(368)
(475)
(635)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الخميس 9 صفر 1448 هجري.
وأنه لا بدّ لبناء هذا الوجود أنْ تنهدم دعائمه، وأنْ تُسلبَ كرائمه.
فالعاقل: من كان بما هو أبقى، أفرح منه بما هو يفنى؛ قد أشرقَ نوره، وظهرت تباشيره.
بسم الله الرحمن الرحيم
"وعطَف أيضًا بقوله على كلامه المتقدم:
وأنهُ لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أنْ تنهدم دعائمه، وأنْ تُسلب كرائمه.
وأنك -أيها الإنسان- لا يحزنك ما يفوتك من هذه الحظوظ العاجلة واللذات الفانية والخيالات الكونية؛ فإنها لا محالة أن تنهدم هذه البنيان المشيدة، وأن تبيد هذه المحاسن العتيدة، وتتفرق هذه الجموع العديدة، وتفنى هذه الوجوه الناعمة النضرة، وتزول هذه الروائح العطرة، وتُسلب الكرائم المحبوبة، فَتُيتم الولدان، وتُجدَّد الأكفان، وتُغيَّر الألوان، وتُرمَّل النسوان، وتنتَهب الجثمان طوارق الحدثان، وتتفرق الجموع، وتُذَرُّ لفراقه الدموع، وتُبيد مجموع جسمه من الشتات سحائب هموع، فكيف لا يسلى عما هو عن قريبٍ صائر إلى الفناء والشتات؟!
وإذا علمت أن هذه الملاذ المحبوبات لا بد أن تزول عنك أو تزول عنها.. فلا جرم لا تعبأ بما فاتك منها إن كنت ذا عقلٍ سليم، ولي في ذلك:
لا بد هذا البنا المشهود ظاهره *** أنْ ينهدم منه بنيان وأركان
وكل ما كان من جمع يُسَرُّ به *** تُسلَب كرائم ما في الكون يا إنسان"
هكذا يقول -عليه رحمة الله-، ولله الحمد والمنة على ما يُبين من المعاني ويُلهِم من المدارك ويُيَسِّر من المفاهيم. ويقول الشيخ -عليه رحمة الله- في المكاتبة التي قرأنا أولها:
"فَإِنَّ الْبِدَايَاتِ مَجْلَاةُ النِّهَايَاتِ، وَإِنَّ مَنْ كَانَتْ بِاللَّهِ بِدَايَتُهُ .. كَانَتْ إِلَيْهِ نِهَايَتُهُ.
وَالْمُشْتَغِلُ بِهِ: هُوَ الَّذِي أَحَبَّهُ وَسَارَعَ إِلَيْهِ، وَالْمُشْتَغِلُ عَنْهُ: هُوَ الْمُؤْثِرُ عَلَيْهِ
وإِنَّ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّ الله يَطْلُبُهُ صَدَقَ الطَّلَبَ إِلَيْهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الأُمُورَ بِيَدِ اللهِ اجْتَمَعَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ.
وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِبِنَاءِ هَذَا الوُجُودِ أَنْ تَنْهَدِمَ دَعَائِمُهُ، وَأَنْ تُسْلَبْ كَرَائِمُهُ".
هذا الوجود الخلقي، الحيواني والنباتي والجمادي، الموضوع على ظهر هذه الأرض من شرقها إلى غربها، من طرفها إلى طرفها، هذا الوجود نتيجته محتومة ونهايته محسومة؛ "لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أنْ تنهدم دعائمه، وأنْ تُسلب كرائمه"؛ فلا مباني تدوم، ولا مُلك يدوم، ولا ناس يدومون، ولا حيوانات تدوم، ولا زرع يدوم، ولا حدائق وبساتين تدوم، كلها تتحول وتتغير وتَنتَقِض وتتبدل، ثم تصير النهاية..
لا إله إلا الله! فهذا الوجود الذي قدامك كل هذه نهايته، فمالذي يحزنك إن راح شيء أو سقط شيء أو راح؟! وكله هذا إلى الهدم والخراب وعادك… (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد:23]، وهو كله إلى انهدام.
قال: "وأنك -أيها الإنسان- لا يحزنك ما يفوتك من هذه الحظوظ العاجلة واللذات الفانية والخيالات الكونية، فإنها لا محالة أن تنهدم هذه البنيان المشيدة، وأن تبيد هذه المحاسن العتيدة -يعني القوية القديمة- وتتفرق الجموع العديدة، وتفنى هذه الوجوه الناعمة النضرة، وتزول هذه الروائح العطرة، وتُسلب الكرائم المحبوبة"، هي ما يَكرُم على الإنسان ويعز عليه، سواء حيوان أو نقد أو مال غيره؛ الكرائم كلها تُسلب، "فتُيتم الولدان، وتُجَدَّد الأكفان وتُغيَّر الألوان وتُرمَّل النسوان"، وهذا هو الواقع في الحياة، أو شيء قدام عينك غير هذا؟ ما شيء قدام عينك هذا؟ أو شيء ثاني غيره؟ هذا هو الواقع؛ "وتنتهب الجثمان" -أي الجسد- "طوارق الحدثان، وتتفرق الجموع، وتُذَرُّ لفراقه الدموع، وتُبيد مجموع جسمه من الشتات سحائب هموع"؛ هطَّالة-، "فكيف لا يسلى عما هو عن قريب صائر إلى الفناء والشتات؟!"
المهم:
هذا الذي يَشُق عليك فواته، وأما أي شيء هو لا بد سينهدم، وما حواليه سينهدم، وما قبله انهدم، وما بعده سينهدم، ما يحتاج تحزن عليه كله إلى الهدم؛ لكن انظر إلى الذي يفوت عليك مما يبقى ويدوم، هذا الذي ينبغي تتحسر عليه.
كان بعض أهل الخير والنور والهدى في سيئون، وعليهم بعض الديون، وأحيانًا يجدون الطعام وأحيانًا ما يجدون؛ ففكر ولده وهو في سن شبابه يقول: واجب أذهب أكتسب من أجل أسدد ديون أهلي وأُيسر لهم ما يحتاجون إليه من طعام، فاستأذن والده؛ قال: لكن يا ولدي أخاف تفوتك خيرات كثيرة، ومنها الدروس هذه، اليوم تحضر كذا كذا درس عندنا، إذا سافرت بتفوتك، قال له: لكن يا والد سأحاول أتابع هناك مع أحد من أهل العلم وأحضر دروس، لكن نتسبب من أجل... قال: ما أخشى عليك إلا تفوتك الدروس! وكرّر عليه، قال له: أنت رَخِّص لي وأنا سأحاول؛ قال: رُخْصة، سافِر.
لمَّا سافر بدأ يكتسب، وأرسل بعض المال، وصل إلى بعض العاملين في السوق من الأخيار، فحمله وجاء عند أبوه ليعطيه إياه؛ قال له: فلان؟ قال: نعم؛ قال: ولدك فلان أرسل رسالة يسلم عليك؛ قال: مسكين فاتته الدروس! كم بيحضر في اليوم؟ كم بيقدر يتدارك؟ قال له: شُفه أرسل مبلغ من الفلوس؛ قال: لكن مسكين فاتته الدروس! قال: أنا جئت بهذا الآن، قال: أنا راثي للولد أيش فاته… هذا شاف قلب كُلّه مع الله وظاهره، ولا هو داري بالفلوس، فرجّع الفلوس معه للدكان وأرسل لأهله: حاجاتكم التي تحتاجونها في اليوم وغيره كذا، تعالوا فيه فلوس من ولدكم عندنا ننفق عليكم منها؛ راح هو تولى النفقة، والأب ما التفت إلى هذا ولا أخذ شيء! سبحان الله..
فكان إذا ذُكر عند بعض شيوخنا هذه الحكاية يقول: ذولا قوم صدق عليهم قول الحداد:
من فتيةٍ ما لهم هَمٌّ ولا شغلٌ *** ولا التفاتٌ ولا ميلٌ إلى الفاني
ورثوا خواص الأنبياء، قال: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص:46-47]؛ سمعت؟..
يقول: "وإذا علمت أن هذه الملاذ المحبوبات لا بد أن تزول عنك أو تزول عنها.. فلا جرم لا تعبأ بما فاتك منها إن كنت ذا عقل سليم، ولي في ذلك:
لا بد هذا البنا المشهود ظاهره *** أنْ ينهدم منه بنيان وأركان
وكل ما كان من جمع يُسَرُّ به *** تُسلَب كرائم ما في الكون يا انسان"
إلى أن قال رضي الله عنه وعنكم:
"فإذا كان العقل سليمًا.. نظر في عواقب الأمور وبواطنها، فلم يغترَّ بظواهر زينتها؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
فَالْعَاقِلُ: مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ أَبْقَى، أَفْرَحَ مِنْهُ بِمَا هُوَ يَفْنَى؛ قَدْ أَشْرَقَ نُورُهُ، وَظَهَرَتْ تَبَاشِيرُهُ.
العاقل حقيقة: مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ أَبْقَى، وهو الجزاء الأخروي الموعود لمن صبر عن هذه الدنيا الفانية، وليس كذلك إلا الزاهدون، كما أفتى بذلك إمامنا الشافعي رضي الله عنه حيث قال: لو وُقِف على أعقل الناس.. صُرِف إلى الزُهّاد في الدنيا.
قد أشرق نوره في سويداء قلبه؛ كما ورد: "إن النور إذا دخل الصدر.. انشرح" بمعنى: اتسع، ولا يتسع إلا بالنور الوارد عليه من الله، وهو الذي أشهده بواطن الأمور وعواقبها؛ لأنه نزل منه في الباطن، قال الله: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ).
وظهرت على الظاهر تباشيره، فأشرق على ظاهر البشر أنوار التباشير، فتزكّت الأعمال والأقوال، وحسنت منه سائر الأفعال، وأشرق ظاهر الزجاجة، وانبسط عليه شعاع المصباح، فظهر على ظاهره شعار الصلاح، ولاح على وجهه شاهد الفلاح، فتظهر منه أفعال حميدة وصفات جميلة، ولي في ذلك:
العاقل الكامل الفرد الذكي إذا *** لم يؤثر الفاني الداني على الباقي
قد أشرقت في سويداء القلب نور وما *** على الظواهر من آثار إشراق
أضا بزيت في المشكاة منه فما *** في القلب يظهر في سمعٍ وأحداق"
هكذا يقول -عليه رحمة الله-: "فإذا كان العقل سليمًا.. نظر في عواقب الأمور وبواطنها"، ونهاياتها، ولكن كما قال الله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت:63]، ما يغرك أنهم يصنعون ويخترعون ويجيبون أجهزة، لكن ما عرفوا خالقهم ولا لماذا خلقهم ولا كيف يصير مآلهم الكبير! ما عندهم عقل هؤلاء، ما لهم امتداد نظر إلى العاقبة الكبرى والغاية العظمى.. أين العقل عندهم؟ أكثر الناس لا يعقلون.
ولذا سيدنا الشافعي يقول: إذا أوصى بماله لأعقل الناس ومات، وبعدين المال نعطيه من؟ من الأعقل؟ كل واحد سيرى نفسه أعقل! فجاء بالميزان الشافعي: قال: الزاهدون في الدنيا هم الأعقل، كل من كان أزهد في الدنيا أعقل؛ لأنه آثر الباقي الدائم على الفاني، هذا العاقل.
ووجدنا كلام الشافعي يشير إليه كلمات الله في القرآن: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [القصص:60]، ما في عقل عندكم؟! هذا الشافعي أدركها، قال هذا العاقل، الذي عَلِم أن متاع الحياة الدنيا وزينتها حقير فزَهِد فيه ورغب في الباقي، هذا إذا شي وصية للعاقل يعطونه هو ذا، هو ذا الأحق بالمال المُوصى به للعقّال.
قال: "فَالْعَاقِلُ: مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ أَبْقَى، أَفْرَحْ مِنْهُ بِمَا هُوَ يَفْنَى؛ قَدْ أَشْرَقَ نُورُهُ، وَظَهَرَتْ تَبَاشِيرُهُ".
يقول: صاحب القلب هذا إن ذكَر توفَّر نور ذكره وأثَّر ذكره عليه، وإن صلَّى نجحت صلاته وأثمرت وطلعت إلى فوق، والذي قلبه معلق بالغير حتى لو يصلي ويذكر ما تجي النتيجة مثل هذا.
"العاقل حقيقة: مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ أَبْقَى، وهو الجزاء الأخروي الموعود لمن صبر عن هذه الدنيا الفانية، وليس كذلك إلا الزاهدون، كما أفتى بذلك إمامنا الشافعي رضي الله عنه"
"قد أشرق نوره في سويداء قلبه؛ كما ورد: "إن النور إذا دخل الصدر.. انشرح" -وانفسح- "بمعنى: اتسع، ولا يتسع إلا بالنور الوارد عليه من الله، وهو الذي أشهده بواطن الأمور وعواقبها؛ لأنه نزل منه في الباطن، قال الله: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ)."
وظهرت على الظاهر تباشيره، فأشرق على ظاهر البشر أنوار التباشير، فتزكت الأعمال والأقوال، وحسنت منه سائر الأفعال، وأشرق ظاهر الزجاجة، وانبسط عليه شعاع المصباح"، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) [النور:35]، يُشرق نوره.
قال: "فظهر على ظاهره شعار الصلاح، ولاح على وجهه شاهد الفلاح"، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) [الفتح:29]، فتظهر منه أفعال حميدة وصفات جميلة"؛ سديدة.
"العاقل الكامل الفرد الذكي إذا *** لم يؤثر الفاني الداني على الباقي
قد أشرقت في سويداء القلب نورٌ وما *** على الظواهر من آثار إشراق
أضا بزيت في المشكاة منه فما *** في القلب يظهر في سمعٍ وأحداق"
وبالله التوفيق، يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفقنا للخير وأعنا عليه.
انقضى يوم ثاني من أيام الدورة، عسى بركة في الأيام والليالي، وتقع إن شاء الله كلها زاهية بواسع جود الرحمن؛ حتى تنختم لنا في خير الأحوال وأدنى مراتب القرب منه. آمين يا ربنا.
الله يلهمنا الصدق في السلوك، والصدق في الوجهة، و الصدق في العزم، والصدق في الإقبال عليه، ويجنبنا جميع الأماني الباطلة والمُلهية والقاطعة عن الوصول إلى الطريق حتى يحققنا بحقائق التحقيق في سلوك الطريق وفي الدخول في خير فريق، وفي الشرب من أحلى رحيق، وفي مرافقة أعلى رفيق؛ أكرمنا بذلك يا ولي التوفيق، أكرمنا بذلك يا ولي التوفيق، أكرمنا بذلك يا ولي التوفيق، وأزل عنَّا كل تعويق.
اجعل لنا في قلوبنا شوق صادق إلى قربك ومحبتك ولقاك ولقاء حبيبك و مسامرته في المراتب العلا، ولا تحرمنا هذه العطايا والمنح، وافتح علينا فيمن عليهم تفتح، واسمح لنا يا خير من سمح، وسامحنا يا أكرم من سامح، واعفُ عنا يا أكرم عفوّ، وتولنا بما توليت به محبوبيك في جميع ما نقصد ونعتقد وننوي.
وكن لنا بما كنت به للمحبوبين والعباد المقربين أهل التمكين، وفرِّج كروب المسلمين، واجعل كل فرد منا ومن الحاضرين ومن السامعين والمنتمين إلينا مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، منظورًا بعنايتك في ما بطن وفي ما ظهر، في الدنيا والبرزخ والمحشر والدار الأُخَر، يا كريم يا بر في لطف وعافية..
الفاتحة
إلى حضرة النبي، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
الفاتحة
05 ربيع الأول 1448