أسرار التجليات الإلهية على الكائنات وحظ المؤمن من الحضور والإقبال المثمرين تحصيل أعلى النوال
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الإمام حسن بن عبدالرحمن السقاف، بحارة الخليف، مدينة تريم، ليلة السبت 29 ذو القعدة 1447هـ
نص المحاضرة:
الحمد لله الذي له الأمر كُلّه من قبل ومن بعد، وإليه يرجع الأمر كُلّه، لا إله إلا هو صادق الوعد، أرسل إلينا عبدهُ المصطفى محمداً خير عبدٍ، فهو أعلى مراتب المجد، وجعله سبحانه وتعالى سيّداً على جميع الخلائق، ومُقَدَّماً عليهم في جميع الرقائق والحقائق.
اللهم أدِم صلواتك على الرحمة المهداة، والنعمة المُسداة، والسراج المنير الذي تتنوَّر به قلوب أهل الوجهة إليك، وأهل الإقبال عليك، وأهل التّلقِّي لفائضات جودك وإحسانك.
وتجتمع به قلوب المتوجّهين إليك في مثل هذه المجامع، لتَفتحَ لها مِن أبواب فضلك وخزائن رحمتك ما أنت أهله، فيسعد كل مسعود بما سبق له في الأزل من جودك الذي لا تحدّه حدود، بواسطة زين الوجود، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الرُّكَّع السجود، الموفين بالعهود، ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الموعود، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الشهود، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين.
غايات الأماني العظيمة
والله يغمر مجمعنا هذا بإفضالٍ من عنده ربَّاني، وفيض امتناني، وَجُود صمداني، نرقى به أعلى مراتب شرف القرب منه سبحانه وتعالى، والقرب مِن عبده المصطفى العدناني، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.
وننال بذلك غايات الأماني، وما عَنَينا بها أمانينا القاصرة، ولا ما يصل إليه أهل الحجاب، وما عَنَينا إلا ما عَلَّق به قلوب أهل الحضرة من الأماني الواسعة التي دونها أَرَب الأريب، وأدب الأديب، وعقل اللّبيب، ذلك جود الله الرّحيب على أهل التّقريب، وعلى أهل الاصطفاء الرباني العجيب، وذلك مِن فضل الله على مَن يشاء، لا إله إلا هو، والله ذو الفضل العظيم، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) جلَّ جلاله.
فضل مجالس الذكر والتعرض للنفحات الربانية
فعسى إذا حضرت مثل هذا المَجمع، يكون لك اجتماع قلبي على الوجهة إلى الرب جلَّ جلاله؛ لأنه يقول لك: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا).
وإذا ما تحضر مثل هذا المحضر، وعاد لك وجهةٌ في حجاب، ووجهةٌ في عذاب، ووجهةٌ في غفلة، ووجهةٌ في شؤون الفانيات والقاصرات، ما عرفت حقّ المجلس، ولا أخذت ما فيه من دُرَرِ الفضل الرباني، والجود الرحماني الذي يفيض به سبحانه وتعالى على القلوب المُتوجِّهة إليه.
فإنما عُقِدَت لنا هذه المجامع لنصدُق مع الرحمن سبحانه وتعالى، ونتّصل بحبيبه الذي جمع جميع الخيرات، عليه الصلاة والسلام، ونتهيّأ ليوم الميقات، وللدرجات العلى في أعلى الجنات، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.
حقيقة الوجود وتجليات الحق جلَّ جلاله
وذلكم أن تجلّيات الحق جلَّ جلاله جلَّت عن الحصر، وما من شيءٍ موجودٍ إلا وقد تجلّى عليه بالإيجاد حتى وُجِد، ولو لم يتجلَّ عليه بالإيجاد ما كان موجوداً، فما في الوجود إلا الله وأفعاله جلَّ جلاله.
هذه تجلّياته؛ تجلّى بالإيجاد على كل موجودٍ فوُجِد، وعلى كل مرزوقٍ فرُزِق، وعلى كل مقرَّبٍ فقُرِّب، تجلى سبحانه وتعالى بالتفضُّل على كل ذي فضل، فما يكون في الوجود إلا ما يتجلى به الرب جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
والوجود أصله عدم، ومرجعه عدم، وقابل للعدم، لا وجود ذاتي لشيء من الموجودات غير الله، قط قط قط قط قط قط! فالموجود الحق هو الله سبحانه وتعالى.
وهذا الوجود الذي أوجَدَ بإيجاده لحِكَمٍ، وتجلّى لهذا الوجود فجعلهم ملائكة، وتجلّى لهؤلاء الموجودين فجعلهم إنساً، وتجلّى لهؤلاء الموجودين فجعلهم جِنّاً، وتجلى لهؤلاء الموجودات فجعلها جمادات، وتجلّى لهذه الكائنات فجعلها حيوانات، وتجلى لهذه الكائنات فجعلها نباتات، وكلّها بتجلّيه جلَّ جلاله، لا شيء ينفَك عن هذا من ذرات الوجود كله، فكلّها في قبضته، وهو معانٍ من معاني قوله الذي كرّره في كتابه: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) جلَّ جلاله.
ولا تكون لفتةُ عينٍ ولا فلتةُ خاطرٍ إلا بتجلّي؛ وإن تجلى عليك بالإسعاد أُسعِدت، وإن تجلى عليك بالطاعة أَطَعت، وإن تجلى عليك سبحانه وتعالى بالخُذلان خُذِلت -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. ولذلك يقول الشيخ الشواف:
بَحلِف يمين قطّاعة ** ما حد يـحــرّك بـاعه
فـي مـعـصـية أو طاعة ** إلا أن حرَّكه الله
فيا مَن وفَّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وَفِّقنا للخير وأعِنَّا عليه.
وكان التجلّي لهذه الموجودات راجعاً إلى مقصودٍ من ورائها، وهو هذا الإنس والجن والملائكة إذا عرفوا حق الله.
أما الملائكة فمعصومون وكلهم في الطاعة: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين.
وكذلك الأنبياء والمرسلون، في غاية الاصطفاء والاجتباء والعصمة الربانية، وعصمهم.. ولكن مَن عداهُم من المكلفين إن عرفوا قدر تفضُّل المُتفضِّل عليهم، فالكائنات خُلِقَت لهم، قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ).
مكانة الكعبة المشرفة وحرمة المؤمن
وهكذا وجدنا هذا التجلِّي بالتفضُّل والتفضيل والفضل والعطاء الجزيل، لمّا فاض على شيءٍ من الأمكنة أو من الأزمنة، وجدنا أنَّ المقصود به هو هذا الإنسان أو هذه الذوات، لا عينَ الجمادات ولا النباتات ولا الحيوانات، ولا الأزمِنة ولا الأمكِنة، لكن المقصود منها هو هذا الإنسان، تنصَبُّ عنده التَّفضُّلات الربانية منه جلَّ جلاله.
فإذا وضع لنا البيت الحرام كما قال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ)؛ فالمقصود به هؤلاء.
تجلّى الحق على البيت فَشُرِّف بالنسبة الخاصة التشريفية إليه، شُرِّف بالنسبة إلى الله تعالى، وإلا كل الكون كون الله، لكن هذا بيت الله على وجه الخصوص، له تشريف، له تكريم، له منزلة عند العلي العظيم بسر التجلي.
ويلمح الحق تعالى إلى الكعبة المشرفة في كل سنةٍ ينظر إليها نظرة، لأجل ذلك تحنّ إليها أرواح المؤمنين وتتعشّقها.
تحنّ إليك المؤمنون قلوبهم ** وأرواحهم مِن واردٍ مثل صادرِ
من سرّ تجلّيه، من نظرته سبحانه وتعالى إلى هذه الكعبة، وأقامها للناس كما سمعت: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ)، مِن أجل الناس.
فهذا التجلي على الكعبة مِن شأنك إذا عرفتَ عظمة المُتفضِّل المنَّان عليك سبحانه وتعالى، والمُتكرِّم المتطوِّل، وما شرَّفه من تلك البقاع يتجلّى عليه من أجل من يَرِد إليها.
فهذه الذوات إذا عرفت قدر المُنعم عليها فهي مَحَط المنن والنعم من كل جانب، بمعانٍ شريفة ومعانٍ رفيعة القدر ورفيعة المكانة.
فضل الأيام العشر من ذي الحجة والاستعداد لها
وإذا رأينا هذا الزمان والأشهر الحُرُم، مثل ما نحن مقبلون عليه الآن من أيام العشر، "خير أيام الدنيا" كما قال نبينا محمد ﷺ، خير أيام الدنيا وأفضل أيام الدنيا أيام العشر، بلَّغنا الله إياها وجعلنا من خواص أهلها، تجلّى عليها فتميَّزت، وأقسم بها في كتابه لتميُّزها وشرفها: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) يقول ربنا سبحانه وتعالى.
وقالوا: المراد بالفجر إشراق هذا الضوء، والذي يشير إلى الضوء المعنوي، والذي يتكوَّن عليه في العالم الحسي اليوم، ويطلع على ضوئه ضوء الشمس، وكذلك على وجه العموم فجر كل يوم. وفي بعض التفاسير والروايات أنّ الفجر فجر يوم الجمعة، أو الفجر فجر يوم عرفة، (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، والليالي العشر الأُوَل من شهر ذي الحجة المُقبل علينا.
(وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ)، قال ﷺ: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. يوم عرفة يوم الوتر، ويوم الشفع يوم الأضحى.
(وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) لذي عقل، أقسم الله تعالى وجاء جواب القسم: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
حال المقبل والعاجز في أيام العشر
فيا فوز من راقب هذا الإله، وتأدَّب مع هذا الإله، وعظَّم هذا الإله، وذكر هذا الإله بقلبه، وعلم أنه خالقه، وأنه بيده أمره، وأنّ مرجعه إليه، فأقام شأنه على الاقتداء والاهتداء بنبيه محمد ﷺ، وعلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه؛ في نفسه وفي أعضائه وفي قلبه وفي أهله وفي أسرته، وفي ماله وفي معاملته مع القريب والبعيد.
هذا الذي أشرَق عليه هذا النور باختيارٍ واصطفاءٍ من العزيز الغفور جلَّ جلاله وتعالى في علاه، يغنم قيمة الأيام والليالي، وتجتمع له تجلّيات الخيرات، وتجتمع له التجلّيات للأوقات الشريفة.
تجلى الله على هذه العشر، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أنك أنت أيها المؤمن إذا آمنت وأقبلت، أنت المقصود بهذا التجلّي؛ يعدل صيام كل يوم منها صيام سنة، وأنت الذي استفدت من هذا التجلي، ويعدل قيام كل ليلة منها قيام ليلة القدر، أنت الذي استفدت من هذا التجلي.
تجلى عليها لأجلك، من أجل أن تغنم، ومن أجل أن تقرب، ومن أجل أن تُصفِّي صفحاتك، صَفِّ صفحاتك من الذنوب والسيئات، تبقى على نقاءٍ مع عالم الظواهر والخفيات، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وأما الذي هو مسلم بين المسلمين، تدخل ليالي العشر وليس عنده شعورٌ ولا إحساسٌ ولا ذوقٌ في استقبال هذه الليالي! هذا الحرمان بادٍ عنوانه عليه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
اختلف العجز والحرمان أيهما أضرَّ بصاحبه، -قال في حِكَم سيدنا الإمام الحداد- قال: فترافعا إلى العقل، فقضى أن العجز أصل والحرمان فرعٌ له. العجز؛ ما يعجز عن الخير، يعجز عن مجالس الخير، يعجز عن القيام، يعجز عن التلاوة، يعجز عن الصلاة على النبي محمد، هذا أصل، والحرمان تبعٌ للعجز، إذا صار يعجز جاءه الحرمان.
أما إذا نشَّط نفسه وتحرَّك: "ألا وإنّ لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرَّضوا لها"، فما يكون محروماً، والحق الحي القيوم يتجلّى عليه سبحانه وتعالى في صلاةٍ أو في ذكرٍ، أو في قراءةٍ أو في تلاوةٍ، أو في مجمعٍ من المجامع، وهذا أعظم تجلياته سبحانه وتعالى.
ونحن في شهرٍ حرام، في مساء الجمعة، مستقبلين لليلة السبت، في توديع هذا الشهر الحرام ومستقبلين أيام العشر، وفيما بين المغرب والعشاء، وفي ناشئة الليل، أول الليل، وفي مسجدٍ من المساجد المنوَّرة التي تأسست على التقوى والبر بالحلال، وقصد وجه ذي الجلال جلَّ جلاله خالصاً، ما لهم التفاتٌ إلى ما سواه.
فهمُ القوم الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سعدوا
ولغير الله ما قصدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وجرى هذا التذكُّر والتعرُّض للتجلي الرباني في مثل هذا المجمع، ما سمعته يقول في تجليه على المجامع: "همُ القوم لا يشقى بهم جليسهم"، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
تجلي الحق على عباده المؤمنين
وإذا رأيناه تجلّى على زمان أو مكان؛ رأينا المقصود بهذا التجلّي ذوات، ذوات مُشرّفة، فإذا كان هذا التجلي على الأزمنة والأمكنة، ورجعت منه المنافع إلى المكلفين والفوائد للمؤمنين، فكيف بتجلِّيه -جل جلاله وتعالى في علاه- على نفس الذوات المقصودة؟ ذوات المقربين وذوات المحبوبين عنده، كيف يكون التجلي عليها؟
ولهذا يقول سيدنا ابن عمر لما جاء عند الكعبة قال: "أعلم أن حرمتكِ عند الله عظيمة، ولكن حرمة الرجل المؤمن أعظم عند الله منكِ"، فهي تتجلى عليها من أجل المؤمن.
ولكن هذا المؤمن إذا صفا وتنقَّى وصدق مع الله، الله يتجلى عليه، ويتجلى عليه بماذا؟ حتى تجلي الإبقاء للجنان وللنيران كله من أجل هذا الإنسان، ومن أجل نتيجة سعيه وكسبه؛ المُكلَّف من الإنس والجن هم الذين يسكنون الجنة أو النار، فيُعذَّب أهل النار، وأمّا مَن يبقى مِن الملائكة فكذلك كثيرٌ مِن شؤونهم مُتعلِّقة بتنعيم هؤلاء وتعذيب هؤلاء.
وهناك التّجلي الأعظم في دار الكرم، في دار القرب من الله، في دار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
في مقعد الصدق الذي قد أشرقت ** أنوارهُ بالعندِ يا لك من سَنا
والمتقون رجالهُ وحضورهُ ** يا ربّ ألحِقنا بهم يا ربنا
يا ربّ ألحِقنا بهم يا ربنا
الحث على اغتنام ليالي العشر وأيامها
فاحذر أن تدخل عليك ليالي العشر وأنت لا تشعر ولا تذوق ولا تنتبه لنفسك في هذه الليالي، ما الذي يحصل لك من لياليها وما الذي يحصل لك من أيامها؟ وساعات الليل وساعات النهار التي تمر عليك في كل يوم، والفجر مقسمٌ به والعصر مقسمٌ به، وفي كل يوم يأتيك فجر، وفي كل يوم يأتيك عصر، ولكن كيف حالك معها وكيف ذوقك لها؟ وكيف إقبالك على الرب جلَّ جلاله؟
يقول الله في تلاوة القرآن قبل الفجر وآخر الليل وفي صلاة الفجر: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، أي: يحضره كثيرٌ من الملائكة، مشهودٌ يشهدهُ الملائكة الكثير، فعَظُمَ القدر بشهود هذه القراءة في الفجر كآخر الليل وفي صلاة الفجر: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا).
فاغنم أيها الإنسان فأنت المقصود، التجلي على الأزمنة وعلى الأمكنة من أجلك، من أجل أن تحظى أنت بالمنافع، وتأخذ من هذه المواهب والعطايا الربانية الإلهية، وبذلك تعلمون ما كان عليه صالح الأمة ومن مضى من الصالحين في بلدتكم هذه، لا تأتي ليالي العشر إلا والقلوب قد امتلأت بتعظيم شعائر الله تبارك وتعالى، وتفقَّدت نفسها في واجباتها ومُهمّاتها وتصفَّت، وتداركت إن كان هناك تقصيرٌ في برٍّ لوالدين، أو في صلةٍ لرحم، أو في أداء حقوق الجيران، يتداركون أنفسهم من قبل ليالي العشر.
وتأتي ليالي العشر عليهم ويعمرون الديار والأسواق والشوارع: لا إله إلا الله عدد الليالي والدهور، لا إله إلا الله عدد الأيام والشهور، إلى غير ذلك من ألفاظ وصيغ التحميد والتهليل والتكبير والتسبيح للعزيز الكبير، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
فَخُذ غنيمتك وخُذ نصيبك وخذ حَظَّك من هذه الأيام والليالي، وانتظر نفحات الرحمن سبحانه وتعالى، انتظر نفحة التقريب لك من قريبِ -جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وما هي إلا ساعة يتجلى عليك بعطاءٍ كبيرٍ فتلحق بالكبار.
ألا يـا الله بـنـظـرةٍ مــن الـعـيـن الـرحـيـمـة ** تـداوي كــلَّ مــا بـنـا مــن أمــراضٍ سـقـيـمـة
نسلك على الطريق القويم والصراط المستقيم..
فــيـا ربـِّ ثـبـتـنـا عـلـى الـحـق والـهــدى ** ويــا ربـِّ اقـبـضـنـا عـلـى خـيـر مـلَّـةِ
انظر كيف تودِّع الشهر هذا، سيرحل.. ويشهد لك أو يشهد عليك، إن أحسنتَ وداعه يكون شاهداً لك، ما بقي معك منه إلا الليلتان هذه، وانتهى عليك الشهر ورحل.
يوم عرفة وعظيم العتق والرحمة فيه
وقابلتك الليالي العشر بما فيها من الزَّهو والصفو والعفو والعطاء الواسع، حتى تكون في خواتيمها يوم عرفة؛ عتقٌ من النار، عتقٌ من النار، عتقٌ من النار، لأهل الموقف ولغير أهل الموقف، رقابٌ كثيرةٌ يعتقها ربك، لأهل عرفة ولمشارق الأرض ومغاربها يصل العتق في ذاك اليوم، حتى ما يُرى الشيطان في يومٍ أحقر ولا أدحر ولا أصغر ولا أذلَّ منه من يوم عرفة، لما يرى من عتق الله سبحانه وتعالى لرقاب عباده من النار، وتجاوزه عن الذنوب العظام.
مجمع الخير والإجابات والغفران والعفو عن الذنوب العظامِ
حيثما تحضر الملائكة الأكرمونَ والصالحون من العباد الكرامِ
وفي عرفات كل ذنبٍ مُكفَّرٌ ** ومغتفرٌ منَّا برحمته غافرِ
وقفنا بها والحمد لله والثنا ** وشُكراً له إن المزيد لشاكرِ
عشيَّـة وافـى الـوفـد مـن كــلِّ وجــهــةٍ ** وفـجٍّ وهُـم مــا بـيـن داعٍ وذاكــرِ
وراجٍ وبــاكٍ مِــن مـخـافـة ربـــه ** بـفـائـضِ دمـعٍ كالغـيـوث الـمـواطـرِ
وفـي الـوفـد كــم عـبـدٍ مـنـيـبٍ لـربـه ** وكــم خـاشـعٍ كــم خـاضـعٍ مـتـصـاغـرِ
وذي دعـوةٍ مـسـمـوعـةٍ مـسـتـجـابـةٍ ** مـن الأولـيـاء أهــل الـهـدى والـسـرائـرِ
الله يقبلهم أجمعين، ويعيد عوائد ذاك الجمع علينا وعلى الأمة في المشارق والمغارب، ويوفِّقنا حسن توديع شهر ذي القعدة، والاستعداد لليالي العشر، واغتنام أيامها ولياليها وساعاتها المباركة الزاهية، تتنوّر قلوبنا وتتنوّر ديارنا وتتنوّر عقولنا، ونصدق مع مولانا سبحانه وتعالى عالم ظواهرنا وخفايانا.
دعاء وختام
اللهم نظرةً منك في مجمعنا لكل الحاضرين ولمن في ديارهم، نستقيم على ما تُحِب وندخل فيمن تُحِب، يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب، يا رب يا من إليه المُنقلب وإليه الرَّغَب، وهو نعم المطلوب والمسؤول والمأمول في كل شأنٍ من الشؤون، في الظهور والبطون، في الدنيا والبرزخ ويوم الهَول المهول.
لا إله إلا أنت ربَّ الكلِّ وإله الكلِّ، وبيدك ملكوت كل شيء، فتفضَّل علينا بصفاء قلوبنا ونقائها عن الشوائب، وحُسن الوداع لهذا الشهر، واجعلهُ شاهداً لنا لا على أحدٍ منا، وحُجّةً لكل منَّا لا حُجّةً على أحدٍ منا، وبارك لنا في ليالي العشر، وارزقنا اغتنامها، وشُرب صَفوَها ونيل ما فيها مما تتفضَّل به على محبوبيك والمقربين إليك.
ارزقنا النصيب من كثرة الذكر والصيام، ومن كثرة القيام، ومن كثرة التلاوة للقرآن، ومن كثرة الصلاة على نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
كان أبو هريرة وابن عمر يخرجان إلى السوق أيام العشر ما لهم حاجة إلا التكبير، يكبِّرون، يكبِّرون ويرجعون، كل يوم يغدون إلى السوق يملأون السوق تكبيراً ويرجعون، ذِكراً لله تبارك وتعالى: (لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، وهذه الأيام المعلومات من أول يومٍ إلى اليوم العاشر في شهر ذي الحجة، وبعدها تأتي المعدودات من الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).
وربطنا بالذكر لأنه المغناطيس القوي لجلب النفحات والخيرات والمنن والمواهب، ذِكرُه: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).
اللهم أعِنَّا على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك.
الله يجعلها ساعة عطاءٍ وغفرٍ للخطأ، وتثبيت للأقدام والخُطى، على الاقتداء بخير الأنام في كل خاصٍّ وعامٍّ، ونيةٍ وفعلٍ وكلام.
اللهم وفرِّج كروب أهل الإيمان والإسلام في المشارق وفي المغارب، ورُدَّ كيد المعتدين اللئام والظَّلَمة الغِشام، ولا تُبلِّغهم مراداً فينا ولا في أحدٍ من أهل لا إله إلا الله، بُحَقّ لا إله إلا الله، واجعلنا عندك من خواص أهل لا إله إلا الله برحمتك، والحمد لله رب العالمين.
04 ذو الحِجّة 1447