المكاتبات والمناجاة الإلهية - 16 | ها أنا أتوسَّلُ إليك بِفَقْري إليك

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الجمعة 1 ربيع الأول 1448 هجري.

"هَأَنَا أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ"

"وكيفَ أتوَسَّلُ إلَيْكَ بما هو مُحالٌ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ؟ 
أم كيفَ أشكُو حالِي وهو لا يَخفى عليكَ؟!"

نص الدرس مكتوب:
 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبسندكم المتصل إلى هذين الإمامين نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، رضي الله عنكم إلى أن قال:

"وإذا علمت أن لا وسيلة للعبد أرجى من اعترافه بوصفه بين يدي سيده.. أخذ المؤلف -رحمه الله- في التوسل إلى الله فقال:

"هَأَنَا أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ"

"والتوسلُ بالفقر شأن الأدباء؛ إنهم لا يرون وسيلة منهم أرجى ولا أنفع ولا أقرب من الاعتراف بذلِّ العبودية، عند مواجهة تجليات الربوبية؛ فالإقرار بالافتقار بين يدي الغني الجبار.. صفة الأخيار.

والوسيلة: هي ما يقدمها المتوسل بين يدي من يتوسل إليه، إذا كانت من خير الأعمال.. سُميت وسيلة، وإذا كان من الوسائط.. سمي شفيعًا، وقد تسمى الوسيلة شفيعًا، والشفيع وسيلة، ولا مشاحَّةَ في اللفظ إذا عُرف المعنى.

فلا أرجى للعبد عند الله من الوسيلة مثل اعترافه له بصفات الكمال، ولنفسه بالذبول والاضمحلال، والإفلاس عن سائر الأعمال، والغَيبة عن الأفعال، فلا يجد ما يتوسل به إلى مولاه إلا عدم حيَلِه، وفقد علمه وعمله، فيكون في حال قيامه في الأعمال غائبًا عنها، وفاقدًا لها، مفتقرًا إلى سيده الكريم، وخالقه الرحيم، ولي في ذلك:

توسلي بافتقاري للذي نزلت  *** به الحوائج جلَّ الواحد الأحد

 فلا تروم نوالًا قط ما عدلت *** عن بابه من سواه الخير لم تجد"

 

الحمد لله العظيم الجليل الكريم، الرحمن الرحيم، الوسيع العلي الجبار المتكبر المتعالي المتفضل، من له الطول والفضل والمنة والشرف والكرامة كلها -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- وجعل من أعظم وسائل خلقه إليه اعترافهم بعلوِّه وعظمته، وبافتقارهم وانكسارهم وذلتهم.

لا إله إلا هو أرسل إلينا سيد المنكسرين من أجله، والمتذللين لعظمته؛ أعرف خلائقه به وهو حبيبه محمد ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فهدانا وبيَّن لنا وعلَّمنا وأرشدنا وتركنا على محجَّةٍ بيضاء ليلها كنهارها، فصلِّ يا ربي على هذا المصطفى المختار سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، ومن على منهجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول في مناجاته سيدنا الشيخ ابن عطاء الله: "هَأَنَا أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ أي: باعترافي بغناك المطلق وفقري المطلق، اعترافي بعلوِّك وعظمتك وذلتِّي وحاجتي واضطراري. 

يقول: "والتوسلُ بالفقر" أي: بإدراك وذوق معنى الحاجة والاضطرار والانكسار إلتجاءً إلى الله -تبارك وتعالى- مع يقين عظمته وغناه المطلق وقدرته وما يليق به، هذه من أقوى الوسائل التي تقرِّب العبد من ربه وتحقق له نُجحه وطَلبَه. قال سيدنا الإمام الحداد:

أَنَا عَبْدٌ صَارَ فَخْرِي *** ضمْنَ فَقْرِي وَاضْطِرَارِي

قال: 

  • ما يُقَدَّم من العمل الصالح من خير الأعمال يُقال له وسيلة. 
  • وما يكون من وسائط من المقربين المحبوبين يُقال له شفيع. 
  • وقد يستعمل لفظ الشفيع محل الوسيلة، والوسيلة محل الشفيع، والأمر واضح. 

 

قال: "فلا أرجى للعبد عند الله من الوسيلة مثل اعترافه له بصفات الكمال"؛ لربه تعالى، "ولنفسه" العبد، "بالذبول والاضمحلال، والإفلاس عن سائر الأعمال"؛ لأن كل عمل: 

  • إن كان شرًا فباكتسابه وهو ملوم عليه. 
  • وإن كان خيرًا فبفضل ربه -سبحانه وتعالى- وتوفيقه له. 

فإذًا؛ ليس له عمل يُدِلُّ به على الله -تبارك وتعالى- بل هو مفلس، هذه حقيقة من عرف الحقيقة من الخليقة يعرف إفلاسه ويعرف عجزه ويعرف مساويه؛ ولهذا كان من أعظم التبجح بنعمة الله ما قال سيدنا الإمام الحداد:

قَدْ تَحَقَّقْتُ بعَجْزِي *** وَخُضُوعِي وَانْكِسَارِي

قال: "فلا يجد ما يتوسل به إلى مولاه إلا عدم حيَلِه، وفقد علمه وعمله"، ما معه شيء. 

وقال: أنه خطر لي أن أجعل القصيدة "يا رب يا عالِم الحال" في الكفن عندما أموت، ثم تذكرت أن طريقتنا الافتقار المحض الى الله؛ نلقى الله لا شعر ولا نثر، ولا معنا شيء، نلقى الله بالفقر؛ مفتقرين إليه. لا إله إلا الله.

"فيكون في حال قيامه في الأعمال"، من قيام وصلوات وزكوات وأخلاق ومزايا، "غائبًا عنها" بشهود واهبها ومعطيها والموفِق لها و المتفضِل بها والخالق لها فيه، وناسبها إليه وهو الله.

"وفاقدًا لها" بوجود مُعطيها ومانِحها، "مفتقرًا إلى سيده الكريم"؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا به، ولا يكون إلا ما أمرَه، "وخالقه الرحيم".

توسلي بافتقاري للذي نزلت  *** به الحوائج جلَّ الواحد الأحد

 فلا تروم نوالًا قط ما عدلت *** عن بابه من سواه الخير لم تجد

 

رضي الله عنكم، إلى أن قال:

"فلما كان التوسل بالفقر يقتضي ألا يكون للأغيار وجود، ولا للأعيان شهود، والفقر لا يناسب الغنى، ولا مناسبة بين الوجود والعدَم، ولا بين الحدوث والقدم.. قال المؤلف رحمه الله:

"وَكَيْفَ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِمَا هُوَ مُحَالٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ"

كيف يكون التوسل إليك مني بفقري ولا نسبةَ بين فقري وغناك، ولا بين نعتي ووصفك؟! والمتوسل إليه لا بد أن تكون نسبةٌ يُتوصل بها إليه، فكيف يتوصل إلى الله بما هو محالٌ عليه؟!

فرؤية الفقر تنبئ عن بقية رؤية شهود غير؛ إذ الأحوال في حضرة التوحيد أغيار، والفقر من جملة الأحوال، فلا سبيل إلى تحقيق الفقر إلا بالغيبة عنه، وما لم تغب عنه.. فأنت بعدُ لم تفنَ عن رؤية أحوالك، وحضرة التوحيد لا يليق فيها شهودُ غيرِ الواحد الأحد.

فإذاً؛ لا وسيلة إليه بسواه، ولا اعتماد على من دونه في جميع ما يهواه ودفع ما يخشاه إلا إياه، ولي في ذلك:

كيف التوسل في نيل المراد بما *** لا نسبة بينه والله مولانا

هذا في القرب فاعرف حقَّ رُتْبته *** أما إذا كنتَ في الأسباب فالآنا

وهذا رتبة في القرب، وأما في مقام المعاملات.. فهو المطلوب منك؛ كما قلت في البيت: "أما إذا كنتَ في الأسباب.. فالآنا" أي: آن لك أن تكون كذلك مقدمًا لافتقارك وتقصيرك واعتذارك.

ولما كان حال القرب والشهود يقضي بأن الشكوى تشير إلى الغيبة عن المشهود.. قال المؤلف رضي الله عنه:

"أَمْ كَيْفَ أَشْكُو حَالِي وَهُوَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ؟!"

الشكوى: هي كشف الحال، وإظهار الحال عن مكنون السؤال، وذلك لا يكون لمن غاب عنه مكنونات الأحوال، وعُريت عنه خَفيَّات الأفعال، وذلك على الله محال، كيف وهو العالِم بها قبل بروز العالَم من العدم، وظهور أعيان الأمم؟!

وذلك أيضًا عند شهود حقيقة الكشف والعيان يتأدَّبُ عن خطوره على الجَنان؛ بأن يتوهم غفلة أو نسيان، وأما بروزه على اللسان بالتضرع إلى الديَّان.. فلا حرج إذا كان عبودية واستيقان؛ أنه لا يكون إلا ما قد كان، ولي في ذلك:

فكيف أشكو إليك الحال يا صمد *** وأنت عالمٌ بما فيها من الشجنِ

 أم كيف لا وأنت أهلٌ أن تكون لها *** ربًا تشكو إليك عظيم البث والحزنِ"

 

لا إله إلا الله.

فيقول هنا: مراتب كمال وما هو أكمل، وأحوال لائقة بالعبد في معاملة ربه -سبحانه وتعالى- هي على ضعيف الفهم تُشكِل، ويقول: كيف يكون ذلك؟.. 

  • فوجود الافتقار مطلوب من العبد ومسؤول، وهو حالة كمال. 
  • لكن أكمل منه أن يرى اضمحلاله، لا هو ولا فقره موجود مع وجود الخلَّاق العظيم جل جلاله، فأين يبقى له من وجود!..

فإذًا؛ 

  • هو من وجهٍ يتوسل بفقره ويجب عليه الافتقار. 
  • ومن وجهٍ آخر يرقى مرقى أعظم، فيرى المُغني المُفقر المُوجد وحده -سبحانه وتعالى- فلا وجود له معه. 

حتى في ذلك قالوا عن الاعتراف: الاعتراف بالاقتراف وبالتقصير مطلوب، وهو مرتبة كمال؛ لكن أكمل منه من يرتفعُ كذلك فلا يرى إلا حكمة فِعلِ الفعَّال، وهو في اضمحلال؛ ولذا قالوا إن شهود التقصير لا يخلو عن شائبة من الشرك؛ ولكنه من الشرك الخفي وهذه درجات؛ والأكابر يجمعون بينها يفتقرون ويعترفون، وفي نفس الوقت يشهدونه هوَ دون من سواه، وقد يغلب عليهم أحد الوجهين أو الحالين في الحال. وعامة المتوجهين إلى الله فدرجة كمالهم دوام الاعتراف ودوام الافتقار والتوسل به إلى الله -سبحانه وتعالى- فهذا هو شأنهم وهذا واجبهم حتى تأتيهم النفحات الخاصة من فناء الفناء وجمع الجمع؛ وهذا إنما يكون في أحوال مخصوصة ولمخصوصين من الناس ولا يدوم، واستمراره وقتًا ما مِن أندر النوادر التي تكون في المواهب للخلق من حضرة الخلَّاق جلَّ جلاله.

رزقنا الله صدق الافتقار إليه والتذلل بين يديه وكمال الاضطرار إليه، وأجاب دعاءنا. 

وترى الجمع في كلام سيدنا الإمام الحداد يقول:

قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَاخْتِيَارِي

خلاص ماعاد أسأل؟! قال:

فَدُعَائِي وَابْتِهَـالِـي *** شَاهِدٌ لي بافْتِقَارِي

فلهذا السِّرُ أَدْعُو *** ……………….

هو كفاني علمه؛ ولكن أنا أدعوه، لماذا أدعوه؟ من شأن شاهد الافتقار، من أجل شاهد الافتقار أنا أدعوه، وإلَّا علمه يكفي. كيف أشكو إليك حالًا أنت أعلم به مني؟ أنت أعلم بالحال مني؛ وإنما يشكو لواحد ما يعرف الأمر تبين له تقول واقع كذا واقع كذا، ربك أدرى بك وبحالك، ولكن هذه الشكوى من أجل افتقارك أنت ليس من أجله هو، هو أعلم بما تشكو منه وما تشكو إليه وما تحتاجه، وهوأعلم منك بما تذكره وبما تبينه، وأعلم منك بنفسك، وأعلم بخواطرك منك، وأعلم بخفاياك منك، أعلم بها منك -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:5]، (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [ الطلاق:12].

نسأل الرحمن يوفر حظنا، وفي هذا الشهر الكريم وخواتيم أيام الدورة يرزقنا حقيقة علم أنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا. فحقيقة علم ذلك.. من أجله كوَّن الله الممالك، ومن أجله كان اختياره لمن شاء من كل منيب وسالك. 

اللهم حققنا بحقائق عِلم أنك على كل شيء قدير، وأنك قد أحطت بكل شيء علمًا، وارزقنا شهود ذلك وذوق ذلك والتحقق بحقائق ذلك، سالكين أشرف المسالك، يا ملك الممالك، يا أرحم الراحمين. 

 

على هذا وأن الله يتقبل الدعوات، ويعجل بالإجابات، في خير وزيادات، وأن الله، وأن الله يتولانا ويحمينا بحِماه، ويفتح علينا في جميع الحال بفتوح العارفين، ويفقهنا وإياكم في الدين، ويهدينا إلى سواء السبيل على هذه النية وكل نية صالحة، وغفر الذنوب، وستر العيوب، وكشف الكروب، وصلاح القلوب، والتفريج على كل مكروب، على هذه النية وكل نية صالحة شاملة مع طولة العمر في عافية وسلامة ومتابعة ونتشفع بها.. 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

 اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

01 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

14 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام