(447)
(628)
(368)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)}
الإثنين 17 ذو القعدة 1447هـ
الحمدُ للهِ مُكرمِنا بوحيهِ وتنزيلِهِ، وبيانِهِ على لسانِ عبدِهِ ورسولِهِ، الذي أَذِنَ بتقديمِهِ وتكريمِهِ وتفضيلِهِ، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ في دربِهِ وتابعَهُ في نيتِهِ وقصدِهِ وقيلِهِ، وعلى آبائِهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمرسلينَ الدَّالينَ على اللهِ، والمُبيّنينَ لشرائعِ اللهِ، والهادينَ إلى مرضاةِ اللهِ، وعلى آلِهم وصحبِهم وتابعيهم، وعلى الملائكةِ المقربينَ، وعلى جميعِ عبادِ اللهِ الصالحينَ، وعلينا معهم وفيهم، إنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمينَ.
أمَّا بعدُ،،
فإنَّنا في نعمةِ تدبُّرِنا لكلامِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى، وتأمُّلِنا لتوجيهاتِهِ وتعليماتِهِ وتنبيهاتِهِ مِمَّا أنزلَهُ على قلبِ خيرِ بريَّاتِهِ، انتهينا في سورةِ الحجِّ إلى قولِهِ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)).
يقولُ: (وَلَا يَزَالُ) أهلُ الكفرِ أمامَ القرآنِ المُنزَلِ على سيدِنا محمدٍ ﷺ ورسالتِهِ التي جاءَ بها وبلاغِهِ، (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ) لِمَا يطرأُ على أذهانِهم من التشكيكِ والتلبيسِ والتدليسِ ووسوسةِ إبليسَ؛ فذلكَ هو الوسائلُ والأسبابُ التي يحصلُ بها الانحرافُ والانجرافُ وراءَ الأوهامِ والخيالاتِ، ورفضِ الحقِّ والهدى والدينِ -والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى- والانتكاسِ إلى متابعةِ الأهواءِ والشهواتِ.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ) في شكٍّ والتباسٍ، (حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً):
(أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)) حتى يُعاينونَ الأمرَ بحقيقتِهِ وأحقِّيّتِهِ كما هو؛ وذلك بانكشافِ الغطاءِ وصدورِ الحكمِ في يومِ القيامةِ.
(أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)) هو يومُ القيامةِ، وتعرَّضَ منهم مَن تعرَّضَ:
ويومُ بدرٍ وُصِفَ أيضًا بأنَّ فيهِ عذابَ يومٍ عقيمٍ لهؤلاءِ بقتلِ السبعينَ وأسرِ السبعينَ وفرارِ البقيةِ، وعُقمُهُ بأنَّهُ لم يأتِهم بعدَهُ ليلٌ إلا وقد قُتِلَ هؤلاءِ وأُسِرَ هؤلاءِ وفرَّ هؤلاءِ، فهو اليومُ نفسُهُ وما سَبَّبَ بقتلِ هؤلاءِ من كبارِهم وزعمائِهم بعُقمِ الكثيرِ منهم من بعدُ.
والذينَ قالوا إنَّ معنى اليومِ العقيمِ هو يومُ القيامةِ نفسُهُ؛ لأنَّهُ اليومُ الذي لا ليلَ بعدَهُ، فكلُّ يومٍ يخلفُهُ ليلٌ فيعقبهُ، ولكنَّ هذا لا عقبَ لهُ، فهو عقيمٌ.
كما يُطلقُ أيضًا لفظُ العقيمِ:
ولكن يأتي بهذهِ المعاني:
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ)، ولكن قد تقدَّمَ معنا حالُ المؤمنينَ والكفارِ في قولِهِ: (لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) -من التلبيس والتشكيك- (فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) -جعلنا اللهُ وإياكم منهم- (أَنَّهُ الْحَقُّ) أي القرآنُ المنزلُ والدينُ الذي جاءَ بهِ النبيُّ محمدٌ ﷺ والرسالةُ التي حملَها حقٌ، أنه الحق الثابت (مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54)).
وهذا في جميعِ الأممِ الذينَ قبلَنا، ما يُوحى إلى أنبيائهم أن يقفوا معهم أحدَ هذهِ المواقفِ، (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا) في أمةٍ بعدَ أمةٍ (فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55))، وعذابُ اليومِ العقيمِ الذي يشملُ الكلَّ من هؤلاءِ هو يومُ القيامةِ.
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، مظهرُ المُلكِ والحكمِ، لهُ صورٌ ومجازاتٌ ومظاهرُ في الدنيا، يتغلَّبُ على النفوسِ الرغبةُ فيها والمنافسةُ عليها؛ مُلكٌ وحكمٌ. يقولُ اللهُ: هذا الملكُ الصوريُّ والحكمُ الصوريُّ ينتهي، وتظهرُ الحقيقةُ أنَّ الملكَ لواحدٍ والحكمَ لواحدٍ.
وهذهِ الصورُ كلُّها: أنا ملكُ كذا، وأنا ملكُ كذا، وأنا ملكُ كذا وأنا ملكٌ أكبرُ وأنا كذا.. تضمحلُّ، تتلاشى، تنتهي، وإذا بالحقيقةِ واقعةٌ، ظاهرةٌ بارزةٌ؛ الملكُ لواحدٍ والحكمُ لواحدٍ. (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) يعني ما كنتم فيهِ من أوهامٍ اغتررتم أيامَ الدنيا فظننتم أنَّ الملكَ لغيرِهِ.
وهذا الملكُ الصوريُّ المؤقتُ المُزمَّنُ بزمن محدود ليسَ ملكًا حقيقيًا، ولكن كنتم تَعُدُّونَهُ ملكًا وهو مع ذلكَ كانَ تحتَ إرادةِ اللهِ وقدرتِهِ:
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، وهو الذي ينادي: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ [غافر:16] أينَ ما تخيلتموهُ من صورِ المُلكِ؟ والذينَ مَلَكوا منكم كيفَ كانوا يعيشونَ؟ يعيشونَ في مظهرِ حاجتِهم وفقرِهم، حتى إذا احتاجوا للنومِ، فيطلبونَهُ ولو بالإبرِ ولو بالحبوبِ؛ مساكينُ.
هذا الملكُ؟! هذا ملكٌ هو؟! لا يقدرُ ينامُ إلا بحبةٍ أو بإبرةٍ! ويحتاجُ إلى طعامٍ وإلى شرابٍ وإلا لانتهى، ويحتاجُ إلى أن يَبولَ ويُخرجَ الفضلاتِ! هو ملك.. ملك لا بدَّ يلمسُ البولَ والغائطَ! لا بدَّ.
وبعد ذلك يجيءُ لهُ مرضٌ من هنا ومرضٌ من هنا، ويصدر قرارَ كذا وتجيءُ نتيجةٌ عكسيةٌ، ويصدر قرارَ كذا وينقلبُ عليهِ ناسٌ من جماعتِهِ وناسٌ من قومِهِ.. هذا ملكُ؟! ملكه صوريٌّ أصلًا هو! ومع ذلكَ تحتَ إرادةِ اللهِ، لا أحدٌ يقدرُ عليهِ إلا بإرادتِهِ جَلَّ جلالُهُ، وبعدَ ذلكَ ينتهي نهائيًا ولا يبقى منهُ شيءٌ؛ فيُوقنُ المؤمنُ في الدنيا، والكلُّ في الآخرةِ أنَّ الملكَ الحقيقةَ للهِ الواحدِ القهارِ.
يقولُ: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ذهبت الصورُ الفارغةُ التي عندكم، ذهبت الأوهامُ والخيالاتُ، أنا الملكُ أرسلتُ إليكم رسلي وأنزلتُ إليكم كتبي، لعبتم بأنفسِكم في الدنيا وتولّيتم واستكبرتم، خذوا الجزاءَ الآنَ: (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ).
ومِن خيرِ ما يتردّدُ على بالِ المؤمنِ تذكُّرُ هذا اليومِ، وَالَّذِينَ (نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)؛ (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) [ص:26] كما ذكرَ اللهُ في القرآنِ.
ومن أعظمِ حِكَمِ الاجتماعِ في عرفةَ تذكُّرُ ذلكَ اليومِ، وفي كلِّ ركعةٍ تقولُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة:4] ستتذكرَ ذلكَ اليومَ:
يقولُ تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) -اللهم اجعلنا منهم- (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56))؛ هذهِ نتيجةُ الحكمِ، وهذهِ غايةُ الحكمِ، تريدُ في ذاكَ اليومِ سعادةً؟ تريدُ فوزًا؟ إيمانٌ وعملٌ صالحٌ.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) في البساتينِ والقصورِ والأنهارِ والأشجارِ التي فيها من أنواعِ النعيمِ ما لا يُحدُّ ولا يُوصفُ، ضيافةُ الملكِ القديرِ لِمَن أحبَّ من عبادِهِ، اللهم اجعلنا منهم، (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56))؛ تمامُ الحكمِ، (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد:41].
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57)) مُوقعٌ في نهايةِ الإهانةِ والخزيِ والذلِّة، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى. وكلما اشتدَّ على أحدِهم العذابُ، وكانَ يُسمي نفسَهُ في الدنيا ويُلقِّبُ نفسَهُ بألقابٍ، يقولُ: "أنا العزيزُ الكريمُ"، وكلما صاحَ واشتدَّ عليهِ العذابُ يقالُ:
(ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)! الملائكةُ تضحكُ منهم وتستهزئُ بهم وتقولُ: (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، ما كنتَ تقولُ أنَّكَ كذا؟ ها خذ ذُقْ! هذهِ السلاسلُ، وهذهِ الأغلالُ، وهذا الحميمُ، وهذا الزقُومُ، وهذهِ الحَياتُ، وهذهِ العقاربُ..
(ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان:49]، هاتِ ثمن الدعاياتِ الكاذبةِ هذهِ، كنتَ تتبجَّحُ بها في الدنيا، خذ النتيجةِ هذهِ، انظر الى مستقبلك هذا! يا مَن لا أدري مَن أنت، الذي كنتَ تقولُ وتقولُ وتُلقبُ نفسَكَ بألقابٍ -والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى-.
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ) -هذا المنافقَ، هذا الكافرَ، هذا المتجبرَ، هذا المتكبرَ- (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ)؛ والحكمُ قد صدرَ ولَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وتمامُ الحكمِ في تلكَ الآياتِ: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ ۖ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [الدخان:40-56] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57))..
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
يقولُ: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ما حملَهم على مفارقةِ أوطانِهم ولا أولادِهم ولا عشائرِهم ولا مساكنِهم إلا إرادةُ وجهِ اللهِ، إلا نصرته، من أجلِ اللهِ هاجروا وخرجوا من ديارِه.
قالَ إذا فعلتم ذلكَ: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)؛ لأنَّهُ لمَّا هاجروا، وبعضُهم استُشهدَ ونزلت فيهم الآيات، ُقالَ الذينَ لم يستشهدوا: وهل لنا من الأجرِ أم لا؟ قالَ اللهُ: خرجتم من أجلي وجاهدتم في سبيلي؟ خذوا؛ (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) سواءٌ الذينَ استُشهدوا، أو الذينَ محلهم في بيوتِهم أو ماتوا وعلى فُرشِهم -ماتوا- (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)).
هكذا يقولُ اللهُ تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، اللهُ أكبر.. كما قالَ سبحانَهُ في الآيةِ الأخرى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [ال عمران:195].
وهنا يقولُ: (قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) يقولُ: حتى أنتم الذين ما كُتبت لكم الشهادةُ مباشرةً بقتالِ الكفارِ، قالَ: خروجُكم من أجلي ونصرتُكم لي ولرسولي محفوظ عندكم، وأنا صاحب الحكم سأعطيكم الجزاء على هذا (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا):
(لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58))، وإذا أرادَ اللهُ أن يرزقُ فيرزقُ على قدرِ عظمتِهِ وكبريائِهِ وقدرتِهِ وإرادتِهِ جَلَّ جلالُهُ، فيا ما أعظمَ رزقَ اللهِ الحّسنِ، اللهم ارزقنا رزقًا حسنًا في الدنيا والآخرةِ، ظاهرًا وباطنًا يا ربَّ الدنيا والآخرةِ.
قالَ: (لَيُدْخِلَنَّهُم) تمامُ الرزقِ الحسنِ، (لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ)،
(لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) قالَ في مكانٍ يرضونَهُ، لأنَّ عيشتَهم فيهِ راضيةٌ، اللهُ أكبر. (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ) [القارعة:6-7]. يرضونَ لأنَّ فيهِ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشر(لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ).
(وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.
قالَ: (مَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) وهذا الذي شرعَهُ الحقُّ تعالى:
قالَ: فإذا حصلَ مثلُ ذلكَ وأخذَ الواحدُ حقَّهُ لا لومَ عليهِ؛ لكن (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ) صارَ الطرفُ الآخرُ، مَدَّ يدَهُ عليهِ وأخذَ أكثرَ من حقِّهِ، قالَ: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ).
وذلكَ كما حصلَ لجماعةٍ من الصحابةِ عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، قاتلَهم بعضُ المشركينَ فقاتلُوهم؛ عاقبَ بمثلِ ما عُوقبَ بهِ، لقوهم في آخرِ أيامِ شهرِالله المحرمِ، فقالوا لهم المسلمونَ: هذا شهرٌ حرامٌ لا تمدوا أيديكم ولا تقاتلوا، فأبوا إلا أن يقاتلوا فقاتلوهم.
قالَ: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) يعني يقولُ: كلُّ مَن ظُلِمَ وأُخِذَ من حقِّ الغيرِ فوقَ حقِّهِ فأنا لهُ؛ أنصرُهُ وأُعطيهِ من عندي النصرةَ وما يُرضيهِ، ثم تمامُ الوفاءِ بالجزاءِ في الدارِ الآخرةِ: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)) جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ، واسعُ العفوِ والمغفرةِ.
ثم ذكرَ استقلالَهُ بتسييرِ الكواكبِ والنجومِ والأرضِ والسماءِ والليلِ والنهارِ، ومَن كانَ بهذهِ القدرةِ كيفَ لا ينصرُ المظلومَ، وكيفَ لا يُدخلُ المؤمنينَ مُدخلًا يرضونَهُ جَلَّ جلالُهُ، كما يأتي معنا تفسيرُ ذلكَ فيما يلحقُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
ثبَّتنا اللهُ وإياكم وأطالَ الأعمارَ في طاعتِهِ وطاعةِ رسولِهِ، وباركَ في أهلِ المقاصدِ الصالحات وأهلِ الرحلاتِ الطيبةِ، وفي المجتمعينَ على تعلمِ أحكامِ الحجِّ وأداءِ كيفيةِ أداءِ مناسكِهِ طلبًا لرضوانِ اللهِ، وأن يؤدُّوهُ على الاقتداءِ بمحمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ الذي قالَ: "خذوا عني مناسككم"، ليكونوا على بصيرةٍ فيما يأتونَ من واجباتٍ ومن سننٍ ومن أركانٍ للحجِّ وللعمرةِ.
تقبَّلَ اللهُ منهم وأخذَ بأيديهم وأوصلَهم بالسرورِ والأنسِ والعافيةِ، وأعادَهم بالقبولِ والرضوانِ والعافيةِ والصلاحِ والفرجِ للمسلمينَ، واجعل في وفادتِهم على بيتِهِ وعلى نبيهِ المختارِ محمدٍ ﷺ مفتاحَ فرجٍ لهذهِ الأمةِ وكشفًا للغمةِ وردًّا لكيدِ الظالمينَ والمعتدينَ والغاصبينَ والمفترينَ والكاذبينَ.. اللهم آمين.
أصلحَ اللهُ أمورَ المسلمينَ، صرفَ اللهُ شرَّ المؤذينَ، جعلنا اللهُ وإياكم من الهداةِ المهتدينَ، إنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمينَ.
وإلى حضرةِ النبيِّ اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليهِ وعلى آلهِ
الفاتحة
26 ذو القِعدة 1447