المكاتبات والمناجاة الإلهية - 21 | إلـٰهي؛ ترَدُّدي في الآثار يُوجِب بُعْدَ المَزار
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الأربعاء 6 ربيع الأول 1448 هجري.
"إِلَـٰهِي؛ تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ، يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ، فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ، بِخِدْمَةٍ تُؤَدِّينِي إِلَيْكَ."
"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ، بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟! أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ؟! مَتَى غِبْتَ حَتَّى نَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟!"
"إِلهِي: عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيبًا، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيبًا"
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ، يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ، فَاجْمَعْنِي عَلَيْكَ، بِخِدْمَةٍ تُؤَدِّينِي إِلَيْكَ."
"إِلَـٰهِي" بمعنى مقصودي، ومنتهى آمالي، ووجه قلبي، ومرادي في توجهي وإرادتي "تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ، يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ، فَاْجْمَعْنِي عَلَيْكَ، بِخِدْمَةٍ تُؤَدِّينِي إِلَيْكَ".
التردُّد في الآثار: هو الانتقال في الأطوار، وبقية التعلُّق بالأغيار، والطمع في جنةٍ أو خوف من نار، أو ترقب أنوار، أو مخاطبات للمقامات والأسرار، أو تردُّد بين البراري والديار، واستئناس بالأهل والجار، والركون إلى المألوفات، والاغترار بزخارف الأنعام والعقار، وغير ذلك ولو إلى الألحان ومطربات الأوتار وتغريد الأطيار، فكل ما سوى الأحد القهار.. فالركون إليه أستار وبُعْدُ مزار.
وقرب المزار: هو رفع الحجب والأستار عن الحسن الذي منه استعار كل ذي حُسنٍ حُسْنَه وبنوره كل كائنٍ استنار، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35].
وكلما نأت بالمحب عن حِبِّه الديار.. تكاثرت مظاهر الآثار، وتكاثفت الأستار، فلما أحسَّ ذلك.. سارع إلى الفرار، ومدَّ أكف السؤال والافتقار في أنْ تتداركه من هذه المهالك والأخطار، فقال بلسان الاضطرار: "فَاْجْمَعْنِي عَلَيْكَ" لكثرة تغاير الأغيار، ومدلهمَّات ظلمات الآثار، فالجمع عليه: ألَّا يجعل فيه مساغًا لإرادة مراد غيره، ولا اتساعًا لشهود سواه، فيفرُّ إليه مما سواه، حتى يفر إليه من فراره.
والخدمة المؤدية إليه هي إدامة ذكره، وإتمام فرائضه، وتكميلها بنوافل الخيرات، مع فنائه عن شهود نفسه في ذلك، وعدم اعتماده عليه؛ وذلك لما روي في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقَّربُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه…" الحديث بطوله.
وإذا كان كذلك في الخدمة دائبًا، وللمنَّة شاهدًا، وللنعمة شاكرًا، وفي البلية صابرًا، وعن المعاصي تائبًا.. فقد حصل بعون الله على الاستقامة على جادة الطريق المثلى، فالمرجو من فضل الله -كما يسَّرَ له تلك الأسباب- ألَّا يغلق دونه الباب؛ إذ هو المتفضِّل الوهَّاب، ولي في ذلك:
ترددي بين آثارٍ وأغيارِ *** موجبْ لبعدي عن الأحباب والدارِ
فيا غياثًا لملهوف ومحتارِ *** اجمع عليك بطاعات وإيثارِ"
يا أكرم الأكرمين.
الحمد لله مولانا العلي الأعلى الذي أكرم سبحانه العقلاء بأنوار يُدركون بها عظمته جلَّ وعلا، ويطالعون في صفحات الكائنات عجائب صفاته وأسمائه، إذ هي مجلى للأسماء والصفات المشيرة إلى شريف الذات المقدسة جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
- فالمُوَفَّقون لا ينقطعون ولا يُحجبون ولا يقفون بشيء أو عند شيء من هذه الآثار، وهي أنفسهم وما سواهم من جميع الكائنات والمخلوقات، العلويات والسفليات، الحسيات والمعنويات، الدنيويات والأخرويات، جميع هذه الكائنات، المُوَفَّقون الأكابر ما ينقطعون بشيء منها، ولا يُحجبون بشيء منها عن العكوف على مطالعة الجلال والجمال والكمال للرب جلَّ جلاله، والحضور معه وقصده دون ما سواه جل جلاله.
- فأما البعيدون من الكفار ومَن قاربهم من فُسَّاق المسلمين، فهم محجوبون بظُلَم الذنوب والمعاصي والمتاع الفاني من هذه الشهوات الزائلة، ويقفون عندها، ويُحجَبون بها، وينقطعون عندها، وينقطعون بها، ويعيشون فيها ولها، ويموتون عليها والعياذ بالله تعالى! فيحق عليهم: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) [المطفيين:7-17]، فما أسوأ مستقبلهم وما أخطره وما أبشعه وما أفظعه وما أخسه، والعياذ بالله تعالى.
- بقي عامة المؤمنين، يشتغلون بشيء من الترّهات والمباحات أو الجسمانيات في الدنيا، وينقطعون بها عن الرقي في حقائق الإيمان والانتقال إلى علم اليقين ومن علم اليقين إلى عين اليقين، فيكونون محجوبين بهذه الحسّيات والدنيويات.
- وخواصٌّ منهم دون الأكابر يكونون محجوبين بأخبار الآخرة وذكر الجنة والنار، ويقفون عندها، وهم بالنسبة لمن قبلهم مفكوكون من أسر كثير من القواطع، ولكنهم بالنسبة لمن فوقهم محجوبون عن المقام الرافع؛ لأنهم راحوا مع مخلوق، الآخرة مخلوقة، الجنة مخلوقة، النار مخلوقة، العرش مخلوق، الكرسي مخلوق، وأين الخالق! أين الخالق؟.. هو أحق أن تقصده وتريده وتشتغل به.
قال سيدنا عيسى لقوم مر عليهم يعبدون الله، قال: لم تعبدون الله؟ قالوا: خوفًا من ناره، قال: مخلوقًا خفتم! ومشى.. ومر على قوم يعبدون الله، قال: لم تعبدون الله؟ قالوا: رجاءً في جنته، قال: مخلوقًا رجوتم، ومشى.. فمر على قوم قال: لم تعبدون الله؟ قالوا: لأنه ربنا وخالقنا يستحق العبادة، قال: معكم أمرت أن أقيم، وأعبد معكم.
وهؤلاء لو لم يخلق النار ولا الجنة لن يعبدوه يعني؟ افرض ما في جنة ولا في نار ما تعبده؟ ما تطيعه؟! هو يستحق العبادة، أنت عبده المخلوق الذي كنت عدمًا وكوَّنك، هو أحق بالعبادة ولو لم يكن جنة ولا نار، ولكن خلقها ليُرَغِّب وليُرَهِّب، تنزُّلًا لعباده سَوقًا لهم إلى الخير -سبحانه وتعالى- حتى إذا انفتح لخواصهم أبواب المعرفة الخاصة به ما عاد يتقيدوا بخوف من نار ولا رجاء في جنة، وهم كلهم يسألونه الجنة ويسألون… لكن ما هي علة لعبادته، هو المعبود الحق الذي يستحق العبادة دائمًا.
ثم إن ما جعله لهؤلاء الخواص والأكابر ووعدهم به وما طلبوه من رضوانه ومن القرب منه ومن شهوده، جعل موطن هذا العطاء كله الجنة، وضعه لهم في الجنة، فهم يحبون الجنة ليس لأجل الجنة وما فيها من أشجار وأنهار وبساتين وثمار وحور عين ولبن وخمر وعسل؛ لأن فيها تجلي الرب عليهم بالرضوان الأكبر، وأعلى مراتب القرب منه سبحانه وتعالى؛ ولهذا يُشعر جميع أهل الجنة بهذا الأمر العالي إذا دخلوا واجتمعوا كلهم في الجنة، ناداهم الرب: يا أهل الجنة! وتكرم عليهم بنداء بلطف، نداء برأفة ورحمة، نداء بتجلي بالفضل، فما تستشعر ما يحسون به من نعيم عندما يناديهم! في تلك الساعة ينسون نعيم الحور والقصور… عندما يناديهم: يا أهل الجنة!.. لبيك ربنا وسعديك! يضج أهل الجنة كلهم؛ وبتلطفه يقول: هل رضيتم؟ ربنا كيف لا نرضى؟ ألم تبيِّض وجوهنا! ألم تعطنا كتبنا بأيماننا! ألم ترجّح موازيننا! ألم تمر بنا على الصراط! ألم تدخلنا الجنة! كيف لا نرضى؟!
يتكلم عامة أهل الجنة، يتفرج عليهم الأنبياء، ويرون ملاطفة الحق لأهل الجنة وهم صامتون في حضرة المطالعة للقدس والجلال؛ يقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ يصيح أهل الجنة: يا رب، وما أفضل من ذلك؟ فيسمِعهم ما هو أحلى وأهنى وأطيب.. -الله لا يحرم أحدًا منا سماع ذاك الخطاب من رب الأرباب- يقول لهم جل جلاله: "أُحِلُّ علَيْكُم رِضْوانِي، فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا"، ما يقدر أحد يصف ماذا ينازلهم من لذة وحلاوة وهناء، في مصافاة الرحمن لهم: "أُحِلُّ علَيْكُم رِضْوانِي، فلا أسْخَطُ علَيْكُم بَعْدَهُ أبَدًا".
في بعض المواقف ينادي عموم أهل الجنة، يقول لهم: ألا أعطيكم أفضل مما أنتم فيه؟ يقولون: يا رب ما هو أفضل مما نحن فيه؟ يقول: اسألوا علماءكم؛ فيرجعون إلى كبارهم، العلماء الذين كانوا يعرفونهم من أهل الرسوخ في الدنيا؛ فيقولون لهم: رضوانه والنظر إلى وجهه الكريم؛ فيقولون: يا رب.. فينادي من يحضرون في يوم الجمعة إلى ساحة النظر، فأول ما يكون ذلك يتجمع أهل الجنة، فيخرج إليهم الصدِّيقون، ويخرج إليهم النبيون، ويسير ركب النبيين إلى قصر الحبيب ﷺ ينادونه، فيشرف عليهم قصره، فيشاهده جميع أهل الجنة، وكأنه في أواخر مراحل التهيئة للنظر، يقولون له الأنبياء: قد تجمع أهل الجنة، يقول: قد اجتمعوا؟ يقولون: نعم؛ فيخرج من قصره ويتقدم الركب والموكب، ويمشون خلفه، مقدَّم في كل شأن ﷺ.
وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ *** إمَامٌ عَلَى الإطْلَاقِ فِي كُلِّ حَضْرَةِ
وَجِيهٌ لَدَى الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ *** وَصَدْرُ صُدُورِ العَارِفِينَ الأَئِمَّة
ويأتون وماذا يكون في تلك الساحة؟! لا إله إلا الله… اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.
فيجب ما دمنا في هذه الحياة أن لا ننقطع بالآثار والأغيار، أي: كل ما سوى الله -تبارك وتعالى- من أصناف الكائنات والموجودات والمخلوقات؛ بل إذا صدقنا معه يحولها لنا -سبحانه وتعالى- إلى مرايا يطيب لنا فيها مطالعة صفاته وأسمائه وجلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى، فتتحول كلها إلى زجاجة لا تحجب ما وراءها من أسرار الدلالة على عظمته وكبريائه وجلاله وقدسه ورأفته ورحمته وفضله وأنواع أسمائه وصفاته، فإذا بالوجود كالزجاج، وراء كل ذرة من ذرات الوجود دلالات على لطفه ورأفته وعظمته ورحمته وجلاله وكبريائه، وراء كل ذرات الوجود، فإذا بهم لا ينحجبون بها، بل تتحول مثل الزجاجة يشاهدون ما وراءها بصفاء بصائرهم واستنارة سرائرهم وقلوبهم.
يقول: ""إِلَـٰهِي" بمعنى مقصودي، ومنتهى آمالي، ووجه قلبي، ومرادي" -وقِبلتي- "في توجهي وإرادتي "تَرَدُّدِي فِي الْآثَارِ"، انحباسي وانحجابي بالوقوف معها والانقطاع بها، "يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ" أي: بُعد وصولي إليك، بُعد شهودي السامي لك، "فَاْجْمَعْنِي عَلَيْكَ، بِخِدْمَةٍ تُؤَدِّينِي إِلَيْكَ"، فما أنحجب بشيء من هذا الوجود، (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91].
قال: "التردُّد في الآثار: هو الانتقال في الأطوار، وبقية التعلُّق بالأغيار"، هذا للمبتدئين، وبعد ذلك: "والطمع في جنةٍ أو خوف من نار"، يعني: كلنا يجب أن نخاف النار وأن نرجو الجنة، لكن ما هو لكونها مقصودة في ذاتها، هي مخلوقة، هذه مخلوقة مسخّرة، وهذه مخلوقة مسلّطة؛ لذلك يقول الحبيب علي:
فِي جَنَّةٍ مَا شَاقَنِي مِنْ وَصْفِهَا *** إلَّا لِكَوْنِ الحِبِّ فِيْهَا خَيَّمَا
النبي وصف لهم الجنة وأنواع نعيمها، عدد من الصحابة ليس سيدنا ثوبان وحده، ثوبان وعدد، تفكروا لما يجدونه عند لقائهم لسيدنا رسول الله، وهو قال لهم عن الأحوال التي يكونون عليها وهم عنده: "لَوْ أنَّكُمْ إذا خرجْتُمْ من عِندي تكونُوا على مِثْلِ الحالِ التي تَكُونُونَ عليْها عِندي، لَصافَحَتْكُمُ الملائكةُ في طُرُقِ المدينةِ"، يعني: لانكشف لكم الحجاب وصارت الملائكة تصافحكم مثل بني آدم في الطرق، لو تدومون ما أنتم عليه عندي، كان الحال الذي هم عليه عنده: ذاقوا فيه من لذة القرب وآثار الرضوان ودقائق المعرفة.. ذواق؛ فلما وصف لهم الجنة وما فيها فكروا، قالوا: الجنة، الحور، والعين، والأنهار، والأشجار، والخدام والولدان... وهو يكون فين ونحن فين؟!.. هذا الذوق الذي ذقناه معه هنا نُحرم منه هناك؟ أيش نبغى بالجنة؟ أيش قصور وحور وذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان، أين الذواق الذي ذقناه معه؟..
فكروا بيقين وصدق، حتى سبق سيدنا ثوبان ما عاد يقدر يأكل، ما عاد يقدر يشرب، ما قدر ينام، أول ليلة، ثاني ليلة، ثالث ليلة.. مرت أيام، ظهر النُحُف عليه، واصفرّ لونه من السهر، فالتفت إليه ﷺ: ثوبان! ما لي أراك مصفر اللون نحيل الجسم؟! قال له: محبتك! قال: ماذا؟ قال: محبتك.. قال: ما شأن محبتي؟ قال ثوبان: يا رسول الله، إني أكون بين أهلي وولدي فأذكرك، فما أقدر، ما يقر لي قرار عند أهلي وولدي، فلا أصبر حتى أقوم وآتي وأنظر إلى وجهك! هذه حالتي معك في المحبة، وإني ذكرت الآخرة وأنها حياة الأبد، وقلت: إن أنا لم أدخل الجنة لا أراك، وإن أنا دخلت الجنة كنت في منزلة دون منزلتك، أنت تُرفع مع النبيين فوق، وأنا منزلتي -يقينًا- دون، فلا أراك! فهذا الذي كدَّر عليَّ عيشي وحال بيني وبين طعامي وشرابي ومنامي يا رسول الله!
استمع ﷺ.. نبرة صدق، طأطأ برأسه، فإذا الوحي ينزل، والرحمن يرسل جبريل، اخرج بسرعة قل لحبيبي: إنهم يلتقون به، ويجتمعون به، وتلا عليه الآية: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ) مع.. مع، الحرفان اللذان سكَّنا لوعتهم! مع.. (فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)، يقول: يترافقون ويتآكلون، هذا وأنتم في الدنيا أكرمتكم تتآكلون وتتشاربون وتتجالسون وتصلُّون معه وتدخلون وتخرجون، وفي الآخرة أحرمكم؟! (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:198]، (وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء:69-70]؛ قرت عينه! هو والجماعة الذين كانوا يفكرون هذا التفكير معه، راح يأكل، قدر يطعم، قدر يشرب، نام تلك الليلة.
لا إله إلا الله!.
هكذا حياة الإيمان، الله هو الله الذي لا يتغير، والرسول هو نفسه رسولهم هو رسولنا، ما حد غيره، تميَّزوا عنا أنهم أدركوه أيام كانوا في الحياة الدنيا، نعم؛ وهنيئًا لهم ما خصّهم الله به، ولكن الإيمان نفس الإيمان، والمصير نفس المصير، والحال نفس الحال؛ إن لم يكن رؤيته ومجالسته فأيش نبغى بالجنة؟ ما نريد؟! نأكل، نشرب، نجلس مع الحور… أين القرب؟ أين الشهود؟ أين الرضا؟ لذا قال:
فِي جَنَّةٍ مَا شَاقَنِي مِنْ وَصْفِهَا *** إلَّا لِكَوْنِ الحِبِّ فِيْهَا خَيَّما
وأعداد من الصادقين مع الله ورسوله على ممر القرون كان أشار إليهم: يقول: أتَعرِفون مَن همْ أعجب الخلق إيمان؟ قالوا: الملائكة. قال: وكيْف لا يُؤمِنون وهمْ عندَ اللهِ؟ -يشاهدون من عجائب قدرة الله ما يشاهدون- قالوا: فهمُ الأنبياءُ. قال: وكيْف لا يُؤمِنون وهمْ يَنزِلُ عليهم الوحْيُ؟ والحق يتجلى عليهم هذا التجلي.. قالوا: فنحْنُ. قال: كيْف لا تُؤمِنون وأنا بين أظهركم والوحي ينزل عليَّ! قالوا: فمَن همْ؟ قال: "همْ قَومٌ يَأْتون مِن بَعْدي، يُؤمِنون بي ولم يَرَوني"، قال: من أعجب الإيمان إيمان هؤلاء؛ لأن فيهم أقوياء في الإيمان والتقوى، ومع أنهم ما أدركوا عصره الشريف ﷺ لكن يحبونه، ثم سماهم إخوانه: "وَدِدْتُ أنِّي قد رأيتُ إخوانَنا قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألَسنا بإخوانِكَ؟ قالَ: بل أنتُمْ أصحابي، وإخوانُنا الَّذينَ لم يَأتوا بعدُ"، "إخواني الَّذين آمنوا بي ولم يرَوْني"، "يَوَدُّ أحَدُهُمْ لو رَآنِي بأَهْلِهِ ومالِهِ".
فالسباق السباق لكل صادق مع الخلَّاق، مَن صدق هو هناك وقت الاجتماع سيدنا ثوبان أو غيره، في اجتماعهم إذا رأوه سيرى، وإذا جلسوا سيجلس، وإذا أكلوا سيأكل، وإذا سمعوا سيسمع معهم، في أي قرن كان من القرون، إذا عنده حقيقة الإيمان هذه والمحبة هذه، فالذي يرِدون عليه سيرِد عليهم، (وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا). وهم درجات في لقائه ﷺ، وفي الجلوس معه.. درجات، أكابرهم وأعلى الدرجات العلا فيهم، ساعة يمسك بيده، وساعة يناوله اللقمة بيده، وساعة يناوله.. وما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر.
فيا من أرسلته إلينا بالرحمة صلِّ عليه واجمعنا به، ووفر حظنا من قربه، ووفر حظنا من حبه، ووفر حظنا من رؤية وجهه، ووفر حظنا من مكالمته، ووفر حظنا من مخاطبته، ووفر حظنا من مجالسته، ووفر حظنا من رحمته، ووفر حظنا من عطفه، ووفر حظنا من لطفه، ووفر حظنا من حنانه، ووفر حظنا من شهود جماله لنقوى على شهود جمالك، ومن شهود كماله لنرقى في مراقي شهود كمالك، يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين.
قال: "التردُّد في الآثار: هو الانتقال في الأطوار، وبقية التعلُّق بالأغيار، والطمع في جنةٍ أو خوف من نار، أو ترقب أنوار، أو مخاطبات للمقامات والأسرار، أو تردُّد بين البراري والديار، واستئناس بالأهل والجار، والركون إلى المألوفات، والاغترار بزخارف الأنعام والعقار، وغير ذلك ولو إلى الألحان ومطربات الأوتار وتغريد الأطيار، فكل ما سوى الأحد القهار.. فالركون إليه أستار وبُعْدُ مزار".
وإنما كمال السعادة في رفع الستائر.
قال: "وقرب المزار: هو رفع الحجب والأستار" عن أيش؟ "عن الحسن الذي منه استعار كل ذي حُسنٍ حُسْنَه"، فأما حسن مولانا -تعالى- فلا يقوم له شيء ولا يحيط به شيء، وإنما يتجلى تجليات فيما يُعرِّف عباده أو يذوِّقهم، إلا أن هذا الحسن كله جعل تجليه به على المتجلى عليهم متفرِّع عن تجليه على عبده وصفوته محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الذي أمه آمنة بنت وهب بن زُهرة بن حكيم، أبو القاسم، وأبو عبد الله الطيب الطاهر، وأبو إبراهيم، وأبو زينب ورقية وأم كلثوم، وأبو فاطمة الزهراء. أحمد، طه، يس، المزمل، المدثر، جمع الله فيه المحاسن والجمال والجلال والكمال، وفرَّعها منه إلى مَن قدَّر الله له، ولهذا يقول الحبيب علي:
حبيبي الزين لي منه تزين الزيّان.
يقول:
خذها معك فإنها تهديك لأقوم سبيل *** ما فضل في الكون إلا وهو من ذا الفضيل
ولا جمال انبسط إلا لهذا الجميل *** ما عين إلا ومن ذا البحر ماها يسيل
اللهم صلِّ عليه وعلى آله، اللهم صلِّ عليه وعلى آله.
قيل له: من أين جبت المعارف هذه؟ قال:
فاضت علينا من البحر العريض الطويل
شرِّفنا بقربه ورؤيته ومحبته ومرافقته يا أكرم الأكرمين.
قال: "رفع الحجب والأستار عن الحسن" -حسن الحق تعالى- "الذي منه استعار كل ذي حُسنٍ حُسْنَه وبنوره كل كائنٍ استنار، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35].
وكلما نأت بالمحب عن حِبِّه الديار.. تكاثرت مظاهر الآثار، وتكاثفت الأستار"، واشتغل بغير الله واعتمد على غير الله والتجأ لغير الله. قال: "فلما أحسَّ ذلك.. سارع إلى الفرار"، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذاريات:50]، "فلما أحسَّ ذلك.. سارع إلى الفرار، ومدَّ أكف السؤال والافتقار في أنْ تتداركه من هذه المهالك والأخطار، فقال بلسان الاضطرار: "فَاْجْمَعْنِي عَلَيْكَ"" فاجمعنا اللهم عليك، "لكثرة تغاير الأغيار، ومدلهمَّات ظلمات الآثار، فالجمع عليه: ألَّا يجعل فيه مساغًا لإرادة مرادٍ غيره، ولا اتساعًا لشهود سواه، فيفر إليه مما سواه، حتى يفر إليه من فِراره".
في الأخير يفر إليه من فراره، ما يشهد أن فراره شيء مستقل من عنده جاء؛ لا، لا، هو، هو، هو! هو قرَّب وحبَّب وطيَّب وآنَسَ ووهب وأعطى ومنح، الله، نِعم الله، ربكم الله له الحمد، أيش هذه نعمة! عبيد وربنا الله! الله ربنا!
قال سيدنا علي:
ومما زادني شرفًا وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيَّرت أحمد لي نبيّا
أكرم خالق ربنا، أكرم مخلوق نبينا، يا سلام! مَن أقبل منا كيف بيضيع بين الاثنين هؤلاء؟ من أقبل منا بصدق كيف بيضيع بين الاثنين هؤلاء؟ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ) [التوبة:62].
فالله لا يجعل لي ولا لكم مرادًا غير رضاه ورضا رسوله في بقية أعمارنا، في جميع ما نقوله، وجميع ما نفعله، وجميع ما ننويه، وجميع ما نعتقده، وجميع ما نأتيه، وجميع ما ندعه، اللهم آمين.
قال: "والخدمة المؤدية إليه"؛ إلى هذا الجمع على الله، "هي إدامة ذكره، وإتمام فرائضه، وتكميلها بنوافل الخيرات، مع فنائه عن شهود نفسه في ذلك، وعدم اعتماده عليه؛ وذلك لما روي في الحديث القدسي" -الذي رواه البخاري في صحيحه أن ربنا يقول-: "ولا يزال عبدي يتقَّربُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه…" محبة خاصة من الله هذه، إذا جاءت المحبة الخاصة أيش يحصل؟ "فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"، فأيش رجع هذا من آدمي ذا؟ ايش من مخلوق ذا؟ مخلوق الله سمعه والله بصره.. خلاص، ما حد يقدر يعرف خصائصه ولا مزاياه هذا المخلوق، لا إله إلا الله،! "فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَنْطِقُ" يقول الله تبارك وتعالى، لا إله إلا الله! ما أحسن حياته وما أحسن مماته ولقاءه بربه، ما أحسن برزخه، وما أحسن قيامته، وما أحسن مواطنه في الجنة، لا إله إلا الله!.
قال: "وإذا كان كذلك في الخدمة دائبًا"؛ يعني: دؤوبًا مستمرًّا، "وللمنَّة شاهدًا، وللنعمة شاكرًا، وفي البلية صابرًا، وعن المعاصي تائبًا.. فقد حصل بعون الله على الاستقامة"، والاستقامة أعظم كرامة.
قال: "قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ؛ قال: "قُل: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم"، وأنزل الله مصداق ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت:30-32]؛ نزل:ضيافة.
ثم ذكر صنف من خواص أهل الضيافة هذه، الذين نالوا الضيافة: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33]. أنا ديني الإسلام أنا مستسلم لواحد أحد، ما شي يحركنا من أطروحاتكم ولا يغيرنا من أفكاركم وأقاويلكم، أنا مسلم، (إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
وهؤلاء أيش أخص أوصافهم؟ قال أخلاق.. (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) هذا شيء عظيم! كيف يُحصَّل؟ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:34-35]. اللهم اجعلنا من الذين صبروا وأهل الحظ العظيم يا رب العالمين.
قال: "فقد حصل بعون الله على الاستقامة على جادة الطريق المثلى"، والاستقامة أعظم كرامة، "فالمرجو من فضل الله -كما يسَّرَ له تلك الأسباب- ألَّا يغلق دونه الباب؛ إذ هو المتفضِّل الوهَّاب"، فيوصله إليه ويُشهده جلاله وجماله وكماله، فيغيب عمّن سواه، ويصير سمير المعالي وسمير حضرات القدس والقرب، الله الله الله! آدمي يعيش على ظهر الأرض ويحفّه من الملائكة والروحانيين، فهم له أصحاب وأصدقاء وناظرين إلى أحواله، وحضوره مع الرب -سبحانه وتعالى- ووجهته إليه في حركاته وسكناته، فآدمي ما هو آدمي، أرضي ما هو أرضي، قال:
قريبٌ بعيدٌ كائنٌ غير كائنٍ ……………………..
لا إله إلا الله. الله يكرمنا بالنصيب من هذه العطايا والمزايا.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ، بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟! أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ؟! مَتَى غِبْتَ حَتَّى نَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟!"
"إِلَـٰهِي" بمعنى الظاهر الأحد المبدع لأصناف الفطر، والمظهر لسائر المعاني والصور "كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟! أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ؟! مَتَى غِبْتَ حَتَّى نَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟!" هذا تعجّبٌ ممن يظن أن الموجودات تدل عليه؛ وإنما ما دلّت عليه إلا من حيث ما أعطاها من الوجود، ولو لم يكن ذلك.. لم يكن لها في ذواتها وجود، فدلَّ ذلك على أنه ما دلَّ عليه من قِبَلِها إلا وجودُهُ فيها، لا هي من حيث هي، فهو الدليل على نفسه لا غير؛ إذ افتقارُها في إيجادها وإمدادها في قيام وجودها أدلُّ دليلٍ على انعدامها، وأبينُ برهان على ظهور موجدِها، وممدِّها في قيام وجودها، فمتى غاب؟! ولو غاب.. لم يكن للوجود بأسره وجود، وديموميته برهانُها قيامُ العالم، واستمرار وجوده.
فأرباب الشهود والعيان غنوا بما واجه قلوبهم من ظهوره، وشروق نوره، فلم يحتاجوا إلى الاستدلال عليه بما هو مفتقرٌ في وجوده إليه، وكل ما سواه كذلك موسومٌ بالافتقار إليه، ظاهر عليه سمة الاضطرار، وله الغنى المطلق.
أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟! هذا تقبيحٌ من أرباب الشهود المستدلين بالأشياء عليه، ولكن من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وليس تقبيح توبيخ، إنما هو إغراء على ما هو الأولى، وهذا يحسن في قيام مناجاة الحبيب، وتذلُّل المحب مع الحبيب، فالدلالة لا تكون إلا على غائب، وأنت حاضر على خفيات الضمائر، ولمحات النواظر، وفلتات الخواطر، سامع وناظر، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ...) الآية [يونس:61]، فكيف توصِل الآثارُ إليه والوصول لا يكون إلا إلى متحيِّز في جهة، والله منزَّهٌ عن الجهات؟!
فمتى َبعُدَ وهو القريب الداني؟ (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ) [الواقعة:85]، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، قُرْبٌ لا يماثله قرب الأجسام، من غير مماسة ولا استقرار، ولا حلول ولا امتزاج، بل على الأمر الذي وصف، والوجه الذي عُرف، فلا يوصل إليه بسواه، ولا يُستدلُّ عليه إلا به، ولي في ذلك:
كيف استدل عليه المستدل بما *** هو من بدائعه في الذر والفطرِ
وكيف يوصِلْ إليه ما به ظهرت *** أعيانه من بديع الخلق في الصورِ
تبارك الله مُظهِرْ كل كائنة *** ومنْشيَ أصناف ما في الكون من أثرِ"
سبحانه، خالق كل شيء، ومالك كل شيء، القاهر فوق كل شيء، القادر على كل شيء، لا إله إلا هو.
يقول: هذه الاستدلالات للأوائل والعامة بالكائنات على المكوِّن هي من حسنات الأبرار، ولكنها عند المُقرَّبين سيئات، تستدل بشيء أصله عدم، وهو الذي خلقه، من الذي يدل عليه؟ هو الله يدلك عليه ولا هو يدلك على الله؟ هو الذي يدلك على الله! هو عدم أصلًا ماهو شيء! واستدلالك هذا به بحكم إيجاده -سبحانه وتعالى- له وتجليه فيه، وإلا ما يمكن تستدل به عليه، فإذًا هو الذي يدلك على ذاته بذاته -جل جلاله- ما هو الكائنات فقط من هذا الوجه.
ويقول: على كل حال المبتدئون يلاحظون هذا، ولكن من ارتقى وتحقق..
سيدنا فخر الرازي مر في الطريق ومعه عدد كثير، وعجوز في الطريق كانوا يقولون لها وسِّعي، قالت: لماذا؟ قالوا لها: يمر فخر الرازي الإمام، قالت: أيش هو وصف هذا الرازي الذي تعظمونه؟ قالوا: هذا يقيم على وجود الله ألف دليل، قالت: يقيم على وجود الله؟! الله يحتاج إلى دليل هو؟! هو هو يحتاج دليل على وجوده هو أول، كيف ومتى جاء هو ؟ الله موجود قبل ما يجيء الرازي وقبل ما يجي.. قالت: الله! هل يحتاج وجود الله إلى دليل؟ وبلُّغوا الخبر عند الفخر الرازي، قالوا العجوز قالت كذا، قال: اللهم إيمانًا كإيمان العجائز، ذا الإيمان ذا القوي، قالت: عاد الله يحتاج ننتظر إلى أن يجي فخر الرازي يأتي لنا بدليل!! هو الذي خالق كل شيء وبيده ملكوت كل شيء! هو ذا الرازي متى وُجِد؟! عاده كان ما هو موجود! الموجود الحق الله جل جلاله وتعالى في علاه، لا إله إلا الله.
قال: "فأرباب الشهود والعيان غنوا بما واجه قلوبهم من ظهوره، وشروق نوره، فلم يحتاجوا إلى الاستدلال عليه بما هو مفتقرٌ في وجوده إليه"، وماذا الذي هو مفتقر في وجوده إليه؟ "وكل ما سواه كذلك موسومٌ بالافتقار إليه"، مفتقر في وجوده إلى الله -تبارك وتعالى- فهو "موسومٌ بالافتقار إليه، ظاهر عليه سمة الاضطرار"، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]، فهو أظهر من كل ظاهر جل جلاله، كما أنه أخفى من كل خفي، أبطن من كل باطن؛ لأنه لا يحيط به شيء -سبحانه وتعالى- لا إله إلا هو، (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3].
"فكيف توصِل الآثارُ إليه والوصول لا يكون إلا إلى متحيِّز في جهة، والله منزَّهٌ عن الجهات؟!
فمتى َبعُدَ وهو القريب الداني؟" هم يبعدون الخلق، وأما الحق -تعالى- "(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ)" [الواقعة:85]، قال: لما تصل الروح الحلقوم وأنتم قدامه تنظرون إليه قال الله: أنا أقرب إليه منكم، وقال عن كل إنسان: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، لا إله إلا الله! فما بَعُد، إلا أنت قاعد تبعد، هو ما بَعُد جل جلاله.
"قُرْبٌ لا يماثله قرب الأجسام، من غير مماسة ولا استقرار، ولا حلول ولا امتزاج"، تعالى الله وتنزَّه عن ذلك، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، سبحانه جل جلاله؛ "بل على الأمر الذي وصف، والوجه الذي عرف، فلا يوصل إليه بسواه" قط، "ولا يُستدلُّ عليه إلا به"، وحتى سادتنا الأنبياء -عليهم صلوات الله- هم أسباب تعرفنا ووصولنا نعم، ولكنَّ لهم خلقهم، هو اختصهم وتجلَّى عليهم وأعطاهم ذا النور، ما حد منهم بذاته هو مستقل؛ إلا منه، فهو الذي يتعرف إلينا. ولكن ما يمكن كما عَلِم من ضعفنا وعجزنا التعرف المباشر، فأرسل لنا الرسل، وأنزل الكتب وأقام الآيات البينات، قال: تأملوا من أجل أن تصلوا، وإلا لو تجلَّى هكذا مباشرة؛ (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:143]، وأيش بيتحمل الإنسان؟َ ولكن بفضله جاء بالأنبياء، جاء بالكتب، جاء بآيات الوجود يتعرف إليه عباده بها، ولكن ليس هي تعرف بذاتها إلا بسر تجلِّيه فيها وإيجاده لها وما جعل فيها من النور وبه يستدله عباده، فهو بنفسه الذي تعرف إلى عباده إلا بهذه الوسائط، لا إله إلا هو.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"إِلهِي: عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيبًا، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيبًا"
"إِلَـٰهِي" بمعنى الرقيب عليَّ "عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيبًا، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيبًا".
"عَمِيَتْ عَيْنٌ" فعمى العين القلبية هو العمى حقيقة، قال الله جلَّ ذكره: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، وعمى عين القلب أشد من عمى العين الظاهرة؛ إذ عمى العين الظاهرة ينقضي بانقضاء الدنيا، وعمى القلب في الدار الآخرة، (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَى) عن مراقبة الله، وعن النظر في آيات الله، والهجوم على محارم الله من غير حياء من الله ولا مبالاة (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ) [الاسراء:72] عن النظر إلى جمال الله، وما أعدَّ فيها لأوليائه.
ورؤيته عليها رقيبًا هو مقتضى الإيمان، والمراقبة: حالةٌ قلبيةٌ تعطي المراقب حالة يرى أن الله يراه في جميع ما يتعاطاه، فيستحيي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره، وهي لأرباب القلوب، وهي برزخٌ بين المحاسبة التي هي حالة أرباب الظواهر، وبين المشاهدة التي هي لأرباب السرائر.
قال بعض الحكماء في الدين: إن المراقبة نور ينبسط في الصدر، وهو من شعاع نور شمس الإحسان؛ كالضوء على الحيطان.
"وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ"؛ أي: بيعته، وما ربحت تجارته "لَمْ تَجْعَلْ لَهُ" في سابق علمك "مِنْ حُبِّكَ نَصِيبًا" والحب من الله لعبده هو أصل كل خيرٍ وغُنم، ومن جملته: ثناؤه عليه، ومدحه إياه الذي لا يوازى بعمل.
ومن آثاره على الظاهر: الهداية للمحابِّ، وصرفه عن المذامِّ، ومن محبته لعبده: أنه قد غفر له، وبجَّله، ومدحه، وأعدَّ له الجزاء قبل إيجاده، وهيَّأ له أرضه وسماءه، وجنته وسائر نعمه وآلائه، قبل إبرازه من خِباء العدم، بما نصَّ عليه في كتابه القديم، ووصفه العظيم، الذي لم يسبق بفعلٍ من أفعال المخلوقين المرتبة فيه، المضافة إليهم إضافة تشریف، أو عيب وتعنيف.
ومحبة العبد لله فرع محبة الله له؛ وهو ما يتقرَّب به إلى الله من أنواع الطاعات واجتناب المنهيات.
والخطاب في قوله: "مِنْ مَحَبَّتِكَ نَصِيبًا" إلى الله، قال الله: (يُحِبُّهُمْ)؛ ابتداء من غير تقدُّم عملٍ منهم يقتضي أن يحبهم لعلة، يتعالى عن العلل في سائر أفعاله، (وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54] بما أظهره عليهم من آثار محبته لهم، التي هي الطاعة؛ كما بيَّنا ذلك.
ومن لم يجعل له من هذه المحبة المخصوصة نصيبًا.. فقد بان غبنه، وخابت مطالبه، وبانت خسارته؛ بأن كره انبعاثه، فثبَّطه عن التوجُّه إليه، والإقبال بوجه القلب عليه، فنعوذ بالله من سوء القدر، وما سبق به من حرمان الظفر بالوطر، ولي في ذلك:
من لا يراك رقيبًا ظل في ظلم *** حيران أعمى عن الأنوار منحجب
وخاب عبدٌ خسِرْ في بيع صفقته *** إن لم يكن لجناب الله منتسب
محبة الله في غيب القدم سبقت *** لأهل السوابق في العليا بلا سبب
لا إله إلا الله، جل جلاله.
يقول: "إِلهِي: عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيبًا"، كل عين ما ترى رقابتك عليها واطلاعك عليها وإحاطتك بك فهي عمياء، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، عمى قلب والعياذ بالله تبارك وتعالى، "(وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَى) عن مراقبة الله، وعن النظر في آيات الله، والهجوم على محارم الله من غير حياء من الله ولا مبالاة (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ) عن النظر إلى جمال الله، وما أعدَّ فيها لأوليائه"، تعالى في علاه.
مسكين! (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72].
"ورؤيته" رؤية العين "عليها رقيبًا هو مقتضى الإيمان، والمراقبة: حالةٌ قلبيةٌ تعطي المراقب حالة يرى أن الله يراه في جميع ما يتعاطاه، فيستحيي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره"، قال وهذه المراقبة "برزخٌ بين المحاسبة التي هي حالة أرباب الظواهر" -يحاسبون أنفسهم-، "وبين المشاهدة التي هي لأرباب السرائر"، فالبرزخ بينها وسط: مراقبة، مراقبة استحضار اطلاعه عليك وإحاطته بك -جل جلاله- حتى تستحي أن يراك حيث نهاك، ويفقدك حيث أمرك.
"إن المراقبة نور ينبسط في الصدر، وهو من شعاع نور شمس الإحسان؛ كالضوء على الحيطان"؛ فنور الشمس تجده في الحائط يظهر، ولكن الشمس أين هي؟ فقط النور يظهر؛ وكذلك هذه شمس الإحسان لها ضوء يظهر في الصدر مثل ما يظهر ضوء الشمس على الجدار، لا إله إلا الله.
"وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ"؛ "أي: بيعته، وما ربحت تجارته" إذا ما له نصيب من حب الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله! قال: "والحب من الله لعبده هو أصل كل خيرٍ وغُنم، ومن جملته: ثناؤه عليه، ومدحه إياه -سبحانه وتعالى- الذي لا يوازى بعمل".
"ومن آثاره"؛ آثار محبة الله، "على الظاهر" على العبد: "الهداية للمحابِّ"، وبعده عن المكروهات والمحرمات والمذام "ومن محبته لعبده: أنه قد غفر له، وبجَّله، ومدحه، وأعدَّ له الجزاء قبل إيجاده، وهيَّأ له أرضه وسماءه" من قبل ما يخلقه، "وجنته وسائر نعمه وآلائه، قبل إبرازه من خِباء العدم".
"ومحبة العبد لله فرع محبة الله له؛ وهو ما يتقرَّب به إلى الله من أنواع الطاعات واجتناب المنهيات.
والخطاب في قوله: "مِنْ مَحَبَّتِكَ نَصِيبًا" إلى الله، قال الله: (يُحِبُّهُمْ) ابتداء من غير تقدُّم عملٍ"، ثم: "(وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54] بما أظهره عليهم من آثار محبته لهم"، فيوفقهم للطاعة.
"ومن لم يجعل له من هذه المحبة المخصوصة نصيبًا.. فقد بان غبنه، وخابت مطالبه، وبانت خسارته".
يَا اللهُ بِذَرَّهُ مِنْ مَـحَبَّةِ الله *** أَفْنَى بِهَا عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهُ
جل جلاله وتعالى في علاه.
وَلَا أَرَى مِنْ بَعْدِهَا سِوَى اللَّهُ *** الوَاحِدِ المَعْبُودْ رَبِّ الأَرْبَاب
يقول:
أَرْجُو إِلَهِي ذَا الكَرَمْ وَالإفْضَالْ *** يَفْتَحْ عَلَى قَلْبِي سَنِيَّ الأحْوَالْ
مِمَّا مَنَحْ أَوْتَادَهَا وَالأَبْدَالْ *** وَأغْوَاثَهَا وَأَفْرَادَهَا وَالأَقْطَابْ
أُولَئِكَ الأَقْوَامْ هُمْ مُرَادِي *** ……………………..
هم مراد ربي وهم مرادي أنا، ما أحب إلا مَن يُحب، ولا أوالي إلا من يوالي ربي.
أُولَئِكَ الأَقْوَامْ هُمْ مُرَادِي *** وَمَطْلَبِي مِنْ جُمْلَةِ العِبَادِ
وَحُبُّهُمْ قَدْ حَلَّ فِي فُؤَادِي *** ……………………….
يقول: علامة محبتك لله محبتك لأوليائه، وعلامة محبة الله لك محبة أوليائه لك.
وَحُبُّهُمْ قَدْ حَلَّ فِي فُؤَادِي *** أَهْلُ المَعَارِفْ وَالصَّفَا وَالآدَابْ
المُخْلِصُونَ الصَّادِقُونْ الأَبْرَارْ *** الطَّيِّبُونَ الطَّاهِرُونْ الأَخْيَارْ
العَارِفُونْ الذَّائِقُونْ الأَحْرَارْ *** الكُلُّ مِنْهُمْ مُخْبِتٌ وَأَوَّابْ
يَا اللَهْ بِذَرَّهْ مِنْ مَحَبَّةِ اللهْ *** أَفْنَى بِهَا عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَهْ
وَلَا أَرَى مِنْ بَعْدِهَا سِوَى اللَهْ *** الوَاحِدِ المَعْبُودْ رَبِّ الأَرْبَابْ
فَمَا أُرَجِّي اليَوْمْ كَشْفَ كُرْبَهْ *** إِلَّا إنْ صَفَا لِي مَشْرَبُ المَحَبَّهْ
وَنِلْتُ مِنْ رَبِّي رِضًا وَقُرْبَهْ *** يَكُونُ فِيهَا قَطْعْ كُلِّ الأَسْبَاب
عَلَى بِسَاطِ العِلْمِ والعِبَادَهْ *** وَالغَيْبُ عِنْدِي صَارَ كَالشَّهَادَهْ
هَذَا لَعَمْرِي مُنْتَهَى السَّعَادَهْ *** سُبْحَانَ رَبِّي مَنْ رَجَاهْ مَا خَابْ
*****
يَا طَالِبَ التَّحْقِيقِ قُمْ وَبَادِرْ *** وَانْهَضْ عَلَى سَاقِ الهِمَمْ وَخَاطِرْ
وَاصْبِرْ عَلَى قَمْعِ الهَوَى وَصَابِرْ *** وَاصْدُقْْ وَلَا تَبْرَحْ مُلازِمَ البَابْ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الخَيْرَ كُلُّهْ أَجْمَعْ *** ضِمْنَ اتِّبَاعَكْ لِلنَّبِيْ المُشَفَّعْ
صَلَّى عَلَيْهْ اللَهْ مَا تَشَعْشَعْ *** فَجْرٌ وَمَا سَالَتْ سُيُولْ الأَشْعَابْ
حنِّن روحه علينا، وعطِّف قلبه علينا، ووفّر حظنا منه الوفير، ووفر حظنا من شهر ذكرى ميلاده، ومدنا بواسع إمداده، ويذيقنا لذة وداده، ويجعلنا في خواص أهل إسعاده، وأن الله يثبتنا على دربه وسبيله، ويسقينا من سلسبيله، ويصلح به أحوال قلوبنا وقلوب أهالينا وأولادنا وذرياتنا وطلابنا، ويعيذنا من كل سوء أحاط به علمه في الدارين، ولا يحرمنا كريم مرافقة هذا الحبيب في أعلى مراتب التقريب، ويقسم لنا بأوفى الحظ والنصيب من جوده العجيب وعطاه الرحيب في خير ولطف وعافية، مع صلاح شأننا وأحوالنا والمسلمين، والفرج لأمته العاجل ولطفه الشامل لكل أهل لا إله إلا الله، والختم بالحسنى وهو راضٍ عنا في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
تاريخ النشر الهجري
21 ربيع الأول 1448
تاريخ النشر الميلادي
03 سبتمبر 2026
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(636)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(31)
(4)
(10)
(6)
(480)