المكاتبات والمناجاة الإلهية - 14 | إلهي؛ مني ما يليق بِلؤمي، ومِنكَ ما يَلِيقُ بكرَمِك

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الثلاثاء 28 صفر 1448 هجري.

إلهي؛ مِنِّي ما يَليقُ بلُؤْمِي، ومِنكَ ما يَلِيقُ بكرَمِك 

إلهي؛ وَصَفتَ نفسَكَ باللُّطْفِ والرَّأفَةِ قَبلَ وجودِ ضعفِي، أفَتَمنَعُنِي منهُمَا بعدَ وجودِ ضعفِي؟!

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبسندكم المتصل إلى هذين الإمامين نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، رضي الله عنكم إلى أن قال:

"ناداه ثالثًا بما هو المعهود من جميل فعله، وما هو اللائق بكمال نعته في مقابلة ما العبد عليه من النقص في الأفعال، وارتكاب ما يعتذر منه من الخلال، فقال بلسان الاعتذار والانطراح والإقرار:

"إِلَهِي؛ مِنِّي مَا يَلِيقُ بِلُؤْمِي، وَمِنْكَ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ"

 

"إِلَهِي" بمعنى الكريم المتطول، والمنَّان المتفضِّل "مِنِّي مَا يَلِيقُ بِلُؤْمِي، وَمِنْكَ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ"؛ فلؤمي يقتضي معاقبتي ومعاتبتي، ومنك ما يليق بكرمك من العفو والتجاوز والصفح؛ كما هو وصفك.

فشأن العبد إذا أراد الدعاء للكريم المُفْضِل: ألا يُقدِّم بين يدي دعائه إلا الاعتذار، بين يدي القادر الجبَّار، ودوام التضرُّع والاستغفار، من الذنوب والأوزار، بين يدي العفو الغفار؛ فإن الكبائر مع ذلك يرتجى غفرانها، وتجلى عن القلوب ظلماتها وَرَانُها، ويشهد ما رُوِيَ: "أن الله يفرح بتوبة عبده واعتذاره إليه"، ويُروى أيضًا: "أن العبد إذا أذنب الذنب وقال: يا رب.. فتحجب دعاءه الملائكة عن الله حياءً من الله أولًا وثانيًا وثالثًا، حتى يدعو رابعًا، فيقول الله عز وجل: لبيك عبدي؛ إلى كم تحجبون دعاء عبدي عني"، أو كما قال.

فهذا وما ورد في الكتاب والسنة مما يقتضي أن الله يحب من عبده الاعتذار إليه والرجوع بالتضرع والاستغفار له، مما لا يكاد يدخل تحت الحصر والعدِّ، وهذا هو الحكمة -والله أعلم- في تقدير الذنب على المؤمن؛ كما ورد: "لو لم يكن الذنب في بعضٍ خيرًا للمؤمن من العجب.. ما قُدِّر عليه"، ولي في ذلك:

فكل ما كان من لؤمٍ ومن زللٍ *** فلائقٌ بــي وشـانُ الله غفرانُ 

فالعفو أرجَى لأن الله مُتَّصفٌ *** به ولا حرج أن يعف رحمانُ"

 

الحمدُ لله الذي حسُنَت معاملته، وعظُمت منَّتُه، وكثُرَت أياديه، وتكرَّم في سموِّه وتعاليه؛ لا إله إلا هو يستر عبده ويغفر له، ويسامحه ويعفو عنه، ويقرِّبه ويُدنيه، ما أعظم فضله على عباده، وما أجلَّ ما يُحصِّلون من كرمِه وإمداده؛ أرسل إلينا عبده الصفوة المختار، سيد أهل الإنابة والتذلُّل للملك الغفار والخشية والاستغفار، يتوب في اليوم والليلة سبعين مرة؛ فما أعرفه بعظمة الإله القهَّار. 

اللهم أدم صلواتك على نور الأنوار وسر الأسرار، عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الأطهار وأصحابه المُنوَّرين الأخيار، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان في السر والإجهار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأسرار والأنوار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول إنَّ الشيخ في مناجاته لله نادى إلهه: "بما هو المعهود من جميل فعله، وما هو اللائق بكمال نعته في مقابلة ما العبد عليه من النقص في الأفعال، وارتكاب ما يعتذر منه من الخلال، فقال بلسان الاعتذار والانطراح والإقرار:

"إِلَهِي؛ مِنِّي مَا يَلِيقُ بِلُؤْمِي، وَمِنْكَ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ"

يا إلهنا، منَّا ما يليقُ بلؤمِنا، ومنكَ ما يليقُ بكرمِك.

"إِلَهِي" بمعنى الكريم المتطول، والمنَّان المتفضِّل"، المُنعم، المُحسن، المُعطي، المُوفِّق، الجواد، المنَّاح، الفتَّاح؛ "إِلَهِي؛ مِنِّي مَا يَلِيقُ بِلُؤْمِي، وَمِنْكَ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ" فلؤمي يقتضي معاقبتي ومعاتبتي، ومنك ما يليق بكرمك من العفو والتجاوز والصفح؛ كما هو وصفك".

"مِنِّي مَا يَلِيقُ بِلُؤْمِي"من تقصيري وتفريطي واستحقاقي العتاب والعذاب، هذا مني! لكن "مِنْكَ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ": من العفو والصفح والإحسان والإفضال والمنّة والتقريب والجود. 

"فشأن العبد إذا أراد الدعاء للكريم المُفْضِل: ألا يُقدِّم بين يدي دعائه إلا الاعتذار، بين يدي القادر الجبَّار"، ومعنى الاعتذار أي: 

  • تقديم الندم على ما فرَط، وإيقاع اللَّوم والعتاب على النفس، هذا الاعتذار المحمود، سمِعْت؟.. 
  • وأما المذموم: يطلب لنفسه عذر، يعتقد نفسه معذور! معذور في إيش؟ ما لك عذر في مخالفة رب العالمين أبدًا؛ فهذا الذي قال عنه المُضَّطر المُنكسر: مقِرٌّ فلا أعتذر! يعني: ما أجعل لنفسي عذر. 

وأما الاعتذار المحمود هذا لفظه، أعتذر لك؛ يعني: ألوم نفسي من أجلك، وأعاتِبها وأوبِّخها من شأنك، وأنا أطلب منك عفوك مقابل سؤالي، هذا اعتذار محمود، سمِعْت!

يقول: "فشأن العبد إذا أراد الدعاء للكريم المُفْضِل: ألا يُقدِّم بين يدي دعائه إلا الاعتذار"؛ يعني: بوضع اللوم على نفسه والعتاب؛ يقول سيد الأحباب: "أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ" يا رب صلِّ عليه، ويقول له في دعائه: "هَذِهِ يَدِي وَمَا جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي" وهو الأطهر، وهو الأزكى، وهو الأنور ﷺ.

قال: "بين يدي القادر الجبَّار، ودوام التضرُّع والاستغفار، من الذنوب والأوزار"، قال سيدنا: "تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ"، وإن كان ليُعَدُّ له في المجلس الواحد مئة مرة من قول: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"، يقولها حبيبنا، تسمعها منه أول مرة، تسمعها ثاني مرة في المجلس الواحد… مئة مرة تسمعه يقول: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"، ما أَعرَفَه بالله! هذا استغفاره العظيم وتوبته فيفوز الحاضرون عنده السامعون، وهو في هذا الحال مع الله، ﷺ. 

وقالوا: إن المطر إذا نزل بأرض أصاب الرشاش ما حواليه، فما ينزل على قلب النبي والعارف المُقرَّب، من حواليه يصيبهم رشاش؛ لأنه جاور أرض المطر، لا إله إلا الله!.. وقد يسيل عليه سيل، بقعة ما جاءها مطر، ما فيها مطر! لكن سيل يصِلها من بقعة ثانية فيها مطر يصِل سيلها إلى عنده، لا إله إلا الله! لذا مثَّل النبي الجليس الصالح ببائع المِسْك تحصَّل فائدة منه، المسك حقَّه عنده لكن الريح يجيء عندك. لا إله إلا الله..

قال: 

  • "فإن الكبائر مع ذلك يُرتجى غفرانها" أي: مع التذلل والانكسار والافتقار ولوم النفس. 
  • أما مع ضعف الانكسار وقلَّة التذلُّل للربّ فحتى الصَّغائر خطرها كبير، قد تُهلِك صاحبها. 

لهذا يقول: إن رحمة الله تعالى من العاصي المُنكسر أقرب منها من الطائع المتكبِّر، اللي عنده صورة طاعة ولكن قلبه مُتكبِّر، أبعد عن الرحمة، فالمُنكسر المُتذلِّل أقرب لرحمة الله تعالى، وانظر إلى سيله من رحمته الظاهرة؛ إذا سال يبحث عن مكان مرتفع أو منخفض؟ ما يروح إلا في المنخفض، المُرتفع خلُّه، لا شيء له! ويسيل السِّيل، كلّ ما انخفض وصل إليه السيل، وكل ما انخفض أكثر يصل إليه سيل أكثر؛ لهذا قال: 

العِلمُ حَرْبٌ للفَتَى المُتَعَالِي *** كالسَّيْلُ حَرْبٌ للمَكَانِ العَالِي

المكان العالي ليس له نصيب من السيل، السيل للمُنخفضين، الأماكن المنخفضة؛ كذلك رحمة الله للقلوب المُنكسرة المُنخفضة، المترفِّعة المُتعالية ما لها نصيب من الرحمة. "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ".

يا رب طهِّر قلوبنا، يا رب نقِّ قلوبنا، يا رب صفّ قلوبنا، لا تبقِ مثقال ذرة ولا دون ذلك من كِبر في قلبِ أحدٍ منا يا الله، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين. 

هذه فوائد المجامع واللقاءات والدورات، أن يستجيب رب العرش الدعوة؛ فتنال بها سلامة القلب إلى الوقوف بين يديّ الرب؛ يا ناظرًا إلى القلوب نظِّف قلوبنا، وطهّر قلوبنا ولا تبقِ فيها ذرةً من كِبر ولا من عُجب ولا من رياء ولا من غرور ولا من حسد، يا الله، يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأبصار ثَبِّت قلوبنا على دينك.

يقول: "فإن الكبائر مع ذلك يرتجى غفرانها، وتجلى عن القلوب ظلماتها وَرَانُها، ويشهد ما رُوِيَ: "أن الله يفرح بتوبة عبده واعتذاره إليه" -كما رواه الإمام مسلم في صحيحه وغيره- وَيُرْوَى أيضًا: "أن العبد إذا أذنب الذنب وقال: يا رب.. فتحجب دعاءه الملائكة عن الله حياءً من الله أولًا وثانيًا وثالثًا"، فإذا استمر في ندمه ورجعته إلى الله يدعوه، "فيقول الله عز وجل: لبيك عبدي"، والملائكة مُستحيين وخائفين، يقول لهم: "إلى كم تحجبون دعاء عبدي عني" عصاني لكن ندِم ورجع إلي، أيش لكم؟ خلُّوه يرجع إليّ ويقول له:  "لبيك عبدي"! الله.. رب عظيم وكريم، ليس لنا أحد أحسن من ربنا وإلهنا! فلنحسن الرجعَة إليه والإنابة؛ وإذا صدقنا يُطهِرنا ويُصفِّينا ويرفعنا إلى فوق سبحانه، سبحانه ما أعظم شأنه.

قال: "فهذا وما ورد في الكتاب والسنة مما يقتضي أن الله يحب من عبده الاعتذار إليه والرجوع بالتضرع والاستغفار له، مما لا يكاد يدخل تحت الحصر والعدِّ، وهذا هو الحكمة -والله أعلم- في تقدير الذنب على المؤمن؛ كما ورد: "لو لم يكن الذنب في بعضٍ خيرًا للمؤمن من العُجُب.. ما قُدِّر عليه"، فينتفي عن قلبه العُجب بسبب الذنب، فيحصّل الخير، فالمسلم يذنب الذنب ويدخل به الجنة، كيف يدخل به الجنة؟ يبقى منكسر بسببه مُتذلِّل خائف خاشع طول عمره.. يدخل الجنة بسبب هذا؛ ولو لم يقع في ذاك الذنب لم يكن ليخشع ولا ينكسر كما هو، لا إله إلا الله! 

اللهم جنِّبنا الذنوب والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا ممن يذرُ ظاهر الإثم وباطنه؛ كما أمرتنا: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) [الأنعام:120] وزدنا انكسارًا من أجلك، وخشيةً منك، ومحبةً لك، ورجاءً فيك، وطمعًا في ما عندك، يا الله.

قال: "للَّهُ أفرَحُ بتَوبةِ عبدِهِ منَ الضّالِّ الواجِدِ"، الضال: الذي ضلَّت عليه شيء نفيس غالٍ، وتعب في تحصيله، ما حصَّله ما درى إلا حصَّله .. يفرح! "ومنَ العَقيمِ الوالدِ": سنين طويلة ما له أولاد ويريد أولاد، لا شيء أولاد، وإلَّا حملت زوجته وجاءه الولد؛ يفرح، "ومنَ الظَّمآنِ الواردِ": شديد عَطَش عطش وإلَّا والماء قدامه، حصَّل الماء؛ فرحان! قال: هذا غاية الفرح عندكم أنتم مخلوقون، الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من هؤلاء كلهم! لا إله إلا الله.. 

ضرب لنا مثلًا في نفس المضمار، قال: إن رجلًا كان يمشي في الصحراء ومعه ناقته عليها زاده وراحلته، الماء والطعام فيها، وبينما يمشي ضلت عليه ناقته، ولا عاد لها أثر، وهذه صحراء قدامه لا ماء ولا طعام، قال: أخذ يبحث يبحث عن الناقة ما وجدها، تعب.. قال خلاص، والآن هذه صحراء وإذا قطعتها سأموت في الطريق، دوَّر شجرة قال: تحت الشجرة هذه موتي، محلي هنا خلاص أقعد حتى أموت، يعني من الجوع والعطش؛ قال: فاضطجع ينام تحت الشجرة، ففتح عينيه فإذا ناقته وعليها ماؤه وزاده، يفرح! يفرح أو ما يفرح؟! قال: حتى من شدة الفرح غلط وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! يريد يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ومن شدة الفرح ما عاد جاء على الكلام؛ فقال: الله أفرح بتوبة عبده من هذا بزاده وراحلته، لا إله إلا الله! 

مع أنه غنيٌّ عنا، ما يضره تهلك وتدخل النار؛ لكنه يفرح إذا تبتَ إليه ورجعتَ يغفر لك، يسامحك، يدخلك جنته، له الحمد. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا)، تعالوا.. (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) [الزمر:53-54].

قال بعض العارفين: سبحانك يا رب! من خاف أحدًا هرب منه؛ إذا واحد يخاف من واحد يهرب ويبعد منه، ومن خافك هرب إليك! وأنت إن أحد يخافك إلا يجيء إلى عندك، إلى أين يهرب! ليس له مهرب أصلًا يروح أين؟! إذا خافك ليس له إلا يجيء عندك يرجع إليك؛ من خاف غيرك هرب منه، ومن خافك هرب إليك. (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ)، لأنه لا مفر إلا إليه، "لا مَلْجَأَ ولا مَنْجا مِنْكَ إلّا إلَيْكَ ".

قال: وكان واحد أيضًا ممن يلتفت إلى الذنوب، فكان يرقب جارية لجاره، حتى أرسلها الجار في وصاية له إلى خارج البلد، فأخذ يلحقها ووصلها في الطريق، فلما وصل إلى عندها يكلمها قالت: يا هذا اتق الله! أنا بطبيعتي هذه أشد شوقًا إليك منك إليَّ، لكني أخاف الله؛ قال: جارية تخاف ربها وأنا هذا قليل الحياء! تبت إلى الله! ندم ندمًا ورجع، رجع من الطريق نادم تائب، وجد عابدًا من عُبَّاد بني إسرائيل ماشيًا في الطريق سيدخل البلد، جاء يمشي معه، آذتهم حر الشمس، قال: اقعد ندعو الله يسخر لنا سحابة تظللنا حتى تقينا حر الشمس؛ قال: ادعُ الله أنت، قال: لا، أنا العاصي المذنب، أنت ادعُ الله؛ دعا العابد ربه وهو أمَّن، جاءت السحابة تمشي فوقهم إلى أن دخلوا البلد. 

لما دخلوا البلد هذا سيمشي في طريق وهذا في طريق، راحت السحابة وراء التائب هذا، العابد لاحظ قال له: تعالَ يا فلان أنت، تقول لي مذنب عاصي! وتركتني أنا أدعو وأنت ما رضيت تدعو، وجعلتنا أدعو والآن السحابة تبعتك، قل لي ما عملك؟! قال له: لا، أنا مذنب، قال له: مذنب! ما الذي أخرجك؟ قال له: واحدة من المصائب، خرجتُ أتبع جارية… قال له: ندمتَ؟! إن التائب عند الله بمكان لا يبلغه غيره، رُح، رُح أنت والسحابة المارة فوقك! الله فرح منك لما تبت توبة الصدق، خلاص امشِ؛ وتبعته السحابة كرامة من الله للتائب. 

وهكذا استسقى سيدنا موسى بقومه ما جاء المطر، ثاني مرة ما جاء المطر، قال: يا رب استسقيناك أولًا وثانيًا ولم تنزل علينا المطر، قال: إن فيكم نمًّامًا، قال: من هو هذا يا رب؟ قل لنا به حتى نخرجه من بيننا؛ قال: يا موسى أأنهاكم عن النميمة وأكون نمَّامًا؟! قال أأنهاكم عن النميمة بينكم البين، وتريدني أن أفضح عبدي ذا عندك! قال: كيف، وماذا أصنع؟ قال: قل لهم يتوبوا من النميمة! جمع قومه قال: يا قومي إني سألت ربي، وقلت له: استسقيناك أولًا وثانيًا ولم تسقنا، قال: إن فينا نمَّامًا، فسألته: من النَّمَّام؟ قال: كيف أنهاكم عن النميمة وأكون نمَّامًا، وأبى إلا أن يستر على عبده هذا؛ قلت فماذا أصنع؟ قال: قل لهم يتوبوا، فيا قوم توبوا من النميمة، -والنَّمَّام بينهم- قال: ربي هكذا تعاملني! تسترني عند نبيك وعند خلقك، أنا تائب، ندم ندامة كبيرة، وإذ السحاب أقبل! فأوحى الله إلى موسى: إني منعتكم الغيث بالنَّمَّام، وسقيتكم بتوبة النَّمَّام، رحمتكم وأنزلت المطر بتوبة النَّمَّام، هذا لما تاب إليه سبحانه وتعالى. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:222]. 

فاجعلنا وجميع أهل المجلس وجميع من يسمعنا ويتابعنا من التوابين ومن المتطهّرين، اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين واجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين واجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين واجعلنا من عبادك الصالحين، آمين. 

يرحم العاصي التائب من بني إسرائيل وما بيرحم من أمة محمد؟ّ! هو أعظم رحمة لنا سبحانه. يا تواب تب علينا وارحمنا وانظر إلينا..

يقول: 

"فكل ما كان من لؤمٍ ومن زللٍ *** فلائقٌ بــي وشـانُ الله غفرانُ 

فالعفو أرجَى لأن الله مُتَّصفٌ *** به ولا حرَجٌ أن يعف رحمانُ"

 يا رحمن اعفُ عنا؛ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا، إلهنا منا ما يليق بلؤمنا، ومنك ما يليق بكرمك، اجعل من كرمك لنا أن تختم أيامنا هذه في دورتنا هذه بفائض فضل كبير منك لا حد له ولا حصر في السر والجهر يا أكرم الأكرمين نسعد به في الدنيا والبرزخ ويوم الحشر، آمين.

 

رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:

"فاسمه العفوُّ، إذا تجلى.. محا ظلمات الآثار الحادثة والأوهام الزائلة؛ وهو من أخص تجليات الجمال، فعند تجليه تظهر الصفات الأزلية، والتجليات اللطفية؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

"إِلَهِي؛ وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِاللُّطْفِ وَالرَّأْفَةِ قَبْلَ وُجُودِ ضَعْفِي، أَفَتَمْنَعُنِي مِنْهُمَا بَعْدَ وُجُودِ ضَعْفِي؟!"

 

"إِلَهِي" بمعنى اللطيف في عظمته، والعطوف في سابق مِنَّته "وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِاللُّطْفِ وَالرَّأْفَةِ قَبْلَ وُجُودِ ضَعْفِي، أَفَتَمْنَعُنِي مِنْهُمَا بَعْدَ وُجُودِ ضَعْفِي؟!" فوصفه لنفسه في أزله بكلامه القديم الدائم.. قوله عزَّ من قائل: (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحج:65]، وقوله أيضًا: (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) [الشورى:19]، هذا قبل وجود الخلق وصفاتهم التي هي الضعف والعجز، وصفاته لا بد وأن تظهر آثارها، وتتجلى أسرارها، والخلق وصفاتهم محل ظهورها، ومجلى نورها، فكيف يمكن اتصافه بهذه الصفات ولا يظهر لهم محل ظهورها، ومجلى كوامل بدورها؛ دون العباد وصفاتهم؟!

ومرادُ المصنِّف: الوصفُ الذي يقتضي ظهورُهُ وجودَ ضعف العباد؛ لمقاومة تجليات العدل، وغلبات الحكم، والناس من الوسائل والحيل، وشقوق الشفاه وسيلان المقل، على التفريط واقتراف الزلل، وبيان مستتر العمل حين يتخلَّف عنك كل حبيب، ويقلاك كل قريب، وينساك كل حميمٍ ونسيب، فهناك يتحقَّق تجلي ظهورها، وترتفع الحجب عن ستورها، فيبدو للعباد ما لم يكن لهم في حساب، ولا سُطر في كتاب، من توالي العطاء والثواب، يكون منه السؤال، وعليه الجواب، فيعتذر الله سبحانه إلى عبده؛ كما ورد.

وقولنا: "منه السؤال وعليه الجواب" هو الحق كما نطق به الكتاب، قوله عزَّ وجلَّ: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة:109]، فهذا قوله بنفسه لنفسه في كلامه العزيز، فكذلك يكون جواب الأتباع على ألسنة المتبوعين، والمدعوِّين على ألسنة الداعين، ولي في ذلك:

وصفتَ نفسك باللطف العميم ولا *** موجود غيرك يا فرد بلا مثل

فكيف تمنع من قامت به حلل *** ضعف وعجز وأنت المفضل الأزل

فلما كان العبد قد يظهر أفعالًا محمودة وخصالًا شريفة.. اعترف المؤلف بقوله:

"إِلَـٰهِي؛ إِنْ ظَهَرَتِ الْمَحَاسِنُ مِنِّي.. فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَيَّ، وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَسَاوِي مِنِّي.. فَبِعَدْلِكَ وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ".
 

 

لا إله إلا الله. يقول: "إِلَهِي؛ وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِاللُّطْفِ وَالرَّأْفَةِ قَبْلَ وُجُودِ ضَعْفِي، أَفَتَمْنَعُنِي مِنْهُمَا بَعْدَ وُجُودِ ضَعْفِي؟!"

يقول: "إِلَهِي" يا صاحب اللطف والعظمة والعطف في سابق المنة "وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِاللُّطْفِ وَالرَّأْفَةِ قَبْلَ وُجُودِ ضَعْفِي" قبل ما أُخلق أنا وقبل مايُخلق ضعفي، "أَفَتَمْنَعُنِي مِنْهُمَا بَعْدَ وُجُودِ ضَعْفِي؟!" فوصفه لنفسه في أزله بكلامه القديم الدائم.. قوله عزَّ من قائل: (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحج:65]، وقوله أيضًا: (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) [الشورى:19]"، قال: "هذا قبل وجود الخلق وصفاتهم التي هي الضعف والعجز، وصفاته لا بد وأن تظهر آثارها، وتتجلى أسرارها، والخلق وصفاتهم محل ظهورها"؛ محل ظهور لهذه الصفات، "ومجلى نورها، فكيف يمكن اتصافه بهذه الصفات ولا يظهر لهم محل ظهورها، ومجلى كوامل بدورها؛ دون العباد وصفاتهم؟!

ومرادُ المصنف: الوصفُ الذي يقتضي ظهورُهُ وجودَ ضعف العباد؛ لمقاومة تجليات العدل، وغلبات الحكم، والناس من الوسائل والحيل، وشقوق الشفاه وسيلان المُقَل، على التفريط واقتراف الزلل، وبيان مستتر العمل حين يتخلَّف عنك كل حبيب، ويقلاك"؛ يبغضك "كل قريب، وينساك كل حميمٍ ونسيب، فهناك يتحقَّق تجلي ظهورها"؛ تجلي ظهور رأفة الرحمن، رحمة الرحمن، لطف الرحمن -جل جلاله- بنا.

يقول: أنت موصوف بالأزل باللطف والعفو والرحمة والرأفة، فمع ظهور ضعفي وعجزي وحاجتي لذلك ما يظهر تجليها عليَّ؟ كيف ما يظهر وأنت موصوف بها من الأزل قبل خلقي وقبل وجودي؟! لا إله إلا الله…

قال: "فهناك يتحقَّق تجلي ظهورها، وترتفع الحجب عن ستورها"؛ صفاته العظيمة جل جلاله، "فيبدو للعباد ما لم يكن لهم في حساب، ولا سُطِّر في كتاب، من توالي العطاء والثواب"؛ ولهذا جاء في الحديث: "لَو لَم تُذنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكُم، ولَجاءَ بقَومٍ يُذنِبونَ، فيَستَغفِرونَ اللهَ، فيَغفِرُ لَهم"، لأنه كيف يظهر سر اسمه الغفار إذا لم يذنب أحد من الخلق؟ لا بد  له يظهر، فبوجود المذنبين يظهر معنى اسمه الغفار سبحانه وتعالى. لا إله إلا الله!.

قال: "يكون منه السؤال، وعليه الجواب، فيعتذر الله سبحانه إلى عبده؛ كما ورد"، بمعنى: يسامحه ويتجاوز عنه.

قال: "هو الحق كما نطق به الكتاب، قوله عزَّ وجلَّ: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة:109] -جلَّ جلاله-، فهذا قوله بنفسه لنفسه في كلامه العزيز، فكذلك يكون جواب الأتباع على ألسنة المتبوعين، والمدعوِّين على ألسنة الداعين، ولي في ذلك:

وصفت نفسك باللطف العميم ولا *** موجود غيرك يا فردٌ بلا مثلِ

فكيف تمنع من قامت به حُلل *** ضعفٍ وعجزٍ وأنت المفضِل الأزل"

لا إله إلا الله!

فالحمد لله على كريم أوصافه ونسأله أن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا ويتولانا إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

عجّل الله بالفرج، ورفع الضيق والحرج، وقوَّم كل معوَّج، وثبتنا على أقوم نهج مع من انتهج، وأعاذنا من الآفات والعاهات والعِوج، وتولّانا بما تولى به محبوبيه الراقين إلى أعلى الدرج، وحنّن علينا روح حبيبه المصطفى ﷺ صاحب النور الذي انبلج، وأن الله به يتولانا في كل شأن ويرفعنا به لأعلى مكان، ويصلح لنا السر والإعلان، ويصفِّي لنا كل باطن وجنان، ويطهرنا عن جميع الأدران، ويرزقنا العمل بالقرآن، وبما في القرآن، والاطلاع على سر القرآن، ويجعلنا عنده من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته في خير ولطف وعافية، مع صلاح الشؤون الظاهرة والخافية، والفرج للأمة، والختم بالحسنى، وهو راضٍ عنا في لطف وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

28 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

11 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام