المكاتبات والمناجاة الإلهية - 13 | إلهي؛ أنا الفقير في غِنَاي، فكيف لا أكون فقيرًا في فقري؟!

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الاثنين 27 صفر 1448 هجري.

متابعة شرح قوله: "إلَهِي؛ أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنَايَ، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ فَقِيرًا فِي فَقْرِي؟! 
إلهي؛ أَنَا الْجَاهِلُ فِي عِلْمِي، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ جَهُوًلا فِي جَهْلِي؟!".

"إلهي، إِنَّ اخْتِلَافَ تَدْبِيرِكَ، وَسُرْعَةَ حُلُولِ مَقَادِيرِكَ، مَنَعَا عِبَادَكَ الْعَارِفِينَ بِكَ عَنِ السُّكُونِ إِلَى عَطَاءٍ، وَالْيَأْسِ مِنْكَ فِي بَلَاءٍ".

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

"وإذا عُلم ذلك - أي: أصالة الفقر له... عُلم أنه فقير لا يُزايله افتقاره، ولا يُفارقه اضطراره في سائر أحواله، وظهور الغنى على العبد بالأسباب الدنياوية والدرجات الأخراوية لا يزداد بها إلا افتقارًا إلى افتقاره، فعُلم أن الفقر أبدًا وصف للعبد، وأن الغنى لله دائمًا سرمدًا.

فإذا كنتُ فقيرًا في غناي.. فكيف لا أكون فقيرًا في فقري إلى الأشياء في كل حين وأوان وزمان ومكان؟!

فالغنى: هو أن تستغني عن الشيء المفتقِر إليه، والعبد لو كان مستغنيًا عن الأشياء.. لا يكون استغناؤه عنها إلا أن يشهد من وجوده ما يكون مستغنيًا به، وذلك -لا محالة- يحتاج إلى كشف الغطاء عن قلبه، وهو أعز سببًا؛ لأنه لا يُدرَك بحيلة ولا اكتساب، فكان الافتقار إليه أعظم، فإذا كان فيما يرى أنه غنيٌّ فقيرًا.. فكيف لا يكون فقيرًا وهو أبدًا محتاجٌ ومضطرٌّ إلى الأسباب؟!

وكذلك العلم لله وصفًا وحقيقة، وللعبد مجازًا وعطاء من جملة العطايا، ومزية من جملة المزايا، وهدية من سائر الهدايا، فإذا كان كذلك.. علِمتَ أن الأصالة فيك الجهل، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78].

فلولا مددك إيّاي فيما أعلم في كوني عالمًا.. لم يثبُت علمي معي، ولولا حفظك له عليَّ.. لم أكن حافظًا، ولولا إجراؤك أسبابه لي.. لم أكن له متيقظًا، فصحَّ أني جاهل في علمي لو وُهبِت لي سائر العلوم؛ لأن نِسْبَتها إليَّ مجازية.

فالعالِم حقيقة: من يعلم الأشياء وكيفياتها وهيئاتها في إجمالها وتفصيلها قبل إبراز صورها إلى عالَم مظهريتها، وليس ذلك إلا الله.

فأنا في حال توهمي أني عالمٌ.. جاهلٌ، فكيف لا أكون جاهلًا في جهلي بسائر الأشياء؟! فلا أعلم مجاري الغذاء مني، ولا تصاريف الأقدار فيَّ.

كيف وقد وصف الله الإنسانَ بالجهل؛ كما وصف نفسه بالعلم فقال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]، فقال في وصفه أيضًا: (يَعْلَمُ) بالماضي، يشير إلى قِدم العلم له، (وأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) بالحال، يشير إلى أنكم لا تعلمون في حال وجودكم؟!

وقال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الاحزاب:72]، ولكان هو الوصف كما وصف نفسه بالعلم بالأشياء، (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الاحزاب:40]، فإذا كنتُ جاهلًا في علمي.. فكيف لا أكون جهولًا في جهلي وأنا لا أعلم ماذا يجري عليَّ؟! وكيف أنا في عالم تركيبي الذي هو مشهود لي؟! فلقد حقق الاعتراف، وبيَّن مقاصد الإنصاف، وعرف ما للعبد من الأوصاف، فجزاه الله خيرًا، ولي في ذلك:

من كان في وصفه بالحظ مفتقرًا *** فكيف لا وهو محتاج ومفتقرا

 ومن يكن جاهلًا في علمه فعلى*** ما لا يكن جاهلًا في الجهل محتقرا

 

"إلهي، إِنَّ اخْتِلَافَ تَدْبِيرِكَ، وَسُرْعَةَ حُلُولِ مَقَادِيرِكَ، مَنَعَا عِبَادَكَ الْعَارِفِينَ بِكَ عَنِ السُّكُونِ إِلَى عَطَاءٍ، وَالْيَأْسِ مِنْكَ فِي بَلَاءٍ"

 

فلما كان تجلى أولًا عليه بصفة الغنى والعلم.. تلقَّاها بوصف الفقر والجهل؛ اللَّذينِ هما اللائقان به في هذا المقام، فتجلى له بوصف إرادته وقدرته، فأعطاها حقها، فقال: "إلهي"؛ لأنه تجلى بوصف الإرادة المتفرعة عن العلم، ثم تجلى له بوصف الاقتدار، فقال في مقام الاعتذار، والتبهُّل بلسان الاضطرار، والتعلق به في مختلفات الأقدار، وواردات تعاقب الآثار في الأطوار؛ فهذا هو الذي أوجب لذوي البصائر والأبصار ألا يسكنوا مع الأغيار؛ من جنة أو نار.

فلما رأوا سرعة اقتداره، واختلاف ظهور مشيئته في أقداره.. لم يسكنوا إلى ما يجدون من الأحوال؛ لأنها -لا محالة- حائلة، فكان هذا الذي أقلق قلوب المحبين، وكدَّر صفو صفات المكاشفين؛ خوف تبديل ما هُم عليه، كما جرت بذلك الأحكام على أقوام أُنزلوا بعد رفعة المقام إلى مراتب العوام، بل أقبح حالًا من الأنعام، نعوذ بالله من سوء ما سبقت به الأقدار، وانبرمت به الأحكام، وكان رسول الله ﷺ لما رأى سرعة تقلب القلوب تحت أستار الغيوب.. يقول في قسمه: "إي ومقلِّبِ القلوب".

وكما أنها أورثت ألا يسألوا حالًا يكونون عليه من الأحوال السارة.. كذلك أورثتهم حسن الظن بالله، وعدم اليأس من روحه، وتفريج ما ينزل بهم من المهمات، ومعضلات البليات؛ لسرعة تقليب الأحوال، وسرعة حلول المقادير، وهكذا تكون أحوال العارفين؛ لا يسكنون مع عطاء، ولا ييئسون عند حلول بلاء.

ولي في ذلك:

إن اختلاف مقادير الإله على *** عِباده لم تدع في الكون مأنوس

 كذاك لم يك للبلوى مقاومة *** لذي الشدائد والضراء والبُوس"

 

اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله.

الحمد لله الذي له التجلي بسوابق ما أراد، ولا يحيط به غيره من جملة العباد؛ فوجب أن يكونوا بين رجاءٍ صادق، وخوف بالغ في الغيب والإشهاد، في مختلف الأحوال، لا يصح لهم أن ييأسوا من رحمته، ولا يجوز لهم أن يغترُّوا بكرمه وإحسانه؛ بل يتحتم عليهم ويلزم أن يكونوا راغبين راجين في كرمه وإحسانه، خائفين من غضبه وسخطه ونقمته جلَّ جلاله.

فهذا شأن العبيد مع سيدهم، ولقد قال الله عن الملأِ الأعلى من الملائكة: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28] -عليهم سلام الله- فكذلك يجب أن يكون العباد. 

ويُروى أنه تباكى جبرائيل وميكائيل، فأوحى الله إليهما: لِمَ تبكيان وقد أمّنتكما؟ قالا: يا ربنا إنا لا نأمن مكرك، فأوحى إليهما: كذلك فكونا فإنه لا يحيط بعلمي محيط.

إذًا؛ فعلى العباد الذين لا يمكن أن يزايلهم الافتقار أصلًا، ولا ينبغي أن يفارقهم الاضطرار إلى ربهم -جلَّ جلاله- أن يتصفوا بموجبات رأفته ورحمته ولطفه بهم من الاعتراف بعجزهم وضعفهم وقصورهم، ولا يقنطوا من رحمته، ولا ييأسوا من كرمه، ولا يغترُّوا بشيءٍ أنالهم أو تفضَّل به عليهم؛ فبذلك علموا واجبهم فإنهم في حالة استغنائهم عن شيء بما يفيض الله -سبحانه وتعالى- عليهم، لا يدرون فيه بالحقيقة وإلى متى يقوموا ويستمروا؟ وإلى متى يكونوا؟ وماذا يطرأ عليهم بعد ذلك؟ فهم في حالة الغنى مفتقرون! فكيف بالأمر الذي هم مفتقرون إليه أصلاً؟ فالافتقار شيمة الخَلقِ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]. 

يقول: كذلك في حالة ما يعلمون، فإن العلم الذي علموه مُعارٌ لهم، حادثٌ لم يكونوا يعلمون، فعلَّم شيئًا يمكن أن يُنزَع عنهم، وهم فيما يعلمون لا يحيطون بشيء، فهم جُهّال فيما علموا، فكيف فيما لم يعلموا أصلًا! فالجهل لازم لهم؛ "(أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النحل:78]"؛ فالعلم الحقيقي له، قال تعالى: "(وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]"، فالعلم الذي لا يسبقه الجهل -العلم الأزلي-، وبجميع الأشياء من جميع الجوانب؛ ما كان وما يكون وما لا يكون، وما هو كائن، وكيف يكون، وكل ذلك، ليس إلا لله وحده، ومن هنا قال قائلهم:

العِلْمُ لِلرَّحْمَٰنِ جَلَّ جَلَالُهُ *** والعَبدُ فِي جَهَلَاتِهِ يَتَغَمْغَمُ

مَا لِلتُّرَابِ وَلِلْعُلُومِ ….. *** …………………

يقول: أنت ذرة من التراب الذي جمعه الله فكَوَّن منه جسد آدم، أنت ذرة..

مَا لِلتُّرَابِ وَلِلْعُلُومِ وَإِنَّمَا *** نَسْعَى لِنَعْلَمَ أَنَّنا لَا نعْلَمُ 

 نسعى لندرك الحقيقة؛ كلما ازداد علمنا الصحيح، ازدادت معرفتنا بجهلنا، وأن ما غاب عنا أكثر مما علمنا، وقال الملائكة: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ‎[البقرة: 32]. ولمَّا كان الأمر كذلك، أيضًا شاهدوا اختلاف التدابير، وسرعة حلول المقادير، وأن الله تعالى لا يحكمه سبب ولا حال؛ يحول الأحوال، ويسبب الأسباب كما شاء، ويُوجد السبب بلا مسبب، ويُوجد المسبب بلا سبب؛ فلزم الأمر أن لا يغتروا بشيء، ولا يركنوا إلى شيء، ولا يلجأوا لشيء إلا إليه، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

قال: "فلما كان تجلى" -عليه الحق- 
أولًا عليه بصفة الغنى والعلم.. تلقَّاها بوصف الفقر والجهل"؛ لأن هذا وصفه الذي هو فيه، ثم قال: "فتجلى له بوصف إرادته وقدرته، فأعطاها حقها، فقال: "إلهي"..

فقال في مقام الاعتذار، والتبهُّل بلسان الاضطرار، والتعلق به في مختلفات الأقدار، وواردات تعاقب الآثار في الأطوار: فهذا هو الذي أوجب لذوي البصائر والأبصار ألا يسكنوا مع الأغيار؛ من جنة أو نار"، وحال تكون فيه؛ فكم ممن كان في مثل حالك تحوَّل؟!.. فما شيء حال تملكه أنت، فأي حال وإن كان شريف أعطاك إياه، يمكن أن يسلبه منك، ويمكن أن يزيدك فوقه خير، ويمكن أن ينقصه عليك، ويمكن أن يهوي بك إلى ما تحته؛ فإذا كان الأمر كذلك، إذن لا تركن إلى الأحوال، لا تركن إلى المراتب وإلى المقامات مهما رقَّاك فيها، فإنها له ما هي لك، هي له يعطيك إيَّاها، وأنت عاريَّة عندك..

  • إن شاء زادك منها ورقَّاك 
  • وإن شاء نقصك أو سلبها عنك وهبط بك 

فالأمر أمره؛ إذًا لا تركن إلى شيء غيره أصلًا، قال الله لحبيبه محمد: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)‏ ‎[الإنسان:25]، وقال له: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) ‎[المزمل:8]؛ انقطع إليه انقطاعًا، ولا تعتمد إلا عليه، ولا تركن إلا إليه.

قال: "فلما رأوا سرعة اقتداره، واختلاف ظهور مشيئته في أقداره.. لم يسكنوا إلى ما يجدون من الأحوال؛ لأنها -لا محالة- حائلة، فكان هذا الذي أقلق قلوب المحبين"؛ بل كلما ارتقوا في مقام زاد أدبهم، وطلبوا ما فوق ذلك، وخافوا من الانقطاع أو البُعد أو الطرد -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- فلا يزالون يزدادون أدبًا مع الإله وهو يزيدهم من عطاه جل جلاله، ثم بعد ذلك رأوا كم رفع وكم خفض، وكم أعطى وكم منع، وكم حوَّل حال شقي إلى سعيد، وكم ردّ من ظهرت عليه السعادة إلى شقي -والعياذ بالله تعالى- وكم مسلم ارتد، وكم من كافر أسلم؛ فعلموا أن الأمر ماشي حاكم فيه غيره، الأمر له ولا يحكمهم حال ولا طور، والأمر أمره؛ ولهذا نبينا ﷺ لما شاهد عظمة تقليب القلوب بيد المقلِّب كما يشاء، يعني: إذا اجتهد في يمينه يقول: "لا ومُقَلِّبِ القُلُوبِ"، وكان في دعائه: "يا مُقلِّبَ القلوبِ والأبصارِ ثبِّتْ قلبِي على دِينِك". 

فنسأل الله مقلِّب القلوب، أن ينظر إلى قلوبنا ويرحمها، ويديمها في الحضور معه، والإقبال الصادق عليه، مع القبول لديه؛ اللهم آمين.

قال: "أقلق قلوب المحبين، وكدَّر صفو صفات المكاشفين؛ خوف تبديل ما هُم عليه، كما جرت بذلك الأحكام"، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)‏ ‎[المؤمنون:60]. لا إله إلا الله.

ورأوا مثل ما قصَّ الله علينا من قصة بلعام بن باعوراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ *‏ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)‏ ‎[الأعراف:175-176]. وقال عن جماعات من الذين كانوا يتبجحون بالعلم، ويقرؤون التوراة، وخانوا الأمانة، وما عملوا بما فيها: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) ‎[الجمعة:5]؛ فخافوا، وداموا على أدب الخضوع له والإجلال، ودامت إفضالاته عليهم وجوده عليهم جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

"وكما أنها أورثت ألا يسألوا حالًا يكونون عليه من الأحوال السارة.. كذلك أورثتهم حسن الظن بالله، وعدم اليأس من روحه، و-عدم اليأس من- تفريج ما ينزل بهم من المهمات، ومعضلات"، والشدائد مهما كانت، ويرون في قوته وقدرته ما هو أكبر وأجل، وإذا شاء بدَّل الحال، ولا أيضًا يحيطون بما يخفى عليهم من حِكمته في الحال الذي نزل لهم أو الشدة التي نزلت بهم، (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ‎[البقرة:216]، فيفوّضوا الأمر إليه واستراحوا بذلك. 

فوِّض الأمر إليه في جميع شؤونك وأحوالك.

حَسِّنْ ظُنُونَكَ بِالْمَوْلَى تَرَى البُشْرَى  *** فَالرَّبُّ عِنْدَ ظُنُونِ العَبْدِ فَلْتَدْرَى 

جَاءَ الحَدِيث بِذَا فَاصْغِ إِلَى الذِّكْرَى *** وَالْبَسْ مِنَ الصَّبْرِ سِرْبَالًا لَدَى الضَّجَر 

وَاسْأَلْ مِنَ اللهِ كَشْفَ البُؤْسِ وَالضَّرَرِ 

وهكذا؛ 

  • فلا الشدائد والآفات توجِسهم ولا تقنِّطهم، ولا ينالهم منها جزع ولا تبرُّم. 
  • ولا الإفضالات والإمدادات والمسرات تغرُّهم ولا تؤمنْهم من مكر الله -تبارك وتعالى- ولا يبطرون بها ولا يغترون؛ بل يزدادون بها أدبًا، وينفقونها في مرضاته -جلَّ جلاله- 

فهذا مسلك الصالحين، ألحقنا الله بهم، آمين. (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) ‎[يوسف:101]، (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) ‎[المائدة:84].

اللهم حقق لنا مطامعنا، واسمعنا يا سامعنا، وزدنا من إفضالك و نوالك ما أنت أهله في جميع شؤوننا، في ظهورنا وبطوننا برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه، وسِر بنا في دربه، واسقنا من شربه، وثبتنا على ذاك السنن، وتولنا به في السر والعلن، واسقنا من كأس محبتك ومحبته، وتولنا بما توليت به من ائتمنتهم على الأسرار، وكنت لهم في جميع الأطوار، ولم تمنعهم عن الدخول الى حضرتك بقبيح الاوزار، ولم تحجبهم عن مغفرتك بسيء الإصرار، واجعلنا ممن رعتهم عين عنايتك في جميع الشؤون والحالات والأطوار. 

اللهم كُن لنا بما أنت أهله، و أصلح لنا الشأن كله، واجعل لنا نصيب وافي من عطائك الوافي في كل ظاهر وخافي، وانظمنا في سلك الحبيب، وقربنا مع أهل التقريب، وعجّل بتفريج كروب أمته، واختم لنا بأكمل حسنى، وأنت راضٍ عنا في خير ولطف وعافية. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

27 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

10 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام