(447)
(628)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في الجلسة الختامية، في ملتقى الدعاة السنوي (العشرين) بعنوان: القول البليغ: مقوماته ومقاصده ومساقات إيراده.
عصر الخميس 3 محرم 1448هـ
الحمد لله على ما جمعَ وأسمَع، وأفاضَ وأودَع، وكلَّفَ واستودَع، وعلى ما أعطى وما منع، وعلى ما خفض وما رفع، له الأمر وله الحمد، وله القضاء وله الشُّكر، وله الألوهية وحده، ولنا العبودية والاستسلام له.
فنشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرقى في مراقيها مُتحقًّقين بالعبودية، تحقُّقاً يرضاهُ الله، فنبلغ به أعلى مراتب تولّي الربوبية لهذه العبودية، فتضمحِلّ العبودية في عَظمة الربوبية ونتحقّق فيه بِحقّ العبدية، التي هي نتيجة وصول القول البليغ إلى النفس.
وإذا وصل القول البليغ إلى النفس وصولاً صالحاً مُحقّقاً؛ تحقّقت النفس بِعَبْديّتها، واستعذبت معاني "إنما أنا عبدٌ"، يقول إمامهم وقائدهم وسيدهم ومُعلّمهم وهاديهم: "إنما أنا عبد آكلُ كما يأكل العبد، وأجلِس كما يجلس العبد"، وقال: "خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ رَسُولًا عَبْدًا، فَاخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا عَبْدًا".
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعلى من سار في دربه واهتدى بهديه، فهو خاتم الرسالات، وسيد أهل الدلالات على رب الأرض والسماوات، المؤتمَن على تبليغ الرسالة للإنس والجن إلى يوم القيامة، فأحسنَ الدلالة وبلَّغ الأمانة وأدّاها، وقام بِحًَقّ الرسالة -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- خير قيام، فتركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم بسِرِّ ما آتيتهُ من العَبْديّة، التي خاطبتهُ فيها في تلذيذه بِعجائب عنايتك به، بقولك: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، وبقولك: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، وبقولك: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)، وبما قُلتَ له وعنه: (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ).
صَلِّ اللهم وسلِّم وبارك عليه، صلاة تُرقّينا بها في التحقُّق بالعَبدية لك، تحقُّقاً يجعلنا نلحقُ بمن عندك، فتتلاشى العَبدية مِنا في عِنديّتك؛ ونلحقُ بمن عندك مِن أصفيائك ومن تولَّيتَ من خِيرتك من بريّتك يا أكرم الأكرمين.
وصلِّ مع نبينا على آله وأهل بيته، وعلى صحابته، خصوصاً السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وعلى من والاهم واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الوقوف بين يديك يا عزيز يا غفّار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين النائبين عنه والمُبشرين به، والنائبين عنه بأمركَ في إيصال القول البليغ إلى أُمَمهم فبَلَّغوا الرسالات، صلوات الله وسلامه عليهم.
صلِّ عليهم وصحبهم ومن تابعهم، وعلى جميع ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبارك اللهم في هذا الملتقى، ووصول الأحباب والإخوان، ومتابعة المتابعين من مختلف الأقطار والأوطان؛ بركات كاملات عظيمات، يقوم بها بيننا أداء حقّ الأمانة للقول البليغ، في نفس كل واحد منا، بتنقيته وتصفِيته عن معايبه، وعما عَلِقَ به من وصفًٍ لا تُحِبّه، وعما صدر منه من قول أو فعل لا ترضاه.
أذهِب اللهم عنّا كدر كل ذلك، وأذهِب اللهم عنا شؤم كل ذلك، وما وهبتَ من صفاتٍ حميدة وأخلاق كريمة، وأعمال صالحة وأقوال حسنة سديدة، فتقبَّل ذلك واحفظه واحرسه مِن أن يتطرَّقَ إليه خللٌ أو مُحبِطٌ، وضاعفهُ لنا عندك ونَمِّهِ، يا من يُربّي لأحدنا إذا تصدَّق من أجله صدقته، كما يُربّي أحدنا فلوَّه حتى تجعل التمرة كجبل أحد، يا حي يا قيوم يا رحمن.
وأعِنّا على أداء حق أمانة القول البليغ في أسرنا وأهلينا، حتى لا نُقصِّر في جانب من الجوانب عن نصحهم وإرشادهم، وإنقاذهم من النار، ووقايتهم من سخطك وغضبك وعذابك في امتثال أمرك: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
بِحُسن مخاطبتهم، وحُسن معاملتهم، وحُسن الخوض معهم فيما يرفع هِمَمهُم ويُعلي وجهاتهم، ويُخلِّصها مِن التّوجه إلى مًَن سواك ومَن عداك؛ حتى تستقيم عاداتنا اليومية في البيوت مُتأثّرة بوصول القول البليغ، فلا يبقى بيت من بيوتنا مَرتعاً لبرنامج كفر ولا فسق ولا ضلال ولا غفلة من الغفلات، بمباشرة أو بواسطة، مع مجموع الأسرة أو مع أفرادها، من صغارهم وكبارهم ورجالهم ونسائهم.
اللهم احرُس أُسرنا، وارزقنا حُسن أداء أمانة القول البليغ إلى الأسر والديار والبيوت، حتى لا يجري فيها ما لا تُحِبّ تأثّراً بنفسية أو بعرضٍ أو بأطروحةًٍ تأتي من غرب أو من شرق.
اجعل بيوتنا محل الإسلام لك، ومحل الإيمان بك، ومحل التطبيق لشرعك، ومحل التنفيذ لمنهج نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وارزقنا أداء أمانة القول البليغ في جيراننا وقراباتنا، وأصحابنا وأصدقائنا وأهل مجتمعاتنا، حتى لا ندَّخِر عنهم نصحاً، ولا نُقصِّر في القيام بوسائل وصول القول البليغ إليهم؛ مِن زيارات، أو تفقُّدات، أو عيادة مريض، أو إهداء هدية، أو تهنئة بمناسبة، أو تعزية بمصيبة، إلى غير ذلك مِن واجبات أمانة القول البليغ في المجتمع.
حتى تصير مجتمعاتنا في مُدننا وقُرانا تحت دائرة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ).
وإذا رَحِمهُم الله فلا يَصلَهُم تهديدُ مُهدِّد، ولا يقدر عليهم إنسي ولا جني، وقد رحمهم رب السماوات والأرض: (أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وارزُقنا أداء أمانة القول البليغ في أوساطنا؛ طَلَبة العِلم والمُعلّمين والدُّعاة إلى الله تبارك وتعالى، لتتلاشى القواطع والعلائق والحواجز التي تحجزنا عن حقائق الصدق معك، والاتّحاد مِن أجلك وأخذ رضاك، وامتلاك القوة التي تهَبها للمجتمعين عليك المُنزَّهة صدورهم عن الغش وعن الغل، وعن محبة الظهور والشهرة وكُلّ ما لا يُراد به وجهك، وكل ما يُقصد به غيرك.
طَهِّر اللهم ساحات المُتعلّمين والمُعلِّمين والدعاة إلى الله عن تلك القواطع والحواجز التي تحول بينهم وبين الوصول إلى رضوانك الأكبر، وبين القيام بما يلزمهم؛ متعاونين مُتحابين مُتوادّين فيك، تودّهم من أجل ذلك وتُحبهم، وأنت القائل: "وَجَبت محبّتي للمُتحابّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ"، واجعلنا اللهم منهم.
وارزق أهل هذه التوجهات مِن طَلب العلوم النافعات، خصوصاً العلوم الشَّرعيات، ثم بقية العلوم التي يمكن أن تنفع مستعملة بميزان شرعي في دين أو دنيا، تُعِدُّ للآخرة أو يُستعَدُّ بها للآخرة.
ارزقهم في ذلك حُسن التعاون وحُسن التكامل، حتى يؤدّي كُلٌّ ما في وسعه من هذه العلوم الظاهرة والباطنة، الشرعية وغيرها، لخدمة الدين والشريعة والسنة الغراء، والتَّرِكة النبوية والأمة المحمدية.
وألِّف قلوبهم في ذلك حتى تَرُدَّ عنهم كيد استحواذ عدوهم عليهم، وبَسْطِ يده للعب بهم أو لتفريقهم أو للسيطرة على شيء من مصالحهم الحسية، يفتنهم بذلك عن الارتقاء في مراقي الوفاء بعهدك والتحقُّق بالعبودية لك.
اللهم وهَيِّئ السبيل لحُسن أداء أمانة حمل القول البليغ، وحمل أمانة القول البليغ إلى عامة المسلمين؛ الذين تعرَّضوا لسماع البلبلة والكلام الكثير المُنَمَّق من هنا ومن هناك لمختلف الاتجاهات.
اللهم تدارَك عموم أمة نبيك محمد بغياثٍ من عندك يجمع قلوبهم على ما تُحبه منهم، وما يرفع قدرهم لديك، وما يُسبِّب لهم سعادة الدارين.
اللهم وخلِّصهم من الآفات والعاهات التي خالطتهُم من زخرف القول الغرور، ومن قول الزُّور ومن قول الافتراء، وكثير مما يُفترى ومما يُزوَّر ومما يُزيَّن ويُزخرَف، أثّرَ على كثير من العقليات ومن النفسيات ومن الاتجاهات في أوساط عموم المسلمين، فتداركهُم وأغِثهم يا رب.
واجعل من سلطان وصول نور القول البليغ المَرضي إلى عندك إذهاباً لهذه الأكدار والظُّلمات التي نازلت قلوب عامة أمة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ حتى يتوفّر بينهم من يساعدهم ويُعينهم على إدراك الحقائق والارتباط بِرَبّ الخلائق وعبده المصطفى ﷺ، في عُبودية وتأدُّب وعَبدِية لك، وإقبال عليك، في نقاء وصفاء يُخلِّصهُم من شرور الحسد والبغضاء والشحناء التي هي داء الأمم.
وهي داءُ كل جماعةٍ من هذه الأمة أصابها هذا الداء، تتشتَّت شملها ولا تُحدِث إلا سوءاً ولا يَحدُث عنها إلا شر، "داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، إنها حالقة الدين لا حالقة الشعر".
وكم حلقت مِن أديان ناس عاشوا بين المسلمين وماتوا بين المسلمين ولن يُحشَروا مع المسلمين، ما ماتوا على غير حقيقة الإسلام ولن يُحشروا مع أهل الإسلام والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ لزَيغ قلوبهم ووفاتهم على غير الملّة الغرّاء، نعوذ بالله من غضبه ونسأله الثبات.
يا من يُثبِّت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثَبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تضلّنا بإضلال الظالمين، ويا من تفعل ما تشاء عاملنا بما أنت أهله يا ذا الجود والكرم والإحسان.
وبعد ذلكُم أمام هذه الطوائف من المسلمين، الذين قُلنا إنهم يختلطُ فيهم الصادق والكاذب، والمُتعمِّد للسوء والمغشوش الذي لُبِّسَ الأمر عليه، وصاحب الخير وصاحب الشر، والله يتداركهم ويعينهم، وينتقلون إلى مرحلة الفسطاطين المذكورين في الحديث النبوي الشريف.
فالله يلطف بنا وبالأمة لُطفاً جميلاً ولا يجعل فينا ولا في بيوتنا مَن يظهر في فسطاط النفاق الذي لا إيمان فيه والعياذ بالله تبارك وتعالى، لا مِن رجالنا ولا مِن نسائنا، ولا من صغارنا ولا من كبارنا.
وبعد ذلكم كله، فأمانة إيصال هذا القول البليغ إلى عموم أهل الأرض بِحسب ما يُستطاع، مِن حيث إدراك أنها واجبنا ومُهِمتنا، لا من حيث أنّ علينا أن نُغيِّر، ولا أن نهدي جميع الخلق بأنفسنا، فذلك خارج عن قدراتنا وإراداتنا، وخارج عن الإرادة التي علَّمنا الله إياها عن خلقه: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).
لكن لا عُذر للمؤمن الواعي أن يحمِل الأمانة للعالم كلّه، وإرادة هداية العالم كلّه، ليكتب الله له الأجور وليس له في الأمر شيء بعد ذلك: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
ولكن ما وجدنا من الرسل، ثم خاصة هذه الأمة من مثل السابقين الأولين المهاجرين والأنصار، وخواص الخلفاء في الباطن لرسول الله ﷺ، أدّوا مُهِماتهم وواجباتهم وإن كانوا لم يصلوا إلى تغيير جميع ما في الأرض.
وكذلك نرى أيضاً دُعاة الشر من إبليس وجُنده من شياطين الإنس والجن يصلون إلى ما قُدِّر لهم أن يصلوا إليه من التأثيرات الكثيرة، ومع ذلك فهم أيضاً مقهورون لا يستطيعون أن يُبدِّلوا كل شيء، ولا أن يُغيِّروا كل شيء، ولا تأتي الأمور على مراداتهم، فالمريد فوقنا وفوقهم وفوق الكل جل جلاله، فعًّال لما يريد، يُقدِّم ويُؤخّر ويرفع ويخفض.
ولكن اختبرنا وابتلانا: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ).
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)، (وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) لِحِكَمٍ أرادها سبحانه وتعالى، وكما يقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ).
وكانت هذه سُنّته فيما مضى من قبل، ونرى فيها مِن انفساحاتٍ في كثير من الوقائع والأحيان لأنبياء أو لوَرَثة أنبياء في الأمم السابقة ونراها أيضاً في هذه الأمة، ومن تجديدات ومن ظهور إلى غير ذلك.
ومن أكبر ما أخبر به صاحب الأمانة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن الربّ المؤتمن عند الإله ﷺ، ما يحصل في هذه الأمة بعد انقسام الأمة إلى الفسطاطين، وفي أيام الحُكم الجَبري، ما يحصلُ من بعث الله للإمام المهدي وما يحصلُ من إنزال الله تعالى لعيسى بن مريم على ظهر هذه الأرض، وفي أثناء ذلك ومِن بينه ظهور الدجال ثم ظهور يأجوج ومأجوج، فإنّ الله أراد أن يكون وضع الأرض هكذا وهو الأعلم جل جلاله، وهو الأحكم.
ولكن الفائز سواء من السابقين من أتباع الأنبياء وفي هذه الأمّة مَن حمل الهَمّ بإخلاص وصدق، وأراد هداية جميع العالم عبوديّة لله تبارك وتعالى، مِن سرّ هذه العبوديّة لا يَستنكرُ أن يَصُدَّ الصاد، وأن يُعَانِدَ المعاند، وأن يؤذي المؤذي.. فلِله حِكمة في كل ذلك، وهو مع ذلك يحمل لهم الخير وإرادة الخير عبوديّة لهذا الإله الذي قال لموسى وهارون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)، وقد علم أنه لن يتذكّر ولن يخشى، ولكن تَعَبَّدهُم بإرادة تذكيره وخشيته سبحانه وتعالى.
وهذا مثال أن المؤمن الصادق يُحِبُّ هداية الجميع وإنقاذ الجميع وتخليص الجميع، وإن كان يعلم ويوقِن أن الأمر بيد الله، حتى في نفسه هو لا يستطيع أن يُثبِّت قلبه لحظة على الصدق مع الله إلا ما آتاه الله من ذلك، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
ولكن ميدان التّكليف الذي فيه حقائق التّشريف برفع الدرجات للصادقين وحقائق الإهانة لِكل الخائنين والمُضيعين، هذا الميدان الذي نتذاكَر فيه ونعلم ما يجب علينا فيه.
أما ميدان التسيير والتغيير فَلِلعلي الكبير، وكان من سنته في هذا التغيير ما أخبرنا في الكتاب العزيز: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
فأمامنا أمانة إيصال القول البليغ إلى عموم الكفار، لا ينقطع ذلك حتى عن الحَربيين منهم، يقول ﷺ لسيدنا علي في آخر حصن من حصون اليهود الحَربيين الماكرين، الكاذبين الغاشين، المخادعين الناقضين الناكثين للعهود، قال: إلى ما أدعوهم؟ قال: "ادعهُم إلى الإسلام، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".
يقول له هذا الكلام في مواجهة فئة من الحَربيين الناكثين للعهود المناقضين المؤذين، المؤلّبين على رسول الله ﷺ، قال له: اذهب ادعهم للإسلام، فما عُفي من أمانة القول البليغ حتى مع هذه الطائفة من الناس، قال له: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً..".
وكان أيضاً مِمّن خرج من تحت يده من ذلك الحصن مَن قال له أني صاحبك وكنت معك، قال: اذهب لا أماتكَ الله إلا مسلماً، وطال به العمر حتى أسلم وقد سَئِم الحياة. فكان ذلك مما ربى رسول الله ﷺ عليه هؤلاء القادة في الأمة، الذين وعوا سرّ الخطاب وقاموا مقام القدوة للعِباد على ما يُحب رب الأرباب جل جلاله وتعالى في علاه.
فأمامنا إيصال هذا القول البليغ، ولا يزال اختلاف الناس بِحُكم القدرة الربانية والتسيير الإلهي، حتى في مختلف ما تجدونه من المجالس التي يذكرونها في بلاد المسلمين وفي بلاد الكفار، والهيئات والوزارات والحكومات، لا يزالون مختلفين؛ مختلفين في عنادهم، مختلفين في بغضائهم وحقدهم، مختلفين في إنصافهم، مختلفين في استقبالهم للأمر وعدم استقبالهم، مختلفين في قابليّتهم لأن يسمعوا وعدم القابليّة.
ومُقلّب القلوب واحد اسمه: الله، وأمَرَ من آمن به: بَلِّغْ، وَأَدِّ، وَأَوْصِلْ، وَأَنَا أَهْدِي مَنْ أَشَاءُ، وَحَسَبِ مَا تَصْدُقُ مَعِي وَتُوَسِّعُ نِيَّتَكَ وَفَهْمَكَ أُثِيبُكَ، أُثِيبُكَ وَأُقَرِّبُكَ وَأُعْطِيكَ مِنْ عِنْدِي.
فهذه قصة الدعوة إلى الله وقصة أداء القول البليغ، وإلا فلا مُقدّم ولا مُؤخر إلا هو، ولا رافع ولا خافض إلا هو، ولا هادي ولا مضل إلا هو، ولا معطي ولا مانع إلا هو وحده جل جلاله.
لكننا نتحدث عن ميدان هذا التكليف فيما أُمِرنا به على ظهر هذه الأرض، فوجب علينا معرفة اتساع هذا القول البليغ، ولعلّ الله يهدي من يشاء جل جلاله وتعالى في علاه.
وإنّ من آثار ما يحصلُ من هذا القول البليغ ما وعد الله به رسوله، فحَدَّثنا أن لا يبقى بيت على ظهر الأرض إلا دخله هذا الدين، بِذلّ ذليل أو عِزّ عزيز!
والله يجعلنا مِمّن يُعزّهم بالصدق والعبودية والأدب، والخدمة للشرع المصون، وحمل أداء أمانة هذا القول البليغ الواسع المجال، الرّحب في المعاني والدلالات.
اللهم بارِك في اجتماعنا وأعظم انتفاعنا، وتولّنا في جميع تقلباتنا وأطوارنا، وزِدنا من أفضالك ما أنت أهله، ويسِّر حُسن التعاون بين الصادقين من المؤمنين في شرق الأرض ومغربها.
وإنّنا إذ قرأنا قولك عن الرعيل الأول وهو مستقِر ٌّفي الأمة بحسب الدلائل منك ومن رسولك: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ)، نرفع أكفّ الضراعة إليك: مَن قضى نحبهُ من هؤلاء فاغفر لهم وارحمهم وارفع درجاتهم وزِدهم من أفضالك، ومن ينتظر من هؤلاء: اجمع شملهم وألِّف بينهم، وأظهرهِم وأيِّدهم وانصرهم، واجعلنا منهم وفيهم.
برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين ويا ذا القوة المتين، وأصلح أحوال الأمة أجمعين، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا.
05 مُحرَّم 1448