت بين أهل السنة المذاهب الأربعة أكثر مِن غيرها.
ومذاهبهُم كثيرة ومِن عهد الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، ولكن لم يدوّن ويحفظ ويحقق من جميع جوانبه مثل هذه المذاهب الأربعة:
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ثم كان في متَّبعيهم والمهتدين بهدْيهم، واستنباطهم اجتهاداتٌ وسط المذهب، ومن هنا فرقوا بين:
والمجتهد في نفس المذهب يكون قول إمامه حُجةٌ له، ويكون ما اهتدى إليه من الحُجج في النصوص حُجةً لإمامه -إمام المذهب-.
وهكذا علمنا ما ذكر الإمام النووي من أنهُ يخُص لفظة الأقوال، أو القول بما جاء عن الإمام نفسه صاحب المذهب الشافعي، وإنما جاء عمن بعده مما اجتهد فيه من أصحابه بطبقاتِهم من الذين أخذوا عنهم مباشرة ومَن بعدهم ومَن بعدهم، فإن هؤلاء أصحاب الوجوه، فعبَّر عما وصل إليه اجتهادهم وقالوا فيه: بالأوجه، فهناك..
ثم تقدم معنا أنه في اصطلاحه في كتاب المنهاج:
وكذلك عمَّا حُكي عن الأصحاب من أئمة الشافعية:
وهكذا كما قال:
أَوْ قَوِيَ ٱلْخِلَافُ فِي ٱلْوَجْهَينِ وَآلْ *** أَوْجُهِ بِ "الأَصَحِ" تَعْبِيرٌ حَصَلٌ
أَوْ لَمْ يَكُنْ يَقْوَىٰ.. فَبِ "الصَّحِيح" *** فَافْهَمْ وَلَا تَمِلْ إِلَى ٱلْمَرْجُوحِ
أي لا يكون العمل بالقول مقابل الصحيح، فإنه غالبًا يكون فيه شدة ضعف.
وَإِنْ يَكُنْ ثَمَّ طَرِيقَانٍ.. أَتَىٰ *** بِقَوْلِهِ: "الْمَذْهَبُ" فِيهَا مُثْبِتَا
يقول له: في هذه المسألة على المذهب، وإذا قال على المذهب، فمعناه: أن هناك طريق آخر نُقِل عن الشافعي غير هذا القول.
وَحَيْثُ قَالَ: النَّصُّ هَٰذَاكَ.. فَثَمْ *** قَوْلٌ مُخَرَّجٌ …
إذا قال على النص، فهناك:
قولٌ مُخرَّجٌ خلاف ما حَكَم
والقول المُخرَّج: ما يأتي من خلال نقلٍ عنه في مسألة، ثم يُنقل ذلك إلى مسألة مُقابلها فتُقاس هذه على هذا، فيقولون: قولٌ مُخرَّج.
وإن يقُل كذا الجديدُ، فالقديمُ…
فإذا كانت المسألة فيها في المذهب القديم تخالف الجديد، فيقول على الجديد، والجديد ما ألفه الإمام الشافعي في مصر بعد رجوعه من العراق.
……. فالقديمُ *** خلافُهُ، والعكسُ يأتي مستقيمْ
وقلنا:
ثم يقول:
وإن يقُل قِيل كذا…
فإذا عبر بلفظة القِيل:
وكذلك عند الفقهاء في اصطلاح الإمام النووي إذا قلنا:
… "قيل كذا" فهو قول ضعيف *** خِلافُه الأصح، فاحذر أن تحيف
أن تميل وتبْعُد عن إدراك هذه المُرادات في المصطلح.
وَإِنْ يَكُنْ عَبَّرَ "في قَوْلٍ" كَذَا ***
يقول: الحُكم في المسألة كذا وكذا في كذا وكذا، إذا جاء بـ كذا فمعناه في المسألة خلاف.
يُعبِّرون مثلًا: مضى على هذا المصطلح قول ابن رسلان في الزبد:
الحج فرضٌ وكذاك العمرة
عبَّر بكذاك؛ قال كذا؛ لأن العمرة فيها خلاف منهم مَن قال غير فرض. فإذا جاء في التعبير مسألة يقول "وكذاك كذا "، فالمسألة الثانية هذه التي جاءت بعد "كذاك" فيها خلاف.
وَإِنْ يَكُنْ عَبَّرَ "في قَوْلٍ" كَذَا *** فَٱلرَّاجِحُ ٱلْحَقُّ خِلَافُ مَا احْتَذَىٰ
هكذا،
هَٰذَا اصْطِلَاحُ قَطُّ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيه *** لِلنَّوَوِيِّ رَحْمَةُ ٱللهِ عَلَيه
الإمام يحيى بن شرف النووي ذكر مولده ووفاته:
مَوْلِدُهُ فِي عَامِ سِتِّمِائةٍ *** بَعْدَ ٱلثَّلَائِينَ مَعَ ٱلْوَاحِدَةِ
631هـ، وتوفي أيضًا سنة 676هـ، فأخرج من الستة والسبعين واحد وثلاثين كم تبقى؟ خمس وأربعون فقط؛ هذا عُمر النووي الذي ملأ الأرض علم، ونشر الله كتبه وفوائده في الشرق والغرب، عُمره خمس وأربعين سنة ما جاوزها، عليه رضوان الله -تبارك وتعالى-. وعاش حصورًا لم يتزوج، مشتغلًا بالعلم، عظيم الوجهة إلى الرحمن والأدب والزُهد وما إلى ذلك.
وحتى عزم الإمام السُبكي من مصر أن يزوره، فتحرك من مصر وفي أثناء الطريق كانت وفاة الإمام النووي -عليه رحمة الله تعالى- وبينما هو يمشي مستأجر جملًا يركب فيه على هودج، وجَمَّال يقود الجمل، فصادف أحد في الطريق يتكلم مع الجمَّال فيتحاورون في مسألة علمية، فتعجب السيوطي وأن الجمَّال أيضًا ممن يعرف مسائل العلم!
فإذا به يقول له: لا، المسألة كذا، أنا سألت عنها يحيى النووي في دار الحديث، فقال كذا، فرفع الستارة من الهودج، قال: أنت رأيت الإمام النووي؟ قال: نعم، زُرته وسألته.. خرج من الجمل قال: اطلع! هو مستأجر وذاك صاحب الجمل…قال: لا حقَّ لي أن أركب فوق عينين رأتا يحيى النووي! قال: عينين رأتا يحيى النووي أنا ما أركب فوق، اطلع أنت.. كيف أطلع أنا مستأجَر، والأجرة حقك؟! قال: اطلع، فطلَّعهُ فوق الهودج وصار يمشي بقية الطريق.
فلما وصل إلى دمشق أخبروه أنه سافر إلى بلده وأنه توفي هناك في نوى عليه رحمة الله تعالى. فقال: دلوني على موضع تدريسه، وجاءوا به إلى دار الحديث، فأنشأ يقول وهو متبرك بأماكن الإمام النووي يقول:
وفي دار الحديثِ لطيفُ مَعنىً *** إلى بُسطٍ لها أصْبوا وآوي
لعلي أن أمسَّ بِحُرِّ وجهي *** مكانًا مسَّهُ قدمُ النواوي
عليه رحمة الله.
دخل بعض أرباب البصائر المنيرة إلى مكتبة يتعجب ويقول لصاحب المكتبة: كيف بعض الكتب فيها نور زائد عندك هنا؟! قال له: كل كتاب تشوف فيه نور زائد خرُِّجه، خرَّج من هنا، من هنا، من هنا… جمعوها حصلوها للإمام النووي كلها -عليه رحمة الله تعالى- وهذا دليل إخلاصه وصدقه مع الله -تبارك تعالى- فنفع الله بعلمه مع هذا السن العجيب صغير؛ خمسة وأربعين سنة عاش على ظهر الأرض، ولكن فاض الفيض عليه فيها ونفع الله به، لا إله إلَّا الله.
والناس ألفٌ منهم كواحدٍ** وواحدٌ كالألفِ إن أمرٌ عنى
[فائدة]
إذا اتفقَ الشيخانِ النوويُّ والرافعيُّ .. فالمعوَّلُ على ما قالاه ، وإنِ اختلَفَا .. فَالمقدَّمُ منهما النوويُّ، ثمَّ الرافعيُّ، فإن لم يخوضا فِي المسألةِ..
فالمقدّمُ عند جماعةٍ -لا سيما أهلِ اليمنِ وحضرموتَ- الشيخُ أحمدُ ابنُ حجرِ، ثمَّ الرمليُّ، ثمّ مَنْ ذُكِرَ فِي النظمِ على هذا التريب.
قَوْلِ النَّوَاوِيّ ثُمَّ ٱلرَّافِعِي اعْتَمِدْ *** يَتْلُوهُمَا الْهَيْثمِيُّ الكَامِلُ المُجْتَهِد
عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، فَالرَّمْلِيُّ ، مِنْ بَعْدِهِ: *** شَيْخُ الْمَلَا زَكَرِيّا، فَالخَطِيبُ الْمُجِدْ
ثُمَّ ٱلزّيَادِيُّ، يَتْلُوهُ: ابْنُ قَاسِمِهِمْ *** ثُمَّ عَمِيرةٌ، فَالشَّيْخُ عَلِّي عُهِد
فَالْحَلَبِيُّ، وَيَتْلُو ذَلكَ الشَّوْبَرِي *** ثُمَّ ٱلْعَنَانِي، فَاحْفَظْ ثُمَّ شَمِّرْ وَجِد
هذا يتعلق بمسلك الشافعية فيما جاء من المسائل التي لم يَرِد فيها النص الصريح من الكتاب والسنة، ولا عند الإمام الشافعي، عليه رحمة الله. فما كان في هذا المضمار من هذه المسائل، فإن المُقَدَّمين بعد ذلك في بيان المسألة في المذهب:
قال: إذا اتفقا الإمام النووي والرافعي. وكان الرافعي مُحرر التحرير الذي اختصره الإمام النووي في المنهاج، واختصر التحرير وألّف هذا المنهاج، وأشار إلى ما لم يوافق فيه اجتهاده اجتهاد الإمام الرافعي يقول: "قلت كذا وكذا"، وقلت الأصح والمسألة كذا.
فإذا اختلفا فأكثر الشافعية يقدمون قول النووي على الرافعي.
قال: "فالمعوَّلُ على ما قالاه ، وإنِ اختلَفَا .. فَالمقدَّمُ منهما النوويُّ ، ثمَّ الرافعيُّ ، فإن لم يخوضا فِي المسألةِ"، ولكن من بعدهم تكلم عنها الأئمة، فجماعة من الشافعية ومنهم:
ثم من ذُكر في النظم على هذا الترتيب.
ولمَّا سألوا بعضهم عن حكمة تقديمهم لابن حجر؟
قال:
وذكر أربع… قال له: لله درك هذه الأوصاف، ما أحد يقدر ينكرها عن ابن حجر حتى أعداؤه ما يقدرون ينكرونها عنه، -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- وأنعِم بهم أجمعين.
ومحمد الرملي يُكافئ ابن حجر، ولما توفي أحمد الرملي، والد الإمام محمد الرملي، وقف ولده في الجنازة، وقال: "اشهدوا عليّ أن أبي مات هذا يوم مات، وقد سلِم المسلمون من لسانه ويده، ما قد أساء إلى أحد بكلمة ولا..."، فرضي الله عنهم. الأئمة هؤلاء ما نشر الله علومهم ونفع بهم إلَّا لصِدقهم مع الله وحُسن اقتدائهم بالمصطفى ونزاهتهم عن دقائق المذمومات، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وبعد ذلك على حسب الترتيب الذي ذكره في النظم، إذا لم يتعرَّض لها ابن حجر والرملي فمن بعدهم على حسب ما ذكر في الأبيات.
قَوْلِ النَّوَاوِيّ ثُمَّ ٱلرَّافِعِي اعْتَمِدْ *** يَتْلُوهُمَا الْهَيْثمِيُّ الْكَامِلُ الْمُجْتَهِدُ
هذا:
ذكر ملخص المصنفات، ذكر ترتيبها: أنه يُقدم ما ذكره بالنسبة للنووي في التحقيق، ثم المجموع شرح المهذب، ثم التنقيح، ثم روضة الطالبين، ثم المنهاج، ثم الفتاوى، ثم ما ذكره من المسائل في شرح مُسلم.
إذًا؛ إذا اختلف قوله في المسألة الإمام النووي فيُقدم…
هكذا ترتيبها.
وكذلك ذأبُ القاسم عبد الكريم الرافعي -عليه رحمة الله تعالى- وميلاده سنة خمس مئة وسبعة وخمسين، هذا قبل الإمام النووي، وكتابه المُحرَّر الذي لخّصه النووي في المنهاج، وفتح العزيز شرح به الوجيز للإمام الغزالي.
الإمام الرافعي شرح الوجيز وشرحه هذا كان مرجع من المراجع يُرجَع إليه عند الشافعية، حقق فيه المسائل، ويذكر فيه الدليل، ويذكر فيه أيضًا خلاف الحنفية في أكثر المسائل التي فيها الخلاف، فكان كتابه فتح العزيز شرح الوجيز من المراجع عند الشافعية، ثم جاء المنهاج -ما شاء الله- وغطى على كثير مما قبله من الكتب.
وكذلك ابن حجر أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي السعدي الأنصاري، الفقيه المحقِّق، ولد سنة 909هـ، وتُحفة المحتاج شرح المنهاج مرجع من مراجع الشافعية، وفتح الجواد والإمداد والإيعاب والفتاوى الحديثية وغيرها.
كانت وفاته سنة 974هـ، في حياة الشيخ أبوبكر بن سالم. وقد أخذ عنه أيضًا بعض علماء آل أبي علوي لما جاءوا إلى مكة المكرمة وأخذ منهم هو الإجازة كذلك، وله امتلاء بأهل البيت وبصالحي الأمة، عليه رحمة الله تعالى.
قال: عند الجماهير، أي أكثر الشافعية يقدمون ابن حجر، ثم الرملي، وبعضهم كشافعية مصر يقدمون الرملي.
عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، فَالرَّمْلِيُّ، مِنْ بَعْدِهِ: *** شَيْخُ الْمَلَا زَكَرِيًّا…
بعد الرملي ما حرَّره الإمام زكريا الأنصاري -عليه رحمة الله تعالى- فشمْس الدين الرملي -عليه رحمة الله- فقيه الديار المصرية، ولهذا يرجعون إليه في عصره ومرجعها في الفتوى، كان ميلاده سنة 919هـ، -سبحان الله نفس السنة التي ولد فيها الشيخ أبو بكر- 1004هـ فعمَّر -ماشاءالله- ألف وأربعة في أول القرن الحادي عشر كانت وفاته سنة أربعة، في أيام الإمام الحسين ابن الشيخ أبي بكر.
يقول: "شَيْخُ الْمَلَا زَكَرِيّا" -عليه رحمة الله- زكريا بن محمد بن أحمد بن أحمد الأنصاري، اشتهر بين العلماء بشيخ الإسلام؛ شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ولد سنة 823هـ في القرن التاسع.
ومن مصنفاته:
منهاج الطالبين، ومنهج الطلاب، وفي الاختصار طبعه حتى في الأسم، ذاك منهاج فيه زائد ألف "الطالبين"، وذا "طلاب"، اختصر منهاج الطالبين في منهج الطلاب، وحققه فيه وأضاف إليه بعض المسائل واعتنى شيخ الإسلام زكريا بذكر الدليل.
وفاته سنة 926هـ عليه رحمة الله تبارك وتعالى، في حياة الشيخ أبوبكر، في القرن العاشر، على هذا فاق المئة سنة! من ثلاثة وعشرين إلى ستة وعشرين، 103سنوات، نَقله عن التحفة البهية معنا الأعلام، وكذلك بعد شيخ الإسلام زكريا..
الخطيب الشربيني -عليه رحمة الله تعالى- الفقيه المشهور.
وهذا لما كنا في الهند عند أهل ندوة العلماء، أيام أبو الحسن الندوي -الله يرحمه- سألته: عندكم في الندوة تدرسون ماذا في الفقه؟ قال: الحنفي؛ لأنه السائد عندنا في المنطقة، لكن يجينا أحيانًا طلاب من العرب وأكثرهم شافعية فنُقرئهم الإقناع، الإقناع هذا حق الشيخ الشربيني، فنُقرئهم في الإقناع شرح أبي شجاع لأنهم شافعية.
فقلنا: أصبتم في إعطاء المذاهب حقها ولا يجيء واحد إلى منطقة ومُتشبع بمذهب، ومذهب سائد في المنطقة فيتشاكل معهم! والشريعة وسعت الكل، وهؤلاء أهل حق وهدى أجمعين.
والشافعي ومالك ونعمان *** وأحمد بن حنبل وسفيان
وغيرهم من سائر الأئمة *** على هُدىً والاختلاف رحمة
"فَالخَطِيبُ الْمُجِدْ"، عليه رحمة الله.
ثُمَّ ٱلزّيَادِيُّ، يَتْلُوهُ: ابْنُ قَاسِمِهِمْ *** ثُمَّ عَمِيرةٌ، فَالشَّيْخُ عَلِّي عُهِد
"ثُمَّ ٱلزّيَادِيُّ"، نور الدين علي بن يحيى الزيادي المصري، انتهت إليه رئاسة الشافعية بمصر، صنف حاشية على شرح المنهج، هو شرحه الشيخ زكريا المنهج نفسه، سماه: فتح الوهاب شرح منهج الطلاب. له نفسه الشيخ زكريا. وهنا حاشية للشيخ الزيادي علي بن يحيى الزيادي المصري. الزيَّادي نسبة إلى محلة يُقال لها زيَّاد، زيَّادي. اسمه علي بن يحيى الزيَّادي مصري. أما يقول في النُظم هنا يمكن تخفيف الياء من أجل الوزن، لو قال: "ثم الزَّيَّادي بيثقل البيت، توفي سنة 1024هـ -ماشاءالله-، قبل 424 سنة كذلك، الزَّيَّادي.
وبعده: "يَتْلُوهُ: ابْنُ قَاسِمِهِمْ"، ابن قاسم هذا الذي شرح أبي شجاع، وله حاشية على شرح المنهج، وله حاشية على تحفة المحتاج، ووفاته سنة 992هـ، هذه السنة التي توفي فيها الشيخ أبو بكر بن سالم تسعمائة واثنين وتسعين، هذا الشيخ أحمد بن قاسم الصباغ العبَّادي.
"ثم عمِيرة"، عمِيرة شهاب الدين أحمد البُرُّللسي مصري ملقب بعميرة، انتهت إليه الرئاسة في تحقيق المذهب الشافعي وله حاشية على شرح المحلي على المنهاج؛ القليوبي وعميرة لهم حاشية على شرح المحلي، توفي سنة 957هـ.
"ثُمَّ عَمِيرةٌ، فَالشَّيْخُ عَلِّي عُهِد"، الشيخ علي الشبراملسي، هذا علي بن علي الشبراملسي، ولادته سنة 997هـ، له حاشية على نهاية المحتاج للرملي، توفي سنة 1087هـ، ما شاء الله تعمَّر.. أضِف إليها ثلاث سنين فوق سبعة وثمانين كم؟ تسعين، عمره تسعون سنة، الشيخ علي الشبراملسي.
وكذلك من بعده: "فالحلبيُ"، نور الدين علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، ولادته سنة 975هـ، له حاشية على شرح المنهج، توفي سنة 1044هـ، أربعمائة وأربع سنين عليه -رحمة الله-.
"وَيَتْلُو ذَلكَ الشَّوْبَرِي"، محمد بن أحمد الشوبري، أيضًا ولادته سنة 977هـ، وله حاشية على شرح التحرير، وأُخرى على شرح المنهج، توفي سنة 1069هـ، فأضف إليها ه ثلاثة وعشرين، فوق تسعة وستين، كم؟ اثنين وتسعين، عليهم رحمة الله.
فَالْحَلَبِيُّ، وَيَتْلُو ذَلكَ الشَّوْبَرِي *** ثُمَّ ٱلْعَنَانِي، فَاحْفَظْ ثُمَّ شَمِّرْ وَجِد
الشوبري بعده العناني شمس الدين محمد بن داود بن سليمان العناني له حاشية على شرح التحرير، وفاته سنة 1098هـ. عليهم رحمة الله وعلى جميع علماء الشريعة والدين والإسلام من الهداة المهتدين وعلى جميع والدينا وذوي الحقوق علينا وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.
[فائدة]
شعورُ الوجهِ عشرونَ، جمعتُهَا في قولي نظمًا من بحر الرجَزِ:
إِنَّ شُعُورَ الْوَجْهِ فِي ٱلْإِنْسَانِ *** "ٱلْغَمَمُ"، "الأهْدَابُ"، "حَاجِبَانِ"
"عَنْفَقَةُ"، وَ"شَارِبٌ"، "خَدَّانِ" *** "نفَكَتَانٍ"، ثُمَّ "عَارِضَان"
كَذَا "الْعِذَارَانِ"، "سِبَالَانِ" تَلَتْ *** وَ"لِحِيَةُ"، بِعَدِّهَا قدْ كَمُلَت
الذي يكون بحكم الطبيعة في وجه الإنسان من الشعور ينقسم إلى عشرين، وكل واحد له مسمى، لكن ما تجتمع في واحد وإلاَّ بيصير يفزّع!.. وإنما تتوزع.
الغمم: الشعر النابت على الجبهة، يُقال له غمم، وهذا نادر يحصل، وفي الغالب يكون ناقص الذكاء والفهم صاحب الغمم.. الغالب.
ويقول الشاعر من العرب لزوجته:
ولا تنكحي، إن فرَّق الدهر بيننا *** أغمَّ القفا والوجه ليس بأنزعِ
بخلاف النزعتين التي على الوجه في الغالب تكون في الأذكياء، يكون لهم نزعتان في الرأس ما فيها شعر، يقول:
وأما سيدنا علي زين العابدين كان الخدَّان عنده خطّان أسودان من مجرى الدمع فعلًا، من كثرة بُكاؤه، صار خط وخط هنا للدموع من كثرة الدموع التي تجري، يُقال خدَّان.
عندنا:
"وَ"لِحِيَةُ"، بِعَدِّهَا قدْ كَمُلَت"؛ الشعر النابت على اللحيين تحت الأسنان السفلى. لا إله إلا الله، سبحان الخلَّاق.
يأتي بعد ذلك مسألة في مراتب السواك ما الأفضل أن يُستاك به الإنسان؟
يقول:
[فائدة]
"للسواك خمسة مراتب كل مرتبة لها خمس مراتب."
معاكم أسْوِكه؟ في أي المراتب عندكم؟
لها خمس مراتب وكل مرتبة لها خمس مراتب نظمها عليه رحمة الله يقول:
أفْضَلُهَا الأرَاكُ فِيمَا يَرُوُونَ *** ثُمَّ جَرِيدُ ٱلنَّخْلِ ثُمَّ الزَّيْتُون
فَذُو ٱلرَّوَائِحِ ٱلْجَمِيلَةُ بَعْدَهُ *** بَقِيَّةُ ٱلْأَعْوَادِ فَٱحْفَظَ عَدَّهُ
وَخَيْرُ هَذِهِ ٱلْمُنَدَّىٰ بِألْمَا *** ثُمَّ بِمَاءِ ٱلْوَرْدِ فَاَفْهَمْ فَهْمَا
ثُمَّ مُنَدَّى ٱلرِّيقِ ثُمَّ ٱلْيَابِسُ *** فَالرَّطْبُ، وَٱلْبَعْضُ بِذَيْنِ يَعْكِسَ
أفضلها الأراك، الأراك هذا عود الأراك معروف "فِيمَا يَرُوُونَ *** ثُمَّ جَرِيدُ ٱلنَّخْلِ" بعد الأراك جريد النخل. "ثم الزيتون"
فَذُو ٱلرَّوَائِحِ ٱلْجَمِيلَةُ بَعْدَهُ *** ……………….
فذوات الروائح الجميلة إلَّا الريحان.
فَذُو ٱلرَّوَائِحِ ٱلْجَمِيلَةُ بَعْدَهُ *** بَقِيَّةُ ٱلْأَعْوَادِ فَٱحْفَظَ عَدَّهُ
طيب.. وبعدين؟ قال: كل واحد منها له خمس مراتب. أيش خمس مراتب؟ هذه خمسة، ولكل واحد خمسة، ما الخمسة؟
وَخَيْرُ هَذِهِ ٱلْمُنَدَّىٰ بالما *** ……………
……………. *** ثُمَّ بِمَاءِ ٱلْوَرْدِ فَاَفْهَمْ فَهْمَا
ثم مُنَدَى الرِّيقِ ثُمَّ الْيَابِسُ ***فَالرَّطْبُ، وَالْبَعْضُ بِذَيْنِ يَعْكِسُ
خمسة هذه مع كل واحد في الأراك، في جريد النخل، في ذا الروائح الجميلة، في بقية الأعواد كل واحد منها له هذه الخمس المراتب، وأفضلها:
خمسة هذه مع كل واحد من الخمسة السابقة، فالسِواك خمس مراتب، كل مرتبة لها خمس مراتب، فإذا جئت بعود الأراك وندَّيتهُ بالماء أنت في المرتبة الأولى من المرتبة الأولى، المرتبة الأولى من المرتبة الأولى لعود الأراك، تنديه بالماء تغسله فقط فيه أول مرتبة، ثم مُندَّى بماء الورد، ثم مُندَّى بالريق، ثم اليابس، ثم أخضر خرجته من الأراك؛ أخضر وتَستاك به، هذه المرتبة الخامسة الأخيرة.
وبعدين إذا..
لكن السادسة ما تأتي فيها مراتب خمس، كل خشن ولو غير عود وخِرقة ونحوها، أي خشن يزيل الوسخ فيصح الاستياك به، يصح الاستياك بكل خشن.
الاستياك…
وذلك الاستياك بسواك الغير من دون إذنه، يغصِب سواكه! يريد ثواب الاستياك، ويسرق السواك! أحسن لا تستاك ولا تسرق أفضل لك، ولا تأخذ سواك الغير إلَّا بإذنه.
قالت السيدة عائشة: كان ﷺ يناولني السواك لأغسله، سواكه الشريف، قالت: إذا ناولني أول ما أبدأ أستاك به بعدين أغسله. تأخذه منه ﷺ إذا ناولها تروح تتسوك به بعدين تغسله، متبركة من أثره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قالوا: إن سيدنا علي بن أبي طالب رأى السيدة فاطمة يوم تستاك، فأنشأ بيتين يقول:
حَظِيتَ يا عودَ الأراكِ بثغرِها *** أما خِفْتَ مني يا أراكُ أراكا
لو كان غيرك يا سواك قتلته *** ……………………
لو حد ثاني تجرأ على فم الزهراء غيرك إنسان سأقتله.
لو كان غيرك يا سواك قتلته *** ما فازَ مني يا سِواكُ سِواكا
وشاعرهم قال:
لا أحبُّ السواكَ من أَجْل أني *** إنْ ذكرتُ السواكَ قلتُ: سِواكا
وأحبُّ الأراك من أَجْل أني *** إنْ ذكرتُ الأراك قلتُ: أراكا
زدنا محبةً منه ﷺ ومحبةً له في كل لمحة وفي كل نفس، ونسألك بجاهه عندك ومنزلته لديك أن لا تجعل لنا لحظة من لحظات أعمارنا إلَّا زدتنا فيها محبة منه ومحبة له، وزدتنا فيها به محبة منك ومحبة لك، وتعمر لحظاتنا كلها واحشُها بذلك يا أكرم مالك الممالك، واسلك بنا في محبتك ومحبتهِ أشرف المسالك في عوافي كوامل، واجعل نيران المحبة المُتأججة علينا بردًا وسلاما، وادخلنا مدخل المحبوبين لديك قومًا كراما، ممن نظرت إليهم واخترتهم واصطنعتهم لِنفسك، وهيأتهُم لحظيرة قُدسِك، ونظرت إليهم بعين عنايتك، وصنعتهم بعينك، اللهم أدخلنا في تلك الدوائر مع أهل تلك الحظائر، وأصلح لنا كل باطن وظاهر، ونوِّر لنا البصائر، وصفِّ لنا السرائر.
وإنا نسألك يا ذا الغيث الماطر، والجود المتواتر بحبيبك سيد المرسلين إمام الأكابر أن تتولّانا في جميع الشؤون في الظهور وفي البطون، وتثبتنا به فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون، وتجعلنا ممن إلى سناك وجمالك الأكبر وفي طلعته الغراء ينظرون، وعنه يروون ولحديثه يسمعون، وعلى منهجه يستقيمون، وبه يرتقون وبمعراجه يعرجون، في ألطاف كوامل منك من كل جانب تقينا بها جميع الآفات والعاهات وتتحمل بها عنا جميع الابتلاءات، والامتحانات والاختبارات، وتثبتنا بها في ديوان أهل العناية الكبيرة من السائرين بخير سيرة، والعابدين لك على بصيرة والداعين إليك على بصيرة منيرة، واجعل معنا في حظيرة القُدس مع مَن زكيت لهم النفس وطهرتهم من كل رجس من عبادك المقربين وحزبك المفلحين، ولا تُخلَّفنا عنهم يا أكرم الأكرمين ولا تقطع عن ركبهم أحد منا ولا من أهلينا، ولا من أولادنا ولا من ذرياتنا ولا من طلابنا، ولا من ذوينا ولا ممن يوالينا يا أجود الأجودين بوجاهة الأمين وأهل التمكين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
03 صفَر 1448