(466)
(633)
(6)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لطالبات الدورة التعليمية بدار الزهراء، ليلة الثلاثاء 22 صفر 1448هـ
اللَّهُمَّ لك الحمد شكراً ولك المنُّ فضلاً، نَظَرَ اللهُ إليكُم..
والحمدُ للهِ الذي جَمَعَكُنَّ من خلال هذه الدورةِ على المقاصدِ الكُبرى؛ المقاصدِ الكُبرى التي من أجلِها خَلَقَنا اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، والتي يَتَرَتَّبُ عليها الحُكمُ الأَعظَمُ الأَكبَرُ، وهو حُكمُ يومِ القيامةِ، من قِبَلِ أَحكَمِ الحاكمينَ جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى في عُلاهُ، ولا يَستَقبِلُ المُكَلَّفينَ مُستَقبَلٌ أَكبَرُ من هذا، ولا أَعظَمُ من هذا، ولا أَخطَرُ من هذا، ولا أَهَمُّ من هذا.
وَبِذلِكَ نَعلَمُ أَنَّ كُلَّ مَن بَلَغَتهُ دَعوَةُ رَبِّهِ الذي خَلَقَهُ على لِسانِ أيِّ نَبِيٍّ من الأنبياءِ والرُّسُلِ، وأَتباعِ هؤلاءِ الأنبياءِ والرُّسُلِ، فَلَم يُؤمِن؛ أنَّهُ المُضَيِّعُ لِمُستَقبَلِهِ، الخائِبُ في مَآلِهِ ومَصيرِهِ، الذي لا يُغنيهِ ولا يُفيدُهُ مُلكُ الأرضِ من طَرَفِها إلى طَرَفِها، ولا شيءٌ فَعَلَهُ في هذه الحياةِ، والعياذُ باللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
إنَّما يَظفَرُ ويَفوزُ مَن قالَ اللهُ عَنهم: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، والزَّحزَحَةُ عَنِ النارِ إنَّما تكونُ بِتَزَحزُحِ الإنسانِ في الدنيا عَن موجِباتِ النارِ، وأعمالِ النارِ، وصفاتِ أهلِ النارِ.
وَذلِكَ بِتَلبِيَتِهِ لِنِداءِ رَبِّهِ على لِسانِ الحبيبِ المصطفى محمدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بالنسبةِ لِخيرِ أُمَّةٍ، وورَثَتِهِ من آلِ بَيتِهِ، وصَحابَتِهِ، وأهلِ حَملِ الأمانَةِ من بَعدِهِ من العُلَماءِ العاملينَ الرَّاسِخينَ في العِلمِ، الصَّادقينَ المـُنيبينَ الخاشعينَ عليهم رضوانُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفي الخَبَرِ: "عُلَماءُ أُمَّتي كَأَنبِياءِ بَني إسرائيلَ".
وهذه الأمَّةُ على حَسَبِ استجابتِها لهذه الدعوَةِ النَّبويةِ، تكونُ حالَتُها في يومِ القَضيَّةِ ويومِ الحُكمِ، ونَصيبُها من العيشَةِ الرَّاضِيَةِ المَرضِيَّةِ، ومَقاعِدِ الصِّدقِ، وحَظائِرِ القُدسِ، وكَريمِ الخِطابِ الرَّبانيِّ: "أُحِلُّ عليكُم رِضواني فَلا أَسخَطُ عليكُم بَعدَهُ أَبَداً".
فَيا أَيَّتُها المؤمناتُ من مُختَلفِ الجِهاتِ، احْمَدنَ اللهَ الذي وَفَّقَكُنَّ لأَخذِ هذه الدُّروسِ، والتي بها تُزَكَّى النُّفوسُ ويُستَرضَى القُدُّوسُ بالعملِ بما حَوَت؛ لأنَّها مَأخوذَةٌ عَنِ اللهِ بواسطةِ عَبْدِهِ ونَبِيِّهِ ومُصطَفاهُ ﷺ، ومَأخوذَةٌ عَن سيِّدِنا نَبِيِّ اللهِ محمدٍ ﷺ بواسطةِ آلِ بَيتِهِ، وصَحابَتِهِ، وورَثَتِهِ، وخُلَفائِهِ؛ صَلَواتُ رَبِّي وسَلامُهُ عليه وعلى آلهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ في دَربِهِ.
أَيَّتُها المؤمناتُ، وقَد أُكرِمتُنَّ بهذه الصِّلَةِ من أجلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، في وقتٍ أَكثَرُ التَّواصُلاتِ فيه بينَ الناسِ على ظَهرِ الأرضِ لأجلِ الأَهواءِ، ولأجلِ الشَّهَواتِ، ولأجلِ السياسةِ، ولأجلِ المَتاعِ الفاني، وما إلى ذلكَ من المقاصِدِ الفانِيَةِ الزائِلَةِ، المُنقَرِضَةِ المُنقَطِعَةِ، الحَقيرَةِ الزائِفَةِ، التي لا غايَةَ لها في المُستَقبَلِ الكَبيرِ.
فَتَسييرُ الرَّحمنِ لَكُنَّ في هذا الخيرِ مع مَن يُشارِكُكُنَّ على ظَهرِ الأرضِ من القُلوبِ الصَّادقةِ مع اللهِ من الرِّجالِ والنساءِ؛ عُنوانُ فَضلٍ رَبَّانيٍّ، وعَلامَةُ سَعادَةٍ لِمَن ثَبَتَت حتَّى لَقِيَت رَبَّها ﷻ، وماتَت على الوفاءِ بهذا العَهدِ الرَّبانيِّ الرَّحمانيِّ: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ).
احْمَدنَ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى واشكُرنَهُ على ما وَفَّقَكُنَّ، وعلى ما آتاكُنَّ، وعلى ما رَبَطَ بينَكُنَّ بهذا الرباطِ الشريفِ الكَريمِ؛ رِباطِ الإيمانِ بِهِ، وبِرَسولِهِ، وبِما جاءَ بِهِ رسولُ اللهِ ﷺ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، آمَنَّا بِكُلِّ ذلكَ على مُرادِ اللهِ ومُرادِ رسولِهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
كُلُّ ذلك بابٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ إلى دائِرَةِ الوفاءِ بِعَهدِ اللهِ، إلى دائِرَةِ الصِّلَةِ بِمُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ، إلى دائِرَةِ التطبيقِ لِشَرعِ اللهِ تعالى في القلبِ والأعضاءِ، وفي الأُسرَةِ ومُحيطِها، وفي الصَّديقاتِ والزَّميلاتِ والمعارِفِ، وفي الطَّعامِ والشرابِ واللِّباسِ، والمَنامِ والقِيامِ، والأَخذِ والعَطاءِ، وفي المعاملاتِ التي نَتَعامَلُ بها في هذه الحياةِ.
نُطَبِّقُ فيها مَنهَجَ اللهِ، وَحيَ اللهِ، شَرعَ اللهِ:
العملُ على هذا في بَقِيَّةِ الحياةِ من أَقوى أسبابِ السَّعادَةِ ونَيلِ الحُسنى وزِيادَةٍ، والارتباطِ بِحَضرَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ورابِطَةُ إحداكُنَّ بِمَن سَقى اللهُ قُلوبَهُنَّ من حَقائِقِ اليَقينِ والمحبَّةِ له والمعرفةِ بِهِ كُؤوساً هَنيئَةً؛ أمثال:
المعنى: لا نَصيبَ من الغُرورِ في ذِهنِها وعَقلِها وإحساسِها بِمُلكِ الدنيا الفانِيَةِ المُنقضية، التي خَاطَبَ الذينَ غُلِّفَ الإيمانُ قُلوبَهُم في لَحظاتٍ، خاطَبوا صاحِبَ الزَّعامَةِ هذه الدنيويةِ الباطِلَةِ وقالوا له: (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)؛ ما عِندَكَ مُلكٌ حَقيقيٌّ، ومُلكُ الدنيا عِبارَةٌ عن فِتنَةٍ في وقتٍ قَصيرٍ، في مكانٍ مَحدودٍ ويَنتَهي، ونحنُ آمَنَّا بِرَبِّنا مالِكِ الدنيا والآخرةِ.
مع أنَّهم قبلَ ساعاتٍ كانوا كَأَمثالِهم من الناسِ المُغتَرِّينَ بِزخرُفِ الحياةِ الدنيا، ويقولونَ لِفِرعَونَ: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) -تعطينا وتتكرم علينا؟- (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، لَكِن بَعدَ دُخولِ الإيمانِ في قُلوبِهم قالوا: (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ).
كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ أمامَ هذه الدَّواعي لِلانحِطاطِ في الفِكرِ وفي السُّلوكِ، ولِتَعظيمِ الفانِياتِ، ولِلاِنقِطاعِ عن رَكْبِ الاقتداء والاهتداءِ بالنَّبيِّ محمدٍ ﷺ وهؤلاءِ الصَّالِحاتِ.. تقولُ لهذه الدَّواعي كُلِّها: لَن نُؤثِرَكُم، لَن نُؤثِرَكُم على ما جاءَنا من البَيِّناتِ على يَدِ محمدٍ سيِّدِ الكائِناتِ، لَن نُؤثِرَكُم على الذي فَطَرَنا وخَلَقَنا ومَرجِعُنا إليهِ ﷻ، فَاقضوا ما أنتُم قاضونَ؛ لا التِفاتَ لَنا إلى ما تَطرَحونَ، ولا إلى ما تُلَبِّسونَ، ولا إلى ما تُغَيِّرونَ من الحقائِقِ، ولا إلى ما تُزَيِّنونَ من السُّوءِ، ولا إلى تَقبيحِكُم لِلفَضائِلِ والمَكارِمِ والشَّمائِلِ بِميزانِ الحَيِّ القَيُّومِ الذي لا يَموتُ جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى في عُلاهُ.
والاستقامةُ على ذلكَ إلى لِقاءِ هذا الإلهِ المالِكِ هي خيرُ ما يُكسَبُ من الحياةِ على الإطلاقِ، ولَن يُحَقِّقَ أحَدٌ على ظَهرِ الأرضِ مَكسَباً أَفخَرَ من هذا قَطُّ، بِكُلِّ وَجهٍ وبِكُلِّ مَعنى ومن جميعِ الجوانِبِ، خيرُ ما يُتَزَوَّدُ بِهِ من هذه الحياةِ استقامةٌ على مَنهَجِ اللهِ ﷻ.
قالَ الصَّحابِيُّ لِسيِّدِنا المصطفى محمدٍ ﷺ: "قُل لِي في الإسلامِ قَولاً لا أسأَلُ عَنْهُ أحَداً بَعدَكَ"، قالَ: "قُل: آمَنتُ باللهِ ثُمَّ استَقِم"، آمَنتُ باللهِ ثُمَّ استَقِم!
هذا الشَّرَفُ الذي يجبُ أن يَعودَ إلى ذَواتِنا، وإلى بُيوتِنا، وإلى أُسَرِنا: "آمَنتُ باللهِ ثُمَّ استَقِم"، وأَنزَلَ اللهُ مِصداقَ ذلكَ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).
(نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ): هَل أحَدٌ يَستَنِدُ إلى قُوَّةٍ أعظَمَ من هذه؟ وإلى شَرَفٍ أَفخَرَ من هذا؟ وإلى حُسنٍ وإلى جَمالٍ أَتَمَّ وأكمَلَ مِن هذا؟ (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا) - ضيافة - (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ).
كما يقول الله: من أدرَكَ حَقائِقَ الإيمانِ والاستقامةِ، وانْتَهَضَ داعِياً إلي ودالّاً علي، ومُعَظِّماً لأَمْرِي، ومُمتَثِلاً ومُلتَزِماً بِوَحيِي وشَريعتي: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا...)، ويقولُ: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ)، الرَّحمنُ يقولُ: لا أَحَدَ أَحسَنُ قَولاً من هؤلاءِ! فَمَقالاتُ جميعِ مَن في الأرضِ لا تَبلُغُ ذَرَّةَ عُشرِ مِعشارٍ في الحُسنِ من قَولِ هؤلاءِ.
(وَمَنْ أَحْسَنُ)؟ الذي أحاطَ عِلماً بِكُلِّ شيءٍ يقولُ لكِ: مَن أَحسَنُ؟ مَن أَحسَنُ؟ من هو هذا؟ الرُّؤَساءُ، والحُكَّامُ، والوُزَراءُ، وأَهلُ الثَّرَواتِ؟ (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا) وأعلنها: (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
أنا مُحتَكِمٌ لِرَبِّي، أنا خاضِعٌ لإلهي، أنا مُوفٍ بِعَهدِ مَولايَ الذي خَلَقَني، أنا من المسلمينَ؛ بِضاعَةٌ ما تَقبَلُ البَيعَ، ليست لِلبَيعِ لأَحَدٍ.. أنا قد بايَعتُ الإلهَ: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ).
لِذلِكَ كُلِّهِ تَعلَمنَ أنَّ هذه الأيامَ التي مرّت بكنّ في هذه الرَّابِطَةِ شَأنُها فَخيمٌ وعَظيمٌ، وكَبيرٌ وكَريمٌ، لِكُلِّ مَن صَدَقَت مِنكُنَّ، لِكُلِّ مَن أَخَذَت الثَّمَرَةَ بَعدَ هذه اللِّقاءاتِ والدُّروسِ: قُوَّةُ إيمانٍ وحُسنُ استقامةٍ.. نِعمَ الثَّمَرَةُ، هذه التِّجارَةُ، هذا الرِّبحُ الأكبَرُ، هذا الفَوزُ الأَعظَمُ بِحَقيقَةٍ؛ لا بِعَقلِيَّةِ شَرقِيٍّ ولا غَربِيٍّ، ولا عَرَبِيٍّ ولا عَجَمِيٍّ، ولا إنسِيٍّ ولا جِنِّيٍّ.. بِميزانِ الخالِقِ القَديرِ، القَوِيِّ المَتينِ، العَليمِ العَظيمِ، المُنِشِئِ البارِئِ المـُوجِدِ، الذي بِيَدِهِ مَلَكوتُ كُلِّ شيءٍ وإليهِ يُرجَعُ كُلُّ شيءٍ جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى في عُلاهُ.
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ)؛
وما إلى ذلكَ: من التَّنفيذِ لأَمْرِ اللهِ، من الوفاءِ بِعَهدِ اللهِ، من التطبيقِ لِشَرعِ اللهِ، من التَّبَعِيَّةِ لِلإمامِ القائِدِ الهادي، جامِعِ المَكارِمِ والفَضائِلِ، محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأن تَتَشَرَّفَ أذهانُكُنَّ، ذِهنُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ، بِتَصَوُّرِها لِقُدوَةِ الزهراءِ وأَخَواتِها وأُمِّها وأُمَّهاتِ المؤمنينَ، القُدوَةِ بِمَريَمَ وآسِيَةَ.. نِعمَ القُدواتُ وَضَعَهُنَّ سُبحانَهُ وتَعالى لِلاقِتداءِ والاهتداءِ ومَثَلاً لِلإيمانِ، رَبُّ الأرضِ والسماواتِ جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى في عُلاهُ.
فَيَجِبُ أن نَقومَ بِحَقِّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى من خلالِ هذه الصِّلاتِ في تَواصُلِكُنَّ وتَواصيكُنَّ بالحَقِّ والصَّبرِ، وانتِهاجِكُنَّ في نَهجِ الاقتداءِ والاهتداءِ والاتِّباعِ؛ فَفيهِ مَحبَّةُ رَبِّ الأرضِ والسماءِ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى في عُلاهُ.
فَلا بُدَّ أن: تَمتَلِئَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ بالقَصدِ الصَّحيحِ، المـُفـرَدِ للهِ تعالى لِوَجهِ اللهِ ﷻ، في تَبَعِيَّةِ المصطفى محمدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وما جاءَ بِهِ عَنِ اللهِ.
وأن تَملَأَ جَوانِحَ شُعورِها بأنَّ القُدوَةَ سيِّدَةُ نِساءِ أهل الجَنَّةِ، وأُمُّها خديجةُ الكُبرى، وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ، وحَفصَةُ بنتُ عمرَ، وزينبُ بنتُ خُزَيمَةَ، وزينبُ بنتُ جَحشٍ، وبَقِيَّةُ أُمَّهاتِ المؤمنينَ، وآسِيَةُ ومريمُ.. هؤلاءِ قدوَةٌ.
ثُمَّ جَعَلَ اللهُ في الأمَّةِ من وارِثاتِ هؤلاءِ وحامِلاتِ أسرارِهِنَّ عَدَداً في شَرقِ الأرضِ وغَربِها.. ما نَصيبُنا من مَعرِفَةِ هؤلاءِ والاطِّلاعِ على مَناقِبِهِنَّ وأَخبارِهِنَّ؟ عَشعَشَ في كَثيرٍ من الأذهانِ والتَّصَوُّراتِ عندَ المؤمناتِ مُمَثِّلاتٌ ومُغَنِّياتٌ وأَحَد المُصارِعينَ وأحَد... إلى غيرِ ذلكَ، وتُحفَظُ أسماءُ كَثيرٍ مِنهُم، وهُم حاضِرونَ في ذِهنِها!
أَبْعِدي الظُّلمَةَ، خُذي النُّورَ؛ القُدوَةُ نُبُوَّةٌ، وحامِلي أسرارِ النُّبُوَّةِ من الصَّالِحاتِ العَفيفاتِ الخَيِّراتِ، ولا يَكادُ يَخلو قُطرٌ من عَدَدٍ مِنهُنَّ، كُنَّ أَمثِلَةً صالِحَةً في التربيةِ، في التَّزكيَةِ، في الانتِهاجِ، في الاستقامةِ، في أداءِ الدَّورِ؛ في بَيتِها، في أُسرَتِها، في مُحيطِها، لِلقَريبِ ولِلبَعيدِ، على مُختَلِفِ مَراتِبَ في أَدائِهِنَّ الواجباتِ والمُهِمَّاتِ والنَّفعِ.
وَبِذا كانت أسانيدُ أيَضاً كِبارِ الأمَّةِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فيها كَثيرٌ من النساءِ الصَّالِحاتِ يُروى عَنْهُنَّ، كما أنَّ الرَّعيلَ الأوَّلَ كانَ يَتَلَقَّى عن أُمَّهاتِ المؤمنينَ كَثيراً من أخبارِ سَيِّدِ المُرْسَلينَ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فَهؤلاءِ الناجِحاتُ المُفلِحاتُ الرَّاقِياتُ العالِياتُ يجبُ أن يَنزِلنَ مَنزِلَتَهُنَّ في قُلوبِنا وأذهانِنا ومَشاعِرِنا وعُقولِنا بِحُكمِ إيمانِنا باللهِ، بِحُكمِ التَّحَقُّقِ بـ "لا إله إلا الله".
"لا إله إلا الله" تقولُ لكِ: أَخرِجي الانبهارَ بالفاسِقاتِ والمُجرِماتِ والغافِلاتِ والمَقطوعاتِ عن رَبِّ الأرضِ والسماواتِ! "لا إله إلا الله" تقولُ لكِ: أحِلِّي في شُعورِكِ أنَّ القدواتِ المَحبوباتِ المُقَرَّباتِ أَمثالُ هؤلاءِ اللاتي بايَعنَ رسولَ اللهِ ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وكانَ في شَرَفِهِ وشَريعتِهِ وتَعليمِهِ الآدابِ وما يُصلِحُ للإنسانيةِ على ظَهرِ الأرضِ.. مَدَّت إليهِ بَعضُهُنَّ يَدَها فقالَ: "إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ، إنَّما أُبايِعُهُنَّ كَلاماً، وبَيعَتي لِلأَلفِ مِنكُنَّ كَبَيعَتي لِلواحِدَةِ"، فكانَ يُلَقِّنُهُنَّ ﷺ كَلاماً ويَأخُذُ مِنهُنَّ البَيعَةَ، ولم تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرأةٍ لا تَحِلُّ له، ما عَدا زَوجاتِهِ ومَحارِمِهِ فقط لَمِسنَ يَدَهُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومَن أطهَرُ مِنهُ؟ ومَن أشرَفُ مِنهُ؟ ومَن أحسَنُ مِنهُ؟ ومَن أَنقى مِنهُ؟ ومَن يَحِقُّ أن يُتَّبَعَ مِثلُهُ، صَلَواتُ رَبِّي وسَلامُهُ عليهِ؟ اُترُكنَ الأفكارَ المـُخَربَطَةَ والمعاييرَ الزائِفَةَ والاستحساناتِ الباطِلَةَ.. هذا القُدوَةُ، هذا الأُسوَةُ: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ).
المؤمنُ ما عِندَهُ استحساناتٌ؛ مَن جاء بالرَّأي الثاني؟ مَن جاء بالفِكرَ الثاني؟ كلامٌ واضِحٌ صَريحٌ من اللهِ ورسولِهِ، ومَنهَجٌ وقُدوَةٌ واضِحَةٌ، صالِحَةٌ ناجِحَةٌ فالِحَةٌ مُشرِقَةٌ أنوارُها: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).
ما أحد خالِقٌ آخر يجيء.. يُعَدِّل لَنا الدِّينَ، يجيء لَنا بوَحي جَديد، ولا نَبِيَّ بَعدَ هذا النَّبيِّ ﷺ يُرشِدُنا؛ لا شَرقِيٌّ ولا غَربِيٌّ.. مَعَهُم لَعِبٌ، مَعَهُم مَسخَرَةٌ، معهم بعداء للقيم، مَعَهُم سَقاطَةٌ، مَعَهُم شَهَواتٌ وأَهواءٌ، عِبادَةٌ لِلأنفُسِ ولِلأَهواءِ ولِلشَّهَواتِ ولِلسُّلُطاتِ ولِلسِّياساتِ، ويُريدونَ الناسَ يَتبعُونَهُم! وما هُم أَهْلٌ لِلاتِّباعِ؛ لنا رب خَلَق، وأَنزَلَ كُتُباً، وأَرسَلَ رُسُلاً.
فَبِإيمانِنا بِهِ، كيفَ يَخدَعُنا قَريبٌ أو بَعيدٌ، أو شَرقِيٌّ أو غَربِيٌّ، أو عَرَبِيٌّ أو أَعجَمِيٌّ؟ بل نحنُ وإيَّاهُم مُطالَبونَ أن نَعرِفَ عَظَمَةَ الإلهِ الذي خَلَقَ، وأنَّ المَرجِعَ إليهِ وَحدَهُ.
ما أَحَدٌ مِنَّا سيكونُ مَآلُهُ ومَصيرُهُ عندَ مَوتِهِ إلى مُؤَسَّسَةٍ، ولا إلى حُكومَةٍ، ولا إلى مَجموعَةٍ، ولا إلى جَمعِيَّةٍ، ولا إلى مُعَسكَرٍ.. المَرجِعُ إليهِ هو: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ)؛ (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم)؛ (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)؟ تمضون وراء الشهوات ويظلم بعضكم بعضاً وتنتهي المسألة؟! (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)؛ تَعالى عن العَبَثِ وأن يَخلُقَ الوُجودَ عَبَثاً.
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)، وأُولوا الأَلبابِ يقولونَ، يَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السماوات والأرض: سُبحانَكَ رَبِّ، سُبحانَكَ ما خَلَقتَ هذا باطِلاً: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
تَوَجَّهَ إِليكُنَّ هذا الفَيضُ الرَّبانيُّ باجتِماعِكُنَّ على هذه الدُّروسِ، وتَعاوُنِكُنَّ على ما فيهِ زَكاةُ النُّفوسِ ورِضا المَلِكِ القُدُّوسِ ﷻ، وما تَصِحُّ بِهِ صِلَتُكُنَّ بالإلهِ الذي خَلَقَ بواسطةِ حَبيبِهِ الذي صَدَقَ، وخَواصِّ مَن ورِثَ عَنْهُ ما جاءَ بِهِ عن الإلهِ سُبحانَهُ وتَعالى مِمَّن أَيـقَنَ وصَدَّقَ: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ).
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ)؛ يَجعَلونَ مُفزِعاتٍ بالأشياءِ التَّافِهَةِ الباطِلَةِ، ويُخَوِّفونَكَ بالذينَ من دونِهِ! (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، فَحَسبُنا اللهُ وعليهِ نَتَوَكَّلُ.
أَيَّتُها المؤمناتُ، وأَيَّتُها المـُتَوَجِّهاتُ صِغارُكُنَّ وكِبارُكُنَّ.. نِعمَةُ اللهِ حَلَّت عليكُنَّ، فَاشكُرنَ المُـنعِمَ، وقُمنَ بِحَقِّ هذه النِّعمَةِ، واستَعمِلنَها فيما يَرفَعُكُنَّ رَفْعاً أَبَدِيّاً، وفيما يُعليكُنَّ عُلُوّاً سَرمَدِيّاً، وفيما تَنَلْنَ بِهِ نَعيماً ومُلكاً كَبيراً: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
فَاللهُ يَشرَحُ صُدورَكُنَّ، ويُثَبِّتُ قُلوبَكُنَّ، ويَرزُقُكُنَّ حُسنَ التعاوُنِ والتعامُلِ مع القَريبِ والبَعيدِ، واحتِواءَ الأبناءِ والبَناتِ من صِغَرِهِم، وأيامِ مُراهَقاتِهِم، وأيامِ زَحمَةِ الأطروحاتِ عليهم من هنا وهناك في بِداياتِ شَبابِهِم؛ أَبناءً وبَناتٍ، فإنَّهم مُعَرَّضونَ لِلانحِرافِ والانجِرافِ وراءَ السُّوءِ، ومُحتاجونَ إلى أن يَضَعَ الآباءُ والأُمَّهاتُ والعُقَلاءُ من الأخَواتِ والأَعمامِ والخالاتِ والأَخوالِ مُساعَداتٍ لهم في حِمايَتِهِم مِمَّا يَعرِضُ لهم، وثَباتِهِم على ما أَحَبَّهُم رَبُّهُم.
وإذا أَرادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيتٍ خيراً أَدخَلَ عليهم الرِّفقَ؛ يَحيَونَ على الرِّفقِ وعلى حُسنِ التعاوُنِ وحُسنِ التَّفاهُمِ بَينَهُم البَينَ.
وكانَ ﷺ في بَيتِهِ، يكونُ في خِدمَةِ أَهْلِهِ؛ يَطرَحُ هذا ويَشيلُ هذا، وقَد يَكنُسُ البَيتَ بِيَدِهِ الشريفةِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويَرقَعُ الثَّوبَ، ويَخصِفُ النَّعلَ ﷺ.
بَل عَمَّ كَرَمُهُ وإحسانُهُ ما عاشَ من الحيواناتِ، كَمِثلِ الغَنَمَةِ والهِرَّةِ وَسَطَ بَيتِهِ، نالَت إحسانَهُ وكَريمَ خُلُقِهِ ﷺ؛ وكانَ يَأكُلُ التَّمرَةَ فَيُخرِجُ النَّواةَ ويَضَعُها على كَفِّهِ الأَيسَرِ ويُناوِلُها الشَّاةَ من جَنبِهِ تَأكُلُ، وكُلَّما أَخرَجَ نَواةً من فَمِهِ الشريفِ ناوَلَها الشَّاةَ من جَنبِهِ وشَارَكَهَا في طَعامِهِ ﷺ عِندَما يَجِدُها ويُناوِلُها بِيَدِهِ الشريفةِ إلى فَمِها!
ورَأى الهِرَّةَ أَصغَت للإناءَ والماءُ نازِلٌ في الإناءِ، فَقَامَ وأَصغَى لها الإناءَ حتَّى قَرّب الماءُ من فَمِها وأكملَت شُربَها تَحتَ خِدمَةِ يَدِ سَيِّدِنا ﷺ! الحيواناتُ وَسَطَ بَيتِهِ نالَهُنَّ خُلُقُهُ الكَريمُ.. فَكَيفَ بالنِّساءِ؟! وهكذا؛ فَاعلَمنَ ذلكَ وسِرنَ في هذه المَسالِكِ المـُبارَكَةِ.
وقَد جاءَ فيما يَعرِضُ لِلبَشَرِ في هذه الحياةِ وفي هذه الدنيا، أنَّ سيِّدَتَنا عائشَةَ ثارَت نَفسُها وتَضايَقَت من بَعضِ الأشياءِ، والرسولُ ﷺ يقولُ لها: مَن تَرضَينَ أن يَقعُدَ في المَسأَلَةِ بَينَنا ويَدخُلَ بَينَنا؟ قالت: أَبي، قالَ: نَعَم.
استَدعى أبا بكرٍ عليه رضوان الله، ولَمَّا دَخَلوا في غُرفَتِهِ الشريفةِ، قالَ لها ﷺ: تُحِبّينَ أن تَتَكَلَّمي أو أَتَكَلَّمُ أنا؟ تَبدَئينَ أنتِ بالكَلامِ؟ قالت: ابْدَأ أنتَ ولا تَقُل إلا حقاً!، ثارَ سيِّدُنا أبو بكرٍ وقامَ لِيَلطِمَها، فَقَامَ ﷺ يَمسِكُهُ، فكانَ حائِلاً بَينَهُ وبَينَها حتَّى لا يَضرِبَها، قالَ ﷺ: إنَّا لَم نَدعُكَ لِهذا!
يقولُ لسيِّدِنا أبي بكرٍ: إنَّا لم نَدعُكَ لِهذا، ورَجَعَت ولا حَصَّلَت مَرجِعاً وملاذاً إلا من رسولِ اللهِ ﷺ، قالَ: يا عَدُوَّةَ نَفسِكِ، أَوَهَل يقولُ رسولُ اللهِ إلا الحَقَّ؟ ما الكَلِمَةُ هذه؟ هل يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ إلا الحَقَّ؟ حتَّى سَكَنَ سيِّدُنا أبو بكرٍ، سَكَّنَهُ ﷺ، وخَرَجَ.
قالَ لها: كَيفَ حَمَيتُكِ من أَبيكِ؟، رَجَعَت ونَدِمَت، بَعد ذلك مَرَّ سيِّدُنا أبو بكرٍ يوماً وهُما يَضحَكانِ، يَتَبَسَّمُ مَعَهُ ﷺ وهي تَضحَكُ، فَسَمِعَهُما واستَأذَنَ رسولَ اللهِ، قالَ: "تَفَضَّل"، قالَ: "أَشرِكاني في سِلمِكُما كما أشرَكتُماني في حَربِكُما!"، خَلُّونا نُشارِكُكُم في هذا السُّرورِ والأُنسِ الذي مَعَكُم، صَلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمدٍ وآلِهِ وصَحبِهِ.. وهكذا مَضى، وما أَعجَبَ خُلُقَهُ وصَبرَهُ ﷺ واحتِواءَهُ لِلجميعِ!
فَيَجِبُ أن نَقتَدِيَ، ويَجِبُ أن نَهتَدِيَ، ويَجِبُ أن نَعتَنِيَ بالأبناءِ والبَناتِ؛ نُحَرِّكُ في فِطَرهم وما خَبأَ الرَّحمنُ في بواطِنِهِم:
فَذلكَ من أَقوى الأسبابِ لِصَلاحِ بَواطِنِهِم، ولِارتباطِهِم، ولانتِهاجِهِم في النَّهجِ القَويمِ، مع مُختَلِفِ الوسائِلِ والأساليبِ التي نُقَدِّمُها لهم في الحَثِّ وفي التربيةِ، وأَنتُنَّ أيضاً تَتَعَلَّمنَ الكَثيرَ من صالِحِ الوسائِلِ والأسبابِ في غَرسِ مَحبَّةِ الحَقِّ ورسولِهِ، وإدراكِ عَظَمَةِ الدِّينِ وشَأنِ المَصيرِ والمَرجِعِ.
قَبِلَكُنَّ اللهُ، وتَولاكُنَّ اللهُ، وأَيَّدَكُنَّ اللهُ، وأَعانَكُنَّ اللهُ، وجَعَلَكُنَّ في الزَّمَنِ سُرُجاً من نُورِ محمدٍ ﷺ، تَكُنَّ سَبَباً لِلهدايةِ ورَفعِ البَلايا عن أُسَرِ المسلمينَ، وعن مُجتَمَعاتِ المسلمينَ، وعن مُعامَلاتِ المسلمينَ.
أَخَذَ اللهُ بأيديكُنَّ، وهَيَّأَكُنَّ لِلرُّقِيِّ في المَراقي الشريفةِ، والتَّهَيُّؤِ لِلمُرافَقَةِ العَلِيَّةِ العظيمةِ في البَرازِخِ والقيامةِ وفي دارِ الكَرامَةِ.
يـا رَبِّ واجمَعنا وأَحباباً لَنا ** في دارك الفِردَوسِ أَطيَبِ مَوضِعِ
اللَّهُمَّ إنَّا نَستَودِعُكَ ما آتَيتَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ من إسلامٍ وإيمانٍ وإحسانٍ، وما آتَيتَها من فَهمٍ وعِلمٍ وحِكمَةٍ، وما آتَيتَها من تَوَجُّهٍ إليكَ؛ فَاحفَظ عليهِنَّ ذلكَ، واسلُك بِهِنَّ أشرَفَ المَسالِكِ، وزِدهُنَّ زِياداتٍ، وتَوَلَّهُنَّ في الظَّواهِرِ والخَفِيَّاتِ.
وأَعِنهُنَّ على أن يَعرِضنَ على أبنائِهِنَّ وبَناتِهِنَّ من القِصَصِ، ومن المُـشاهَداتِ، ومن المَـرْئِيَّاتِ، ومن المَـسموعاتِ ما هو أَجمَلُ وأَلطَفُ وأَكمَلُ وأَفضَلُ، في لُطفٍ وفي حَنانٍ وفي رَحمَةٍ تَشمَلُ الجميعَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقهُنَّ، اللَّهُمَّ ثَبِّتهُنَّ، اللَّهُمَّ أَعِنهُنَّ، اللَّهُمَّ خُذ بأيديهِنَّ، اللَّهُمَّ اكتُب لَهُنَّ كَمالَ حُسنِ النَّظَرِ فيما يُرضيكَ، والتوفيقَ لِما هو أَحَبُّ إليكَ وأَنفَعُ لَهُنَّ ولِعِبادِكَ، في خيرٍ ولُطفٍ وعافيةٍ.. بِسِرِّ الفاتحةِ إلى حَضرَةِ النَّبيِّ محمدٍ ﷺ.
اللهُ يَنفَعُ الجميعَ، ويَربِطهُم بالشَّفيعِ، ويُثَبِّتهُم على مَنهَجِهِ البَديعِ وشَرعِهِ القَويمِ الوَسيعِ، ويَنفَعُ بِهِنَّ المَشارِقَ والمَغارِبَ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، يا رَبَّ المَشارِقِ والمَغارِبِ.. والحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ.
بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3).
24 صفَر 1448