(636)
(30)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم السبت 25 صفر 1448 هجري.
شرح من قوله: "النَّاسُ في وُرُودِ المِنَنِ على ثلَاثةِ أقسامٍ: فَرِحٌ بالمِنَنِ لا مِن حيثُ مُهديها ومُنْشيها، ولكن بوجودِ مُتعتِهِ فيها؛ فهذا مِن الغافلِين، يَصْدُقُ عليهِ قَولُهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً).
وفَرِحٌ بالمِنَنِ مِن حيثُ إنَّها مِنَّةٌ مِمَّن أرسلها، ونِعمَةٌ مِمَّن أوصلها، يَصْدُقُ عليهِ قَولُهُ تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَالِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
وفَرِحٌ باللهِ تعالى ما شَغَلهُ مِن المِنَنِ ظاهِرُ مُتعتِها، ولا بَاطنُ مِنَّتِها، بل شَغَلَهُ النَّظرُ إلى اللهِ عَمَّا سِوَاهُ، والجَمْعُ عليه فلا يَشهَدُ إلَّا إيَّاه، يَصْدُقُ عليه قَولُهُ تعالى: (قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)."
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
[الناس ثلاثة أقسام في ورود المِنن]
ولما كان الفرح بالحبيب مطلوبًا من المحب.. ذكر المؤلف بإثرِ ذلك الفرح وحده، فقال في بعض ما كتب به لبعض خواصِّ الإخوان:
النَّاسُ فِي وُرُودِ الْمِنَنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
فَرِحٌ بِالْمِنَنِ لَا مِنْ حَيْثُ مُهْدِيهَا وَمُنْشِيهَا، وَلَكِنْ بِوُجُودِ مُتْعَتِهِ فِيهَا؛ فَهَذَا مِنَ الْغَافِلِينَ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) [الأنعام:44]
وَفَرِحٌ بِالْمِنَنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مِنَّةٌ مِمَّنْ أَرْسَلَهَا، وَنِعْمَةٌ مِمَّنْ أَوْصَلَهَا، يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58]
وَفَرِحٌ بالله تَعَالَى مَا شَغَلَهُ مِنَ الْمِنَنِ ظَاهِرُ مُتْعَتِهَا، وَلَا بَاطِنُ مِنَّتِهَا، بَلْ شَغَلَهُ النَّظَرُ إِلَى اللهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَالْجَمْعُ عَلَيْهِ فَلَا يَشْهَدُ إِلَّا إِيَّاهُ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الانعام:91].
هذا تقسيمٌ مناسبٌ للتقسيم، إلا أن هذا بالفرح بالنعمة من حيث هي نعمة، وفرح بها من حيث هي فضل من سيده، وفرح به دون ما سواه، واكتفاء به دون ما عداه.
والفرح ورد في القرآن ما هو منهيٌّ محضٌ؛ كقوله تعالى: (لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص:76]، ونحو قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) [الأنعام:44]، ولكن هذا بالفرح بالأعراض الفانية، والزخارف الملهيَّة، المشغلة عن الله، الحاجبة عنه، الصادَّة عن عبادته؛ وهي النعم الدنياوية، والحظوظ النفسانية.
وفرح مندوب إليه؛ بالفضل الصادر من المُفْضِل الجواد، من حيث إنه منه فضلًا وذكرًا وعناية بشأنه؛ نحو قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]؛ لأنه صادرٌ من تفضُّلنا وتطوُّلنا، فالفضل ما ظهر من ملائمات النعم، والرحمة ما أشهده إياه من كونها منه رحمة وعناية وقيامًا بشأنه، والله أعلم.
وأما القسم الثالث -وهم أهل الكمال البالغون نهاياته، والواصلون إلى أبعد غاياته؛ من الأنبياء وسادات الأبدال وأكابر الأولياء-.. فإنهم قد غابوا عن الأكوان بالكلية، وباينوا النفوس، وشربوا لذيذ الكؤوس، من تجلِّي الملك القدوس، وقِسمته هذه حسب ما قدَّمه في أحوال الناس عند ورود النعم عليهم.
فمن فرح بها، محجوبًا عن موردها ومنشئها.. فهي في حقه استدراجٌ وتمتعٌ وحجةٌ وحجاب، فيغفل عن شكر مورِدِها، فيذاق أليم عقاب كفرانها، ونسيان المتفضِّل بها، إلا أن يتدارك بالتوبة، ومن كان حاله الفرح بالنعمة دون الله.. فلا يخفى ما هو عليه من دناءة الهمة، وقبح الحال، ورذالة الفعال، فهو يسعى في غير منال، ويطلب ما عاقبته عليه وبال، فحاله أقبح من الأنعام؛ لأنه في غاية البُعد عن الشكر.
وقسمٌ ثانٍ نال نصيبًا من الشرف، وحصل على حظٍّ من القرب، ونصيب من الشكر، ولكنه دون مرتبة القسم الثالث.
فالقسم الثاني: هم العاملون على نيل الجزاء، والقائمون على التقليد والاقتفاء على مناهج السلوك، الذين لم يخرجوا بَعْدُ عن رؤية نفوسهم أنَّ منها ولها، فهم مطالَبون بإخلاص ما عملوا، وتحقيق ما علموا، وشرَفهم من حيث إنهم ذكروا المنعم بورود نعمته، فهم على مقام من الشكر، غير أنهم لم ينالوا كل العناية، فالشكر له مراتب ثلاث حسب حالة أرباب المقام؛ فمنهم الكامل والأكمل.
والفرح: هو الابتهاج بالمفروح به.
والسرور: هو الشكر نفسه، إلا أن الشكر يعم الباطن والظاهر، والقول والفعل والخُلق.
فأول مراتب الشكر وأقربها على العباد: هو ألَّا تعصيه بنعمته، وأوسطها: هو أن تصرف ما أنعم به عليك فيما ندبك إليه، وأكمل من هذا: هو أن تغيب عن النعمة بالمنعِم، فتكون به له، لا بشيء ولا لشيءٍ دونه؛ فهذا هو الشكور المعرَّف بين هذه الأصناف بلا تعريف، ولي في ذلك:
الناس في واردات الفضل والمنن *** ثلاثة ولهذا القول كن فطن
فيفرحون بها من حيث هي نِعَمِ *** موافقةْ كلَّ إسكافٍ وكل دني
ومن يكن في مقام العلم يشهده *** من حيث هوْ منه يفرح به ولا يكن
لكن يكن فرح الأحباب مطلبهم *** ألا يروا غيره في السر والعلن"
عليهم رضوان الله تعالى.
الحمد لله؛ ومِنن الله كثيرة على عباده ظاهرة وباطنة كما قال جل جلاله: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20]، وقال: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [ابراهيم:34].
لكن الناس أمام هذه النعم من خلق وإيجاد، وأرواح وأجساد، وأسماع وأبصار، وعافية وأموال، وهواء وأرض ساكنة وسماء من فوق، وأمطار تنزل، وأنواع من النعم والمنن الكثيرة، هم على الثلاثة الأقسام.
قال:
اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
فهؤلاء الذين جاوزوا اللعب بأنواعه وصاروا مع الجِدَّ الخالص، والباقون في مستويات من اللعب، أما الغافلون كلهم لعب، كله لعب، لا إله إلا الله؛ وعنهم قيل: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) [الانعام:32]؛ وأما هؤلاء الناقصون فهم من ناحيةٍ في جِد من حيث شهدوا المنعم وذكروا المنعم الذي أنعم عليهم، وفي التهائهم بالنعمة عنه وفرحهم بها نوع من اللعب كذلك؛ لكن هؤلاء الذين يشهدون المنّان المنعِم المتفضل الجواد الفتاح -سبحانه وتعالى- ولا يلتهون بشيء من نعمه عنه -جل جلاله- قال: هؤلاء ما عاد شيء عندهم لعب، هؤلاء جد خالص وحقيقي، قال: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الانعام:91].
قال: "هذا تقسيمٌ مناسبٌ للتقسيم" الأول، "إلا أن هذا بالفرح بالنعمة من حيث هي نعمة، وفرح بها من حيث هي فضل من سيده، وفرح به دون ما سواه"؛ فرح بالله تعالى، "واكتفاء به دون ما عداه".
قال: "والفرح ورد في القرآن" بعضه محمود وبعضه مذموم "ما هو منهيٌّ محضٌ؛ كقوله تعالى: (لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص:76]"، أي: فرحين بأموالهم ودنياهم الذين نسوا أنها من الله تعالى، قال فيفرحون بقواتهم، قال سليمان: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) [النمل:36]؛ فما أعطاني الله خير مما عندكم.
قال: هذا الفرح المذموم؛ "ونحو قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُو أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام:44]" لا إله إلا الله.
حتى إذا امتلأوا بِشْرَاً بمَا ظَفِروا *** ومُكِّنوا مِن عُلَاها أبْلَغَ المِكَنِ
ناداهمُ هِادِمُ اللذَّات؛ ماتوا!
ناداهمُ هِادِمُ اللذَّات فاقتحموا *** سُبلَ المماتِ فأضحَوا عبرةَ الفِطَنِ
هذا فرح مذموم لأنه "بالأعراض الفانية، والزخارف الملهيَّة، المشغلة عن الله، الحاجبة عنه -سبحانه وتعالى-، و"الصادَّة عن عبادته؛ وهي النعم الدنياوية، والحظوظ النفسانية."
قال: "وفرح مندوب إليه؛ بالفضل الصادر من المُفْضِل الجواد، من حيث إنه منه فضلًا وذكرًا وعناية بشأنه؛ -أشار إليه- نحو قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]؛ لأنه صادرٌ من تفضُّلنا وتطوُّلنا، فالفضل ما ظهر من ملائمات النعم، والرحمة ما أشهده إياه من كونها منه رحمة وعناية".
(بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ):
يعني: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58].
قال: "وأما القسم الثالث -وهم أهل الكمال البالغون نهاياته، والواصلون إلى أبعد غاياته؛ من الأنبياء وسادات الأبدال وأكابر" الأصفياء "الأولياء" من الصديقين.. "فإنهم قد غابوا عن الأكوان بالكلية"، ما يقطعهم أرض ولا سماء، ولا جسد ولا روح، ولا حس ولا معنى، ولا إنس ولا جن ولا ملائكة، ولا ظاهر ولا باطن؛ مع الله بالله في الله دائمًا أبدًا، عليهم رضوان الله تعالى وسلامه.
قال: "فإنهم قد غابوا عن الأكوان بالكلية، وباينوا النفوس، وشربوا لذيذ الكؤوس، من تجلِّي الملك القدوس". الله أكبر!
قال: "فمن فرح بها" -بالنعمة-، "محجوبًا عن موردها ومنشئها.. فهي في حقه استدراجٌ"،
قال: "فهي في حقه استدراجٌ وتمتعٌ وحجةٌ وحجاب، فيغفل عن شكر مورِدِها، فيُذاق أليم عقاب كفرانها، ونسيان المتفضِّل بها، إلا أن يُتدارك بالتوبة، ومن كان حاله الفرح بالنعمة دون الله.. فلا يخفى ما هو عليه من دناءة الهمة، وقبح الحال، ورذالة الفعال، فهو يسعى في غير منال، ويطلب ما عاقبته عليه وبال"، يطلب شيء عاقبته وبال عليه، وبلية نازلة به، قال: "فحاله أقبح من الأنعام"؛ (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44].
"وقسمٌ ثانٍ نال نصيبًا من الشرف، وحصل على حٍظ من القرب، ونصيب من الشكر، ولكنه دون مرتبة القسم الثالث.
فالقسم الثاني: هم العاملون على نيل الجزاء، والقائمون على التقليد والاقتفاء على مناهج السلوك، الذين لم يخرجوا بَعْدُ عن رؤية نفوسهم أنَّ منها ولها"، فعنده: لي، وبي، ومنِّي؛ هذا من أهل: بي، لي.
الشيخ بامخرمة قال:
ما أنا من أهل بي لي
ما أنا من أهل بي أي: بي يكون كذا، بي كان كذا، لي كذا؛ لا لي ولا بي أنا عبد من عباده، كوّن روحي وكوّن جسدي نطفة وعلقة ومضغة، وخرجني إلى الأرض، والأرض أرضه، والسماء سماؤه، ولا أقدر إلا على ما قَسم لي، ولا ينصرف عني إلا ما صَرف عني:
ما أنا من أهل بي لي *** كلا ولا سبيـلي
في الحطِّ والرحيلِ *** إلا إن شي بلا شي
يالله بشي بلا شي
قال: هو يعطينا ما يشاء، أما أنا ما بي؟ أنا لا بي شيء ولا لي شيء، عبد، والعبد وما ملك لسيده؛ الله أكبر!.
قال: عاد ما خرجوا من "منها" و "لها"، "فهم مطالَبون بإخلاص ما عملوا، وتحقيق ما علموا، وشرَفهم" الذي عندهم "من حيث إنهم ذكروا المنعم بورود نعمته"، فهذا الشرف الذي عندهم؛ "فهم على مقام من الشكر، غير أنهم لم ينالوا كل العناية، فالشكر له مراتب ثلاث حسب حالة أرباب المقام؛ فمنهم الكامل والأكمل".
قال:
"فأول مراتب الشكر وأقربها على العباد: هو ألَّا تعصيه بنعمته"، العين نعمة منه لا تعصيه بها، هو أعطاك وأنعم بها عليك تقوم تعصيه بها؟! لا أنت ولا أمك ولا أبوك ولا حكومتك كوّنوا خلية واحدة من خلايا عينك؛ أحد منهم أعطاك؟ لا والله عندك ألوف ملايين خلايا؛ ولا خلية واحدة أنت خلقتها، ولا أهلك ولا أهل بلادك، ولا أهل الثقافات ولا أحد منهم جابها، مِن الله أعطاك إياها، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]، كل ما أعطاك من نعمه لا تعصيه بها، هو مُنعِم يعطيك إياها وتقوم تخالفه وتعصيه بها! فهذا أول درجات الشكر: "هو ألَّا تعصيه بنعمته".
"وأوسطها: هو أن تصرف ما أنعم به عليك فيما ندبك إليه":
الله أكبر! هذه درجة شكر أعلى.
"وأكمل من هذا: هو أن تغيب عن النعمة بالمنعِم، فتكون به له، لا بشيء ولا لشيءٍ دونه"، لا إله إلا الله!
قال سيدنا الإمام النووي في ورده: "بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، وعلى الله، وفي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله" الله أكبر!.
"فهذا هو الشكور المعرَّف بين هذه الأصناف بلا تعريف، ولي في ذلك:
الناس في واردات الفضل والمِنن *** ثلاثةٌ ولهذا القول كن فطن
فيفرحون بها من حيث هي نِعَمِ *** موافقةْ كلَّ إسكافٍ وكل دني
ومن يكن في مقام العلم يشهده *** من حيث هوْ منه يفرح به ولا يكن
لكن يكن فرح الأحباب مطلبهم *** ألا يروا غيره في السر والعلن"
لا إله إلا الله!
وهم الذين تحققوا بأعلى معاني "لا إله إلا الله"؛ كلهم الذين يشهدون بها على خير، لكن معانيها ليست واحدة، ويرتقي من معنى: لا معبود إلا الله، إلى: لا مقصود إلا الله، إلى: لا موجود إلا الله، إلى: لا مشهود إلا الله؛ هذه الدرجة العالية.
يا رب أكرمنا؛ جمعتنا ووفقتنا ويسرت الأمر لنا فأتمم نعمتك علينا، لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، ولا تجعل شيء من سوء كسَبَه المتكلم أو السامعين حاجبًا بيننا وبين عطاياك، وهباتك وهداياك؛ خُصَّنا من هذه النعم والمزايا بشريفها وكبيرها وعظيمها وجليلها يا منعم يا متفضل.
وكن همنا أنت، وقصدنا أنت، ومرادنا أنت، ومشهودنا أنت برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
يرفعنا مراتب قربه، ويثبتنا في حزبه، وأهل محبته، وخواص الموفين بعهده، والمستقيمين على منهاجه، و الظافرين بودِّه، والراقين بمعراج حبيبه ﷺ إلى أعلى مراتب القُرب، والشاربين من أحلى شرب، والصادقين يصلح الله لهم كل قالب وقلب، وأن يتولانا في جميع الأحوال والشؤون، ويثبتنا في من يهدون بالحق وبه يعدلون.
ويعلي درجات المنتقل إلى رحمته علي بن حسين الحامد ابن الشيخ أبوبكر بن سالم؛ ويجمعنا به في أعلى درجات دار الجنة، ويخلفه على أهل جردان وأهل شبوة وأهل اليمن والأمة، بخير خلف، ويجمعنا به في أعلى الغرف وهو راضٍ عنا من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، ويبارك في أولاده وأحفاده وأسباطه وكل منتمي إليه، ويسير بهم مسار الصالحين من عباده.
وأن يصلح البلاد والعباد والأمة، ويكشف الغمة، ويحول الأحوال إلى أحسنها، ويعجل بالفرج، ويرفع الضيق والحرج، ويُقوّم كل معوج.
ويختم لكل منا بأكمل حُسن الخاتمة وهو راضٍ عنه في عافية، ويصلح شؤوننا الظاهرة والخافية، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا في جميع الشؤون، وينظمنا فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون، في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
25 صفَر 1448