المكاتبات والمناجاة الإلهية - 7 | إن كانت عين القلب تنظر إلى ان الله واحد في مِنَّتهِ
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم السبت 18 صفر 1448 هجري.
إن كانت عينُ القَلبِ تَنظُرُ إلى أنَّ اللهَ واحدٌ في مِنَّتِهِ.. فالشَّريعةُ تقتضي أنْ لا بُدَّ مِن شُكرِ خَلِيقتِهِ.
وإنَّ النَّاسَ في ذلك على ثلاثةِ أقسام: غافلٌ مُنهمكٌ في غفلتِه، قَوِيَتْ دائرةُ حِسِّه، وانطمستْ حَضرةُ قُدْسِه، فَنَظَرَ الإِحسانَ مِن المخلوقِين، ولم يَشْهَدْهُ مِن رب العالمِينَ؛ إمَّا اعتقاداً فَشِرْكُهُ جَلِيٌّ، وَإمَّا إسْنَاداً فَشِرْكُهُ خَفِي.
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبسندكم المتصل إلى هذين الإمامين نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، رضي الله عنكم إلى أن قال:
[وممَّا كتبه إلى بعض إخوانه]
"ثم لما أنهى الكلام على ذلك .. أخذ يتكلم في فضل الشكر، وجعل الكتابة ختمًا كغيره من المصنفين؛ لأنه به تمام مقامات الواصلين إلى مقامات المقرَّبين، لذلك قال رضي الله عنه:
"إِنْ كَانَتْ عَيْنُ الْقَلْبِ تَنْظُرُ إِلَى أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ فِي مِنَّتِهِ.. فَالشَّرِيعَةُ تَقْتَضِي أَنْ لَا بُدَّ مِنْ شُكْرِ خَلِيقَتِهِ"
فالأمر الآن انتهى إلى غاية المأمول ونهاية المحصول، فإذا عرفت حق هذه النِّعم الجسام والمنن التَّوامِّ.. فلا بد من الشكر على ذلك؛ ليستمر الدوام والزيادة من العطايا العظام.
والشكر: عملٌ من أعمال الإنسان، ولكن له شاهدان؛ شاهد القلب واللسان وسائر الأركان، وعين القلب هي البصيرة، والبصيرة مستغرقة في شهود وحدانية الحق، غائبة عن الثان، واللسان ظاهره من عالم ظاهر الإنسان.
وإذا وصلت نعمةٌ على يد إنسان.. فعين القلب لا نظر لها ولا ملائكة ولا إنس ولا جان، فتشكر الواحد المنان، فهذا حق الحقيقة من الإنسان، ألَّا يشهد معه في منَّته ثان.
ولسان الشريعة الظاهرة في مظهر العيان، يقتضي أن تشكر من جعله الله طريقًا في وصول الإحسان، سواء كانت تلك دينية أو دنياوية؛ لأن من لا يشكر القليل..لا يشكر الكثير، و "من لم يشكر الناس... لم يشكر الله".
وشكر الله: هو الثناء عليه بما هو أهله، وصرف ما أنعم الله به عليك فيما أمرك به، وشكر الناس: هو الدعاء لهم بخير على حسن صنعهم؛ كما جعلهم أهلًا لذلك وأمرَكَ، فيكون شكرك لهم امتثالًا له من جملة شكره؛ لأنه هو الآمر بذلك، مع أن عين قلبك لم يزايلها شهود انفراده في منَّته؛ فهذا مقام العارفين الموفين بحق المقامين على تمامه، والواصلين في الشكر إلى ذروة سنامه؛ وهو إيفاء الاسم الشكور حقه والتخلُّق به، كما أنك مأمور بذلك، ومطالب بما هنالك، ولي في ذلك:
إن كان بالقلب تنظرْ صرف منَّته *** والكل معدمُ لا عين ولا أثر
فالشرع يقضي بأن العبد يشكر من *** قد ساقه الله بالإسدا من البشر"
الله أكبر والحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.
الحمد لله وله الحمد والشكر على كل حال كما يليق بجوده وكرمه، لا إله إلا هو، عَلِمَ عجز أهل السماوات والأرضين من الأولين والآخرين أن يَفُوا حق شكره -سبحانه- وحقَّ حمده فحمد نفسه في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله ﷺ.
فالحمد لله الذي حمَدَ في الكتابِ نفسَه، واستفتَح بالحمدِ كتابه، وجعل الحمْدَ دليلًا على طاعته، ورضِيَ بالحمدِ شكرًا له من خلقِه.
وهو الذي خلقنا وأوجَدنا من العدم، وهو الذي أسبغَ علينا من النِّعم ما نعجز عن إحصائِه، بل عن إحصاءِ بعض بعضها، بل عن إحصاء عُشرٍ مِنْ بعض البعض مِنْ نعمِه!
- فلا نعمة الوجود نقدر شكرها ونقوم بحقِّها.
- ولا نعمة السمع، ولا عُشر نعمة السمع، ولا عُشر عُشرِ نعمة السمع نستطيع أن نَفِي بحقِّها.
- ولا نعمة البصر ولا نعمة كل خليَّة من خلايا البصر نستطيع أن نقوم بحقِّ شكرها.
ولكنَّ الله -تبارك وتعالى- رضِيَ منَّا بأن نعلَم ذلك ونعلَم عجزنا، ونشكره بألفاظِنا المحدودة، ونُجهِد أنفُسنَا في مرضاتِه واتِّباع ما أحبَّ منَّا، ورضِيَ بذلك شكرًا، وسمَّانا على ذلك شاكرين، والشكرُ له على كلِ حال؛ لا إله إلا هو.
يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-؛ أنَّ الشيخ كتب إلى بعض إخوانه بعد ما أنهى الكلام على مراتب الشهود للرحمن، والوصول إلى الملك المنَّان -جل جلاله-، وعطايا الفضل والإحسان، والفناء عن الأكوان في الله والبقاء بالأكوان بالمُكوِّن -سبحانه وتعالى-؛ قال: هنا ينتهي إلى ذكر مقام الشكر يختم به الكتاب؛ لأن الشكر هو الغاية التي ينتهي إليها المُوفَّقون من المؤمنين الصَّادقين المُخلصين المُنيبين العَارفين بالله تعالى.
- قال سيِّدهم: "أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".
- ولِقلَّتهم بين كثرة العباد قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13].
فمن عظيم مُهمَّات المجامِع هذه والدورة: أنْ نتعلَّم مبادئ في شكر هذا الرَّب، المُنعم المُتفضِّل المنَّان الجَواد الكريم المُحسن المُوالِي للمِنَن والنِّعم مِن حيث نعلم ومِن حيث لا نعلم، التي أحاطت بنا مننه مِن كل جانب، والذي جعلنا في خير الأُمم، والذي جمعنا على التَّوجه إليه -سبحانه وتعالى-، وأسدَى لنا وجهات ونيَّات في إرادة القِيام بأمره، وجعَلَ بيننا كؤوس تذاكُر فضله وإحسانه وامتنانه وأحكامه.
له الحمد، له الحمد، له الحمد، له الحمد، له الحمد، له الحمد.. كما هو أهله بما هو أهله.
ولا نستطيع أن نحمده، لا إله إلا الله.
وكان سيدنا ﷺ يقول: "لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ"، لا إله إلا هو؛ فالله يرزقنا الشكر ويرفعنا مراتب الشكر، ويجعلنا في الشاكرين. (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]. اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ شُكْرًا وَلَكَ الْمَنُّ فَضْلًا.
واشكُرِ الله واطلُب عند شُكرِه مَزِيدَه
ما انقطع فضل ربِّي يا عُمر عن عبِيدَه *** غير كلّين غارِق في عطيَّات سِيده
فاقصُده فإنُّه المقصُود والأمر بِيده *** ما خَسِر من قصَد بابه ولازَم وَصِيده
واشكُرِ الله واطلُب عند شُكرِه مَزِيدَه
الحمدُ لله رب العالمين؛ اللهم لك الحمد على جميعِ ما أنعمتَ به علينا، ما علمنا وما لم نعلم، اللهم ما أمسى بنَا من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.. يا ربنا يا ربنا يا ربنا يا ربنا.
قال: "وجعل الكتابة ختمًا كغيره من المصنفين"، في الشكر؛ "لأنه به تمام مقامات الواصلين إلى مقامات المقرَّبين"، فينتهون إلى مِحراب الشُّكر لربِّ العالمين.
"إِنْ كَانَتْ عَيْنُ الْقَلْبِ تَنْظُرُ إِلَى أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ فِي مِنَّتِهِ.. فَالشَّرِيعَةُ تَقْتَضِي أَنْ لَا بُدَّ مِنْ شُكْرِ خَلِيقَتِهِ."
الذين أوصل الخير على أيديهم!
- من والدين: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان:14].
الوالدين لا خلقوا ولا أوجدوا، هم كمانا مخلوقين، ولكن رتَّب خلقنا عليهم وأوجدَنا بِسبَبِهم، فقال اشكروهم -سبحانه وتعالى!
- ومن أسدَى إليك منَّة ونعمَة فهو من الله.
وشرَع الله لك أن تشكر هذا المُسدي وهذا المُنعم: يقول ﷺ: "مَنْ صنعَ إليكُمْ معروفًا فكافئوهُ فإنْ لمْ تَستطيعوا فادعوا لهُ حتى تَعلموا أنكُمْ قدْ كافأتُموهُ"، وكان ﷺ يقبل الهدية ويكافئ عليها، صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذا الشكر وَصْف أيضًا من أوصاف الحق، لكن إذا وصفنا به الحق فعلى ما يليق بجلاله وعظمته، وأمرٌ لا يُتخيل ولا يُتصوَّر:
- قال تعالى: (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة:158].
- وقال: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:19].
يشكرهم -سبحانه وتعالى- سبحانه شَكُور.. وهو المنعم عليهم أصلًا والخالق لهم، ومع ذلك يشكرهم، لا إله إلا الله!.
كما بيَّن لنا ﷺ بيان بعض هذه الحقيقة في قوله عن الذي عبد الله -تعالى- خمسمائة عام، مُعتزِل عند عين في جبل يعبد الله، ما انقطع عن العبادة؛ قال ﷺ: إذا كان يوم القيامة يقول الله له: ادخل الجنة برحمتي! يتعجب.. وذي العبادات كلها، وخمسمائة عام ما عصاه، ويعبد الله تعالى؛ يقول: يا رب بل بعملي! فيقول: ادخل الجنة برحمتي؛ يقول: يارب بعملي؛ فيقول للملائكة: حاسبوه على العمل؛ فيأتون إلى نعمة البصر وتأخذ عبادة أول سنة وثاني سنة وثالث سنة ورابع سنة وخامس سنة.. وعاد الخلايا ما كمَّلت حقَّها، ما كملت! بعدين؟.. كمَّلت خمسمائة سنة وعاد باقي! قالوا: يا ربِّي ما وفت عبادته بنعمة البصر؛ وفي رواية: "بعُشر نعمة البصر"؛ عاد باقي نعم كثير أين الشكر حقَّها؟ فيقول الله: خذوه إلى النار؛ يقول: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.
طلع ماشي في حسابه كله! ومع ذلك كله العبادة التي عبدها بتوفيق مَن؟ هي عطية من الله هي بغت شكر أيضًا ثاني، ولكن الله -سبحانه وتعالى- حسبها له، وقال لهم: هيا حاسبوه! هذا الذي أجريته على يديه خلُّوه له، وأنا الذي أجريته، بس خلُّوه له وحاسبوه على باقي النعم.
طلع ما عاد شي -خلاص- صِفر الرجَّال! قال: أدخلني الجنة برحمتك؛ قال الله : "فأدخِلوا عبدي الجنة برحمتي؛ ونعم العبد عبدي"! عاده يشكره، وهو قد طلع عند الحساب طلع خلاص ماشي.. ولكن يشكره، قال: "نعم العبد عبدي"! لا إله إلا هو سبحانه من بَرٍّ شكور.
فهكذا يشكر العِباد وهم ما يستحقون عليه الشكر، وهو الذي يستحقّ الشكر، كيف ما نشكره؟ هو الذي يستحقّ، كيف ما نشكره؟.. لا إله إلا هو.
يقول: "فالأمر الآن انتهى إلى غاية المأمول ونهاية المحصول، فإذا عرفت حق هذه النِّعم الجسام والمنن التَّوامِّ"؛ -جمع تامة تامة تامة.. توامّ-.. "فلا بد من الشكر على ذلك؛ ليستمر الدوام والزيادة من العطايا العظام"، (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]، رب وفِّقنا للشكر وهب لنا المزيد.
قال: "والشكر: عملٌ من أعمال الإنسان، ولكن له شاهدان؛ شاهد القلب واللسان وسائر الأركان".
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّى ثلاثةً *** يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا
يعني إذا عرفت مِنَّة المنَّان عليك فشكره:
- باللسان؛ بالثناء عليه -سبحانه وتعالى- والحمد له.
- وباليد -يعني جميع الأعضاء- صرْفها فيما خُلقت لأجله وفي طاعته.
- والضمير المُحَجَّب: شهود منَّته ونعمته وأنك لا تستطيع إحصاءها فضلًا عن شكرها، جلَّ جلاله.
………………….. *** يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا
"والشكر: عملٌ من أعمال الإنسان، ولكن له شاهدان؛ شاهد القلب واللسان وسائر الأركان، وعين القلب هي البصيرة، والبصيرة مستغرِقة في شهود وحدانية الحق، غائبة عن الثان، واللسان ظاهره من عالم ظاهر الإنسان".
"وإذا وصلت نعمةٌ على يد إنسان"، فقد قال المنعم المنَّان -جلَّ جلاله-: عبدي لم تشكرني إذا لَم تشكر من أجريتُ لك النعمة على يده، إذا ما شكرتهم وجازيتهم فلم تشكرني؛ يعني أنت تشكر هذا بأمري أنا أجريت النعمة عليك.
وإذا كان الأمر كذلك:
- فحقُّ الوالدين يَعظُم.
- وأعظمنا أيضًا حقّ المُعلمين والمُزكِّين للنُّفوس؛ لأنَّهم أسدوا إلينا كرم كبير.
- لكن حقّ محمد ﷺ؛ أعظم الحقوق بعد حقّ الله تعالى.
ما حد في الوجود والخلق أعظم حقّ علينا من محمد ﷺ؛ لأن الله أسدَى على يده إلينا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ونعمة القرآن، ونعمة... كله أسداه على يده ﷺ، وجعلنا به خير أُمَّة؛ فهو أحق من نشكره في الخلائق كلهم ﷺ وجزاه الله عنَّا خير الجزاء.
جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ خيرًا، جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ ما هو أهله.
جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ خيرًا، جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ ما هو أهله.
جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ خيرًا، جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ ما هو أهله.
جزى الله عنَّا نبينا محمد ﷺ أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. آمين يا الله.
قال: "وإذا وصلت نعمةٌ على يد إنسان.. فعين القلب لا نظر لها ولا ملائكة ولا إنس ولا جان، فتشكر الواحد المنان، فهذا حق الحقيقة من الإنسان، ألَّا يشهد معه في مِنَّته ثان.
ولسان الشريعة الظاهرة في مظهر العيان، يقتضي أن تشكر من جعله الله طريقًا في وصول الإحسان، سواء كانت تلك دينية أو دنياوية؛ لأن من لا يشكر القليل..لا يشكر الكثير، و "من لم يشكر الناس.. لم يشكر الله".
كما جاء عند الترمذي عنه ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري يقول: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ"؛ لأن الله الذي يُجري الخير على أيديهم.
قال الله -تعالى- لنبيه: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ):
- (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) معروف هو المنعم.
- يقول للنبي: (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) أنت أنعمت عليه؛ أنعمت عليه بالعتق والهداية والإرشاد والتربية والتعليم والتزكية ﷺ.
فنسبَ النعمة إليه وإلى رسوله: (إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) [الأحزاب:37].
قال:
- "وشكر الله:
- هو الثناء عليه بما هو أهله"، لك الحمد شكرا ولك المنُّ فضلا.
- "وصرف ما أنعم الله به عليك فيما أمرك به".
الثناء باللسان وصرف النعم فيما أحبّ سبحانه وتعالى، والتي خلقها لأجله.
- "وشكر الناس: هو الدعاء لهم بخير على حسن صنعهم؛ كما جعلهم أهلًا لذلك وأمرَكَ، فيكون شكرك لهم امتثالًا له من جملة شكره"، لأن امتثال أمره من شكره، فيكون شكرك للناس من جُملة شكر الرحمن -جلَّ جلاله-، فإذا أنت أهملت أمره في شكرهم، فلم تشكره إذًا، فاتك هذا الوجه من شكره -سبحانه وتعالى- وهو إمتثال أمره في شكرك للناس، فتكون بذلك شكرته بامتثال أمره.
قال: "لأنه هو الآمر بذلك، مع أن عين قلبك لم يزايلها شهود انفراده في منَّته؛ فهذا مقام العارفين الموفين بحق المقاميْن على تمامه، والواصلين في الشكر إلى ذروة سنامه؛ وهو إيفاء الاسم الشكور حقه والتخلُّق به -سبحانه-، كما أنك مأمور بذلك، ومطالب بما هنالك".
يا ربَّنا ارزقنا شكرك؛ اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
- كل واحد منَّا مخلوق.. الله خالقه.
- ومرزوق.. الله رازقه.
- وذُو سمع وذُو بصر وذو أفئدة.. الله مُعطيها.
- وجعلنا في خير أمة..
- وجعل السبب الأقوى في ذلك عبده محمد ﷺ.
- ثمَّ السبب في الخلق والوجود في الظاهر الأبوين.
- ثمَّ السبب في حضورنا هذا أيضًا من ذكَّرنا، ومن رغَّبنا، ومن علَّمنا ومن ساعد في وصولنا.
فكلهم مُحتاجون شكر من أجله -تعالى- هو المُوفق والمُنعم علينا وعليهم أجمعين، ولكن نحن نشكرهم بأمره ومن أجله، فنكون بذلك شاكرين له.
اللهم لك الحمد شكرًا؛ واجزِ عنَّا كل من ساعدنا على الخير، وساعدنا على الحضور في هذه المحاضر، اجزِهم خير الجزاء، وبارك لهم فيما أعطيتهم، وزدهم من عندك ثوابًا وقُربًا يا أرحم الراحمين.
إلى أن قال رضي الله عنه وعنكم:
"والناس فيما يأتيهم من النعم على أقسام ثلاثة؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:
"وَإِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: غَافِلٌ مُنْهَمِكٌ فِي غَفْلَتِهِ، قَوِيَتْ دَائِرَةُ حِسه، وَانْطَمَسَتْ حَضْرَةُ قُدْسِهِ، فَنَظَرَ الْإِحْسَانَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَمْ يَشْهَدْهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ إِمَّا اعْتِقَاداً.. فَشِرْكُهُ جَلِيٌّ، وَإِمَّا إِسْنَاداً.. فَشِرْكُهُ خَفِيٌّ."
هذا تقسيمٌ في مقام الناس في شهود النعمة الواردة، وهم أحد طرفين قاصيين، ولكن أحد الطرفين محمود؛ لأنه قاصرٌ عن رتبة الكمال، وأحد الطرفين مذمومٌ في غاية البعد والضلال؛ وهم المذكورون هٰهنا حيث قال: "إما غافل" والغفلة أقبح مقامات الإنسان، وأحط مراتب الثقلين؛ لأن الله جعل رتبة الغافلين أحط من الأنعام السوامِّ.
وأعظم أحوال الغفلة: الانهماك؛ وهو التوغل في دركات البعد من غير مبالاة، والغفلة قوتها بحسب قوة دائرة الحس؛ لذلك قال: "قَوِيَتْ دَائِرَةُ" لأنها كلما استقوت دائرة الحس.. قويت الدواعي الشهوانية، وتعشَّقت إلى الطبائع الحيوانية، فتمكَّنت شجرة الزقوم، وكنف ظلها اليحموم، وكلما كانت أقوى وأرسخ.. كانت حضرة قدسه إلى الانطماس والغيبة أقرب.
وعلامة ذلك: ظهور الطمع في المخلوقين، والذلة للعبيد المسترزقين؛ لأن انطماس حضرة القدس وقوة دائرة الحس يقتضي رؤية الأغيار، وظهور الآثار، والحَجْب عن شهود القاهر الجبار.
وثمرة الحجاب: هو الشرك؛ إما أن يشهد ما يصل إليه على أيدي الخلق اعتقادًا.. فهذا كفر؛ كما شهد بذلك الحديث: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، ومنهم كافر بي مؤمن بالكوكب؛ فأما مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته... فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما مَن قال: "مُطرنا بنَوء كذا.. فذاك کافر بي مؤمن بالكوكب …" الحديث بطوله.
وإما إسنادًا.. فهو شرك خفي؛ كما عليه طائفة الفلاسفة -قبَّح الله رأيهم- وهذا جارٍ في سائر العادات والمعتادات؛ حتى في المطعومات والمشروبات والملبوسات وسائر المحسوسات، فمن أضاف شيئًا إلى شيء دون الله، أو بشيء غير الله، أو في شيء.. فقد سلك أوعر الطرقات، وارتكب عظيمةً من القبائح المفظعات.
بل الأمر عند ذوي البصائر الصحيحة عن غشاوة الضلال: أن القِران في الأمور هو المحكوم به، المعروف في العبارة بالعند؛ أن الله يخلق هذا عند هذا بجاري عادته، وعلى مقتضى إرادته؛ فمن شهد نعمة الله من غيره.. فلا شك أنه كفر نعمته، فاستوجب وبيل نقمته، فصرف ما كان لله من العبودية للمخلوقين، ونسي رب العالمين وإله الأولين والآخرين، فنعوذ بالله من طمس البصيرة، وعمى السريرة، ولي في ذلك:
فالغافلون هم الجهّال إذ جعلوا *** لله ندًّا معاذ الله حاشاه
من يشهد الخَلق دون الله حاصله *** شركٌ فظيعٌ فنار الله مأواه"
قال: "والناس فيما يأتيهم من النعم على أقسام ثلاثة؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:
وَإِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: غَافِلٌ مُنْهَمِكٌ فِي غَفْلَتِهِ، قَوِيَتْ دَائِرَةُ حِسه، وَانْطَمَسَتْ حَضْرَةُ قُدْسِهِ"
- فهو مع الحس لا صلة له بالمعنى.
- وهو مع الظاهر مقطوعٌ عن الباطن.
- وهو مع المُلك منحجِبٌ عن الملكوت.
فهو مع الحس دون المعنى.
"انْطَمَسَتْ حَضْرَةُ قُدْسِهِ، فَنَظَرَ الْإِحْسَانَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَمْ يَشْهَدْهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، ماشي إلّا ذا يعطي وذا يمنع، وذا يخفض وذا يرفع، وذا قرَّبنا وذا بعَّدنا، وذا قال لي، وذا سبَّب لي.. والله أين هو؟ غايب عن حسّه، لا إله إلا الله!
وما يقدر ذا يضربك إلا بأمره، ولا يكرمك إلا بأمره، ولا يعطيك إلا بأمره، ولا يمنعك إلا بأمره، ولا يقرّبك إلا بأمره، ولا يبعّدك إلا بأمره، ما لك نسيته؟ يا أبلَه يا بلِيد! فصار حالك حال من ينظر إلى سِنّة القلم وهو يكتب، ويقول: هذه السِّنّة، -سِنّة حق القلم- هذه تُحرِّر لنا الكتب وتُرسل لنا الرَّسائل وتُصدر لنا الأوامر وتخرج بسببها الجوائز.. أيش هو؟
سِنّة! سِنّة القلم..... يا أبله! لا سِنّة القلم ولا القلم ولا يد الكاتب بالقلم! وإن كان الكاتب هو صاحب الأمر والمُلك، فما يجري على باله وخاطره ويُحرِّك فيه يده وتُمسك القلم وتحركه، هو الذي أمر في عالم الحس، والخاطر الذي يخطر عليه كله من فوق، ما يقدر هو يُورد على نفسه الخواطر ذي أو تلك، ما يقدر يرحم إلا إن أَذِن، ولا يقدر يغضب إلا إن أَذِن، ولا يقدر يأمر بشيء إلا إن أَذِن له اللي فوق.. مُقلِّب القلوب -جلَّ جلاله سبحانه-؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: 24].
ولكن ذا ما يعرف إلا سِنّة القلم! لا حول ولا قوة إلا بالله، وراء السِّنّة قلم كامل، وراء القلم هذا مِداد، وراء المداد والقلم والسِّنّة في أصابع تمسك، وراء الأصابع كفّ يحرِّكها، وراء الكف يد ساعد يمتد إليه، وفوقه العضد يحركه، وفوقه أمر من الدماغ والعقل؛ إنسان كامل يأمر دماغه وعقله يحركه، ووراء ذلك كله مقلب القلوب، لا إله إلا هو! سبحانه عزّ وجلّ.
يقول لك لكن هذا الإنسان قاعد هو هو ذا، محله هنا، مايعرف حتى اليد ما يعرفها فضلًا عن الإنسان، فضلًا عن العقل والقلب، فضلًا عن مقلب القلوب.
قال: هذا في دائرة الحس، "فَنَظَرَ الْإِحْسَانَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَمْ يَشْهَدْهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛
- إِمَّا اعْتِقَاداً.. فَشِرْكُهُ جَلِيٌّ" هذا مشرك بالله -والعياذ بالله تعالى- يرى أن المنعم غيره، والمعطي غيره، والمانع غيره، والضار غيره، وماهو إلا هو.
- "وَإِمَّا إِسْنَاداً.. فَشِرْكُهُ خَفِيٌّ"، كما يقول هكذا بعض الفلاسفة: أنه يخلق أفعال نفسه بقدرة أعطاه الله إياها.
قال: "هذا تقسيمٌ في مقام الناس" -هذا الأول مخذول- "في شهود النعمة الواردة، وهم أحد طرفين قاصيين"؛ يعني: متباعدين عن بعضهم البعض، "ولكن أحد الطرفين محمود؛ لأنه قاصرٌ عن رتبة الكمال" -الثاني الذي سيأتي- "وأحد الطرفين"، وهو هذا الذي ذكره، "مذمومٌ في غاية البعد والضلال"، والثالث أهل الكمال فصاروا ثلاثة أقسام.
- فالأول محمود وهو قاصر، ما بلغ رتبة الكمال، هذا الذي سيأتي -المذكور ثانيًا هنا-.
- وهذا الذي ذكره "مذمومٌ في غاية البعد والضلال".
"وهم المذكورون هٰهنا حيث قال: "إما غافل" والغفلة أقبح مقامات الإنسان، وأحط مراتب الثقلين"، لا إله إلا الله؛ (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف:136] يقول الله؛ "لأن الله جعل رتبة الغافلين أحط من الأنعام السوامِّ". (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف:179].
أضل من الأنعام! الأنعام فيها الذي يُدرك من أُجريَتْ النعمة على يده ويحب الذي يقدم له الطعام، ولكنها ما تغفل عن ربها وتسبح بحمد ربها: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44]، وتعلم أن الله سخرها له هذا؛ وهي حيوان! وهذا إنسان، بغى نفسه إنسان ونسي الله، الحيوان خير منه! الحيوان خير منه!..
وهكذا كان في لعب الأطفال عندنا يلعبون ويقولون: -يجيبون اسم- فلان اللي ما يصلِّي الدجاجة خير منه! اللي ما يصلي، يقولون: الدجاجة أحسن منه؛ لأن الذي يترك الصلاة ذا أهمل أمر الله ونسيه، وذي مسبَّحة بحمد ربها الدجاجة وما تركت شيء من أوامر الله، وهذا مكلَّف وعاقل؛ فقالوا: اللي ما يصلي الدجاجة خير منه؛ كان الأطفال يلعبون بهذا في صغرهم! حتى يعرفون أن الشَّرف في امتثال أمر الله -تعالى-، وأن الذي يخرج عن أمر الله فالحيوانات أحسن منه.
قال: "وأعظم أحوال الغفلة: الانهماك؛ وهو التوغل في دركات البعد من غير مبالاة، والغفلة قوتها بحسب قوة دائرة الحس؛ لذلك قال: "قَوِيَتْ دَائِرَةُ حِسه" لأنها كلما استقوت دائرة الحس.. قويت الدواعي الشهوانية، وتعشَّقت إلى الطبائع الحيوانية، فتمكَّنت شجرة الزقوم، وكنف ظلها اليحموم، وكلما كانت أقوى وأرسخ.. كانت حضرة قدسه إلى الانطماس والغيبة أقرب".
تغيب عنه فطرته السليمة وإنسانيته الكريمة، تغيب عنه كلها، ويصير أخس من الحيوان.
"وعلامة ذلك:
- ظهور الطمع في المخلوقين
- والذلة للعبيد المسترزقين
لأن انطماس حضرة القدس وقوة دائرة الحس يقتضي رؤية الأغيار، وظهور الآثار، والحجب عن شهود القاهر الجبار".
(إِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ)، وما بقي مع الخلق إلا مجرد اكتساب:
- (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، جودًا وفضلًا وخلقًا وإيجادًا.
- (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) [النساء:78-79] كسبًا ومعاقبةً وتسبُّبًا
وإلَّا الكل خلقه من الله تعالى.
قال: "وثمرة الحجاب: هو الشرك؛ إما أن يشهد ما يصل إليه على أيدي الخلق اعتقادًا" -أنَّه منهم دون الله- "..فهذا كفر"، -والعياذ بالله تعالى- (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].
"كما شهد بذلك الحديث:" -يوم مطر جاء- "أتدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: ماذا قال يارسول الله؟ "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، ومنهم كافر بي مؤمن بالكوكب".
وذلك أنهم قُرب عهد من الجاهلية، كان فيهم من يعتقد أن النجم الفلاني -الذي وقع فيه المطر- هو الذي يُمطِر، هو الذي يستقلّ بإنزال الأمطار! ولا النجوم ولا غير النجوم، إلَّا مجرد ظروف وأوقات، والمُنزل المطر هو -جلَّ جلاله-، هو خالق هذه النجوم؛ نعم، قد يجعل موسم كذا، ومع ذلك على مرور الزمان يُقلِّبها، ولا يكون يوم معين وشهر معين في كل سنة لا بد ينزل المطر، ماشي؛ إلا ساعة ينزل، وساعة يزيد، وساعة ينقص، وساعة ماشي السنة ذي، وساعة يستمر مدة سنوات وبعدين ينقطع ويتأخر؛ لأن الفعّال لا هي النجوم ولا الأوقات ولا الجو، ولكن خالق الكل هو الفعَّال، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
وهكذا لما بدأت في السنوات هذه الأخيرة تتغير بقدرة الله وتسييره لهذه الكائنات والحوادث، صارت مواعيد الزراعة في أكثر دول أوروبا وغيرها تخربطت، ما كان موسم يعتادون فيه الزراعة ما زُرع فيه ذي السنة، وتأخَّر في الذي بعده، ومحلات كان ما يعرفون الحر جاء الحر هذه السنة، في بعض أراضي فرنسا فوق الألف الذين ماتوا من الحر، أو ألفين السنة هذه!
قل: ليش كان ما يجي حر وبعدين جاء حر؟ لأنه ما هي البلدان التي تُوجد الحر ولا الأجواء، ربَّها فوقها يبدِّلها ويحوِّلها. والنبي ﷺ يقول عن هذه سُنَّة الله في كونه: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا"؛ تعود قال، الكلام يدركه كثير من الخبراء في الجيولوجيا: أنه كانت جزيرة العرب قبل قرون، قرون كثيرة قبله ﷺ، أنهارًا ومروجًا خضراء، ثم تحوَّلت، وأنها الآن عائدة، ولهذا قال: "حتى تعود"، حتى تعود جزيرة العرب أنهارًا ومروجًا خضراء.
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم: 3-4] ﷺ. أصدق كلام في ألسن الخلق من أولهم إلى آخرهم كلام محمد ﷺ، قال لصاحبه لمَّا قال له: إني كنت أكتب حديثك يا رسول الله ثُمَّ ذكرت أنك بشر ترضى وتغضب، فقال له ﷺ: "اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ" وأشار إلى لسانه، "مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا الحَقّ"، اللهم صلِّ عليه.
قال: فلمَّا كانوا يعتقدون أن المطر تؤثر فيه النجوم، يقولون هذا النجم جاء لنا بالمطر، مُعتقد يعني أنه مستقل، أما اعتقاد أن الله أنزله فيه وفي وقته، ايش فيه من إشكال هذا؟ ما فيه إشكال!.. الإشكال: أن يعتقد أن النجم مؤثر هو الذي أبرزه، ولهذا قوله في الحديث: "مُطرنا بنَوء كذا" -أي بنجم كذا-.. "فذاك کافر بي مؤمن بالكوكب"؛ يعني: نَسبَ إنزال المطر إلى الكوكب مستقلًا من دون أمر الله -تبارك وتعالى-، نعوذ بالله.
- "فأما مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته... فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب": أي كافر بأن الكواكب تُؤثر مستقلةً، وما هي إلا علامات وأَجرام مخلوقات مُسيَّرات من قِبل الحق.
- "وأما مَن قال: "مُطرنا بنَوء كذا.. فذاك کافر بي مؤمن بالكوكب…" الحديث بطوله"؛ هذا الحديث في الصحيحين وغيرها.
ولكن علمنا أن مُراد ﷺ: "مَن قال: "مُطرنا بنَوء كذا"؛ أي بإذن ذلك النوء وترتيب ذلك النوءِ مُستقلًا، هذا -والعياذُ بالله- عقيدة الجاهلية، عقيدة الكفر.
وأما إذا واحد قال مُطرنا في شهر كذا، أو في نجم كذا، أو في تاريخ كذا، في شيء؟! ما فيه شيء.. المطر من الله -تعالى-، وله النجوم، وقد يجعل سبحانه بعض النجوم والأوقات زاخرة بالأمطار.
ولكن جعل عندنا في الشام أكثر الأحوال الأمطار في الشتاء، وقت شدَّة الشتاء، حتى يقولون على المطر إذا أمطرت السماء: تشتِّي؛ تشتَّي؛ يعني: تمطر، وعندنا في اليمن نادرة الأمطار في الشتاء، نادرة ماشي أمطار، في الصيف تجيْ، حد يقول الصيف يؤثر ولا الشتاء يؤثر! رب الشتاء والصيف هو الذي ينزلها هنا وقت كذا، وهنا وقت كذا، ثم يؤخرها ويقدمها كما يشاء؛ سبحانه عزّ وجلّ!
في بعض السنوات الأخيرة أيضًا جاء في الشام مطر في الصيف يتعجبون؛ وقبل سنوات جاءوا ناس عندنا من الشام في وقت الصيف، وتعجبوا: مطر في الصيف! استغربوا.. وصوروا وأرسلوا لأصحابهم هناك يقول: تشتِّي تشتِّي في الصيف!..
هذا معتاد عندنا في اليمن، وليس معتاد عندهم، لكن لا صيف ولا شتاء، إلا رب الشتاء والصيف هو الذي يرتِّب ويقرّر، وعادها ألَّا أحوال بتتقلب وبعدين بيجي كذا وبيجي كذا...
سبحان الخلّاق! الكائنات كلها في مُلكه: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:93-95]. لا إله إلا الله.
وبعدين يقول للشمس انكسفي وللقمر انخسف، وينخسف.. (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ)، يقوم الحساب.. (يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ) [القيامة:9-15]، البلاغ قدامه والبيان أمامه، والرسالة وصلت والنبي جاء وبلغ، والله أنزل كتبه، ما عاد شي عذر لأحد. لا إله إلا الله!
يقول: "وإما إسنادًا.. فهو شرك خفي؛ كما عليه طائفة الفلاسفة -قبَّح الله رأيهم- وهذا جارٍ في سائر العادات والمعتادات؛ حتى في المطعومات والمشروبات والملبوسات وسائر المحسوسات، فمن أضاف شيئًا إلى شيء دون الله، أو بشيء غير الله، أو في شيء.. فقد سلك أوعر الطرقات، وارتكب عظيمةٌ من القبائح المفظعات".
ولهذا يقول أهل السنة: ما يروي الماء بنفسه، ولكن الله يخلق الرِّي عند تناوله، وإذا ما شاء تَروى ما تَروى، ولو شربت مياه الدنيا تبقى عطشان، إلا أنْ هو يخلق الرِّي، وجعله منوط بالماء -سبحانه وتعالى- هو الذي جعل ذلك.
لذا قال واحد في يوم معركة سيدنا الحسين، يتحدَّاه يقول: الماء عندنا، وما نعطيكم ماء حتى تموتوا عطشًا! قال سيدنا الحسين: اللهم أَمِتْه عطشاً! الرجل عطش، قال: ماء! يسقونه ماء يزيد عطش، الماء يخرج من فمه وهو عطشان؛ ولا فاده الماء بشيء ومات؛ مات من العطش والماء قدَّامه يسقيه، ولا أرواه الله؛ لأن الماء ما يروي إلا بإذن الله -تعالى-، ولا السكين يقطع إلا بأمر الله. ولا النار تحرق إلا بأمر الله؛ وما الشيء الذي منعها تحرق إبراهيم؟
لو كان للنار إرادة من نفسها، كانت تحرق سيدنا إبراهيم، أبدًا! ولا حرقت ثيابه ولا حرقت نعليه، قميصه خرج بعد أسبوع أو أربعين يوم في النار، خرج أبيض القميص وما فيه شيء؛ ولا رماد ولا حريق ولا اسوداد ولا شيء! وكان بعضهم يتشوَّف من بعيد ويقولون: يقولون إبراهيم حي! إنه يمشي، إنه يسجد، إنه يركع! يتعجبون فيه؛ إلى أن انتهت النار خرج.
لما سُئل آخر أيامه قال: ما أحسن أيام مرت بك في الدنيا؟
قال: أيام كنت في نار النمرود؛ منقطع عن هذا العالم، وجبريل يأتي له بالرزق، وهو وسط النار، ويأكل ويصلي ويعبده ولا عليه مسؤولية من الخلق كلهم، وهو في وسط ناره: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69]، ما شي نار تحرق بنفسها إلا إن شاء -جلَّ جلاله-.
ثابت البناني صاحب سيدنا أنس بن مالك جاء إلى عنده، حصَّل معه منديل ومعه جارية توقد النار، فرماه، وقال: يا جارية نظفي المنديل! -المنديل مِن خرقة- قال: حملته ورمته في النار؛ يقول: النار بتحرقه؛ قال: أكلت النار ما فيه من أوساخ، ثم أخرجته بعود نظيف؛ وهذا يتعجب! قال له: عجِبت؟ قال: نعم؛ قال: هذا المنديل كان لرسول الله ﷺ، يمسح به وجهه، وإنَّ النار لا تمسّ شيئًا مسَّ وجوه الأنبياء؛ قال: وإني كلَّما أردت أن أُنظِّفه أعطيه الجارية وتفعل هكذا، وما هي أول مرة، كل مرة أنا أردته يتنظف، الشيء الذي علق فيه من أجسادنا ومن وسخنا هذا الذي تأكله النار، أمَّا هو المنديل الذي مسح به ﷺ ما تمسّه النار. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
لا النار بنفسها تحرق، ولا الماء بنفسه يروي، ولا الطعام بنفسه يُشبع، ولا السكين بنفسه يقطع.
سيدنا الخليل لما أسلما وتلّه للجبين.. اقطع، ما قطع! سكِّين حاد ما أثَّر فيه، ما قام سيدنا إسماعيل في رقبته أثر، ولا خرج دم ولا قَطْع ولا أي شيء! تعجَّب سيدنا إبراهيم: ما له ما يقطع؟! مسكه سيدنا جبريل وقال: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)، خذ هذا كبش من الجنة فداء لإسماعيل؛ خلاص انتهت المسألة. الله أكبر!
(وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) [الصافات:104-106]؛ اختبار قوي، لكن على قدر عظمة الخليل عند الله؛ اختبار قوي.. تذبح ولدك هذا اللي فرحت به يوم وُلد، جاك في آخر عمرك، تقوم تذبحه؟! (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102]، عليهم سلام الله وصلواته.
يقول -عليه رضوان الله تعالى-: "فمن أضاف شيئًا إلى شيء دون الله، أو بشيء غير الله، أو في شيء.. فقد سلك أوعر الطرقات، وارتكب عظيمةٌ من القبائح المفظعات.
بل الأمر عند ذوي البصائر الصحيحة عن غشاوة الضلال: أن القِران في الأمور هو المحكوم به، المعروف في العبارة بالعند؛ أن الله يخلق هذا عند هذا"؛ -يقرن هذا بهذا "القِران"- "بجاري عادته، وعلى مقتضى إرادته؛ فمن شهد نعمة الله من غيره.. فلا شك أنه كفر نعمته، فاستوجب وبيل نقمته، فصرف ما كان لله من العبودية للمخلوقين، ونسي رب العالمين".
ياربِّ ما بِنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لاشريك لك؛ فلك الحمد ولك الشكر.
"ونسي رب العالمين وإله الأولين والآخرين، فنعوذ بالله من طمس البصيرة، وعمى السريرة، ولي في ذلك:
فالغافلون هم الجُهّال إذ جعلوا *** لله ندًا معاذ الله حاشاه
من يشهد الخلق دون الله حاصله *** شركٌ فظيعٌ فنار الله مأواه"
اللهم أجرنا من النار.
ارضى عن الآل والأصحاب رضاك الأكبر، وأعد علينا عوائد قربهم، وعوائد شربهم، وعوائد صدقهم، وعوائد قبولك لهم، وعوائد إفضالك عليهم، وعوائد مَنْحَكَ إياهم مِنَحَكَ الكبيرة ومِنَنَكَ الوفيرة، وسر بنا في خير سيرة، اجعلنا من عابديك على بصيرة، والداعين إليك على بصيرة منيرة، وارحمنا وجميع الوافدين وجميع الحاضرين وجميع السامعين رحمة وسيعة، ترفعنا بها مراتب قربك الرفيعة، وتجعلنا ممن ينظر إلى الطلعة البديعة. واجعلنا من الحضرة حاضرين، وإلى الوجه الأزهر ناظرين، وبعين عنايته منظورين، وقبول الشأن وفي كل حال وفي كل حين، واجعلنا لك وله ناصرين بأرواحنا وأنفسنا وعقولنا وقلوبنا وأموالنا وجميع ما آتيتنا، واجعل قوانا كلها مصروفة في رضاك وفي نصرتك ونصرة مصطفاك على أحب الوجوه إليك وأرضاها لك، وأحمدها عندك، وأنفعها لعبادك برحمتك يا أرحم الراحمين.
امنن بصلاح أحوال أمته وكشف الغمة عن أمته، وصلاح جميع شؤون أمته، وأن ينفعنا بأمته عامة وخاصتهم خاصة، ويجعلنا في خيار هذه الأمة، ويثبتنا على الاستقامة، ويتحفنا بأنواع الكرامة، ويختم لنا بأكمل حسنى وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
18 صفَر 1448